“كنعان” تتابع نشر كتاب ” بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 5)

في حلقة اليوم: 

  • لمن يوجه خطاب الرفض واستحالة التسويات المطروحة
  • ماجد كيالي ونهاية حل الدولتين
  • أحمد قطامش يدلي بدلوه
  • قطامش يضع المخرج للحالة الفلسطينية الراهنة!

■ ■ ■

 لمن يوجه خطاب الرفض واستحالة التسويات المطروحة:

 أولا: بالضرورة شكليا أن تقرأه قوى القبول – فتح والجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني الذي أصبح اسمه حزب الشعب، وفدا، وكل الأسماء (أشخاصا وتكتلات) التي توهمت بأنه من الممكن أن يحصلوا على شيء من فلسطين بالتنازلات عن حقوق الشعب الفلسطيني والتواطؤ مع الوجود الصهيوني في فلسطين والإنحناء للسياسة الأمريكة والدول الرجعية العربية.

لقد كانت قوى الرفض واعية للأمر وتعاملت معه على أنه تفريط بالحقوق الفلسطينية وأن النتائج وهم.

وكانت قوى القبول تحاول بتنازلاتها أن تحظى بلقب “معتدل” ويكون حول اسمها طنين عالي بمقدار ما تطرح مواقف انهزامية واستسلامية وتتجه لمستنقع التسويات. أي لم تكن جاهلة بالأمر، بل تقدمت له بوعي وقامت بدورها في تخريب الموقف الوطني الفلسطيني وتمكين الثقافة الإستسلامية من التغلغل إلى وعي ومفاهيم الثقافة الوطنية، وتفكيك الكفاح الوطني الفلسطيني والإرتهان إلى عطايا أمريكا والتي تمثلت أخيرا في أوسلو بحدوده المطبقة مع بقاء فلسطين كلها تحت الإحتلال.

ثانيا: وإلى قادة الرأي الوطني  الفلسطيني الذين تقع على عاتقهم مهمة تحشيد الرأي والقوى والتفافها حول القضية وأهدافها والتفافها حول قوى التحرير، فإنه يجدر بالبعض النظر على قاعدة نقدية من مواقفه السابقة وينخرط مجددا في خندق الدفاع الوطني، خندق الرفض.

ثالثا: يوجّه للعدو وأعوانه بما يفيد أن هناك صحوة وطنية تعيد الإمساك بخطوط النضال.

إن هذا الفهم ضروري للمقارنة مع طروحات الداعين الجدد لحل الدولة الواحدة وملاحظة اختلافه الجذري عن مفهوم الدولة الديموقراطية التي طرحها جورج حبش وطرحها باختلافات قادة فلسطينيين آخرين.

شركاء آخرون  لسلامة كيلة تخلصوا من حل الدولتين:

ولكن كيف تخلص شركاء آخرون من حل الدولتين وانتقلوا إلى حل الدولة الواحدة.

هناك أفكار متنوعة أوصلت إلى نفس النتيجة: لينتهِ حل الدولتين وليبق كل شيء على حاله تحت اسم مشروع حل الدولة الواحدة هذه المرة! 

 ماجد كيالي ونهاية حل الدولتين

وفي مساهماته ببيان نهاية حل الدولتين نشر ماجد كيالي على صفحته في فيس بوك في 7/12/2017م (بيان للتوقيع ..والمشاركة بالنشر والتعميم) كرسالة إلى القيادة الفلسطينية وإلى شعبنا الفلسطيني، وتحت شعار “نحو تغيير في الخيارات السياسية الفلسطينية”، حيث يؤكد على نهاية حل الدولتين نتيجة انسداد عملية التسوية التي بنيت على اتفاق أوسلو، الناقص والمجحف.

وقد استهل بيانه بالقول “بعد الخطوة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبعد انسداد عملية التسوية التي بنيت على اتفاق أوسلو، الناقص والمجحف، وبعد محاولات إسرائيل تكريس احتلالها بالأمر الواقع عبر الاستيطان وتهويد القدس ومصادرة الأراضي وبناء الجدار الفاصل، فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بانتهاج استراتيجية وخيارات سياسية جديدة…”

أي قد انتهت خيارات  التسوية الجارية بعد “اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل” وبعد وبعد.

ولكنه كان يرى أفق التسوية مفتوحا لخيار الدولتين واليوم يرى أن هذا الأفق مسدود علما أن أفق التسوية لخيار الدولتين لم يكن مفتوحا قبل هذا الإعتراف أيضا!

