النكتة المدهشة: مستوطنون اشتراكيون! عادل سمارة

ماذا عن يسار فلسطين و”يسار” الكيان؟
كميونة باريس:
من ثوار أمميين إلى مستوطنين عُتاة

قد لا ينتهي الجدل حول طبيعة التجمعات الاستيطانية ومآلاتها، بل تحديداً عدم تجاوز لا إنسانيتها، اي وحشتيها وخاصة عجزها عن توليد تيارات ثورية وإشتراكية فعلية رغم تطابق تطورها الصناعي مع أطروحة ماركس بشأن حصول الثورة الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعيا خاصة على يد البروليتاريا. وبالطبع، ليس هنا مجال التفصيل فيما يخص التطورات بل التغيرات التي حصلت على بنية بروليتاريا المركز عامة والمستوطنات البيضاء خاصة فيما يخص تراجع دور وعدد البروليتاريا الصناعية التقليدية ومن ثم تبلور أكثر من طبقة/شريحة عاملة في هذا البلد أو ذاك: عمال الخدمات، عمال الصناعة التقليدية وعمال الاقتصاد الجديد، وما هي آليات تجميعهم وتضامنهم لدخول مشروع ثوري.(انظر كتابنا Epidemic of Globalization, 2001 وبالفرنسية 2017. الفصل الأول.
وقد يكون أطرف ما يسمعه المرء أن زعيمة الحزب الديمقراطي الأمريكي نانسي بيلوسي تتهم الجمهوريين بأنهم يصممون التأمين الصحي لصالح الأغنياء! هذا وكأن الديمقراطي وهذه السيدة فقراء معدمون.
يشرح جيفري بايرن في كتابه عن الجزائر ( «قِبلة الثورة: الجزائر، نزع الاستعمار، ومنظومة العالم الثالث»، منشورات اوكسفورد 2016 )كيف لعب الكميونيون المنفيون إلى الجزائر دورا وحشيا ورجعياً ضد أهل البلاد وتحولوا إلى أدوات في خدمة الدولة البرجوازية التي هزمتهم ونفتهم!
“… بأن مدينة قسنطينة بقيت منيعة على الفرنسيين لما يقارب العشرة أعوامٍ بعد هزيمة ثورة الأمير عبد القادر، وشنّ البربر في اقليم القبائل ثورةً ضخمةً بعد ذك بسنوات، ولم تخرج الجزائر من تصنيفها كـ«منطقة عسكرية» حتى سنة 1870، أي بعد أربعين عاماً على الغزو، وبدء توافد المستوطنين الأوروبيين بأعدادٍ كبيرة، ما سمح بإتمام «التشكيل الاستعماري» للبلد عبر مجتمع المستوطنين والادارة المدنية، بدلاً من الجيش والقوة العسكرية”. 
أي تحول الكميونيون إلى رأس حربة لتجمع استعماري يتشكل على شكل “دولة مستوطنين” عُتاة! هل كان السبب دفاعاً عن البقاء حيث ووجهوا بمقاومة الشعب الأصلاني، كما يفعل الجندي في الحرب حيث يقتل كي لا يُقتل، وبما هم منفيين فلا فرصة للعودة إلى فرنسا ؟ . هل فقدوا وعيهم الأممي والاشتراكي؟ هل موقفهم هذا قام على عنصرية بيضاء من المستوطِن المستعمِر ضد شعب فقير لم يدخل المرحلة الصناعية؟ أم أن ضرورة الحفاظ على البقاء هي السبب في دورهم الإجرامي؟ هذا سؤال مفتوح. لا شك أن إجابته ترتبط بالجغرافيا بمعنى أن لا فرصة للحياة سوى بالصراع الدموي في هذه الحالة، وترتبط بالفكر والاستراتيجيا الاستعمارية الذي كان يعرف أن هؤلاء الكميونيين سوف يتحولون إلى أداة في خدمته حيث لا فرصة أخرى أمامهم في المرحلة الأولى على الأقل. ولا يدري المرء هل كان هؤلاء البرجوازيون الاستعماريون يعرفون أو يتنبؤون بان هؤلاء الكميونيين/المستوطنين سوف يولِّدون مستوطنين عل شاكلتهم وإلى الأبد! كما يبدو!!! وبأن الحل فقط في هزيمتهم بالعنف كما نظَّر عن حق فرانز فانون وصولاً إلى خلق أصلاني جديد ومستوطن جديد. 
كان فانون محقاً في الجزء الأول من طرحه اي وجوب ممارسة شرط العنف الثوري لهزيمة المستوطن الغاصب. لكن خلق الإنسان الجديد المستعمِر والمسعمَر، أمر يحتاج اليوم إلى نقاش موسع وعميق. وأما فيما يخص المستوطنين، فيجب تجريدهم مما نهبوا على أن يكون هذا مقدمة يجب حصولها قبل إعادة تأهيلهم إنسانياً ومنحهم نعمة الاشتراكية. 
