التطبيع الرسمي العربي – غاز مُخْنق للشعب الفلسطيني، و”نسمة هواء” للكيان الصهيوني، الطاهر المعز

وصف التلفزيون العُماني رئيس وزراء العدو الذي استقبله السّلطان “قابوس بن سعيد” بحفاوة بالغة ب”فخامة الرئيس”، وخلال نفس الفترة كانت محطات تلفزيون العالم تنقل عن تلفزيون الإمارات رفع العلم وعزف نشيد الكيان الصهيوني، بحضور وزيرةٍ في حكومة العدو، رافقت فريقًا رياضيا (ذكرنا سابقًا إن جميع الشباب الصهاينة جنود)، وتجولت في “أبو ظبي” بكل أمان، كما رفعت “قَطَر” نفس علم العدو (مع النّشيد) احتفاءً بوفد “رياضي” صهيوني، شارك لفترة عشرة أيام في بطولة العالم للجمباز، مع الإشارة إن مشيخات الخليج لم تشتهر في تاريخها القصير جدًّا (كَدُوَيْلات أسسها الإستعمار البريطاني) بمآثرها الرياضية، بل اشتهرت بالجفاء بين الرياضة وسُكّانها، وتحطيمها الأرقام القياسية في إصابة السّكّان بأمراض سَبَبُها الخُمول وقِلّة الحركة (السّكّري وانسداد الشرايين وأمراض القلب وارتفاع الضغط…)، كما اشتهر جميع حُكّام هذه المَشْيَخات بالإنقلاب على ذويهم، للإستيلاء على العرش، واشتهروا بالعِداء الشديد للديمقراطية، وبقمع الحريات الفردية والجَمْعِيّة، في حين لم يعد الصهاينة أعداء، بل أصدقاء، يستعينون بهم ضد “العدو الإيراني” (المُسْلِم)، وحوّل هؤلاء الحُكّام أموال النفط إلى مورد لأرباح شركات الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة وفي أوروبا، وأصبحت السعودية أحد أكبر مُوَرِّدِي السلاح في العالم (إن لم تكن تحتل المرتبة الأولى)، من أجل تخريب بلدان عريقة، مثل سوريا والعراق واليمن، وقتل الشعوب العربية والمُسْلِمِين حَصْرًا…

دَشَن النّظام المَصْرِي خطوات التّطبيع الرسمي العربي (المُعْلَن)، مع زيارة السادات إلى القُدْس واتفاقيات “كمب ديفيد”، ولكن تسارعت ممارسات التطبيع العَلَنِي مع اتفاقيات أوسلو وتبادل التَّحيات والإبتسامات بين عرفات والقادة الصهاينة (إسحاق رابين وشمعون بيريز)، بإشراف الإمبريالية الأمريكية، وأدّت اتفاقيات أوسلو إلى التّنسيق الأمْنِي وإلى حماية المُسْتَوطِنِين من قِبَلِ قوات الأمن الفلسطيني، التي درّبتها وسلّحتها المخابرات الأمريكية…

أصبح هذا المناخ عاملاً مُيَسِّرًا ومُشجِّعًا على تغلغل الصهيونية في إفريقيا وعلى تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني، وروسيا والصين، وأصبح كيان العدو في وضع مُرِيح، بعد اكتشاف الغاز في سواحل فلسطين المُحْتَلّة، كما أصبح جاذبًا للإستثمارات، حيث استثمرت الصين (بالإضافة إلى الولايات المتحدة وأوروبا) في قطاعات عديدة، وأدمجت الصين مؤخرًا موانئ فلسطين المحتلة وموقعها الإستراتيجي (بين إفريقيا وآسيا، وقريبًا من سواحل جنوب أوروبا) في مشروعها المُسَمّى “مبادرة الحزام والطريق”…   

الصين والكيان الصهيوني:

جسّدت زيارة الرئيس “جيانغ زيمين” لفلسطين المحتلة (نيسان 2000) تعزيزًا للعلاقات الصينية-الصهيونية، فكانت منطلقًا لتطور العلاقات العسكرية والإقتصادية بين جهازَيْ الدّوْلَتَيْن، ومثّلت زيارة نائب الرئيس الصيني لفترة أربعة أيام كاملة، بداية من الإثنين 22/10/2018 – مصحوبا بأربعة عشر وزيرا أو مسؤولا رفيعًا، ومن بينهم وزير العلوم والتكنولوجيا، ونائب وزير الخارجية، ونائب وزير التجارة، ومؤسس متجر علي بابا الإلكتروني- تتويجًا لهذا “التّعاون”، بمناسبة اللقاء الرابع للجنة الصينية الصهيونية المشتركة “للتعاون والإبتكار”، لبحث شروط اتفاق تجارة حُرّة ومشاركة شركات صينية في مشاريع بنية تحتية ضخمة في فلسطين المحتلة (على أنقاض القُرى الفلسطينية المُهَدّمَة، وفوق أراضي السّكان الذين وقع طردُهم من النقب والقدس وغيرها) وحول شراء الصين تكنولوجيات صهيونية (أمريكية الأصل، وقع تطويرها في فلسطين المحتلة)، ومن بينها أسلحة وطائرات آلية وتجهيزات قمع الإحتجاجات، وتجهيزات “الذكاء الإصطناعي”، وأشارت صحف بريطانية إلى مشروع “مجموعة ميناء شنغهاي الدولية” (شنغهاي إنترناشونال بُورْتْ غروب) بناء “منشأة شحن تجارية جديدة في ميناء حيفا” المُحْتَلّة (تتطرق لها هذه الورقة في فقرة لاحقة)…  

ارتفعت صادرات الكيان الصهيوني إلى الصين بنسبة 62%، من 2,14 مليار دولار خلال الأشهر الثماني الأولى من سنة 2017 إلى 3,5 مليار دولارا خلال نفس الفترة من سنة 2018، فيما ارتفعت واردات الكيان من الصين بنسبة 10% من 4,45 مليار دولار خلال ثمانية أشهر من سنة 2017 إلى 4,9 مليار دولار خلال نفس الفترة من سنة 2018، وفق مكتب الإحصائيات المركزي الصهيوني، وبالنّظر إلى الإتفاقيات السابقة بين الطّرَفَيْن، يُتوقع أن ترتفع الإستثمارات الصينية في مجال الزراعة، والتكنولوجيا الدّقِيقة، في انتظار توقيع اتفاق التجارة الحرة، مما يُمثِّلَ انقلابًا كبيرًا في واقع المنطقة، حيث تندرج هذه العلاقات المتطورة، في مجالات عديدة، ضمن مبادرة “الحزام والطريق” أو “طريق الحرير الجديد”، الذي أطلقته الصين منذ سنة 2013، ويتمثل في رصد مبالغ هامة لإنشاء طرق مواصلات بحرية وبرية حول العالم، تَمُرُّ عبر آسيا، أو روسيا، وصولا إلى أوروبا الغربية، وقد تتوسع إلى إفريقيا، وأمريكا الجنوبية…

ازدهرت العلاقات بين الكيان الصهيوني والصين خلال فترة “إيهود أولمرت” (رئيس الوزراء من 2006 إلى 2009، والذي استقرّت أُسرته في شنغهاي، أثناء فترة الحكم النّازِي)، ثم تدعّمت العلاقات، أثناء المحادثات التي تجري منذ 2016،  بشأن إبْرام اتفاقية تجارة حرة بين الطّرَفَيْن، واشترت “مجموعة ميناء شانغهاي الدولية” (شنغهاي إنترناشونال بُورْتْ غروب) امتياز استغلال موانئ “حيفا” و”أسْدود” المُحْتَلّيْن (حتى سنة 2021)، حيث تعبر نسبة 90% من تجارة العدو، وتهتم الحكومة والشركات الصينية، بشكل خاص بقطاعات التكنولوجيا وصناعة الأسلحة، وقد تكون واشنطن قد سمحت بهذا التقارب بين تل أبيب وبكين، كما سمحت بإنشاء قاعدة عسكرية صينية في “جيبوتي”…

يكمن خَطَرُ العلاقات الصينية الصهيونية في ترسيخ الكيان الصهيوني كقوة إقليمية مُهَيْمِنة، ليس على فلسطين فقط، وإنما على الجزء الآسيوي من الوطن العربي (المَشْرق) إضافة إلى مصر، لتكون الهيمنة عسكرية واقتصادية (بفضل اكتشافات الغاز) وسياسية، بفضل تطبيع دُويلات الرّيع النّفطي في الخليج، زيادة على مصر والأردن وسلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله…

المراجع: صحيفة “إيكونوميست” + معهد “هدسون” الأمريكي + ترجمات فلسطينية لبعض محتويات الصحف الصهيونية من 22 إلى 25/10/2018 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.