وهو لم يكن مفتوحا قبل هذا الاعتراف أيضا! كان هذا الخيار وبقي في رؤوس فرق التسوية، يقولون ويحللون ويهاجمون موقف الرفض ولكن الكيان والإمبريالية يقولون لهم سراً وعلانية: (على بال مين يلي بترقص في العتمة)! لكن من المعيب أن يزعموا أن العدو اهتم بهذا الخيار، هذا الزعم خداعٌ للشعب الفلسطيني.

وكان كيالي مؤيدا لخيار الدولتين بل كان ولا يزال يبرر مثل هذا الخيار فهو يقول في شباط 2011 م في منشوره في (فلسطين صحيفة الكترونية) حيث يفند الخيار اليوم ويبرر طرحه في حينه:
“في الجدل الدائر على ما تبقى من خيار «إقامة دولة فلسطينية» (في الضفة والقطاع المحتلين)، يجدر بنا الالتفات إلى ثلاث قضايا على غاية الأهمية:

أولاً، إن هذا الخيار طرح منذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد، أي منذ أن تحولت الحركة الوطنية الفلسطينية من هدف تحرير فلسطين إلى إقامة دولة في الضفة والقطاع، وهو ما بات يعرف بـ«البرنامج المرحلي». وفي حينه قبل هذا البرنامج الحل الوسط التاريخي الذي تأسس على «حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة».

وبغضّ النظر عن جدوى هذا الخيار وشرعيته وعدالته، فإن التحوّل إليه تمّ بدفع من عوامل عدة منها: اقتناع الفلسطينيين باستحالة جسر الفجوة في موازين القوى بينهم وبين إسرائيل، وإدراك الفلسطينيين أن القوى الدولية الكبرى تضمن أمن إسرائيل واستقرار وجودها وانحسار الدور العربي في مواجهة إسرائيل، ومحاولة الفلسطينيين التحايل على العوامل السابقة بالتماثل سياسياً مع الوضعين الدولي والعربي، حيث اعتبر خيار الدولة المستقلة مدخلاً لإحراج إسرائيل، سياسياً وأخلاقياً، ولكسب تعاطف الرأي العام الدولي. 
بهذا المعنى يمكن اعتبار هذه النقلة السياسية، التي تتضمن التنازل عن جزء من الوطن التاريخي، مجرد نقلة اضطرارية…” ماجد كيالي، (فلسطين صحيفة إلكترونية، شباط 2011م.)

وبعد هذا التبرير يعود كيالي إلى ضرورة القفز بنقلة أخرى في الموقف الفلسطيني معززا بذلك نهاية حل الدولتين فيقول في ذات المقال أعلاه:

 ” بناء على ذلك، وبعد هذا الزمن، ثمة مشروعية، بل ضرورة، لمراجعة هذا الخيار، لأن من غير الممكن التمسك به إلى ما لانهاية، من دون جدوى. وإذا كان البعض يرى في هذا الخيار حلاً واقعياً، لا بديل منه، فإن الزمن بيّن أن هذه الرؤية ليست واقعية، وإنها ليست أقل طوباوية من غيرها. ولعل أكبر دليل على ذلك عدم قيام هذه الدولة بعد هذا الزمن الطويل، وممانعة إسرائيل هذا الحلّ …” ماجد كيالي، (فلسطين صحيفة إلكترونية، شباط 2011م).

أي أنه ينتهي من شعار حل الدولتين مسوغا ذلك كما رأينا بـ: قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعدم تنفيذ المشروع بعد مضي هذا الزمن الطويل، وممانعة إسرائيل في هذا الحل، علما أن فكرته بالأصل طوباوية وليست واقعية. وهنا يشترك ماجد كيالي بطرح ذات الأسباب التي طرحها طارحو حل الدولة الواحدة والذين استندوا في طرحهم على فشل حل الدولتين بسبب هذه الاستعصاءات.

 ويتعرض كيالي لظروف طرح شعار الدولتين ويقارنها باتفاق أوسلو بطريقة تساهم في نسف فكرة الدولتين وأوسلو معا ولكن تمهيدا لخيار الدولة الواحدة وليس من باب نقد منهج التسويات ذاته بل تسويغا له. فهو يشرح ويفسر ظروف فكرة التسوية في مناخات حرب تشرين 1973م ووجود الإتحاد السوفييتي وحال الدول العربية ويصف المرحلة بأنها مرحلة نهوض بينما اتفاق أوسلو في مرحلة هبوط عربي ودولي والقطبية الواحدة، ويشرح مثالبه.

