سوريا وركائز نهضة عربية مستقبلية: ملاحظات أولية (الجزء الثاني والأخير)، أشرف البيومي

النهضة الشاملة : ركائز رئيسية ووسائل دعمها

الاستقلال الوطني

في الوقت الذي تسعي فيه قوي الهيمنة إلي إضعاف الدولة الوطنية وتقليص دورها وتفكيكها لصالح الوكلاء المحليين للشركات العملاقة وإخضاع الإقتصاد المحلي لأولوياتها بما في ذلك من انكماش الانتاج مما يؤدي الي مزيد من البطالة والمعاناة المعيشية لقطاعات أوسع من المجتمع تقفز مسألة الاستقلال الوطني إلي صدارة الأولويات. يتطلب هذا مواجهة الفكر النيوليبرالي الذي  يعمل حثيثا علي اهمال القضايا الوطنية لصالح “الديمقراطية” علما بأن “لا حرية لمواطن في وطن غير حر“. يقف الكثير من المثقفين العرب ضد وعد بلفور وضد مخططات سايكس بيكو وفي نفس الوقت يقع أغلبهم في براثن أحفاد بلفور وسايكس وبيكو عندما يسقطون قضية الاستقلال والسيادة الوطنية أو يؤجلوها حتي تتحقق الديمقراطية أو يضعونها في مراتب متدنية من الأهمية.

كما استشري في أوساط “النخبة” العربية مفهوم خطير وهو فصل قضايا الحرية والديمقراطية عن الاستقلال الوطني  فكيف تتوفر الحرية في وطن تابع سياسيا واقتصاديا ويساهم هذا المفهوم بتبرير استهداف أنظمة عربية بحجة الاستبداد. وكأنما يستحيل مناهضة الاستبداد والتبعية في نفس الوقت.

لهذا علينا التنبه للنشاطات النيوليبرالية التي انتشرت في وطننا العربي والشعارات التي أسقطت المسائل الوطنية. ولعل بيان دمشق السوري وكفاية المصري بل وما يسمي بثورة 25 يناير “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” دليل علي ذلك. أظن أن السناتور ماكين وسكرتيرة الخارجية الأمريكية لن يتجولوا في ميدان التحرير بالقاهرة إذا كان أحد الشعارات الاستقلال الوطني ومراجعة نهج كامب دافيد! اوشعارات مناهضة للامبريالية.

 والواضح أن التاريخ شاهد علي غياب أي تقدم  فعلي سواء اقتصادي أو اجتماعي في اي دولة ناقصة السيادة لا تملك قرارها ولا تتحكم في أولوياتها. وفي مصر علي سبيل المثال نري أن مرحلة النهوض كانت مرافقة للتمسك بالاستقلال. ففي مرحلة محمد علي كانت طموحاته تتطلب استقلاله عن الدولة العثمانية وفي عهد عبد الناصر كان الاستقلال الوطني بكل ما يعني ذلك محرك أساسي لمشروعه. كانت نقطة البداية رفض الغرب تسليح الجيش المصري فكانت صفقة السلاح التشيكي ثم كان رفض تمويل بناء السد العالي إلا بشروط منافية لمبدأ السيادة مما دعي عبد الناصر إلي تأميم القناة. وفي كلا الحالتين تعرضت مصر للعدوان لإجهاض تجربتها وفرض هيمنة غربية في شتي المجالات. هذه الدروس تؤكد أن معركة الاستقلال مستمرة ولا تتوقف مما يجعل من الضروري اليقظة الكاملة وتجنب الدولة الأخطاء وسد المداخل التي يمكن أن تتيح لقوي الهيمنة النفاذ من خلالها. لهذا فالوعي الشعبي بأهمية الاستقلال الوطني والتضحية الكبيرة من أجل حماينه. إن الصمود السوري الرائع والذي دفعت سوريا وجيشها وشعبها الكثير يوجب التمسك بالسيادة الوطنية وحمايتها باستمرار.

