“كنعان” تتابع نشر كتاب “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 6)

في حلقة اليوم: 

  • أصحاب الصرخة  
  • أطروحات: محمود الشيخ، أحمد حسدية، نديم روحانا، غانية ملحيس

■ ■ ■

أصحاب الصرخة

ثم يتقدم أصحاب “صرخة وطنية ونداء من الأعماق” صبري مسلم وأمال وهدان ومن معهم في “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” برئاسة د. يحي غدار من لبنان، “ليقدموا مساهمتهم عن فشل حل الدولتين تمهيدا لحل الدولة الواحدة التي تعني التعايش مع المستوطنين، “ولكل شيخ طريقته”.

“صرخة وطنية ونداء من الاعماق

تقول الصرخة:

 “…. كم من الوقت نحتاج الى ان نبدأ بالتخلص من وهم التسويات الخيالية التي ثبت بالملموس عقم المفاوضات بشأنها وعبثية الاستمرار فيها، ..”.

أي إن المفاضات التي جرت هي من أجل التوصل إلى الدولة المستقلة، ولكنني سأقول للتوصل إلى حل “دولتين للشعبين”. إذن التسويات على هذه القاعدة هي وهم وخيال وثبت بالملموس عقمها وعبثيتها مما يفتح الباب على مشروع آخر ومبادرة أخرى من وجهة نظر أصحاب الصرخة.

ثم يدحش كاتب الصرخة عبارة حق يريد بها تمرير الباطل فيطالبنا بأن:

“وأن نقر بحقيقة كوننا ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني، ولسنا في مرحلة بناء دولة يستحيل بناؤها تحت سيطرة احتلال اقسى انواع النظم الاستعمارية الاستيطانية التي مارست سياسة التمييز والفصل العنصريين، وتفوق بأضعاف المرات قساوة سياسة هتلر النازية ودوكليرك العنصرية في جنوب إفريقيا”. هنا يهاجمون الاحتلال (يغلطون عليه) جهارا نهارا، ولكنهم يتقدمون على قطامش بقولهم باستحالة “بناء دولة يستحيل بناؤها تحت سيطرة احتلال أقسى أنواع النظم الإستعمارية الإستيطانية…”

ثم تعود الصرخة لغايتها حول فشل مشروع حل الدولتين عبر كل محطات التفاوض المذكورة أدناه:

“أولم يثبت بالتجربة الحسية بعد، ان المفاوضات مع الاحتلال منذ مدريد مروراً بأوسلو وواي ريفر وكامب ديفد وطابا والرباعية الدولية وأنابوليس لم تجلب لشعبنا سوى المزيد من القتل والدمار والاغتيالات ومصادرة الاراضي وهدم البيوت وتقطيع الاشجار وتجريف البساتين وبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري واقامة مئات الحواجز العسكرية وأبراج المراقبة الفولاذية على مداخل مدننا وقرانا ومخيماتنا الفلسطينية؟

“…. لذلك كله نرى ضرورة الانسحاب النهائي من مهزلة المفاوضات لثبوت كونها تغطي جرائم الاحتلال وتشرعنها، كما تعمق الخلافات الفلسطينية لدرجة الاقتتال الدموي، وتوحي بإمكانية حلول عادلة لا وجود لها اصلاً الا في مخيلة الواهمين ..”

والله صحيح ما ذكرته الورقة في هذه الفقرة عن أضرار المفاوضات الجارية والدمار الذي لحق بالقضية بسببها وخلالها، وكذلك الأضرار التي لحقت بنا بسبب تبني البعض لفكرة حل الدولتين.

وفي مكان آخر يرد في الصرخة مع التنظير تحذير من شعار دولتين للشعبين:

“إننا نحذر الاحرار والمناضلين من أجل حلول عادلة في فلسطين التاريخية، ومحيطها الاقليمي، من تطبيق شعار (دولتين متجاورتين في فلسطين). فهو من جهة أولى يمثل خديعة كبرى عندما يصور إقامة المعازل الإثنية في فلسطين كتعبير عن تطبيق حق تقرير المصير لسكان هذه المعازل.