لنقرأ:

“في المحصلة، جاء اتفاق أوسلو متضمناً ثغرات خطيرة مثل عدم تعريف إسرائيل باعتبارها دولة محتلة، وعدم تعريف أراضي الضفة والقطاع باعتبارها أراض محتلة، وعدم تضمين الاتفاق نصاً واضحاً يتعلق بوقف نهائي للاستيطان في الأراضي المحتلة، ما نتج عنه مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة الغربية خلال عقدين من عمر عملية التسوية. وقد شهدنا أن هذا الأمر قطع تواصل أراضي الضفة، وقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة (وهو ما تنبّهت إليه القيادة الفلسطينية مؤخراً)”!!!.

ويستمر كيالي في إبداعاته وتبريراته:

“وفوق ما تقدّم فإن اتفاق أوسلو تجاهل تحديد المآل النهائي للمفاوضات، ولم يرتبط بأي مرجعية قانونية دولية؛ فضلاً عن قبول الفلسطينيين التفاوض على مرحلتين انتقالية ونهائية، وبتقسيم أراضي الضفة إلى ثلاثة أقسام (أ، ب، ج). وطبعاً فإن نتيجة هذا الاتفاق باتت معروفة، فعلى الرغم من الإجحاف، مازالت إسرائيل بعد 17 عاماً تراوح عند حدود المرحلة الانتقالية “

وبهذا يرى أن اتفاقات أوسلو زادت الأمر تعقيدا وأن تطبيقاته زادت من عقبات التوصل لحل الدولتين.”

ويعود في “ثالثا” لتخصيب فكرته عن قصور شعار حل الدولتين:

“ثالثاً، الحل المرحلي يتركز على إقامة دولة في الضفة والقطاع، ونقطة، ما يعني اختزال الحقوق الفلسطينية، وخاصة حق العودة للاجئين، وذلك ليس تعبيراً عن رغبة القيادة المعنية، بقدر ما هو نتاج اقتناعها باستحالة المزاوجة بين حقي إقامة الدولة وحق العودة، وإدراك هذه القيادة لوضعها في إطار موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية، ولرفض إسرائيل المطلق لهذا الحق، للحفاظ على وضعها كدولة يهودية..”

فالحل المرحلي يقف عند حدود إقامة الدولة ويتجاهل حقوق اللاجئين كما تجاهل مناطق 1948م، كما ورد في بند سابق من مقالة كيالي سابقة الذكر والمصدر.

وفي بيانه، يحسم أمر انتهاء حل الدولتين بدعوة القيادة للانفتاح على خيارات أخرى حيث يقول في “سادسا”:

“سادساً: التحرر من الانحصار في الخيار السياسي الأحادي، المتمثل بالدولة في الضفة والقطاع، سيما بعد إفلاس خيار أوسلو، بالانفتاح على خيارات موازية،…” بيان منشور على صفحته في الفيس بوك في 7 ديسمبر 2017م.

  أحمد قطامش يدلي بدلوه

أما  أحمد قطامش، وهو من التراث القيادي السابق في الجبهة الشعبية، فيقول في كراسة التسوية الجارية / إدارة أزمة أم حل أزمة،  الصادر عن مركز منيف البرغوثي:

” فاللهاث وراء دولة وهمية قاد لأوسلو بنتائجه الكارثية. فهناك شرائح ونخب فلسطينية تجد مصالحها الضيقة باسترضاء أمريكا، مرة بتوقيع أوسلو ومرة بتوقيع جنيف ومرة بالتهيؤ للتعاطي مع مشروع شارون لفك الإرتباط بغزة على ضبابية حدوده ومضامينه وإستحقاقاته الأمنية والسياسية بما في ذلك إطلاق أيدي الاحتلال في الضفة ، متجاهلة معاني سياسات شارون وموفاز على الأرض بتشريد آلاف العائلات الفلسطينية وهدم بيوتها في جنوب وشمال غزة ناهيكم عن إطلاق شهية القتل اليومي والإغتيال الممأسس والجدار…”

ويزيد الأمر إيضاحا بقوله في ذات المصدر: 
“إن ما يتراكم على الأرض من حقائق متنامية يجعل من شعار الدولتين محض خداع وتخدير للوعي الفلسطيني يسيل عليه لعاب بعض الدوائر التي تتطلع لمكاسب شخصية على حساب القضية الوطنية وأوضاع الجماهير التي تتدهور بانتظام بعد أن أقصيت عن الفعل السياسي، فحلّ العمل النخبوي، ولا تسمع القيادة لأوجاعها ومطالبها، فانكفأت دون هدف سياسي يقودها.”

