البرازيل بعد انتخابات، الطاهر المعز

ينقسم النص إلى قسمين، ويتضَمّنُ القسم الأول تعليقًا عن نتائج الدور الثاني لإنتخابات العامة في البرازيل (يوم 28 تشرين الأول/اكتوبر 2018) ويتضمن القسم الثاني، فقرات حُرِّرَتْ كمادّة إخبارية لنشرة الإقتصاد السياسي الأسبوعية، وحُرِّرت أثناء الحملة الإنتخابية، قبل صدور النتائج النهائية، وقبل الدور الثاني للإنتخابات الرئاسية والنيابية…

تكمن أهمية البرازايل في اتساع مساحتها وارتفاع عدد سكانها وفي أهمية دورها الإقتصادي والسياسي في أمريكا الجنوبية، وفي انتمائها لمجموعة “بريكس” التي تهدف إلى تأسيس إطار يجمع دولاً تعمل على تحقيق التنمية، بعيدًا عن الشروط المجحفة لصندوق النقد الدولي، وبعيدًا عن هيمنة الولايات المتحدة وعُمْلَتُها الدولار، ولكن انتصار اليمين المتطرف يقلب المُعادلة، ويُشِير إلى تفكيك مجموعة “بريكس” وإلى تيْسِير عملية استفراد الولايات المتحدة بما تَبَقّى من أنظمة تقدّمية في جنوب القارّة الأمريكية، بعد فوز اليمين المتطرف أو الليبرالي في البرازيل (أكبر دولة وأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية)، بعد الأرجنتين (ثاني أكبر دولة وثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية)، بالإضافة إلى الحكومات اليمينية الأخرى، في غواتيمالا وكولومبيا وغيرها…

أعلنت وسائل الإعلام، بعد إغلاق مكاتب الإقتراح بوقت قصير، فوز الضابط المتقاعد، ومُرشّح اليمين المتطرف “جاير بولسونارو”، بنسبة فاقت 55% من أصوات الناخبين (147 مليون يَحُقُّ لهم المُشاركة في عملية التّصْويت) على منافسه “فرناندو حَدّاد” من “حزب العُمّال”، وليس من باب الصدفة أن يكون “دونالد ترامب” من أوائل المُهَنِّئِين، إذ توجد قواسم مشتركة عديدة بين الرّجُلَيْن، وتوصف تصريحات “بولسونارو” بالعنصرية والعِرْقِية، وبالتّحْرِيض ضد الفُقراء من سكان ضواحي المُدن الكُبْرى، وضد النساء والسود والمثليين، وتوعّد معارضيه، خلال الجملة الانتخابية، “بالسجن أو المنفى” إذا ما فاز بالرئاسة، ولذلك وصفته بعض وسائل الإعلام بأنه رئيس جديد غير مناسب للبرازيل، التي تعاني من الركود الإقتصادي…

لم يأت الرئيس اليميني الجديد من فراغ، وإنما مَهّدت الحملة المَسْعُورة على الرئيس الأسبق “لولا داس يلفا”، والتي ازدادت حِدّتُها ضد خليفته “ديلما روسيف”، لهذه الموجة اليمينية المتطرفة، وخصوصًا منذ أصبح رجل الأعمال الفاسد “ميشال ثامر” رئيسًا، على أنقاض حزب العمال (حليفه السابق)، ورغم اتهام قادة حزب العمّال بالفساد، فإن البحث لم يُثْبِت ثراء هؤلاء الزعماء، الذين عاني العديد منهم من الإضطهاد والسّجن والتعذيب، خلال فترة الحُكم العسكري (1964 – 1985)، أما ميشال ثامر، فقد أفلت من العقاب، بسبب الرشاوى التي وزعها (على حساب خزينة الدولة أحينًا) على نواب البرلمان وعلى بعض النّافذين في جهاز الشرطة والقضاء، وفي آذار/مارس 2018، أمر قاضي المحكمة العليا في البرازيل، بإدراج اسم الرئيس “ميشال ثامر” على قائمة الأشخاص الذين يجري التحقيق معهم في قضية فساد كبرى، وكانت المدعية العامة قد طالبت قبل ذلك بالتحقيق مع ثامر، رغم الحصانة التي يُوَفِّرُها الدّستور للرئيس من تهم جنائية ارتكبها قبل توليه منصب الرئاسة، وحقّقَ القضاء في قضية تمويل غير شرعي للحزب “الديمقراطي” (حزب الرئيس) من قبل شركة “أوديبريخت” العملاقة للإنشاء والبناء، بقيمة فاقت ثلاثة ملايين دولار، سنة 2014، أي خلال تولي ميشال ثامر منصب نائب الرئيسة، وفي بداية أيلول/سبتمبر 2018، أوصت الشرطة الاتحادية البرازيلية النيابة العامة بتوجيه تهم فساد جديدة إلى رئيس الدولة “ميشال تامر”، المُتّهَم بالإستفادة الشّخْصِيّة من الرشاوى وغسيل الأموال، كما تورّط وزير المناجم والطاقة (في حكومة ميشال ثامر، وأحد قيادِيِّي حزبه) ورئيس الديوان الرئاسي في القضية، في قضايا فساد، بمشاركة الرئيس، الذي واجَهَ تُهمًا أخرى بالفساد سنة 2017، ولكن مجلس الشُّيُوخ عَرْقَل فتح التحقيق معه…    

