بعض مظاهر التناقضات العالمية: قراءات من نشرة الإقتصاد السياسي، الطاهر المعز

مُفارقات: ارتفع الإنفاق العسكري العالمي من 1,144 تريليون دولارا (1144 مليار دولارا) سنة 2001 إلى 1,739 تريليون دولارا سنة 2017، هذا السلاح الذي قتل ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص في اليمن، من بينهم أكثر من 2200 طفل في اليمن، وأصاب أكثر من 56 ألف شخص بجراح، بينما يُواجه أكثر من 5,2 ملايين طفل خطر المجاعة في هذا البلد، بسبب العدوان السعودي والإماراتي الذي أَدّى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 68% منذ آذار/مارس 2015، واستخدمت السعودية الغذاء والدّواء كسلاح لإخضاع الشعب اليمني، وفق الأمم المتحدة، ويحتاج 11 مليون طفلاً، أو حوالي 80% من أطفال البلاد ، للمساعدات الإنسانية، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (“يونيسيف”)، ويحتاج نحو 75% من إجمالي السّكان إلى المساعدة…

تستغل بعض الشركات والمنظمات حالات الفَقْرَ لزيادة حجم الثّروات أو للإشهار (الدّعاية)، ومنها العديد من المُنظّمات المُسَمّاة “غير حُكُومية” (وهي أحيانًا مُمَوّلة من حكومات الدول الرأسمالية الثرية بشكل مباشر أو عبر مُؤسسات أخرى)، واستغلّت منظمات “خَيْرِيّة” (“غير حُكومية”) جوع الفُقراء في بعض بلدان إفريقيا الغربية، منها النفطية مثل “نيجيريا” التي لم تَسْلَم من الحُروب ومن القلاقل، منذ 1967، بسبب ثراء باطن الأرض بالنفط، مما جعل عدد المحتاجين للغذاء بشكل ملح يتجاوز 14 مليون ( من إجمالي حوالي 120 مليون نسمة سنة 2016) واستفحل فيها الإرهاب خلال العقد الأخير، في مناطق إنتاج النّفط (صُدْفَةً؟)، واستثمرت هذه المنظمات في مشروع ابتكره بعض الشّبّان من فُقراء “أَبُوجا”، العاصمة الإدارية بنيجيريا، يتمثل في تَطْبِيق يستهدف شراء المواد الغذائية التي سوف تضطر المَتاجر (35 متجرًا في بداية البرنامج) إلى إلقائها في النفايات بعد مدة قصيرة جدًّا، وإعادة بيعها للفقراء بأسعار زهيدة، فيستفيد التُّجار من بيع أكثر من 80% من المواد التي اقتربت نهاية صلاحيتها، ولو بثمن منخفض (بدل إلقائها) ويقف الفُقَراء في طوابير طويلة جدّا أمام مقرات المنظمات “غير الحكومية” لإعادة مواد غذائية، مثل الطحين (الدقيق) أو المُعلّبات، وحتى الملابس المُسْتعملة، مما يجعل الفُقراء يثْنُون على هذه المُنظّمات، التي تُمارس التجارة، بهامش ربح ضعيف، ولكن حجم المبيعات مرتفع يُمَكِّنُ من حصول المديرين والمسؤولين على رواتب مرتفعة، ومن تشغيل الفُقراء مَجَانا (باسم العمل التّطَوُّعِي) أو برواتب ضعيفة ورَمْزِية، باسم “خدمة الفُقراء”، ويوجد في “غانا” نظام مُشابه، رغم اختلاف التّمَشِّي…

تشير دراسة نشرتها الأمم المتحدة، إلى إنتاج مُزارعي العالم ما يكفي من الطعام وزيادة لكافة سكان العالم، كل سنة، لكن الدراسة أشارت أيضًا إلى إهْدار ثلث الطعام الذي يُنْتَجُ بغرض الاستهلاك حول العالم، أو ما يُعادل 1,3 مليار طن من الطعام المُهدر سنويا، فيما يُعاني حوالي 12% من سكان العالم من الجوع، وخصوصًا الأطفال والمُسِنِّين والنساء في مناطق النزاعات أو المناطق التي فُرِضَ عليها حِصار (مثل قطاع غزّة أو اليمن)، في غياب العلاج، ويعاني نحو 4,5 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية ونقص الدواء والرعاية الصحية في “مناطق النزاعات”، ويَتوقّع التقرير وفاة نصف مليون منهم قبل نهاية سنة 2018…