إذن، لا تتبعوا شعار الدولتين ولا تتمسكوا به من الآن فصاعدا لأنه “محض خداع وتخدير للوعي الفلسطيني”، أما حل الدولة الواحدة فلا خداع فيه فتعالوا واتبعوه!!!

ويعمق قطامش هجمته على شعار حل الدولتين ليس من منطلق تحرير كل فلسطين كما كان موقفه سابقا بل تمهيدا للتخلي عن هذا الموقف إلى موقف جديد، فيقول:

” إن شعار الدولتين مدخل كاذب لحل كاذب”، أما أنا فأضيف وكذلك شعار الدولة الواحدة المطروح يعني أننا الهنود الحمر، ولهم البلاد ونتعايش مع إسرائيل، وإسرائيل تمتد من النهر إلى البحر.

ويؤكد قطامش أن التداخل في السكان والمصالح يحول دون الفصل بين السكان وأنه هو شخصيا لا يقبل بالفصل العنصري، ويسهب في تصوير الوضع بالأرقام والاستشهادات ثم يؤكد إمكانية التعايش بمثال لا أعرف ما هي علاقته بالموضوع  كما كان في بيروت.

لافت في هذا السياق أن نشير إلى أن حديث الرفيق قطامش هذا متقاطع تماماً مع جوهر “صرخة من الأعماق” المشار إليها أعلاه!.

وفي لقاء مع نشرة “الإتجاه ” في 6 آذار 2018م، يشارك المتحدثين عن نقل السفارة إلى القدس كسبب لسقوط لحل الدولتين فيقول في الإجابة على سؤال ما هي أبعاد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس من تل أبيب والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل؟: ” …سقط المسار التفاوضيّ وأوسلو وأوهام السلطة الفلسطينيّة ورهانها على الوسيط الأمريكيّ على امتداد ربع قرن، سقط كلّ ذلك وباتت السلطة أمام حقيقة واحدة ردّدها الشعب على امتداد السنين؛ أنّ اتفاقيّة أوسلو لا تُفضي إلى دولة، بل هي غطاء لتوسّع الاحتلال، وأنّ الرّهان على أمريكا خاسر. ..”

وفي مقالته المنشورة في “الإتجاه” في 1/تشرين ثاني 2015م يؤكد طرحه بالقول:

“كما انغلاق الأفق السياسي وقد تبخر وهم أن مسار المفاوضات الذي أستمر ربع قرن، سوف يفضي لاستقلال أو نصف استقلال أو مجرد وقف التوسع الاستيطاني الكولونيالي القافز الذي حول القدس الشرقية إلى مجرد معازل عربية محاطة بأسيجة يهودية، وتجارة مشلولة وأقصى منتهك. والضفة الفلسطينية إلى عشرات القطع التي تفصلها الشوارع الالتفافية وتحاصرها المستعمرات والجدار ووضع اليد على الأغوار، وتجويع غزة وخنقها وتدميرها في ثلاثة عدوانات في أقل من عقد من الزمن، ناهيكم عن استثناء اللاجئ الفلسطيني في الشتات (أكثر من 6 مليون) والتجمع الفلسطيني في 48 (أكثر من 1.5 مليون) من أي بحث، وهذا الأخير يواجه مشروع برافر في النقب”. وفي سياق المقال يوفق بين منظري أوسلو ومنتقديه (وهو منهم) بشعار “تجاوز أوسلو لا إلغاؤه”: تجاوز “أوسلو” وانتخاب مجلس وطني جديد:

“… ولئلا نعود إلى المربع الأول، أنا صح وأنت خطأ، مصلحتي لا مصلحتك، شرعيتي لا شرعيتك، يفيد أن يقفز العقل القيادي الفلسطيني عن الخلافات المستعصية من طراز “أوسلو” والمفاوضات من جهة ورفض “أوسلو” وخيار القتال من جهة أخرى….بالانشداد للحظة الراهنة ودرسها، الأساس الوحدة الميدانية على غرار الوحدة الميدانية في حرب المخيمات 83-1985 وإضرابات الحركة الأسيرة.”