أعلن الرئيس الجديد “جاير بولسونارو” في خطاباته وفي دعايته الإنتخابية عن عزمه استخدام القوات المسلحة “للسيطرة على العنف في البلاد” في حال انتخابه رئيسا للدولة، وعن تقليص الإنفاق الحكومي، وإلغاء الإنفاق الإجتماعي، وخفض الضرائب، وخصخصة شركات حكومية عديده، وكان قد عبّر في السابق، وفي عدّة مناسبات عن إعجابه بالنظام العسكري الديكتاتوري الذي حكم البلاد بين 1964 و1985، واستغل استفحال الجريمة للتحريض على الفُقراء وسكان “أحياء القصدير” في ضواحي المدن، وهم أول ضحايا الجريمة التي بلغ عدد ضحاياها حوالي ستين ألف قتيل سنويًّا، معظمهم من الفُقراء ومن السّود والنقابيين ومناضلي “المجتمع المدني”، وأعلن “بولسونارو” ( في حديث لقناة “باند تي في” ) أنه يخطط “لنشر دوريات عسكرية في شوارع المدن للتخفيف من مستوى العنف، لأن البلاد في حالة حرب”، بحسب تصريحاته العديدة، وفي معرض هجومه على الفُقراء والمُعارضين لبرامجِه ومُخَطّطاتِه، ليعود الرئيس إلى مهنته الأصلية، بصفته ضابطًا متقاعدًا، عمل مع الضّباط الذين حكموا البلاد في فترة الحكم العسكري، ونجح الرئيس، خلال حملته الإنتخابية، في توجيه النّقاش نحو قضايا “الأمن والجريمة والفساد”، بدل النقاش حول النمو والقضاء على البطالة والفقر، ودافع “جاير بولسونارو”، خلال الحملة الإنتخابية على مواقفه اليمينية المتطرفة، من بينها حكم العسكر في البرازيل في الفترة 1964 – 1985، ودعوته للقتل خارج إطار القوانين والقضاء، وواجه اتهامات بالترويج للكراهية بعد تصريحاته عن المثليين والنساء والسكان السود، والفُقراء بشكل عام، كما وعد بنقل سفارة البرازيل لدى الكيان الصهيوني من تل أبيب إلى القُدْس، واتهمه خُصُومُهُ بأنه كان نصيرا للمافيا الإيطالية في البرازيل (بسبب أُصُوله الإيطالية)، وعميلا للإمبريالية الأمريكية، ويُقَسِّمُ العالم إلى قسمين: “الغرب المتطور، بقيمِه الحضارية، وبقية العالم المتخلف”، ويُصَنِّفُ البرازيل ضمن العالم الغَرْبِي المُتَحَضِّر، لكن وجب القضاء على المجرمين في أحياء القصدير، دون محاكمات، وهو يُجَسِّمُ الإنتهازية في أبْشَعِ صُوَرِها، حيث دخل البرلمان سبع مرات منذ 2003، ممثلا لأحزاب مختلفة منها، الحزب الديمقراطي المسيحي، والحزب الإشتراكي المسيحي، وحزب “الجبهة الليبرالية”، والحزب الإشتراكي الليبرالي (الذي ترشح باسمه للرئاسة)، والحزب التقدمي للإصلاح، والحزب التقدمي البرازيلي، واعتبرت وسائل الإعلام الأمريكية إنه يُشْبِهُ في تصريحاته ومخطّطاته اليمينية الرئيس الفلبيني “رودريغو دوتيريتي”، والرئيس الإنقلابي الأوكراني “بوروشينكو”، ويحظى بدعم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وأعلن “بولسونارو” في أول خطاب له بعد الإعلان عن فوزه: “لا يمكننا الاستمرار في مغازلة الاشتراكية والشيوعية والشُّعْبوية وتطرف اليسار”، متعهدا في الوقت ذاته بأن يحكم البلاد “متبعا الكتاب المقدس والدستور”، لأنه كاثوليكي يميني متطرف، يدافع عن “الأسرة التقليدية” مما جعله ينجح في كسب دعم الكنائس الإنجيلية، التي تُشرف عليها الكنائس الأمريكية اليمينية المُتطرفة…