التجانس والانتماء الوطني

التجانس لا يعني التطابق دينيا أو عرقيا أو مذهبيا أو ايديولوجيا …الخ بل يعني اعتبار هذه التميزات عاملا لإثراء المجتمع بمكوناته. التجانس يعني الاتفاق علي الخطوط العريضة لأولويات المجتمع مثل ضرورة التمسك بالاستقلال الوطني والسيادة الوطنية وحماية الوطن كذلك ضرورة أن يعيش كل مواطن بحرية وكرامة وأن يعبر عن ثقافته مع احترام الثقافات الاخري والمشاركة في بناء المجتمع. وهذه عناصر ضرورية للانتماء الوطني الكفيل بتعميق الوحدة الوطنية. لا شك أن سوريا التي تخرج الآن من معارك طاحنة ومحاولات تفجير شتي أنواع الخلافات تحتاج لحملات كبيرة و متصلة لتعميق الوحدة الوطنية. ربما بدأً بالمراحل التعليمية  الأولي تشمل تعميق الذاكرة الوطنية وابراز رموز وابطال الاستقلال وتشمل أيضا التعرف الجغرافي لسوريا من خلال زيارة مواقع ومدن كانت مسرحا لمواجهات مع الاستعمار وحاليا مع الارهاب وأعوانه. هذه الحملات توظف الفن بكافة أشكاله من أغاني وتمثيليات ومسرح وفنون أخري والزهو بالوطن. فلا نري شبابا يرفع علي قميصه عبارات تافهة وأعلام دول الاستعمار بل ترفع أسماء مدن سورية وعربية وبدلا من الاعلانات الاستهلاكية التي ملأت شوارع بعض المدن العربية نري تمجيدا لشخصيات وأحداث وطنية. لا بد من اتساع النشاط الرياضي في كافة مستويات التعليم والاحياء الشعبية وتشجيع المنافسات الثقافية والعلمية. ان تعميق الانتماء واحياء الذاكرة الوطنية خير وسيلة لمكافحة التطرف.

الابداع ومشروع النهضة

الدعوة التي تتبناها بقوة هذه الدراسة هي كما كتب المفكر الراحل أنور عبد الملك

           ” دعوة لصحوة  حضارية تستخدم أفضل السبل لتعبئة الطاقات خصوصا الكامنة منها من أجل تحرك فعال ومؤثر تجاه  تنمية متكاملة تشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي والانساني، وبالتالي تحقيق تقدم  حاسم “

يتطلب هذا المشروع فك الارتباط  الذي لا يعني الانعزال ولكن الانتقاء المتناسق مع الاولويات القومية، كما ذكرت سابقاً.

يستطرد عبد الملك فيكتب :

             “أن الإدعاء بأنه لا يمكن الإفلات من مقتضيات العولمة ولا يمكن أى تطور  مستقل خارج هذا النسق هو في الحقيقة محاولة لفرض الهيمنة والقبول بها.

إن تبني الدول القومية التي تحررت من الاستعمار التقليدي مفهوم للتطور         مبني علي أساس اللحاق بالدول المتقدمة صناعيا  وتكنولوجيا قد ثبت فشله.”

كما يحذر بإن “اتباع منهج يعطي الأولوية للإقتصاد بإسلوب التقليد ونقل العلم    والتكنولوجيا والمعرفة سواء بمسار رأسمالي ومتطلبات آليات السوق أو بمسار    اشتراكي باقتصاده الموجه له نفس المنهج رغم تباين هام واساسي في كيفية السيطرة علي  فائض القيمة بحيث تستولي  عليه أقلية طاغية مستغلة أم أغلبية شعبية.”

 إن سياسة الاعتماد علي الذات باولويات منبثقة من الواقع المحلي، رغم صعوبته، هو المسار الصحيح.

يتطلب هذا الكثير من الصمود والابداع في كافة المجالات كما يحتاج لدراسة والاقتباس الخلاق من نماذج اتبعت هذا المسار بدرجة من النجاح.

هذه الدراسة تتفق تماما مع أنور عبد الملك فالغرب ليس هو النمط الأمثل ومن ثم يصبح هدفنا الأسمي هو اللحاق به. وفي ظروف الازمة الرأسمالية الحالية تزداد الضغوط الإقتصادية في الغرب مما يتطلب تبعية أكثر عمقا.