والذهاب للآلية التي يسهل معها تجاوز “أوسلو”، أي انتخاب مجلس وطني فلسطيني كما تم الاتفاق عليه في اجتماع عمان 2012، انتخاب مجلس لا عقد دورة للمجلس الحالي الذي هو طرف في الأزمة الداخلية، وموازين القوى والميل العام في كافة الفصائل والأوساط الفاعلة تسمح بالقول أن النتائج المحتملة ستجيب على معضلة التزامات “أوسلو”، حتى أن الدورة الأخيرة للمجلس المركزي كانت أقرب لذلك، وبالتالي الوصول لتوجهات جديدة تفتح في المجال تجاوز “أوسلو”. (الإتجاه)

أي تعالوا نتجاوز أوسلو ونعمل معا. يا عالم ما هذا؟

ولماذا التفكير بأن الحراك الذي كان قائما هو انتفاضة ثالثة وهل كانت تتوفر لها أي حوافز الإنتفاض التنظيمية والقيادية؟ وقتها أنا كتبت بأنه لا توجد إنتفاضة ولا تضطر الحركات القائمة إلى انتفاضة ولكن الرفيق أحمد انخرط في الخطاب السائد للقيادات السائدة! مصالحة، إنتخاب مجلس وطني جديد، إصلاح منظمة التحرير، قيادة منتخبة للمنظمة يثق بها الناس؟؟؟؟ ما هذا؟؟؟ تقسيم المهام بين المنظمة والسلطة، إصلاحات في السلطة ؟؟!!!!!

قطامش يضع المخرج للحالة الفلسطينية الراهنة!

ولا ينسى قطامش أن يعالج الوضع الفلسطيني الراهن والتفكك والإنقسام والخلل الكبير في وضع المنظمة. وهو هنا قد استحضر جوبيتر خصيصا لهذه الغاية حيث يقول:

“إنها (انتخاب مجلس وطنيّ جديد حيثما أمكن أو التوافق) لكافة تجمعات شعبنا في الداخل والخارج، ينبثق عنه مرجعيَّة شاملة للشعب. فهو برلمان ولكن قبل تحرير الوطن. وسوى ذلك جرّبناه على امتداد دزينة سنوات (والذي يجرّب المُجرَّب عقله مخّرّب) يقول مأثورنا الفلسطينيّ.

هذا المتكأ هو قاعدة الانطلاق.” (قطامش، المصدر السابق)

إذن تعالوا لتبديل المجلس الوطني ليشكل مرجعية شاملة للشعب.

ويبدأ الرفيق  قطامش بالتغزل بالمجلس الذي لم يوجد بعد وكأنه موجود:

“والمجلس الوطنيّ يتّسع للتقاطعات والتباينات والتعايشات كما أيّ برلمان في العالم. وفيه يجري انتخاب لجنة تنفيذيَّة لها حقّ القرار ولغيرها حقّ الاعتراض. وبذلك يمكن البدء بإعادة بناء هياكل م.ت.ف كقيادة للشعب الفسلطينيّ ومرجعيَّة “لسلطة الحكم الذاتيّ المحدود” في الضفة وغزَّة”

ثم يأتي المهم.

فالكاتب يدرك أننا تحت الاحتلال “الذي لن يفيد تضخيم توصيفها وإن كان الوطن والشعب فلسطينيين. فالاحتلال جاثم على صدر الشعب والوطن” (قطامش).

ثم  يُقسّم التخصصات بأمانة ودون تحيز! بين السلطة والمنظمة:  

“سلطة تختص بالحيز المدنيّ الحياتيّ المثقل بأزمات كثيرة، أما الحيز السياسيّ فهو للمنظمة وفصائلها وللشعب وقواه الحيَّة.”

إذن الرفيق، وقد كان مع تحرير فلسطين من النهر إلى البحر مع إمكانية حل مرحلي على طريق تحرير كل فلسطين، وقد وقّع على بيان العشرين ضد السلطة من الأساس واعتقل على أثر ذلك من قبل سلطة  الحكم الذاتي المحدود، قد عاد وقدم النصائح للسلطة ودورها مع العلم أنها سلطة أوسلو الرديئة والتي وصفها كما بداية الإقتباس: “فاللهاث وراء دولة وهمية قاد لأوسلو بنتائجه الكارثية..”، وحيث لم تتغير السلطة بل تكشف لها مزيدا من السوء فما الذي جعل قطامش يقول ذلك؟

ولكن قبل سطرين فقط ذكّرنا الرفيق بأننا تحت الإحتلال!!! فكيف سيكون لقوى وهياكل ممارسة دور سياسي ضد الاحتلال سوى تحت سقفه. وحتى لو تحت سقفه فإن الاحتلال لا يحترم أوضاعاً كهذه ويسمح ويمنع على هواه وليس على هوى جوبيتر.