من جهة أخرى، فإن مجرد حصول الهجرة بهدف الاستيطان تكشف عن مسألة جوهرية بأن التجمع الاستيطاني عاجز عن توليد قوة اجتماعية ثورية اشتراكية تتصالح مع أهل البلد الأصلانيين. وهذا ما نراه حتى اليوم في المستوطنات البيضاء ، الولايات المتحدة، كندا، استراليا ،نيوزيلنده والكيان الصهيوني خاصة حيث لم تتبلور قوى ثورية حقيقية ذات وزن في تلكم البلدان رغم تطورها الصناعي الكبير لا سيما وأن هذا التطور يجب أن يخدم أطروحة ماركس في الانتقال إلى الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعياً؟ بل إن المشكلة اشد تعقيداً، بمعنى أن هذه المستوطنات البيضاء، وخاصة الولايات المتحدة هي التي تقود بلدانها الأم، اي اوروبا وتلجم فرص تبلور قوى شيوعية حقيقية في تلكم البلدان مما يؤكد أن مركز الثورة المضادة هو في المستوطنات البيضاء. ولا يختلف وضع اليسار في اليابان ، المركز الثالث للإمبريالية، وخاصة في تبعيتها للمركز الأمريكي. هذا رغم أن اليابان هي عمليا محتلة أمريكياً!
وإذا كانت مختلف المستوطنات البيضاء قد بدأ الاستيطان فيها بهدف اقتصادي وتصدير قوة بشرية فائضة “وربما مجرمة كما يذكر البعض” من بلدان المتروبول، إلا أن المستوطنين اليهود في فلسطين أضافوا على الأقل ثلاثة عوامل أخرى:
الأول: أنهم أتوا بمشروع دولاني مسبقا.
والثاني: أنهم استخدموا خرافات دينية لتبرير الاغتصاب
والثالث: وهذا مثير للسخرية أنهم أتوا ك “اشتراكيين” ليقيموا دولة على أرض غيرهم!
وحتى جنوب إفريقيا التي تبنى فيها السود تصالحا تاريخيا مع البيض، لكن هؤلاء ، رغم اضطرارهم لما يسمى المصالحة لم يتخلوا عن ثقافة العنصرية والأهم بقاء الاقتصاد بايديهم حتى الأرض المغتصبة. وهذا يرتد اساساً إلى تشكُّل راسمالية سوداء فاسدة عميلة/حليفة للراسمالية البيضاء وللإمبريالية كما اتضح من تخلي مانديلا عن وعود المؤتمر الوطني الإفريقي بتغييرات جذرية اثناء حكمه ثم تتالي زعماء فاسدون على البلد.
وإذا كانت تجربة جنوب إفريقيا قد وصلت حد حلول الفساد الأسود محل التمييز العنصري الأبيض، فإن تجربة الجزائر مُعيبة أكثر حيث تحول البلد من مشروع توجه أشتراكي إلى حالة من الفساد والفقر مما أنعش قوى الدين السياسي ليصبح في أوساط شعب الثورة التي هزمت الإمبريالية قوى تقودها إيديولوجيا قوى الدين السياسي مرجعيتها الإخوان المسلمون والوهابية النفطية والتي لم يتم لجمها سوى بقوة العسكر وليس بقوة مجتمعية ثورية تقدمية بالحد الأدنى. بل انفتح السلطان السياسي منذ الشاذلي وحتى اليوم على الغرب في مشروع من التبعية سواء للفرنسي أو الأمريكي. وهنا تحضر المقارنة بين الحزب الشيوعي الكوبي على قلة الإمكانات الكوبية وبين جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي تجلس على أرض ثرية زراعياً ونفطياً!
لست أدري إن كانت هناك علاقة بين ما كتبه ماركس وإنجلز عن الجزائر وبين الدور العدائي للكميونيين كمستعمِرين في الجزائر. هل انطبع ماركس بموقفهم؟ 
ولكن ماركس نفسه كان يدرك أن معظم الكميونيين ليسوا اشتراكيين وهذا لا شك لعب دوراً في تحولهم من ثوريين بالمعنى الفضفاض الذي وضعهم فجأة في مواجهة السلطة البرجوازية المهزومة والخائنة في فرنسا إلى مستعمرين عُتاة في الجزائر. ولا يغيب عنا طبعاً أنه حتى الحزب الشيوعي الفرنسي وفلاسفة يساريين وشيوعيين من الأصل الفرنسي الاستيطاني في الجزائر قد وقفوا ضد تحرير الجزائر! هل كان يعرف هؤلاء أن الثورة الجزائرية سوف تفقد زخمها وتُحول البلد إلى شبه مستعمرة؟ ولكن حتى لو حصل هذا، فهو لا يبرر التذيُّل للاستعمار لأن الموقف التاريخي هو النضال ضد الاستعمار وضد راس المال في المركز والمحيط وصولا إلى الاشتراكية.