ومن جهة ثانية، يمثل انفصال كيان المستوطنين وتميزهم عن السكان الاصليين القابعين في المعازل، تكريس لنظام الفصل والتمييز الإثني ( الابارتهايد) والإبقاء على طبيعة البنية الاستعمارية لكيان المستوطنين واستمرار استغلالهم للأرض ألموحدة، تحت سيطرتهم، وقوة عمل السكان الأصليين فيها”

إن حل الدولتين فوق كل عبثية التفاوض من أجله واستحالة تحقيقه هو كذلك فيما لو تحقق يكرس الفصل العنصري والعنصرية والتمييز العنصري ويضع “السكان الأصليين” في معازل ويستمر استغلال قوة عملهم.

والله هذا كلام خطير، ولكن ألم يكن أصحاب الصرخة وغيرهم يعرفون كل هذه الأضرار حينما كانوا هم بأنفسهم مع حل الدولة الفلسطينية المستقلة أو بصياغة دولتين لشعبين؟ ولكنهم هنا يحذرون من تطبيقه فيما لو تحقق.

 محمود الشيخ مع الانتقال إلى حل الدولة الواحدة

ويساهم محمود الشيخ  في مقالته المنشورة على فيس بوك في تسهيل عملية الإنتقال من مشروع الدولتين إلى مشروع الدولة الواحدة،  فهو مع حل الدولتين وفاوض نفسه ووجد أن من الأفضل أن ينتقل فورا إلى حل الدولة الواحدة:

” وفي هذا المجال اعتقد من اجل هزم مشاريعهم علينا نحن كفلسطينين التمسك بخيار حل الدولتين بهدف كسب الراي العام العالمي وتشكيل جبهة عالمية قوية تقود الصراع مع اسرائيل وتجبرها على القبول بحل الدولتين والذى أيد هذا الحل ووافق عليه ولا زال مؤمنا فيه ومن أجل فتح معركتنا العالميه ضد سياسىة نتنياهو وترامب معا وتجنيد كافة القوى العالميه لتحقيق هذا الهدف لكن بأدوات جديدة وعقول جديدة ووجوه جديدة وليس بنفس الوجوه والأدوات، أو اللجوء الى حل الدولة الواحدة ثنائية القوميه ينال الجميع حقوقاً متساويه تماما ومواطنة كامله دولة لجميع مواطنيها.” إلى هنا رأي محمود الشيخ. (عن صفحته في فيس بوك).
هكذا وينال كل ذي حق حقه وينتهي الأمر.
هكذا ينتقل الواحد من مشروع إلى مشروع حسب “الريموت كونترول” الذي يوجهه. لقد فاوض نفسه وتأمل في الموضوع جيدا ونسف حل الدولتين الذي كان يؤيده بكلمة (أو) فقط.

انظروا أعلاه، فإن محمود الشيخ قد أظهر أنه مع حل الدولتين، ولا بأس في ذلك، ولكن إن عجز لاحقا عن:

 ” فتح معركتنا العالمية ضد سياسة نتنياهو وترامب معا ولكن بادوات جديده وعقول جديده ووجوه جديدة وليس بنفس الوجوه والأدوات، فإنه سيلجأ إلى حل الدولة الواحدة ثنائية القومية ”  

يمكن بنفس الوجوه والأدوات ولكن على ما يبدو فإن اليأس من حل الدولة المستقلة كان بسبب الصعوبات، وربما يعتقد أنه لا توجد صعوبات تذكر أمام قبول إسرائيل بحل الدولة الواحدة ثنائية القومية مما اقتضى الانتقال إليه. والأصح أنه يعرف الصعوبات ولا يريد أن يشغل بالنا بها.

ولم يذكر إن كان هذا الحل بنفس الأدوات القائمة أو أنه سيجددها حسب مقتضيات هذا الحل.

أحمد حسدية ضد حل الدولتين

ويساهم أحمد حسدية بدوره في نفي حل الدولتين، ولكن حينما لا يرى أي فرصة إلى مرحلة تنفيذ هذا الحل، يرى فرصة لبقاء الحال على حاله ويدعو إلى حل الدولة ثنائية القومية بسبب هذه الإستحالة.