*****

فقرات من نشرة الإقتصاد السياسي، حُرِّرَتْ قبل 28/10/2018

البرازيل – على هامش الإنتخابات العامة:

تذكير –  ارتفع عدد نواب اليمين المتطرف الذي يسمِّي نفسه “الحزب الإشتراكي الليبرالي” من ثمانية نواب إلى 52 نائب من أصل 513 مقعد في مجلس النواب، ومن صفر إلى أربعة نواب في مجلس الشيوخ من أصل 81 عضو، وحصل مرشح اليمين المتطرف في الدورة الأولى للإنتخابات الرئاسية “جايير بولسونارو” على 46% من الأصوات أو ما يعادل 50 مليون صوت، في حين حصل مرشح حزب العمال “فرناندو حداد” على 29% من الأصوات، وهي أدنى نسبة لحزب العمال في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية منذ عام 1994، وتجري الدورة الثانية للإنتخابات الرئاسية في البرازيل يوم 28 تشرين الأول/أكتوبر 2018… أ.ف.ب 09/10/18

قبل الإنتخابات، وأثناء الحملة الإنتخابية، أدْلى المرشّح للرئاسة البرازيلية اليميني المتطرّف جايير بولسونارو (63 سنة) باستمرار بتصريحات عَلَنِيّة، عنصرية استفزازية ومُعادِيَة للنساء وللأقلِّيّات، كما أبدى دائمًا إعجاباً شديداً بالحكم الديكتاتوري العسكري في البرازيل  (1964-1985) الذي اغتال المئات من المناضلين النقابيين والمُثَقّفِين ومن المُنْتمين لأحزاب اليسار، وسجن الآلاف من البرازيليين الديمقراطيين، وأضاف (يوم الجمعة 28/09/2018) إلى هذه التصريحات تهديدًا جديدًا بأنه لن يعترفَ بنتائج الانتخابات في حال لم يتم انتخابه، مما يعني انقلابًا على قواعد “اللعبة الديمقراطية” التي تَسْمَحُ له بالتّرَشُّح، إذا لم تكن في صالِحِهِ، وأثارت تصريحاته ضد النساء ردود فعل عديدة، من بينها تنظيم مُظاهرة (يوم السبت 29/09/2018) ضَمّت آلاف النساء البرازيليات في مدن عديدة، من بينها “ريو دي جانيرو” و”ساو باولو” و”برازيليا”، وثمانين مدينة أخرى في البلاد، في تجمعات حاشدة، احتجاجًا على دعوة مرشح اليمين المتطرف لاستخدام العنف والدعوة إلى العنصرية والتّمييز بين المواطنين، والإنتقاص من قيمة المرأة، قبل أسبوع واحد من تاريخ الدور الأول للإنتخابات الرئاسية (07/10/2018)، وفق موقع “جي 1” الإخباري الالكتروني الذي استَقَتْ منه وكالة الصحافة الفرنسية أخْبارها… سبق لمرشح اليمين المتطرف الحط من قيمة المواطنين السود، والنساء، وتبرير الفجوة الكبيرة في الأجور بين النساء والرجال، وعبَّر عن معارضتِهِ توظيف النساء “إذا كان من المحتمل أن يحملن” بالإضافة إلى تصريحات تُمَجِّدُ الفاشية والعنف ضد الفُقراء والعمال المُضْرِبين واليساريين. من جهة أخرى، قررت منظمات مُساندة للنساء البرازيليات تنظيم مظاهرات مناهضة للفاشية في حوالي 12 دولة أخرى، من بينها أستراليا والولايات المتحدة وكندا وفرنسا وإسبانيا والأرجنتين والبرتغال، كما قَرّر اليمين المتطرف تنظيم مظاهرة داعمة لمرشح اليمين المتطرف، دفاعًا عن الفاشية والعُنف ضد العمال والفقراء والسود والنساء… عن أ.ف.ب 29/09/18