يفتح هذا على أمرين الصهيوني والفلسطيني:

أولاً: فيما يخص فلسطين المغتصبة بالاستيطان الاقتلاعي الذي لم يختزن تجربة وتراث وثقافة البيض الاستعمارية والعنصرية، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة المحرقة النازية المشتدة والمكثَّفة ضد الشعب الفلسطيني بمحرقة ممتدة وتحت غطاء رفض النازية! وبالطبع لم يتولد من هذا الكيان أي يسار ثوري فما بالك بشيوعي.

وثانياً: فإن كثيرا من اليسار الفلسطيني قد انتقل من التبعية للمركز السوفييتي إلى التبعية للمركز الإمبريالي في موقفه من فلسطين حيث يراوح أو يعدو ما بين حل الدولة الواحدة وحل الدولتين.

لقد هجر هذا اليسار الفلسطيني أطروحة فرانز فانون في العنف الثوري للتحرير، كما انخرط “اليسار” الصهيوني في الإيديولوجيا الصهيونية وطبعا الموقف الإمبريالي الحامي للكيان الصهيوني، وهي حماية تبدو إلى حد كبير كخضوع لإملاءات الصهيونية. 
ويبقى السؤال: على ضوء إعلان الكيان قرار “قانون القومية-بلا قومية” لم نعثر بعد على موقف من هذه التنويعات اليسارية وخاصة الفلسطينية لصالح العنف الثوري، بدل مقولة أحدهم : “كسرنا تابو التحرير الشامل” حيث لا يعرض العدو على هؤلاء سوى “الاستسلام الشامل” . 
وهو ما كان وليده السفاح دعوات الراحل سلامه كيله وجميع، نعم جميع من وقعوا على دعوته، وماجد كيالي وأحمد قطامش ولفيف يتوسع وصولا إلى أعلى درامة وهي: وثيقة” صرخة من الأعماق للتعايش مع المستوطنين في دولة واحدة”. وأيُّ تعايش!
ملاحظة: هذا من كتابي القادم: “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.