الصين، رائدة الرأسمالية في القرن الواحد والعشرين؟ الطاهر المعز

المناسبة: الذكرى الأربعون لإطلاق قيادة الحزب الحاكم في الصين برنامج “الإصلاحات الإقتصادية”

 

مُلَخّص مسار أربعة عقود من “الإصلاحات”:

تأثّر اقتصاد الصين أقل من غيره بالأزمة المالية والإقتصادية لسنة 2008-2009، ولكنه تأثّر بأزمة سوق الأوراق المالية (نهاية 2015 وبداية 2016)، وأُصيِبَ نمو الإقتصاد الصيني بالتباطؤ، رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، من رفع الرواتب وتقديم الحوافز ليستبدل الصينيون من الميسورين ومن الفئات الوسطى سياراتهم وتجهيزاتهم، في إطار مخطط حكومي لدَفْعِ النّمو بواسطة الإستهلاك الدّاخلي، بدل التّعويل على الصّادرات، في مُحيط عالمي مُتأَزّم، لأن التعويل على النمو بواسطة ارتفاع حجم الصادرات قد يُؤَدِّي أثناء الأزمات العالمية إلى انخفاض كبير في الطلب العالمي، وبالتالي إلى تراكم الإنتاج الفائض عن الحاجة، وإلى انخفاض كبير في معدلات الرّبح، وعمدت حكومة الصين، في عملية استباقية (وقائية؟)، إلى دفع عملية النمو عبر تشجيع الطلب المَحلِّي، لتتجنب مثل هذه النتائج السلبية لصادراتها، وهي كما سبق وذّكّرنا، إجراءات لا تخرج عن إجراءات النظام الرأسمالي لمعالجة الأزمات، ومستمدة من نظريات وبرامج “جون مينارد كينز” لمعالجة الأزمة الكبرى (1929)، وسبق تطبيقها في أوروبا والولايات المتحدة تحت إسم “نيو ديل”…

أصبحت الصين منذ حوالي أربعة عقود (بداية ما سُمِّيَ “إصلاحات”) جزءًا من النظام الرأسمالي العالمي، وتخضع لنفس قوانين الرّأسمالية (من عملية التّراكم إلى استغلال القيمة الزائدة لعمل العُمال، واضطهاد واستغلال الشعوب وكذلك ثَرَوات البلدان في إفريقيا وآسيا، وإقامة القواعد العسكرية…)، ولذلك تتأثّر الصين حَتْمًا بالأزمات الدّورية أو الهيكلية للرأسمالية.

تزامن انخفاض أرباح القطاع الصناعي في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان مع تحولات في سياسات الصين الداخلية والخارجية التي قادها من كانوا يُعتَبَرُون خلال فترة حكم “ماو تسي تونغ”  (من 1949 إلى 1976) “الإصلاحيّون اليمينيون” في الحزب الحاكم، بداية من 1978، وتميّزت بصعود الرأسمالية (من صُلْب قيادة الحزب الحاكم، وجهاز الدّولة)، وبشكل سريع، على حساب الطبقة العاملة والفلاّحين، مما أثار توترا اجتماعيا واحتجاجات في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وبدأت بعض الأعراض السلبية للرأسمالية تظهر في اقتصاد الصين، ومن بينها ارتفاع نسبة التضخم، وبعض العجز في ميزان المدفوعات، وحاول الحزب الحاكم علاج الأزمة بتوجيه الإنتاج نحو التصدير، وخفض قيمة العُملة (يُوَان) سنة 1994، لتصبح السلع الصينية رخيصة في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى تكثيف استغلال جُهُود العُمّال لخفض تكلفة الإنتاج، وشجّعت الدولة الشركات الصناعية الأجنبية على إنشاء فُرُوع ومصانع في الصّين، وبذلك زادت هجرة المواطنين المُفَقَّرِين من الريف إلى المدينة، ليُصْبِحوا قُوّةً عاملة صناعية رخيصة، وعلى المستوى الخارجي، ارتبط اقتصاد الصين بالنظام الرأسمالي العالمي، عبر التصدير والتجارة والشركات الأجنبية والمحلية التي حوّلت الصين إلى أكبر ورشة صناعية في العالم، وتَجَرّدَت الصين من “تُهمة الشيوعية” فاعترفت الولايات المتحدة وأوروبا بأن الصين تُطبق أهم معايير منظمة التجارة العالمية، لِتُصْبِحَ عضْوًا في هذه المنظمة منذ سنة 2001…