فقد كتب أحمد حسدية:

” أنا ايضا كنت مقتنعا الى فترة قريبة بحل الدولتين للشعبين. لكن حينما أنظر من حولي لا أرى أي فرصة للانتقال الى مرحلة تنفيذ هذا الحل. لذلك أريد أن أدعو الى حل الدولة ثنائية القومية، الذي هو حسب رأيي الحل الصائب للصراع الاسرائيلي الفلسطيني” )وطن للأنباء 1/12/2015م.(

هكذا يريد أن يدعو، وذلك كتعبير عن موقف جديد وهوية سياسية جديدة. وهو لا يكلف نفسه عناء الخوض في النضال من أجل شعاراته. فهو لم يطرح مثلا بناء تنظيم ثوري يناضل من أجل إجبار إسرائيل على التخلي عن مشروع بناء الدولة اليهودية أو يضع لها حدا، مجرد حد. هو قال كلمته وأعلن هويته السياسية المتناغمة مع المشروع الصهيوني وهذا كل شيء.

إن فشل حل الدولتين قد جعل من حل الدولة الواحدة “الحل الصائب للصراع الإسرائيلي الفلسطيني” وذلك بناء على بنات أفكاره وأفقه لا غير، أو ربما بناء على ضرورة الانتقال وحمل الهوية الجديدة والحلم بحمل (الهوية الزرقاء).

هكذا بكل بساطة بعد أن دافع عن حل الدولتين، هو وأمثاله، أربعة عقود وصلوا إلى نتيجة مفادها أنه لا يرى “أي فرصة للانتقال الى مرحلة تنفيذ هذا الحل ..” فيلقي به إلى سلة النفايات ويحمل ورقة جديدة مكتوب عليها: “حل الدولة ثنائية القومية” مؤكدا “الذي هو حسب رأيي الحل الصائب للصراع الاسرائيلي الفلسطيني”.

كل من تحدث عن مشروع الدولة الواحدة كان يبدأ حديثه “أما وقد وصل حل الدولتين إلى استعصاء كذا…” ويشرح ضخامة العقبات في طريقه والتي هي ذات العقبات في طريق أية تسوية، ثم يتهم إسرائيل بأنها تفشل الحل أو لا ترضى به ثم ينتقل إلى رفع شعار حل الدولة الواحدة! وكأن إسرائيل  ترى نفسها بهذا ملزمة بالشعار الجديد. أليس هذا تدليسا على الشعب الفلسطيني والثقافة الوطنية؟؟

نديم روحانا

أما نديم روحانا فكتب عن نهاية حل الدولتين:

«المرحلة الحالية التي تعيشها قضية الشعب الفلسطيني أوشكت على نهايتها… انتهت المرحلة التي كان من الممكن أن نعتقد فيها أن قضية الشعب الفلسطيني قابلة للحل عن طريق إقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة… الأهداف تآكلت الواحد تلو الآخر». أي أنه كان مع حل الدولتين حتى تاريخه.

ويؤكد روحانا “بحق” على ضرورة الشروع بصوغ «وعي متجدد بأن الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين الصهيونية هو صراع طويل الأمد، وأننا لا نوشك على الوصول إلى نهايته» وأن الصهيونية كحركة استعمارية كولونيالية لا يمكن أن توفر للفلسطيني العيش بكرامة في أي جزء من وطنه، وأنه لذلك لا يمكن للفلسطيني التعايش مع الصهيونية وبأنه …”

إلى هنا، فإن نديم روحانا يشخص أن المرحلة الحالية التي تعيشها القضية الفلسطينية أوشكت على نهايتها “انتهت المرحلة التي كان من الممكن أن نعتقد فيها أن قضية الشعب الفلسطيني قابلة للحل عن طريق إقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة… ” وذلك من أجل الدخول إلى صياغة البديل المتمثل بالدولة الواحدة. أي يجهز على شعار الدولتين بتأكيده بأن الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين الصهيونية هو صراع طويل الأمد… وأن الصهيونية لا يمكن أن توفر للفلسطيني العيش بكرامة في أي جزء من وطنه.