علينا أن نحدد بوضوح ماذا نريد وننطلق من قاعدة فكرية عمادها الثقافة القومية التي تعرف ما تنتقيه من التراث وما تلفظه وما تقتبسه وتوظفه بشكل متناسق مع ثقافتنا القومية. فالقاعدة الأساسية هي الاعتماد علي الذات  وتعبئة الطاقات المجتمعية بشتي الوسائل الخلاقة وفي كافة المجالات الفكرية والعملية.

 محورية القرار السياسي

يشكل القرار السياسي والإرادة السياسية القوية المتناغم مع التأييد بل الحماس الشعبي مفتاح العمل من أجل نهضة كبري. فالمؤسسة الحاكمة هي القاطرة وهي التي تقرر الأولويات بعد حوارات مجتمعية واسعة  لتحدد معالم المشروع ثقافيا وفلسفيا وفكريا وسياسيا وأيضا عمليا في مجال الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا. علينا دراسة تجارب عربية سايقة مثل تجربة محمد ستون عاما قبل دولة ميجي في اليابان والتي مزجت بين رجال الفكر والسلاح. وأيضاً تجربة عبد الناصر بأيجابياتها العظيمة، رغم انهيار المشروعين بسبب الهزيمة العسكرية. كذلك تجارب عالمية اخري مثل تجربة اليابان في 1868 بقيادة ميجي الذي أكد أنه “يجب البحث عن المعرفة في كافة أرجاء العالم…” والذي أكد في نفس الوقت الالتزام بميراث الأجداد. كذلك تجربة كوبا في مجال التوظيف العلمي الرائد للوصول إلي مستويات عالية من الصحة لكل الشعب. وكذلك تجربة الصين الذي تبني قائدها ماو تسي تونغ شعار “فليخدم كل ما هو عالمي كل ما هو صيني”.. إذا الجمع بين التقليد المعتمد علي الانتقاء الحريص الذي يخدم كل ما هو محلي عربي هو مبدأ صحيح وجدير باتباعه. يجب أن يحتل البعد الثقافي مكانة رئيسية بحيث تصبح عنصر فعال في المجال الاجتماعي والسياسي.

يذكرنا  عبد الملك

            بأننا “لسنا مجرد احتياطي بترولي ولا مجال لتوظيف رؤوس أموال سياحية ولسنا مجرد مجتمعات جرداء  متعطشة لغزو الغرب انما مجتمعات شاركت من قبل في نهضة أوروبا  وعلي أهبة المساهمة الخلاقة في التقدم الانساني   بادخال العقلانية مرة أخري مكان الفكر الاسطوري والخرافات. لابد أن يصاحب النهضة قوة فعالة   نحن في لقاء مع القدر  هناك احتياجات ملحة وضرورية لتحقيق النهضة الحضارية: ضرب السراب الثقافي بان لا جودة الا في الغرب……لا تنكر للخصوصية التاريخية والأصالة الحضارية الموضوعية   مصر والعالم العربي ليسوا قطعة من أوروبا,., تلاقي إرادة الشعب مع جيش الوطن في حلف عضوي….علاقة الثقافة بالسياسة   تسود الحياة الثقافية وجوه هزيلة عقيمة منبوذة (ما يسمي النخبة) وضرورة الربط بين الفكر والعمل وبين الثقافة والسلطة وبين الوجدان والسلاح ( محمد علي استعان بصفوة المثقفين) بحيث يتكون جهاز الحكم من اذكي واصلب طلائع المثقفين الأكفاء العضويين (جرامشي) لابد أن نفتح الأبواب علي مصراعيها امام التعبير الهادف لكل القطاعات الاجتماعية والتيارات الفكرية من أجل إثراء الوحدة الوطنية وتعميق جذورها وتأمينها ضد الضغوط الاجنبية ( والمؤامرات والارهاب)”.

هناك عوامل داخلية سمحت لقوي الهيمنة الغربية أن تقف عائقا لبروز نهضة فكرية مستقلة في أمتنا العربية بل أن الأخيرة قامت باجهاض محاولات جادة فيهذا المضمار. هذه النهضة قوامها الجمع بين الأصالة والمعاصرة والتفاعل بين التراث والعصرية في إطار فكر مبدع. نهضة لا تعتمد الانبهار اللاموضوعي بكل ما هو غربي قادرة علي الانتقاء والتجديد الخلاق ورفض ما يحاوله الغرب من إقناعنا أن العقل العربي عاجز موصوم بالتخلف وغير ذلك من أطروحات عنصرية. يجب علينا أن نتذكر قياداتنا الفكرية والفلسفية والفنية والعلمية لدحض مثل هذه الأطروحات التي تجد للأسف صدي لدي بعض شبابنا.