رغم التطورات التي ألحقت الإقتصاد الصيني بالرأسمالية، حافظ النّظام على ميزة التّخْطِيط المركزي، وهو ما يُسمّى في الصين “اقتصاد السوق الإجتماعي”، حيث تحتفظ الدولة بدورها للتدخل في إعادة توزيع ثمرة النّمو (ولا علاقة لذلك بالإشتراكية) واستخدمت حكومة الصين عائدات الصادرات، ومعظمها بالدّولار، للتخفيف من حدّة الفَقْر، (بهدف تجنّب احتجاجات وانتفاضات فترة 1989 – 1992)، وأعلنت الحكومة سنة 2017 انخفاض عدد الفقراء من 250 مليون شخص سنة 1978 إلى 95 مليون سنة 2000 وإلى 29 مليون سنة 2010، وتستهدف الدولة “القضاء على الفقر سنة 2021” (انظر لاحقا)، واستخدمت الحكومة عائدات الصادرات كذلك للزيادة في حجم احتياطي العملة الأجنبية، ولزيادة حجم السُّيُولة النقدية الضرورية لتمويل الإستثمارات الضخمة، ولتقديم القروض للشركات الصينية (ومعظمها مملوك للدولة)، وفي المقابل بدأت الصين تُعاني من أمراض الرأسمالية، ومن بينها انخفاض مؤشرات سوق الأوراق المالية في “شنغهاي” ومنطقة “شنشن” سنة 2015، ثم جاء انخفاض حجم الصادرات، وبالتالي حجم الإحتياطي الإجنبي، أثناء أزمة المصارف والإقتصاد في أمريكا وأوروبا، ولكن الحكومة واصلت ضخ الإستثمارات في المشاريع الكُبْرى، فارتفع حجم الدّين العام من 148% من الناتج المحلي سنة 2008 إلى 282% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية سنة 2015، ولا يُعَدُّ ذلك بالأمر الخَطِير، نظرًا لضخامة حجم الإقتصاد الصيني، وقدرة الإقتصاد على تسديد الديون، ونظرًا لضخ جُزْءٍ هام من هذه الدّيون في شبكات الإنتاج، في الصناعة والتكنولوجيا والخَدمات، ولكن الديون تُشكّل فُقّاعة يُمكن أن تنفجر لتتحول إلى كارثة عالمية…

 

بوادر التّوسّع الخارجي الصيني:

أدّت أزمة التراكم الرأسمالي الفائض عن حاجة السوق إلى انهيار سوق الأسهم (سوق المال أو “البورصة”) سنة 1929، كما أدى هذا التراكم الفائض، على مر تاريخ الرأسمالية، إلى محاولات حل الأزمات عبر التّوسّع وغزو الأسواق الخارجية، بواسطة الشركات متعددة الجنسية (شركات صناعية أو مؤسسات مالية…) وكذلك عبر القوة العسكرية أيضًا، كما شكلت الرغبة في زيادة الأرباح عاملاً هامّا لزيادة استثمارات الشركات الصناعية “الغربية” في الصين وفي بعض دول آسيا، حيث المواد الأولية وقوة العمل الرّخيصة، وبعد عقود من استقرار شركات أمريكية وأوروبية في الصين (في قطاعات السيارات والتكنولوجيا والإتصالات…)، أصبحت الصين شريكا تجاريا رئيسيا لنحو 130 دولة، أي معظم دول العالم، وتحولت الصين (عبر الشركات المملوكة للدولة) إلى باحث عن الإستثمارات المُرْبِحة في الخارج، في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة، في جنوب شرقي آسيا وفي إفريقيا وفي أمريكا الجنوبية، حيث الرواتب المنخفضة، ثم أطلقت الحكومة الصينية مبادرة “طريق الحرير الجديدة”، بهدف الإلتفاف على الحصار الأمريكي، وبهدف تصدير السلع وفائض رأس المال المتراكم، واستثماره في البنية التحتية والطرقات والسكك الحديدية والموانئ، بهدف ربط الصين بأوروبا، عبر المحيط الهندي، وعبر آسيا الوُسْطى، وارتفعت قيمة الاستثمارات المباشرة للأسهم الصينية الموجهة للخارج من قرابة ثلاثين مليار دولارا سنة 2000  إلى حوالي 300 مليار دولارا سنة 2012، أي قبل البداية الرّسمية لأشغال “المبادرة والطريق”…