 «إذا كان الفلسطيني يرى في الصهيونية حركة كولونيالية، فإن الهدف سيكون واضحاً، وهو تفكيك النظام الكولونيالي» إلى هنا.

الفلسطيني يرى في الصهيونية حركة كولونيالية؟!

ليس هذا فقط، بل يرى الصهيونية وما جسدته على الأرض الفلسطينية من استيطان ومؤسسات وجيش تحت عنوان دولة إسرائيل التي اغتصبت أرضاً ووطنا للشعب الفلسطيني .

إن حصر المسألة في العلاقة مع الحركة الصهيونية هو مدخل له ما بعده. إنه مدخل خطير ومن أجل الإنتقال إلى الأخطر تحت عنوان الحل .

مدخل يقول أن يتخلى المستوطنون عن صهيونيتهم فلا تظل صهيونية كعقيدة وأيديولوجيا، وبالتالي لايظل ما يخشاه الفلسطيني ويسامح الصهاينة “سابقا” بعد تخلصهم من صهيونيتهم عن كل جرائمهم ولهم ما استولوا عليه من أراضي تزيد على خمسة أسداس أراضي فلسطين. إن تخلي اليهود عن الصهيونية وتخلي الدولة عن العنصرية والتمييز لايتقدم إلى تطبيق النتائج بتخلي اليهود والدولة عن الأراضي التي استولوا عليها وعن برنامج الاستيطان وتهويد  فلسطين كنتاج منطقي لهذا التخلي. هذا مع العلم أن الصراع الدموي الأساسي والرئيسي هو مع دولة إسرائيل التي تحمل السيف ضدنا وتستخدمه كل حين وليس مع الأيديولوجيا أو الحركة الصهيونية التي لا نكاد نراها .

إن تشخيص الصراع وكأنه مع الأيديولوجيا الصهيونية حصرا، وطمس ما تبقى إنما من أجل تسويغ طرح المواقف الجديدة بقفزة في الهواء.. وكأن المسألة مجرد مبادرات فكرية نظرية أو رياضة ذهنية.

ويستمر بالقول:

 وأن «المشروع الوطني الجديد لن يكتب له النجاح إذا لم يشمل الشعب الفلسطيني كله في فلسطين وفي الشتات… حيث أحد أسباب فشل مشروع الدولتين تخليه عملياً عن الشتات وعن فلسطينيي 1948. يتعين على المشروع الوطني أن يقدم الفكرة التحررية التي تحرر كل فلسطيني من القمع والاستلاب، ويوفر له الحرية والكرامة والاستقلال، ويحرر الجميع من الصهيونية ولا يتعايش معها… فكرة فلسطين الجديدة إلى العالم ترتكز على اعتمادها القيم الإنسانية والتحررية، انتهت المرحلة التي كان من الممكن أن نعتقد فيها أن قضية الشعب الفلسطيني قابلة للحل عن طريق إقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة…”

إذن فمقدماته مهما تعددت هي للوصول لهذه الخلاصة: انتهت مرحلة حل الدولتين ولتكون هذه الخلاصة مقدمة لفكرته الجديدة.

وهذا ما نناقشه من خلال أوراق أخرى رأت عقم التوجه لدولتين كتأسيس للتوجه لشعار دولة واحدة، علما أن روحانا يبقي كل شيء على حاله وفقط:

“فكرة فلسطين الجديدة إلى العالم ترتكز على اعتمادها القيم الإنسانية والتحررية، والمجاهرة بهدفها المعلن وهو تفكيك النظام الكولونيالي الاستيطاني، واستبدال النظام الصهيوني بنظام يضمن الحرية والمساواة والديموقراطية للجميع”.