ينتشر الجوع في المناطق التي تعاني من الجفاف أو من الحروب، أو الإثنين معًا، ومنها سوريا واليمن، إذْ حذرت منظمة الأغْذِيَة والزراعة “فاو” من “فجوة جوع”، قد تَحُوُل دون تحقيق هدف القضاء على الجوع في الوطن العربي بحلول 2030 وقدّرت المنظمة نسبة سكان المنطقة الذين عانوا من الجوع المزمن أو نقص التغذية بنحو 27,2% في ما أسمتها “المناطق المتأثرة بالنزاعات”، ويعاني أكثر من 80% من سكان اليمن، من وطأة العدوان السعودي ومن نقص الطعام والمياه والوقود ومن غياب الرعاية الصحية، كما يحتاج نحو 70 %أو 80% من السوريين إلى مساعدات إنسانية جراء الحرب المستمرة منذ سنة 2011، بحسب تقرير “فاو” بعنوان “نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا”، وعدد التقرير مشاكل المنطقة من “تصاعد العنف وسوء التغذية والجوع والأمراض التي يمكن تلافيها لو توفر الحد الأدنى من الرعاية الصحية، ومن ندرة المياه والتغير المناخي… وبذلك ارتفعت نسبة السكان الذين يُعانون من الجوع المزمن إلى المعدلات المسجلة في دول العالم الأكثر فقرا”… عن “فاو” + منظمة الصحة العالمية –  رويترز 18/09/18

 

ضحايا الحروب والفقر: يُغادر المُهاجرون بلادهم بسبب الحروب التي تُشْعِلُها القوى الإمبريالية، وبسبب تغيير المناخ (الجفاف والفيضانات)، وكلاهما يُؤَدِّي إلى خلق ظروف عيش قاسية، من الفقر إلى تفشي الأمراض وإلى القتل في ظروف الحرب، وتستغل عصابات التهريب والجريمة المُنَظّمة بُؤْسَ الناس وفَقْرِهم، لتنظيم الهجرة “غير القانونية”، وجني أرباح طائلة، فيما تسُنُّ برلمانات دول أوروبا وأمريكا الشمالية تشريعات جديدة تستهدف الفُقراء، مع الضغط على بلدان جنوب المتوسط ودول إفريقيا المُحيطَة بالصّحراء لإقامة محتشدات ومُعْتَقَلات ضخمة، بتمويل أوروبي، لردع من يعتزمون الهجرة نحو أوروبا (استباقِيًّا، أي قبل القيام بفِعْل الهِجْرَة)، وقامت أوروبا ببناء وتمويل مراكز للإيواء والترحيل في عدد من بلدان إفريقيا، منها ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر، بدل معالجة الأسباب الحقيقية لهذه الهجرة، وهي الحروب التي تَشُنُّها هذه الدّول واستغلال شركاتها لموارد الدول المُصَدِّرَة للمهاجرين، وزيادة أعداد الفُقراء الذي يضطرون للبحث عن موارد عيش…

تعتمد إحصائيات الهجرة غير النظامية على البيانات الرسمية بشأن أعداد الضحايا، أو المقبوض عليهم، ولا تعكس هذه البيانات سوى جزء من الحقائق، ووَصَفَتْ إحدى وكالات الأمم المتحدة لشؤون اللجوء والهجرة، عملة نقل وتهريب المهاجرين ب”الاتجار بالبشر عبر الهجرة”، وهي عملية مربحة، تُقَدّر إيراداتها السنوية لمهربي ضحايا الحرب والفَقْر من  إفريقيا الى أوروبا، ومن أميركا الجنوبية والوسطى إلى أميركا الشمالية، بنحو 6,8 تريليونات دولارا (6800 مليار دولار) سنوياً، ويتراوح إنفاق كل مهاجر (بحسب المسافة وصعوبة العُبُور) بين ألف وعشرة آلاف دولارا عن عملية التّهريب لوحدها، دون المصاريف الأخرى، فيما تَصِلُ إيرادات بعض المهربين أكثر من 60 ألف دولار أسبوعياً من هذه العمليات، عندما تكون الظروف المناخية مواتية.

