“كنعان” تتابع نشر كتاب “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 7)

في حلقة اليوم: 

“مساهمة” راضي الجراعي في سقوط حل الدولتين

عوض عبد الفتاح الأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي:  نحو حركة فلسطينية شعبية تتبنّى الدولة الواحدة

وقفة مع “حل الدولتين للشعبين”

مبادرة كندي عام 1961م

■ ■ ■

“مساهمة” راضي الجراعي في سقوط حل الدولتين

يبدأ راضي مقالته المنشورة في جريدة الأيام في 2/6/2013م  بعنوان “الدولة الديمقراطية الواحدة: الإجابة على أسئلة مشروعة” بالقول:

“حقا لقد أثارت انطلاقة الحركة الشعبية لدولة ديمقراطية واحدة على فلسطين التاريخية ردود فعل واسعة ومتناقضة، كما أثارت الفكرة أسئلة كثيرة منها ما أثاره الأخ العزيز حماده فراعنه ومنها أثارة غيره في الصحف والمواقع الإلكترونية وهذه ظاهرة صحية تؤدي الى اثارة الجدل حول حل الدولة الواحدة، وكما تؤدي الى تطور الفهم لهذه الفكرة وتطور الفكرة ذاتها .أما التساؤل حول إمكانية قبول إسرائيل بحل الدولة الواحدة وسماحها بنجاح خطوات الوصول الى دولة ديمقراطية واحدة، فليس لدينا وهم بأن النظام السياسي الصهيوني في اسرائيل يقبل الفكرة، …..

“ولكن هل تقبل اسرائيل بأي شيء أقل من دولة يهودية، لقد قبلت منظمة التحرير الفلسطينية بحل الدولتين، وقد انطلقت المسيرة السلمية من مدريد إلى أوسلو على أساس حل الدولتين، رغم الإجحاف الذي يلحق بالشعب الفلسطيني جراء هذا الحل، فحل الدولتين لا يعطي إجابة على مسألة اللاجئين ولا يجيب حول حقوق شعبنا في أراضي 48 والقدس والوحدة الجغرافية لأراضي الدولة الفلسطينية. ولكن عملت إسرائيل بشكل ممنهج على تدمير حل الدولتين، بحيث نرى اليوم أن حل الدولتين لم يعد ممكنا بعد أن قامت إسرائيل بتهويد القدس وزجت بأكثر من ستمئة ألف مستوطن في الضفة الغربية. وقامت بتطهير عرقي في غور الأردن فقطعت المياه عن المزارعين الفلسطينيين وهدمت بيوتهم وأجبرتهم بالقوة العسكرية على إخلاء الغور، وأقامت فيه شريطا من المستوطنات يمتد من بيسان إلى وادي عربة وبالتالي وضعت حدودها نهر الأردن. ولذلك يجب أن تقرأ الواقع في الضفة الغربية كما هو وليس كما نتمناه 
فإسرائيل لا تقبل أي شيء ولا تريد تقليص الدعم المالي للمستوطنات كما صرح به علانية بائير لابيد وزير المالية الإسرائيلي لصحيفة “نيويورك تايمز” قبل أيام.
فطالما أصبح حل الدولتين غير ممكن فما هي الخيارات المتبقية أمام الفلسطينيين، هل نعلن الاستسلام ونقبل العيش في “غيتوات” أو جزر ومعازل عنصرية كما كان حال السود في جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري، أم أننا يجب أن نفكر باستراتيجية جديدة تعطي حلاً إنسانياً وحضارياً للصراع في فلسطين التاريخية ألا وهو الحل الديمقراطي.”

وينتهي بالحل الديموقراطي “فطالما أصبح حل الدولتين غير ممكن” فلم يبق غير الحل الديموقراطي على أنقاض حل الدولتين الذي كان هو أحد أنصاره كما أنه من أعمدة أوسلو إلى فترة قريبة من كتابة مقالته. وكلمة ديموقراطي تغطي على كل العيوب فهو لا يريد حلاً ديكتاتورياً حتى نرفضه أو حلاً غير ديموقراطي حتى نشكك في مغزاه. وهناك كثيرون كتبوا بمثل هذه الصيغة 

ونختم بعوض عبد الفتاح  الذي يستهل مقالته بـ:

نحو حركة فلسطينية شعبية تتبنّى الدولة الواحدة

عوض عبد الفتاح

الأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي يقول في مقالة له 7 يناير 2018  على فيس بوك:

“بإعلانه الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الضربة القاضية لوهم حل الدولتين، ولملهاة عملية السلام، …”

إذن بخلاف كل من سبقه جاءت الضربة القاضية لفكرة دولتين لشعبين من القرار الأمريكي.