هناك حالات من الابداع رغم الاطار العام الذي لا يشجع علي الابتكار مما يشير إلي طاقات إبداعية كامنة. أسوق أحد الأمثلة التي كان لها تأثير محوري في معركة اقتحام خط يارليف عام 1973 .والفكرة عبقرية ببساطتها ومستمدة من خبرة في مجال مختلف. كان المهندس باقي زكي يوسف ياقوت يعمل بالسد العالي مستخدما مضخات مياه لتجريف الرمال فنقل الفكرة لعبد الناصر من أجل تجريف تلال الرمال التي وضعها الجيش الصهيوني كعقبة كأداء علي ضفاف قناة السويس الشرقية. ثبت نجاح الفكرة في تجارب عملية وفي أكتوبر تم اقتحام خط بارليف بنجاح كبير نتيجة لهذه الفكرة الذكية التي جذبت اهتمام القيادة السياسية. نجح المقدم الوطني الرائع باقي زكي في تقديم احد مفاتيح نجاح الجيش المصري في اقتحام عائق بارليف.

 العدالة الاجتماعية التي تهدف إلي تحقيق معيشة كريمة وعادلة لعموم الشعب

يكاد يرفع الجميع شعار العدالة الاجتماعية حتي هؤلاء الذين ينصبون لها العداء. فماذا نقصد بالعدالة الاجتماعية؟ بالتأكيد ليس الاحسان والصدقة ولكن حق العمل في إطار مشروع تنمية رائد والذي يستحيل تحقيقه في إطار آلية السوق وبرامج البنك والصندوق الدوليين. كما لايمكن تحقيق أي عدالة ما دمنا لا ننتج ما نحتاجه ولا نوظف التقدم العلمي والتكنولوجي لخدمة التنمية. كذلك من الصعب تصور معيشة لائقة للغالبية ونحن نستورد بشراهة كماليات أو أساسيات كان يجب انتاجها محليا. علينا نتذكر ونحن نشكوا من زحام العربات كم وفرت كل عربة مجال عمل لمواطن أوروبي أو كوري أو أمريكي وكم حرمنا فرصة عمل لشبابنا الذي يتسكع في الشوارع!! ماهي الأعذار لضعف إمكاناتنا الصناعية الانتاجية ومن المستفيد من الاستيراد غير المنظم والحدود.

لا شك أن تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية أمر محوري فلا أمن دون عدل وأن كافة شرائح المجتمع تتضرر من العنف الناجم عن غياب العدل الجماعي. سوريا التي حققت كفاية ذاتية في القمح وهذا انجاز ثوري وليس سهلا فهي كفيلة بتبني المشاريع الاقتصادية التي تضع نصب أولوياتها فرص العمل حتي تتحقق الكرامة لكافة المواطنين ونقي المجتمع من الفكر المتطرف والارهاب المدمر. إن هدف حماية الجبهة الداخلية لا يتحقق دون كفاية مادية وثقافية معاً.

 تعميق أسس المجتمع العلماني متعدد الأديان والطوائف والمذاهب

رغم عدم نجاح الأعداء في تفتيت المجتمع السوري علي أسس دينية وطائفية ومذهبية إلا أن ما زال الاحتياج لجهد كبير يجب أن يبذل من أجل تعميق العلاقة الصحية بين كافة مكونات المجتمع السوري بل لابد من تحويل التعددية إلي  فرصة لإثراء المجتمع ثقافيا وإنسانيا وحضاريا من خلال نشاطات دئوبة في كافة مجالات الحياة.