من جهة أخرى، لم تنشر الصين قوات عسكرية خارج حدودها، ولكنها بدأت منذ حوالي عشر سنوات الإعتماد على شركات أمنية (تُشَغِّلُ مُرتزقة من جنوب إفريقيا ومن أمريكا الجنوبية ومن جنود أمريكيين سابقين) لحماية شركاتها في إفريقيا وحماية العاملين الصينيين هناك (أكثر من مليون صيني في إفريقيا)، بذريعة “مكافحة الإرهاب” (من قبيل “بوكو حرام”)، وأسست الصين (عبر شركات مملوكة للدولة) بالتعاون مع مُؤَسِّسي شركة “بلاك ووتر” الأمريكية التي مارست التعذيب والقتل والإرهاب ضد الشعب العراقي، شركة مرتزقة في “هونغ كونغ” تحت إسم “مجموعة الخدمات الحُدُودِيّة” ( Frontier Services Group ) لحماية شركاتها العاملة في إفريقيا، كما بدأت الصين بإرسال قوات عسكرية متواضعة الحجم، للمساهمة في “قوات حفظ السلام” التابعة للأمم المتحدة، ثم قررت سنة 2017  إنشاء أول قاعدة عسكرية في “جيبوتي”، غير بعيد من القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية، ويندرج قرار التوسع العسكري الصيني ضمن القوانين الطبيعية لتطور الرأسمالية، وكانت حكومة الصين قد نشرت سنة 2013 كُرّاسًا (كتاب أبيض) عن دور الجيش، وورد في هذا الكُتَيِّب: ” إن أحد المهام التي أوكلتها الدولة لجيش التحرير الشعبي تتمثل في حماية المصالح الخارجية للصين”، ونُشِرَ الكتاب بمناسبة بدايات التّحَرّش الأمريكي، وإعلان الرئيس الأمريكي “باراك أوباما ” سنة 2012، إن 60% من القوة العسكرية البحرية الأمريكية ستحاصر الصين، في المحيط الهادي والمحيط الهندي، وستكون قريبة من المعابر المائية التي تمر منها صادرات ووردات الصين، لإغلاقها عند الضرورة، وأعلنت “هيلاري كلينتون”، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك (سنة 2012) “إن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنًا أمريكيا”، أي لن يكون صينِيًّا، وتعمل الولايات المتحدة على كبح التّطور الصيني وعرقلة ما سُمّي في الصين “بالحلم الصيني”، وهو برنامج حكومي “للقضاء على الفَقْر” (والفقر دائمًا نسبي، ولا يمكن القضاء عليه في مجتمع رأسمالي طبقي) بحلول سنة 2021، في الذكرى المائوية لإنشاء الحزب الشيوعي الصيني، ويستهدف البرنامج أيضًا “نهضة الصين واحتلالها المكانة الأولى بين دول العالم (اقتصاديا وسياسيا) بحلول الذكرى المائوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 2049″، وتندرج “المبادرة والطريق” (حزام واحد وطريق واحد) ضمن مراحل تحقيق هذا “الحلم”.  