وهذا ما سبقه إليه إيلان بابه حيث قال في مقابلة مع موقع “عرب 48” في 22/12/2017، بعنوان ما هو مستقبل النضال الفلسطيني في ظل هذا الإعلان؟ وما هو مستقبل عملية السلام بصيغتها الحالية؟

يقول بابيه: “الوضع الراهن يتطلب تعريفا أكثر وضوحا لنضال التحرر الوطني. وبعد أن بنت القيادات الرسمية المستقبل على المفاوضات وعلى حل الدولتين، فإنه لن تكون هناك مفاوضات في المستقبل المنظور، والنضال يجب أن يلائم نفسه لواقع القرن الـ21. وضغط من الخارج ونضال شعبي من الداخل هو بمثابة أفكار عامة يجب تطويرها والتفكير أيضا بدمج قوى يهودية غير صهيونية داخلها” (عرب 48).

هل من الصحيح القول إن إعلان ترامب دق المسمار الأخير في نعش حل الدولتين؟

يضيف بابيه في نفس الموقع “نعم بالتأكيد، لا صلاحية ولا مستقبل لهذه الفكرة. لكن المشكلة أن البدائل غير واضحة بعد ولم يتم العمل على صياغتها بالدقة والتفصيل الكافيين، وهذا هو الوقت المناسب للقيام بذلك، ويمكن الدمج بين نموذج ثنائي القومية والدولة الديمقراطية “.

وهذا ما سبقته اليه أيضا الدكتورة ندا الغاد في تغريدة لها على فيس بوك حيث كتبت (ديسمبر، 2017):

مساء الخير اصدقائي الكرام “…
عملية السلام في الشرق الاوسط تقوم على اعتراف العالم بحل الدولتين .. وحل الدولتين يتضمن دول فلسطينية في الاراضي المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس
ونقل الولايات المتحدة سفارتها الى القدس يعني ان القدس يهودية اسرائيلية. وهذا يعني القضاء على الاساس الرئيسي لمشروع السلام المتعثر والمتجمد والذي تعارضه دولة الاحتلال
فهل غامر ترامب وينقل سفارة بلاده الى القدس؟ 

المنطق يقول لا .. لكن التطرف والجنون اليميني لا يختلف نهائيا عن تطرف وإرهاب داعش”.  وهذا ما نشره أيضا ماجد كيالي في بيانه في 7/12/2017 كسند تسبب في نهاية حل الدولتين كما هو مبين أعلاه.

ولكن أمريكا هي الداعم الأساسي لفكرة طرح المبادرات والتسويات بما فيها شعار دولتين لشعبين وتأهيل منظمة التحرير لتكون مقبولة لهذه الأجواء، وكذلك شعار الدولة الواحدة بالصيغ المطروحة وعلى ألسنة هذا النوع من الدعاة. إذن (ضربة ترامب القاضية) لها آثار أخرى.

 لنقرأ عن عوض عبد الفتاح: 

“.. وجهت الضربة القاضية لوهم حل الدولتين ولملهاة عملية السلام ولكل الخرافات التي تمخضت عنها، مثل بناء التنمية ومؤسسات الدولة تحت الاحتلال. في المقابل، فتح هذا القرار الخطير، باب الفرص أمام شعب فلسطين ومناصري قضيته نحو خياراتٍ كفاحيةٍ وسياسيةٍ بديلة، فقد أدى التعلق بهذا الوهم، وبهذه الخرافات، والتورّط العبثي والطويل بمهزلة عملية السلام، من خلال الاعتماد على الإمبريالية الأميركية التي ترتبط عضويا بإسرائيل ، إلى تغييب الفعل الثوري، وإلى إلحاق الضرر الهائل بثقافته وقيمه الأخلاقية، ومنطلقاته وأهدافه التحرّرية. والأخطر أنه أنتج شرائح اجتماعية متعففة عن النضال، وطبقة سياسية، ومعها جيش من الإعلاميين والمثقفين، مروّجي هذه الأيدولوجية الانهزامية…”