 شرطان أساسيان لتوظيف ناجح للعلم في خدمة مشروع تنمية مستقل

ثر الحديث عن أهمية البحث العلمي وأهميته المحورية من أجل تحقيق نهضة عربية شاملة، وانعقدت الكثير من المؤتمرات والندوات وألقيت الكثير من التصريحات الرسمية والتحقيقات الإعلامية ولكن الحقيقة تؤكد غياب منظومة علمية نشطة وفعالة. فالمقصود بالتقدم العلمي هو تقديم مساهمات خلاقة في كافة مجالات التنمية يشعر بها المواطن دون دعايات ومنشتات صحفية. ورغم تواجد العديد من الجامعات ومؤسسات البحث العلمي في بعض الدول العربية إلا أننا لازلنا نفتقد إلي منظومة علمية تكنولوجية تحقق هذا الهدف. وبالتالي يمكننا وصف الوضع العربي في هذا المضمار بأنه “حركة دون تقدم”. يدعم هذا الاستنتاج الكثير من البيانات في كتابات زحلان الهامة حول العلم.

ورغم امتلاك الوطن العربي العديد من المواهب كأي مجتمع آخر إلا أن المجتمعات تختلف فيما بينها وبشكل كبير في مدي توظيف المواهب التي تملكها. إن تبديد هذه المواهب ينم عن ضيق أفق شديد لكونه يهدر إمكانات وثروة هائلة. فالعلم والتكنولوجيا أدوات رئيسية في أي مشروع جاد لنهضة علي كافة المستويات الشخصية والاجتماعية والوطنية.

ومن الشروط الأساسية لتحقيق تغيير نوعي في بلادنا هو الإرادة السياسية القوية والتي تنطلق من قناعة حقيقية بمحورية العلم، وأيضا مشروع تنمية مستقل يوظف العلم والتكنولوجيا المتقدمة بل يساهم في الابداع العلمي في إطار تنمية رائدة تنبذ التبعية تماما وتحبذ التعاون المتكافيء. لقد ثبت دون أدني شك من خلال الممارسة العملية وليس فقط الدراسات النظرية أن مسار التبعية لن يحقق تنمية مستدامة بل تخلف مستدام.

 فأي مجتمع يعتمد علي المشاريع الجاهزة وما يسمي “تسليم مفتاح” ينتهي بثقافة قوي الهيمنة التي تسلم المفاتيح. وها نحن في مصر غارقون في تبعات “الانفتاح الاقتصادي” اقتصاديا واجتماعيا. إن إلقاء نظرة سريعة علي الاعلانات التي تملأ الميادين والشوارع نري مشاهد صارخة للتبعية فمن اعلانات عن ماكدونالد وبيتزا هات وكنتاكي وكوكاكولا وأدوات التجميل  والأدوات المنزلية..الخ وكأننا تخلصنا من المستعمر ممثلا في جنوده ورحبنا بمنتجاته. وكما أقول “ذهب الكولونيل العسكري وجاءنا كولونيل ساندرز صاحب كنتاكي لقلي الدجاج“. والسؤال الصريح هنا لماذا نحتاج العلم؟ إذا كنا نستورد غالبية حاجاتنا بما في ذلك السلع الغذائية الرئيسية فهل حقيقة يهمنا البحث والانتاج العلمي؟

نجد أن بعض رواد النهضة من أجدادنا انتبهوا لهذه المخاطر عندما رفع شبلي شميل عام 1896شعار “العلم والعدالة والحرية” وعندما حذر عبد الله النديم كاتب الثورة العرابية بمصر في مجلة “الأستاذ” من هيمنة الأجانب وتدخلهم في شئون البلاد وبالذات من “محاولتهم تقويض الصناعة المحلية لصالح الصنائع الأجنبية”.

وعندما نتحدث عن منظومة علمية متكاملة فلا نقصد وصفة جاهزة فالمنظومة العلمية القائمة في البلاد الصناعية المتقدمة والغنية لا يمكن أن تكون نموذجا صالحا للدول النامية. هكذا أدركت القيادة السياسية والعلمية في كوبا فكانت تجربتها خلاقة ومثمرة. بالطبع لا بد من دراسة النماذج المختلفة والاقتباس الذكي من هذه التجارب ولكن لابد أن نتوقع أن المنظومة العلمية العربية الناجحة ستكون لها خصائص متشابهة ومختلفة في نفس الوقت.