لم يصمد حُكْم اليسار طويلا في أمريكا الجنوبية، لأسباب عديدة منها قُوة الضغط الأمريكية وعدم خروج هذا اليسار عن المنظومة الرأسمالية، وترك اليمين ورأس المال والكنيسة يتحكمون في القطاع المصرفي وفي الإعلام والتعليم وتجارة الجملة ومسالك توزيع السلع، فيما بقي اليمين الموالي لأمريكا مُؤَثِّرًا في جهاز القَضاء وفي قيادات الجيش وقوات الأمن الداخلي، وكانت هذه العوامل من الأسباب التي خلقت صعوبات جَمّة في فنزويلا، وقلاقل في بوليفيا، وعودة اليمين للحكم في عدد آخر من البلدان وأهمّها الأرجنتين وكذلك في البرازيل، عبر انقلاب برلماني وقضائي…

في البرازيل، وبقطع النّظر عن نتائج الإنتخابات التي جَرَتْ دورتها الأولى يوم الأحد 07 تشرين الأول/اكتوبر 2018، أصبح اليمين المتطرف أكبر قوة في البلاد، وكانت القوى الموصوفة ب”الوسط” و”اليمين المعتدل” قد مهّدت له الطريق، وتشمل الإنتخابات انتخاب رئيس للجمهورية وحُكّام الولايات، ونواب البرلمان الإتحادي، وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وتميزت الحملة الإنتخابية بغزو اليمين المتطرّف الساحة السياسية والإعلامية، بعد إلغاء القضاء ترشخ الرئيس السابق (في آخر لحظة، بهدف عدم إفساح المجال لخليفته بتحضير الحملة الإنتخابية) وزعيم حزب العُمّال “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، ويمثل اليمين المتطرف ضابط عسكري متقاعد، تَدْعَمُه القوات العسكرية، التي لا تزال تحتضن بعض المتأسفين على انهيار الحكم العسكري (من 1964 إلى 1987) والتيارات الدينية المتشددة، وبالأخص تيارات الإنجيليين المُتصَهْيِنين الذين حوّلوا الكنائس إلى مكان للدعاية الإنتخابية، ومن السلطات القضائية العُلْيا، ورأس المال المالي الذي تَدَخّل (حال تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي) لتعزيز قيمة العملة المحلية (ريال)، لتسهيل فوزه بمنصب الرئاسة، بذريعة إن أوساط المال والأعمال منحته ثقتها، كما دعمته الشركات الكُبْرى، وشبكات المتاجر الشهيرة، أما خصمه الرئيسي فرناندو حَدّاد (وزير سابق في حكومة حزب العُمّال، ورئيس بلدية “ساو باولو” سابقًا) فقد أعلن أنّه إذا فاز في الانتخابات الرئاسية سيقضي على أطماع الولايات المتحدة الأميركية في سلب ثروات البرازيل النفطية، وسيدْعَم سيادة البرازيل على ثرواتها المعدنية…

تَضُمّ قائمة المُسجّلين 147 مليون ناخب برازيلي (امتنع 20% منهم عن التصويت يوم السابع من تشرين الأول 2018، وهي أعلى نسبة امتناع عن التصويت في تاريخ البرازيل)، لاختيار رئيس البلاد وجميع الأعضاء الـ513 في البرلمان، وثلثَي الأعضاء الـ81 في مجلس الشيوخ، إضافة إلى الحكام والنواب في كافة الولايات وعددها 27 ولاية، ويعتبر مرشح اليمين المتطرف (بولسونارو) نفسه نسخة من الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، وكان أشاد مراراً بالحكم الدكتاتوري العسكري في البرازيل الذي ذهب ضحيته آلاف القَتْلى والمُصابين والمَخْطُوفين ومساجين الرأي بين سنتي 1964 و 1985 ووعَدَ ب”تطْهير النظام السياسي”، وحظي بتأييد بعض اللاعبين السابقين لفريق كرة القدم البرازيلي، ومن بينهم رونالدينيو، وكافو، ولوكاس مورا، والبطل المتقاعد لسباقات السيارات إمرسون فيتيبالدي، وهم من أصحاب الملايين الجَهَلة، ذوي مستوى ثقافي محدود جدا، ويتهرّبُ معظمهم من تسديد الضّرائب… عن فايننشال تايمز 05/10/18 + رويترز + أ.ف.ب 07/10/18