ثم يتساءل هذا السؤال الذي لم أجد له مكانا مناسبا في سياق حديثه.

“لماذا تعايشت بيروت مع المقاومة اللبنانيَّة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضيّ. أليس هذا درس في التعايش؟”

هل هو دعوة للسلطة للتعايش مع مقاومة بشتى أشكالها ضد إسرائيل؟ – تقسيم أدوار يعني في ظل التنسيق الأمني. وفي الحقيقة لم تتعايش بيروت مع المقاومة، بل ظل الوضع مشتبكا إلى حين أُخرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت. وكان شعار المقاومة منذ أول اشتباكات عام 1972 “الحفاظ على البندقية الفلسطينية” وهذا لم ينجح أبدا.

 المقاومة إن وُجدت  تعمل ضد إسرائيل! والسلطة تلاحقها وتخبر عنها وكل شيء مقبول! هذا هو الحال القائم ولن يتبدل بأقوال. أليس هذا هو الوهم؟ أليس هذا لهاثا وراء أوهام من بنات أفكار الكاتب؟

التصدي للمشروع التصفوي

ثم لا ينسى الكاتب أن يعرج على مهمة التصدي للمشروع التصفوي في 27 آذار 2017م  في مقاربة وذلك “بالعدة” الموجودة ولكن بعد إيجاد مرجعية شاملة كخطوة أولى. ومجرد أن يطرحها يتعامل وكأنها موجودة ويطرح عليها مهام لا تريدها ولا تحتملها، على أنها قادرة على تحمل المهمة ثم يضفي عليها الخصائص المستحيلة حيث يقول الرفيق: 

“أما وجود مرجعيَّة شاملة، كخطوة أولى (وهي المرجعية التي أوجدها أعلاه م.ف.) ، فمن شأنه إعادة الهيبة والاعتبار لـِ م.ت.ف والثقة بقيادتها المنتخبة. وأكثر من ذلك فالأغلبيَّة الساحقة مرجَّح أنْ تصبّ في طاحونة لملمة الحقل السياسيّ وخلق أوسع اصطفاف للتصدي للمشروع التصفويّ، وهذا بيت القصيد.”

أي أن الكاتب حدد الإصلاح الضروري وبعدها فإن هذا سيحصل وكأنه بشكل تلقائي. إن الكاتب يستسهل أمر المعالجة لوضع مريض يزيد مرضه على أربعين عاما!!

وهكذا يفعل نايف حواتمة.

إن الرفيق يندرج في الخطاب الفلسطيني  المتهالك السائد.

إعادة الهيبة والإعتبار للمنظمة والثقة بقيادتها المنتخبة!!! الله أكبر. إن الحل يكمن في إعادة الثقة لقيادتها لأنها منتخبة وبالطبع التي ستكون ذات العناوين، و سيلتف حولها الناس!!! كيف سيلتف حولها الناس وهي ميتة وغير قابلة للحياة، بل كل شيء فيها هالك إلا بصمتها، وبصمتها هذه مخبأة بجيب  عباس كما كانت بجيب ياسر عرفات ويستخرجها للبصم على ما يريد وعند اللزوم وليس لقيادة الشعب الفلسطيني سياسيا وكفاحيا. والإصلاح هذا قد لا يحصل أبدا ولن يحصل!!! فالمنظمة ليست مؤهلة لقيادة الشعب الفلسطيني حتى بهذه الإصلاحات المذكورة. وليست لها شرعية القيادة، إذ كانت لها شرعية وهي تلتزم بالكفاح المسلح، أي شرعية نضالية، وحين تخلت عن النضال والمشروع ، لم تعد هناك شرعية لها، وتحديداً لا شرعية انتخابية لأنها ليست منتخبة.

إذن لا بد من حلول أخرى تعطي ثقة الجماهير للقيادة.

لا يهم. فالكاتب وضع الحل “وكما يقول الطبيب، عملت ما عليّ والباقي على ألله”. قلت ما لدي وانتهى الأمر.