وكل هذا يقتضي نبذ حل الدولتين والذهاب إلى حل الدولة الواحدة حقا وفعلا، كما يقول عوض عبد الفتاح، وليس على سبيل المناورة وتخويف إسرائيل كما يفعل على سبيل المثال صائب عريقات ونبيل شعث. يقول عوض عبد الفتاح في ذات المقالة:

“وما صدر من تصريحات عن بعض رموز السلطة الوطنية، تحديدا أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير صائب عريقات وعضو اللجنة المركزية في حركة فتح، نبيل شعث، تدعو إلى تبنّي الدولة الواحدة، يندرج صمن المناورات، وفِي إطار تكتيك التخويف الموجّه إلى قادة نظام الأبارتهايد وقادة الإدارة الأميركية الإمبريالية، وهو تكتيك يائس وبائس، لأنه لا يجوز أن يطرح باعتباره خيارا مرعبا، …”

إذن هو مرعب لإسرائيل ولذلك يجب أن لا يطرح بهذه الصورة ويجب أن يبقى هذا  الأمر سرا “بيننا” كي نستطيع تمريره على إسرائيل وهي غافلة عما نفعل!!

وعوض عبد الفتاح يوضح كيف عادت فكرة الدولة الواحدة للظهور ومن هم الذين عادوا للتبشير بها فيقول:

 “وما ميز عودة فكرة الدولة الواحدة إلى المسرح، بعد الاجتياح الإسرائيلي الوحشي للأرض التي كان يُفترض، حسب وهم “أوسلو”، أن تقوم عليها نواة الدولة الفلسطينيه المستقلة، هو انضمام ثلة من الأكاديميين المرموقين، فلسطينيين ويهودا إسرائيليين، وكذلك يهوداً من جنسيات أميركية وبريطانية، إلى ترويج الفكرة، عبر الكتابة الموزونة والمشاركة في المؤتمرات التي باتت تعقد خصيصا للتداول في الفكرة، بل جرت محاولات لإقامة حركات شعبية جديدة ترفع الشعار، وسميت إحداها الحركة الشعبية للدولة الواحدة، ولكن هذه المجموعات بقيت صغيرة الحجم والتأثير، وقوبلت في المرحلة الأولى بالاستهزاء والسخرية من قبل قادة فريق “أوسلو”، بل حتى من أكاديميين ومثقفين مناهضين لهذه الاتفاقية. ولكن إسهام هذه الجماعات، والأكاديميين المستقلين، الفكري والثقافي، فاق الإسهام السياسي وقدرتهم التنظيمية “

لا تهم الإمكانات التنظيمية بالنسبة لهم، المهم أنهم يقومون بتسريب الفكرة ويقوم المتعاونون الفلسطينيون بإقناع الشعب الفلسطيني بالتخلي عن وطنه وأهدافه تحت عباءة هذه الفكرة، “ويعيش اليهود في فلسطين بثبات ونبات ويخلفوا بنين وبنات” وللفلسطينيين الإعجاب بالفكرة. وإذا تشكلت حركة سياسية بناء على دعوة هؤلاء فستكون على مقاسهم مهما زينت نفسها بالشعارات.

 أما كيف طرح الدكتور صائب عريقات فكرة الدولة الواحدة فهو يقول في مقابلة له:

“من يدمر خيار الدولتين يجب أن يتعامل مع خيار الدولة الديمقراطية الواحدة التي يتساوى فيها الجميع من كل الأديان”، ويوضح: “طُلب منا الالتزام بخيار الدولتين وقمنا بذلك حتى اليوم، لا نزال نتمسك بخيار الدولتين وبالقانون الدولي..”.

ويتابع قائلا: “… البديل الوحيد لخيار الدولتين، يتمثل في دولة ديمقراطية واحدة، وحقوق متساوية للجميع، للمسيحيين والمسلمين واليهود. هذه المعادلة تحتاج إلى طرفين والطرف الإسرائيلي غير مستعد لذلك” (15 شباط/2017م، صائب عريقات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وكبير مفاوضي السلطة).

إذن إسرائيل هي التي دمرت خيار الدولتين كما يقول صائب أيضا!!!. وغير مستعدة لخيار الدولة الواحدة كما طرحه خالد الحسن كما هو واضح في تصريح صائب عريقات.