(د. نديم روحانا، نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 105، شتاء 2016)

 أي تغيير النظام العنصري بنظام يقول عن نفسه أنه ليس عنصريا ويبقى كل شيء في مكانه ويكون اليهود قد تخلصوا من صهيونيتهم على يد روحانا هذا، وحينها سيقبلون بالفلسطينيين إلى جانبهم في فلسطين. فما هو تفكيك الكيان الصهيوني وكيف سيتم بناء على أطروحات روحانا ومن سبقه؟ ولماذا يطرحون تصوراتهم بناء على الصراع الطبقي في إسرائيل علما أن الطبقات الفقيرة في إسرائيل تتغذى على امتيازات النظام وأدوات عدوانه في الجيش والأجهزة الأمنية.

غانية ملحيس ونهاية حل الدولتين

وترى غانية ملحيس، وهي من أشد المتحمسين لاتفاقات أوسلو، أن حل الدولتين قد انتهى وأن فكرة الدولة القومية لم تعد ممكنة ثم تصل إلى مبتغاها، ومن أجل تخليص الشعب الفلسطيني من الأوهام والمسارات الخطأ ترى غانية ملحيس أن بيدها خشبة الإنقاذ وتقدم دعوتها:

” وإنما هي دعوة لتبصر طريق الخلاص، ببلورة مشروع نهضوي إنساني تحرري عصري» وعندها ثمة ضرورة لـ «إعادة النظر في فكرة الدولة القومية باعتبارها شكلاً وحيداً لتحقيق الحرية والعودة وتقرير المصير للشعب… بالاستعاضة عنها بمفهوم الدولة الوطنية»، مع الاعتراف بـ «حقوق المواطنة المكتسبة ليهود إسرائيل حصرياً (وليس عموم اليهود) في فلسطين، عند تخليهم عن عقيدتهم الصهيونية الاستعمارية العنصرية، والقبول بالعيش المشترك في دولة ديموقراطية عمادها المواطنة التي تكفل للجميع حقوقاً (أصيلةً ومكتسبة) متساوية في العيش الآمن الحر الكريم وتقرير المصير… ويضمن تساوي حق جميع أفراد المجتمع بالمشاركة في الحياة السياسية، وفي إدارة الشأن العام” (عن موقع مسارات(.

هي كذلك تبشر بفشل حل الدولتين وحل الدولة الفلسطينية المستقلة وترى أن الحل يكمن في دولة مشتركة مع اليهود بدلا من الدولة القومية:

 “عند تخليهم عن عقيدتهم الصهيونية الاستعمارية العنصرية، والقبول بالعيش المشترك” وهي تتجاهل أن عقيدتهم الصهيونية الإستعمارية هي أساس قدومهم واستيطانهم في فلسطين. وللحقيقة فإن البرهان الوحيد على هذا التخلي ليس قبول العيش معنا منة ورحمة بنا بل إن ترجمة هذا التخلي تكمن فقط بالرحيل ولا ترجمة أخرى. وهي كذلك تحصر الصراع مع الفكرة الصهيونية وتتغافل تماما عن جيش القوة العسكرية وكل أدوات فرض الإرادة اليهودية القائمة الآن وغدا ما لم تحصل حالة أخرى تهزم فيها دولة إسرائيل وجيشها.

من اللافت أن تخلص الصهاينة من الصهيونية قائم على توهيم الذات تماماً مثل تفكيك الكيان، أي بلا أسس وأدوات للتخلص والتفكيك، وكأن المسألة قراءة تعاويذ واعتماد رِقىً سحرية!

أما أخطر ما في أطروحات هؤلاء جميعاً فهو الابتعاد عن تناول دور النظام الرأسمالي العالمي في الصراع. فهذا النظام هو خالق الكيان الصهيوني وهو راعيه الدائم! نقول هذا لنؤكد بأنه حتى فيما لو قرر الكيان تفكيك نفسه، وهذا مجرد تخيل،  لن تسمح له الامبريالية بذلك لأنها خلقته لدور لها أساساً. وهذا يؤكد بأن الكيان يمثابة بنية من العبيد للسيد الامبريالي من رئيس الوزراء حتى عامل النظافة.

وهنا يحضرنا ما كتبه كارل كاوتسكي عن هذا النظام قبل قرابة قرن، بأن بقاءه في فلسطين مرهون ببقاء الامبريالية في المنطقة وزواله مرهون باقتلاعها.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.