امتنع حوالي 20% من المُسَجّلِين، عن التّصويت، وحصل اليمين المتطرف على 46% من الأصوات في الدّور الأول من الإنتخابات الرئاسية، مقابل حوالي 30% ل”فرناندو حَدّاد”، مرشح حزب العُمّال، وحاز اليمين المتطرف على 52 نائب في البرلمان، فيما حصل حزب العمال على 56 نائب، إثر خسارته 12 نائبا (من 68 إلى 56 نائب) وانخفض عدد مقاعد “العمال” في مجلس الشيوخ من 12 إلى ستة مقاعد، وفشل بعض الزعماء في الفوز بمقاعد في ما كان معاقل للحزب، كما تهاوت أحزاب اليمين التقليدي، أو ما يُسَمّى “الوسط” (وهو في الواقع تليونة أخرى من اليمين)، مقابل صعود اليمين المتطرف والأحزاب المحافظة المشابهة له في أطروحاتها وبرامجها، في أكبر اقتصاد بأمريكا الجنوبية…  أ.ف.ب 08/10/18

 

البرازيل: يُمثل ارتفاع صيت “جاير بولسونارو” في البرازيل (خامس أكبر دولة مأهولة بحسب عدد السّكان)، خطرًا جسيمًا (بقطع النظر عن نتيجة الإنتخابات)، وعودة إلى مرحلة عقد السبعينيات من القرن العشرين، حيث دام الحكم العسكري في البرازيل من 1964 إلى 1985، وكانت الأنظمة العسكرية سائدة في الدول الكُبْرى، في تشيلي وفي الأرجتنين، لكن عودة الديكتاتوريات أو تمجيد الحكم العسكري تكون عبر الإنتخابات، وليس عبر الإنقلابات العسكرية، لكن “بولسونارو”، هو ضابط متقاعد، وقائد سابق للجيش البرازيلي، وله علاقات وطيدة بالعقيد “برلانت أوسترا” الذي كان يقود فرقة تعذيب، زمن الدكتاتورية العسكرية في البرازيل، ويردد بولسونارو “قد يُشكل التدخل العسكري الطريقة الوحيدة لتطهير البلاد من الفساد”، وهو دائم الإشادة بالحكام الأوتوقراطيين والعسكريين في أمريكا الجنوبية وفي البرازيل، “لأنهم أنقذوا قارّتنا من الشيوعية”، بحسب تعبيره و”حققت البلدان في عهدهم نموًّا اقتصاديًّا سريعًا، وتمكنوا من إرساء النّظام ومن تطبيق القانون، والقضاء على الفوضى”، أما في المجال الإقتصادي، فإن “بولسونارو” تحول من الدفاع عن سيطرة الدولة على الاقتصاد إلى الدّفاع عن الخصخصة وتخفيض الضرائب على الثروات وعلى الشركات، مما جلب له مساندة الرأسمالِيّين، في بلاد لم تترسّخ فيها مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون، وتسيطر على الإعلام وعلى التعليم مجموعات رأسمالية ضخمة، بينما ينخر الفساد جهاز القضاء، وتتصرف الشرطة كميليشيا، في حين بلغ عدد حالات القتل أكثر من ستين ألف سنة 2017، ووعد “بولسونارو” بتعزيز دور الشرطة، بشكل يُذَكِّرُ ب”فِرَق الموت”، ما يُنْذِرُ بمزيد الجرائم ضد الفُقراء وضد الخصوم السياسيين في عمليات تصفية جسدية وإعدامات “خارج إطار القضاء… عن “فايننشال تايمز” (بتصرف15/10/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.