ويا عوض أين التخويف والإرعاب في هذا الطرح. لقد سمعت تصريحه بنفسي في حينه ولم يكن مخوفا ولا مرعبا. ولكن يبدو أن الرفيق عوض مرهف تجاه الأحاسيس الصهيونية الناعمة بحضارية عالية! وكذلك لأن صائب عريقات يرى أن إسرائيل غير مستعدة لحل الدولة الواحدة فالأمر يتطلب استعداد إسرائيل.

وتعليقا على صائب:

طيب! الطرف الإسرائيلي لم يكن مستعدا لخيار الدولتين الذي “طلب منهم الإلتزام به” ويعود صائب عريقات إلى التأكيد  بأن الطرف الإسرائيلي غير مستعد لحل الدولة الواحدة. وصائب خير العارفين وخير القائلين.  ولكنه يستخدم تراث الزير سالم ما دامت إسرائيل ترفض حل الدولتين فعليها قبول حل الدولة الواحدة “من يأكل حمير العرب عليه أن يزازي بالقرب” قال الزير سالم مخاطبا الأسد بعد أن حمله حمولة الحمار.

من المهم أن نلفت الانتباه إلى التقاطع الواضح بين كتاب مبادرات الدولة الواحدة وهو تقاطع في خدمة الصهيونية. فقط نستذكر فقرة واحدة من سلامة كيلة حيث يضيف في كتابه “المسألة الفلسطينية.. دولة ديمقراطية واحدة“:

“… أن الرهان على التفاوض في ظل ميزان القوى الدولي والعربي الحالي “لا معنى له”، ولن يؤدي إلى شيء، وأنه بعد إقامة الجدار العازل لم تعد الجغرافيا صالحة” لإقامة دولة (فلسطينية)، الأمر الذي بات يفرض البحث عن حل في إطار الدولة ثنائية القومية أو جعل الدولة ثنائية القومية”.

ولكن هذا التعبير هو استعارة غير أمينة عن إيلان بابيه.

ما علينا، الآن “حل في إطار الدولة ثنائية القومية أو جعل الدولة ثنائية القومية” والدولة هنا هي دولة إسرائيل أو نسميها “إسراطين” كما اقترح القذافي، أو دولة عربية أو دولة فلسطينية لا يهم. فعلينا أن نختار بين حل الدولة ثنائية القومية أو جعل الدولة ثنائية القومية!!!.

والمهم أن حل الدولتين لشعبين قد أصبح مستحيلا بسبب رفض إسرائيل والتغييرات في الجغرافيا بسبب المستوطنات والتغيير في الوضع الديموغرافي في الضفة الغربية وبسبب الجدار …  ولكن الجدار قائم. فهل ستزيلونه أنتم؟

وأخيرا بسبب قرار ترامب الذي وجه الضربة القاضية. فهل بقي شيء بعد الضربة القاضية؟  مع أن ترامب لم يقل أنه وجه الضربة القاضية ولكن هكذا نأخذ العبرة من عوض فهو أمين عام!

لنقف قليلا مع “حل الدولتين للشعبين”

 إن صياغة حل “الدولتين للشعبين” قد جاءت، أو سادت، خلال إنتفاضة 1987م وكانت الصياغة السائدة قبلها من خلال النقاط العشر ومن ثم قرار المجلس الوطني الفلسطيني في دورات متعاقبة هي”تقرير المصير وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس” وأضيف لاحقا إقامة الدولة على الإراضي  الفلسطينية المحتلة عام 1967م كنوع من تحديد الجغرافيا.

إن شعاراً بصيغة “حل الدولتين للشعبين” يأتي كصياغة تستهدف القول أن اليهود شعب وإن الأراضي المحتلة عام 1948 م هي لهم، وذلك دون أن يحصل رافعو الشعار على أي شيء من الأرض الفلسطينية الأخرى ليقيموا عليها دولتهم ودون أن تعترف إسرائيل سياسيا بالشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية.

لم يتم رفع هذا الشعار على سبيل المساومة بين فريقين بل كان تعبيراً عن حسن النية من طرف واحد وإثباتا للاعتدال وبرهانا على تمام إعادة تأهيل منظمة التحرير وحركة فتح وقيادة المنظمة على الخصوص.

كان طرح الشعار بهذه الصيغة عبارة عن جواز سفر أو بطاقة تعريف قد تجعل قيادة المنظمة مقبولة من وجهة نظر الغرب الذي أسس إسرائيل.