في كل الحالات فان عناصر منظومة علمية ناجحة لابد أن تشمل عنصر التعليم علي كافة المستويات ومراكز البحث المتقدمة التي تتبني أولويات متناسقة مع مشروع التنمية المحلي وخدمات التصليح والصيانة وتوفير الحيوانات المعملية والإدارة الناجحة التي تربط كافة عناصر المنظومة ومنظمات اقتصادية معنية بتوفير مستلزمات البحوث وتسويق المنتجات الناتجة من البحوث، هذا بالإضافة إلي الجمعيات العلمية المنوط بها التزام أعضاء المهنة بسلوك الأمانة العلمية وعقاب الانحرافات وتحديد مقاييس موضوعية لتقييم الانجازات والعقبات ومؤسسات لنشر الثقافة العلمية وجذب الشباب إلي الانخراط في تخصصات علمية وتكنولوجية. نحتاج أيضا مؤسسات لتنظيم المعارض والمتاحف العلمية والاشراف علي منافسات الشباب العلمية ومنح الجوائز بشكل عادل . (انظر إلي ملحق  رقم 2  تفاصيل إضافية حول لمنظومة العلمية.

نشر المنهج العلمي كرافد ثقافي وكوسيلة فعالة لحرب الافكار المتطرفة والخرافات

 لا شك أن اتباع المنهج العلمي ونشر الثقافة العلمية وإبراز نماذج للإبداع العلمي من خلال عرض شيق للإكتشافات العلمية هو سلاح فعال لدحض الأفكار الدينية المنحرفة والخرافات بشكل عام. أما معالجة القضايا العلمية بمنهج عرض الحقائق دون معرفة كيفية الوصول لها فنتيجته العكسية هي تعميق الدوجماتية. تولدت هذه القناعة الراسخة من خبرتي لسنوات طويلة كأستاذ الكيمياء الفيزياء ومن خلال مواجهاتي مع الطلاب المتبنيين الفكر الوهابي والإخواني. لم يكن الهدف إقناع هؤلاء الشباب رغم أن هذه المواجهات أدت لاهتزاز  فكر بعضهم، وإنما كان الهدف الرئيسي هو فضح ضحالة وخطأ توجههم وتناقض ممارستهم أمام زملائهم من الغالبية الطلابية. كان يساعد في ذلك مقولات مأثورة علي سبيل المثال مثل مقولة ابن رشد” إن الحكمة هي النظر في الأشياء حسب ما تقتضيه طبيعة البرهان” .

من المؤكد أن اتباع الاسلوب العلمي بطريقة خلاقة وجذابة له تأثير لدعم التفكير المنطقي والموضوعي .

            من هذا المنطلق أقترح برامج اعلامية ثقافية لتحقيق هذا الهدف.

( راجع ملحق رقم3 : مشروع برنامج تليفزيوني حول العلم في إطار نشر الثقافة والمنهج العلمي)

إعلام يخدم ركائز النهضة ويشجع الحوار

يلعب الإعلام دورا محوريا إما للخداع والتشويه الفكري بل لدعم سلوكيات متناقضة لمشروع نهضوي تقدمي، وإما لدعم ركائز النهضة وحشد الطاقات لمشروع تنمية تقدمية شاملة. وبالتالي فالتطوير الدؤوب للإعلام سيكون له أثر فعال وأيجابي في دعم جهود التقدم وتحقيق أهداف النهضة. فلا تقدم ملموس دون أن تستهدف السلطة بكل هيئاتها  تعبئة الطاقات والامكانات في كل ركن من المجتمع من أجل توظيفه في مشروع النهضة.

     فالإعلام المتناسق مع مشروع النهضة لآبد وأن يعمل بشكل مبدع وخلاق لنشر ثقافة شعبية رائدة  

     تخلق مناعة فكرية أساسها المعرفة ضد الفكر الوهابي الإرهابي والخرافات.