الصين في القرن الواحد والعشرين:

تضم الصين قرابة 18,5% من سكان كوكب الأرض، وهي أكبر دولة مُصَدِّرَة للسلع والخدمات في العالم، ويبلغ الناتج الإجمالي الصيني قرابة عشرين تريليون دولارا، سنة 2015، وبالتّالي فهي في منافسة قوية مع اقتصاد الإمبريالية الأقْوى في العالم (الولايات المتحدة)، وتُدافع عن “حُرية التجارة” وكل “قِيَم” وقوانين وقواعد الرأسمالية الليبرالية (التي لا تحترمها أمريكا)، وعن العولمة بشكلها الرأسمالي، وهي “قيم” وقواعد نَقِيضَة لما كان يدعو له كارل ماركس أو ماو تسي تونغ، بل إن كوادر وقيادات الحرب الحاكم في الصين تعلّمت من ماركس واستوعبت قانون فائض القيمة، واستوعبت إضافات ماركس الأخرى ونقده لما جاء به الإقتصاديون الكلاسيكيون، لتستغل (قيادة الحزب والدولة) العمال والفلاحين في الصين، وكذلك خارج حدود الصين في إفريقيا وفي آسيا، بشكل فَظِيع، لا يُضاهيه سوى استغلال الشركات متعددة الجنسية، ذات المَنْشَأ الأوروبي أو الأمريكي أو الياباني…

  بدأت الصين في نشر نفوذها عبر التّمدّد في آسيا، ثم في إفريقيا والعالم، لتحقيق “مصالح الصين العليا، ولتوفير الموارد الطبيعية الضرورية لمواصلة نمو الاقتصاد الصيني” (مثلما ورد في وثائق المؤتمر التاسع عشر للحزب الحاكم)، ثم عبْر المنظمات متعددة الأطراف مثل “منظمة شانغهاي للتعاون”، ومجموعة “بريكس” وقمة “أبيك”، ومجموعة العشرين، وفق ما ورَد في وثائق المؤتمر التاسع عشر للحزب “الشيوعي” الصيني، وفي والتصريحات التي نُشِرَتْ بمناسبة الذكرى الأربعين “لإطلاق الإصلاحات الإقتصادية” (1978 – 2018)، أي التحوّل من “الإقتصاد المُخَطّط” إلى “اقتصاد السوق” (يُضِيف الإعلام الرّسمي صفة “الإجتماعي”)، وأدّت هذه “الإصلاحات” إلى تعميق الفجوة الطبقية، وإلى ارتفاع عدد الأثرياء، وجميعهم مرتبط بالحزب الحاكم، بشكل وثيق، لكن الإرتباط خَفِيّ أحيانًا…

نشر “اتحاد المصارف السويسرية” (يو بي إس) وشركة (بي. دبليو. سي) الاستشارية تقريرًا (26/10/2018) عن أثرى الأثرياء في العالم (زبائن المصارف وشركات المضاربة والإستثمار) وورد في التّقرير إن 199 شخصا على مستوى العالم انضموا إلى قائمة المليارديرات سنة 2017، وحصل ثلث هؤلاء الأثرياء على ثرواتهم من خلال الابتكار (في مجال التكنولوجيا مثل بيل غيتس ومارك زوكربيرغ) في حين كسب الباقون ثرواتهم من خلال توسيع أنشطتهم في منطقة آسيا والمحيط الهادي، ارتفعت قيمة ثروات هؤلاء الأغنياء بنسبة 19% سنة 2017، مقارنة بسنة 2016، أو ما يعادل 8,9 تريلونات دولارا، “بفضل” الإرتفاع الكبير لثروات الأثرياء في الصين (التي يحكمها حزب يسمي نفسه “شيوعي”) والذي بلغت نسبته 39% خلال سنة واحدة، وارتفع عدد مليارديرات الصين من 318 سنة 2017 إلى 373 منتصف سنة 2018، بثروة إجمالية تبلغ 1,12 تريليون دولارا، وكان تقرير “هورون” (الذي يرصد ثروات أثرياء العالم) قد لاحظ منذ سنة 2015، إن ثُلُثَ الأثرياء في الصين هم أعضاء في الحزب الحاكم (“الشيوعي”)، وإن متوسط ثروة سبعين عضو في مجلس الشعب (مجلس النواب الصيني) يتجاوز مليار دولارا…

هذه بعض نتائج أربعين سنة من “الإصلاحات”، وأهمها احتكار الثروات بين أيدي قِلّة من “أعْيان” الحزب الحاكم والدولة، في بلد يعد حوالي 1,5 مليار نسمة…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.