ثم أن الأغلبية الساحقة (ما هذه الأغلبية) ستصب في طاحونة لملمة الحقل السياسي. ما هو هذا الحقل السياسي؟ (وإذا لم تصب في الطاحونة الفلسطينية وصبت في طواحين أخرى؟) يريدنا الكاتب أن نرى الحل جميلا وننام على صوت طاحونته، وهو يتغافل عن النضال الذي يحتاجه إنتاج قيادة جديدة وطليعية كسهم تشق طريقها وتنال تعاطف وتأييد الجماهير الفلسطينية والعربية بصوت كفاحها دون حاجة أبدا لموافقة النظام العربي الرجعي الرسمي القائم، ودون موافقة إسرائيل على كل خطوة من خطواتها كما هو الحال اليوم.

إن قيادة المنظمة الحالية ومعها مجموع الدول العربية لا توافق على أية إصلاحات جذرية للمنظمة تضعها في موضع كفاحي ومجابهة مع الإحتلال. فوضعية المنظمة بشكلها القائم حاليا هو نتاج تضافر جهود قيادتها المهادنة ودعم وتشجيع النظام العربي الرسمي الرجعي القائم.

ثم لماذا كل هذا الإستسهال: فمن هي الجهة التي ستقرأ مشروعك هذا وتذهب ركضا وعلى عجل  من أجل الإعداد لتنفيذه، وتنفيذه كما تريد وبالشكل الذي تريد؟

إن منظمة التحرير ليست بحاجة إلى إصلاحات من وجهة نظر أصحابها. وفشلت محاولات عديدة لإصلاحها طوال عقود مضت، من قبل مكوناتها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفصائل كافة بما فيها فتح وحماس قد طرحوا مشروع انتخاب مجلس وطني حيث أمكن والتوافق في الأماكن التي يصعب فيها الإنتخاب وذلك منذ  مدة طويلة ولم يحصل شيء من هذا.

إن استعارة هذه الطروحات ليس أكثر من اندماج في الخطاب الفلسطيني الدارج بالأقوال وليس بالأفعال.

 بعد ذلك، لمن تُوجّه دعوة الإصلاح هذه ولملمة الحقل الفلسطيني وتقسيم المهام بين سلطة التنسيق الأمني المقدس (والتي تنسق أمنيا مع 83 دولة في العالم وعلى رأسها إسرائيل وأمريكا) والتي تصبح بمرجعية المنظمة بدلا من مرجعية بيت إيل القائمة حاليا، وهي كما تعلم ويعلم الجميع هي من تابعية بيت إيل وسبق لصائب عريقات وهو من أهل البيت أن صرح بحق بأن (يؤاف مردخاي) هو مسؤول ومرجعية السلطة وبيت إيل مرجعية الجميع. هذا من زمان وكرره صائب عريقات حديثا.

عريقات خلال مقابلة مع القناة الثانية ضمن تقرير بث الليلة الماضية  ليلة الأربعاء 20/2/ 2017م  قال:
“ربما أُغضب رئيسي لكن الرئيس الحقيقي للفلسطينيين هو وزير الجيش ليبرمان ورئيس الوزراء الحقيقي هو منسق الأنشطة الحكومية يؤاف مردخاي “

 والكاتب يعرف تماما أن السلطة هي بقيادة الإدارة المدنية في بيت إيل ولم يتغير شيء على ما يعرف الكاتب. ولن يتغير شيء بالتوافق على تشكيل مجلس وطني يضم حماس والجهاد الإسلامي إلى العضوية الموجودة في القيادة والقاعدة.

وتكون المنظمة التي تشكلت على مقاسٍ ما  مسؤولة عن العمل السياسي والتصدي للمشروع التصفوي ؟

كثيرون مثل قطامش توجهوا “لأبانا القيصر” القائد الفرد من أجل إصلاح المنظمة وإتمام المصالحة بين فتح وحماس من أجل “محاربة” إسرائيل!! ولكن أبانا القيصر هو صاحب مشروع مختلف ولا يرى حاجة لتمثل مشاريع أشخاص آخرين.

حتى أن هذا الطرح لم يرق إلى مستوى التحريض على السلطة وبرنامجها، ولا إلى خلق مناخات لإصلاح المنظمة.

إنه كما سنرى لاحقا في إطار تحديد هوية جديدة للكاتب على أنقاض تجربته السابقة.

________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.