تبني شعارات وطنية ونشر قيم وأخلاقيات متناسقة مع مشروع النهضة

صاحب التحول الاقتصادي نحو آلية السوق فيما سمي بالانفتاح الاقتصادي والمتزامن مع نهج كامب دافيد و “السلام” الزائف مجموعة من المصطلحات الخبيثة التي تجمل العديد من هذه السياسات ذات العواقب الوخيمة. لقد تبنت “النخبة” الموالية للسلطة هذه المصطلحات والتي شاعت في أوساط الشعب. في المقابل لابد ان نخضع هذه المصطلحات للتقييم الموضوعي من أجل دحضها ونبذها تماما. من هذه المصطلحات الخادعة مقولة “تحييد أمريكا” و”99 في المائة من أوراق اللعبة في يد أمريكا” و”بطل الحرب والسلام” ومصطلح “الانفتاح الاقتصادي” نفسه. كذلك انتشر مصطلح “المجتمع المدني” الذي يختزل المفهوم ليعني المنظمات غير الحكومية الممولة، ويتبع هذا المصطلح كلمات خادعة أخرى “كالمشاركة” و “التمكين” و”الدمقرطة الناجحة”. ومع فرض النيوليبرالية الصاعدة علي العديد من المجتمعات في العالم (تارةً بالطرق السلمية و”التحرير”   الاقتصادي المرتبط ببرامج إعادة التكيف الهيكلي وتارةً العسكرية ( كما هو الحال في يوغوسلافيا والعراق) اكتسب مصطلح “المجتمع المدني” أهمية محورية ليس فقط في أوساط الاقتصاديين والأكاديميين إنما أيضاً في أوساط غير المتخصصين والعاملين في صناعة “منح المعونات الدولية”.

يصبح من الضروري تنقية العقول من المصطلحات  الخادعة والتي يستخدمها الكثيرون دون وعي. فعلي سبيل المثال وليس الحصر نضع قائمة ببعضها:    

  • “تحييد أمريكا” (انتهت بتحييد مصر عربياً)
  • ” لماذا نرفض الديمقراطية إذا جاءت إلينا من أمريكا؟” ( دمقرطة العالم العربي هدف كاذب لقوي الهيمنة الغربية)
  • “مصر أولا”، “الأردن أولا” (وتصبح الأمة العربية أخيرا)
  • “الديمقراطية أولا” و”عيش، حرية وعدالة اجتماعية”( إهمال القضايا القومية والاستقلال

       الوطني)

  • “سلام الشجعان” و”خيارنا الاستراتيجي السلام” (استسلام مقنع)
  • “سينا رجعت لينا ومصر اليوم في عيد” (لم ترجع سيناء وراحت مصر أو كما قال الشاعر سيد حجاب:يا خوفي ما يوم النصر ترجع سينا وتروح مصر)
  • “قبول الآخر” ( أي القبول بإسرائيل)
  • ” لا يمكن التغيير إلا بضغوط خارجية” (دعوة مفضوحة للتدخل الأجنبي)
  • لا بد من الانخراط في العولمة قبل فوات الأوان،” خصخصة”، “اقتصاد السوق”، “الانفتاح الاقتصادي” (خراب أكيد وغناء فاحش لحفنة من الأثرياء وفقر مدقع وبطالة للملايين)
  • “مجتمع دولي” و” شرعية دولية” ( مجتمع وشرعية الإمبريالية)
  • شعار “العصا والجزرة” (شعار مهين خصوصا عندما يستعمله أصحاب الحق
  • “خريطة طريق” ( خريطة التيه والضياع)
  • “الإسلام هو الحل” (الدولة الدينية والهيمنة باسم الدين)
  • “دول معتدلة” و”إسلام معتدل” ( دول تابعة واستخدام للدين يتوافق مع المستعمر)
  • “مزايدات” ,” تشدد”، “عاطفية”،”غير واقعية”،”عنتريات” “شعارات خشبية” ( مقولات مزعجة لقوي الهيمنة الاجنبية والمحلية)
  • “عقلانية” و”واقعية” و”ما لايؤخذ كله لا يترك كله “(رضوخ)
  • “الخلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية” (أي رأي وأي قضية)
  • “من ليس له خطيئة فليرمي الآخرين بالحجر” ( ممنوع النقد وتعرية الحقائق)
  • تنمية مستدامة أم تخلف مستدام
  • “إذا لم نستطيع الحصول علي العدل الكلي فلماذا نرفض العدل النسبي” (خداع مثقف تابع)
  • “التوافقية” التي تميع القضايا وتسمح بتكوين تشكيلات موسعة مليئ بتناقضات تسقط فاعليتها تماما. نحن في حقبة تتطلب التمسك بقوة بمباديء واضحة لا تسمح بمشاركة ما يقف ضدها.