قَدَّرَت الوثائق الرّسْمِيّة للإتحاد الأوروبى إن قرابة 181 ألف مهاجر عَبَرُوا البحر الأبيض المتوسط من الضفة الجنوبية إلى أوروبا خلال سنة 2016، وانطلق أكثر من 80% من المهاجرين من ليبيا، حيث تُسَيْطِرُ المليشيات المُسَلّحَة التي أنشأتها أوروبا وأمريكا وتركيا، عبر السعودية وقَطَر والإمارات ومصر، بداية من سنة 2011، بهدف تفتيت البلاد، وتنطلق بقية الرحلات من تونس، ومن مصر (إضافة إلى رحلات أخرى من الجزائر والمغرب)، وقدّرت مراكز الإيواء الأوروبية إن أكثر من أَلْف رِحْلَة انطلقت من شواطئ مصر خلال النصف الأول من سنة 2016، مما رفع عدد المُسَجّلِين لدى هذه المراكز من 344 مصري سنة 2015 إلى 2875 مصري بين شهرَيْ كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2016، ويأتي معظم المصريين من الصعيد ومن منطقة “دلتا نهر النيل”، وارتفاع عدد المهاجرين انطلاقا من السواحل المصرية خلال نفس الفترة بنسبة 104%، وأشارت الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود “فرونتكس” إلى ارتفاع كبير لعدد الشبان المصريين القادمين إلى إيطاليا واليونان وإسبانيا، منذ 2014، ليُشَكِّلَ القُصّر (أقل من 18 عاماً) نحو 60% من المهاجرين المصريين بطريقة غير قانونية، لتحتل مصر المركز الثاني بعد أريتريا في عدد المهاجرين القُصّر الذين يصلون إلى إيطاليا، وفق إحصائيات الإتحاد الأوروبي، لكن مؤسسات الإتحاد ووسائل الإعلام الأوروبية لا تُرَكِّزُ على وجود المصريين، ما دامت حكومتهم متمسكة بتطبيق اتفاقيات “كمب ديفيد” وبالتطبيع الدبلوماسي والإقتصادي مع الكيان الصهيوني وتُبالغ في تطبيق الحصار على فلسطينِيِّي غزة، ولذلك يَنْدُرُ أن تُبْعِدَ الدول الأوروبية مهاجرين غير نظاميين من مصر، بل تعمل على “شَرْعَنَةِ” إقامتهم بشكل مُتكتم، وشبه سِرِّي، بالتعاون مع سفارات مصر في أوروبا، التي تعمل على إحكام المراقبة على المهاجرين المصريين، وطالب النظام المصري من أوروبا تشجيع الاستثمار في مصر، “لتوفير وظائف ولمواجهة عصابات المهربين”…

أشارت بعض الأخبار والتّقارير إن شبكات دولية تعمل في مصر، بالتعاون مع ضباط أمن وموظفين كبار في أجهزة الدولة، ومع بعض الأعيان والأثرياء و”السّماسِرَة” في مناطق “تخزين” وانطلاق المهاجرين غير النّظامِيِّين الذي يُسَدِّدُون قرابة أربعة آلاف دولارا للفرد، بمعدل 300 مهاجر بالرحلة الواحدة… تجري أجهزة القضاء، سواء في أوروبا أو في بلدان الحوض الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط (تونس ومصر) من حين لآخر، تحقيقات أو محاكمات للمهربين وتُجّار البشر، ولكنها تُهْمِلُ مسؤولية الدُّوَل، وموظفيها بشأن حماية الحياة البشرية وتأخّر عمليات الإنقاذ، إضافة إلى تَوَرّط موظفين وضُبّاط وسماسرة ميْسورين، سواء في بلدان مَنْشَأ الهجرة غير النّظامية أو في البحر أو على الحدود البرّية، وتتمَلّصُ جميع الدول من البحث عن وسائل توفير الشّغل والكرامة لكل مُواطن في مَوْطِنِهِ، حيث أُسْرَتُهُ وجُذُورُه، لكن ذلك سوف يُؤَدِّي حَتْمًا إلى رُكُود تجارة السِّلاح وإلى “ميل رِبْحيّة رأس المال إلى الإنخفاض”، في حال استفادة مواطني إفريقيا وغيرها من مواردهم الطبيعية ومن ثرواتهم… عن تقرير منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللجوء والهجرة بعنوان الاتجار بالبشر عبر الهجرة” – أيار 2018 + موقع “السفير العربي23/09/18 (+ مقتطفات من بعض الصحف الأوروبية بين تموز/يوليو وآب/أغسطس 2018)