وبعد مماطلات اعترفت إسرائيل بالمنظمة ولم تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني السياسية ولم تعترف له بدولة ارتباطا بهذا الموقف. وهذا نص رسالة رابين لعرفات عام 1993:

” السيد الرئيس:

رداً على خطابكم المؤرخ في 9 سبتمبر 1993، فإنني أود أن أؤكد لكم في ضوء التزامات منظمة التحرير الفلسطينية المتضمنة في خطابكم، فإن حكومة إسرائيل قررت الاعتراف بـ م.ت.ف باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وبدء المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية في اطار عملية السلام في الشرق الأوسط

المخلص

اسحق رابين

رئيس وزراء اسرائيل”

وكما نلاحظ، فإن رابين اعترف بروتوكوليا بالمنظمة كممثل لفلسطينيي الضفة والقطاع حصرا ومن أجل تسويغ تواقيعها على الإتفاقات وفي هذه الحدود فقط كما علق المعلقون في حينه.

 نحن نتحدث هنا عن مجريات جرت في الماضي ومن السهل مراجعتها وتقييمها والحكم عليها بعد أن أصبحت في بطن التاريخ وبعد أن أصبحت الصورة مكتملة بدرجة كافية من الوضوح.

إن كل مبادرة تسووية يمكن أن يطرحها أفراد أو أحزاب أو قيادات هي لخدمة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. كان هذا منذ البداية ولا زال حتى الآن. إن كل مبادرة للحل من هذا القبيل هي صك غفران لليهود وجرائمهم باحتلال فلسطين وتشريد شعبها. وكل مبادرة هي اعتراف بإسرائيل دون مواربة مهما كانت الصيغ اللفظية، وهي بالتالي اعتراف بالأساس السياسي لوجود إسرائيل والمتمثل بوعد بلفور الذي عبر عن موقف الغرب الإستعماري، وبالأساس الرسمي وفق القانون الدولي متمثلا بصك الإنتداب عام 1922م وبعدها الأساس القانوني متمثلا باعتراف الأمم المتحدة عام 1948م بدولة إسرائيل.

إن هذا الاعتراف أمر خطير. وهذا الإعتراف شكّل أساس الاعتراف الذي ورد في جميع مشاريع الدولتين وكأن هذا الاعتراف أمر بديهي. هذا مع العلم أن الكثير من أصحاب هذه المشاريع كانوا يحاولون إنكار مثل هذا الإعتراف.

ملاحظة هامة

أصحاب المشاريع التسووية يتجاهلون كافة أشكال مشاريع التسوية والوساطات بين العرب واليهود منذ ما بعد حرب عام 1948م  وحتى عام 1967م، قبل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكانت إسرائيل ترفض كل المشاريع مع أنها تقر لها بحقها في اغتصاب “الأرض السليبة” كما كان التعبير الدارج عن أراضي 1948م.

كل المشاريع التي طرحت كانت تنطلق من الاعتراف بإسرائيل التي أقيمت على الأراضي المغتصبة عام 1948م، قبل حرب عام 1967م، وتسعى إلى معالجة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين على قاعد التوطين والتعويض ودمجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها.

مبادرة كندي عام 1961م

تقول هذه المبادرة: “وإننا على استعداد للمساعدة في حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المأساوية على أساس مبدأ إعادة التوطين أو التعويض عن الممتلكات، وعلى المساعدة في إيجاد حل منصف لمشكلة تنمية مصادر مياه نهر الأردن وأن نقدم عونا لإحراز تقدم في الجوانب الأخرى من هذه المشكلة المعقدة” (مهدي عبد الهادي – مصدر سابق ص. 215).

كما بدأ النقاش منذ نهاية حرب 1967م  لإيجاد حلول، ووصل إلى ما يعرف بقرار 242 الذي صدر في تشرين الثاني من عام 1967م، ورفضته منظمة التحرير الفلسطينية وأصدرت الفصائل بيانات الرفض ومنها حركة فتح. وكانت إسرائيل العائق الأكبر أمام تنفيذه والأساس فيه الاعتراف بإسرائيل وحقها في الأمن والسلام. وقد دلت الحياة أن إسرائيل تريد الأرض وتهويد فلسطين وفي نفس الوقت تفرض سلامها على الدول العربية.

ثم جاء اعتراف المنظمة باسرائيل من جانب واحد من خلال شعار حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة على أراضي الضفة والقطاع وتأخر اعتراف إسرائيل بالمنظمة إلى “أوسلو” عام 1993م.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.