 

صحة – الطفولة المَغْدُورَة: أعلنت الأمم المتحدة انخفاض عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغ سن الخامسة من 12,6 مليون سنة 1990 إلى 6,3 ملايين سنة 2017، أو طفل واحد كل خمس ثوان، بسبب انعدام الرّعاية الصحية الأساسية، ونقص التّغذية والمياه النقية الصالحة للشرب، وانعدام شبكات الصّرف الصّحّي، ويُمثل الأطفال حديثو الولادة نصف الوفيات، وأكدت منظمة “يونيسيف” إن نصف وفيات هؤلاء الأطفال سنة 2017 حدثت في إفريقيا (جنوب الصحراء الكبرى)، وهي وفيات يمكن تفاديها بتوفير الكهرباء والتطعيم، وتوفير الأدوية والمياه النظيفة، وكذلك بمعالجة مضاعفات الولادة والإلتهاب الرّئَوِي والإسهال وتسمم الدم، والملاريا، لدى حديثي الولادة، وإذا ما بقيت الأمور على حالها، سوف يموت 56 مليون طفل ممن تقل أعمارهم عن خمس سنوات (نصفهم من حديثي الولادة) بحلول 2030، كما ترتفع وفيات الأطفال قبل سن الخامسة عشر إلى طفل واحد بين 13 طفلا في بلدان إفريقيا (جنوب الصحراء الكُبْرَى)، بينما تبلغ الوفيات لنفس الفئة العمرية في الدول الرأسمالية المتطورة واحد من بين 185 طفلأ، بسبب الغرق أو حوادث السّير أو بعض الأمراض، رغم تراجع العدد الإجمالي لوفيات الأطفال من سن الخامسة إلى سن الرابعة عشر من 1,7 مليون طفل سنة 1990 إلى أقل من مليون سنة 2017…

في اليمن، ومنذ بداية العدوان السعودي – الإماراتي (بالوكالة عن أمريكا) يموت طفل يمني واحد كل عشر دقائق من الجوع ومن أمراض تُمْكن الوقاية منها، بحسب تقارير يونيسيف لسنتي 2016 و 2017 وتوقعات 2018، وأدّى فرض الحصار السعودي على دخول المواد الغذائية والأدوية إلى انهيار المنظومة الصّحّيّة وإلى إلحاق الضّرر بنصف المرافق الصحية في البلاد، وإلى افتقاد المعدّات والتجهيزات الأساسية وأجهزة التنفس والدواء، بينما يواصل العاملون في المُستشفيات عَمَلَهُم بدون راتب منذ سنتَيْن، بسبب الإفتقار إلى ميزانية التّشغيل وميزانية الموظفين…

كان أطفال اليمن يُعانون من الجوع والمرض والتّقَزّم ونقص الوزن قبل الحرب، وتعكّر الوضع، منذ العدوان السعودي – الإماراتي، وأصبح الموت يتهدد، بسبب مضاعفات الحَمْل، واحدة من كل ستين امرأة يمنية حامل، وارتفع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة ليبلغ 55 لكل ألف مولود حي، أما الأطفال الباقين على قيد الحياة، فلا يستطع عدد منهم الذهاب إلى المدارس بسبب استهداف الطائرات المُعادية المدارس (تضررت 1500 مدرسة بالقصف الجَوِّي)، كما يتهدد الموتُ الأطْفالَ بسبب غياب المياه النظيفة لحوالي 50% من أطفال اليمن، مما يُسَهِّلُ تفشِّي الإسهال الحاد ووباء الكوليرا، الذي قتل أكثر من 400 طفل دون سن الخامسة سنة 2017 في بلد أصبح ما لا يقل عن 80% من سُكّانه يعيشون تحت خط الفقر…  عن الأمم المتحدة – أ.ف.ب + رويترز 18/09/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.