في المقابل لا بد أن نطرح شعاراتنا نحن التي تؤكد: التمسك بالسيادة الوطنية-الاعتزاز بالوطن- الإصرار علي الاستقلال الوطني- احترام الأديان – نبذ التعصب- الوحدة العربية- اولوية المعرفة- أهمية العلم- الاعتماد علي العقل والمنطق- العدالة كحق.

 الحوار وحرية النقد و اختيار موضوعي لقيادات وطنية ملتزمة

لا شك مطلقا أن الحكومة والشعب معا هما المستفيدان من ضمان الحوار الحر رغم ما يتضمن ذلك من  إزعاج للسلطة. هذا الانزعاج هو ثمن بسيط يدفع من أجل وقاية النظام من أخطاء كبيرة ويعطي فرصة للاستفادة من اقتراحات خلاقة مهما كانت قليلة، فلا إبداع دون حرية . كما أن مناخ الحرية الفكرية يقي المجتمع كله من التطرف ولا يتناقض هذا مع دواعي الأمن التي هي من مسئوليات السلطة الهامة.

اما عن اختيارات القيادات المخلصة والقادرة فهي مسألة صعبة في ظل الانتهازية والنفاق الذي يتواجد في كل مجتمع. تقع مسئولية هذا الأمر علي كاهل السلطة والمؤسسات. فلا بد من البحث عن شخصيات متفانية وطنية تملك قدرات هامة وكأن الأمر يتعلق بالبحث عن كنوز مدفونة. ومما يزيد من صعوبة هذا الأمر أن نوعية الشخصيات محط البحث عادة ما تنأى بنفسها بعيداًن الأضواء وتتعفف عن عرض نفسها. بالطبع أنه سيكون دائما نسبة خطأ في الاختيار مما يتطلب حسن الاختيار ودوام التقييم.

 ملحق رقم  1 : حول مخاطر التمويل الأجنبي

وقد ظهر هذا الخطر جليا في نشاط بعض جمعيات حقوق الإنسان الممولة أجنبيا إذ أقحمت علي المجتمع قضايا تعتبرها المجتمعات الممولة مهمة ، بينما تعتبر جانبية أو لا تعاني منها مجتمعاتنا أصلا مثل حقوق المثليين، كما أنها تناولت قضايا أخري لاشك في أهميتها مثل حقوق المرأة من منظور ضيق اختزالي، بدلا من اعتبارها جزءا من قضية مجتمع يعاني كل أفراده من انتهاكات خطيرة لحقوقهم المدنية والسياسية، بالإضافة إلي حقوقهم الاقتصادية والاسجتماعية. وتقع خطورة هذا المنهج في تفتيت قضايا المجتمع بعيدا عن المعالجة الشاملة وبذلك تغيب جوانب أساسية مثل المسار الاقتصادي أو نهج التبعية لقوي الهيمنة الأجنبية، كما تكمن في تشتيت جهود المهتمين بالعمل العام ومنع بلورة الكتلة الحرجة اللازمة لقيادة تغيير حقيقي. إن هذا المنهج التجزيئي يستخدم من قبل قوي الهيمنة المختلفة من أجل صرف النظر عن مكمن الداء، وطالما أدي إلي تشخيص خاطئ للمشاكل يتبعه علاج فاشل ، وكذلك يؤدي إلي إحباط البعض لعدم جدوي الجهود المبذولة. والأخطر من ذلك أن بعض الجمعيات الممولة أجنبياً انصاعت إلي توجيهات أجنبية لإدانة العمليات الاستشهادية في فلسطين والعراق باعتبارها انتهاكا لحق من حقوق الإنسان ، بل وحاولت بعض هذه المنظمات إعاقة مساواة الصهيونية بالعنصرية في مؤتمر ديربان 2002. وهذا يفضح بعض أهداف هذه المنظمات وأولوياتها. بل أن بعض قيادات المنظمات الممولة أجنبيا سمحوا لأنفسهم أن يكون أداة دعائية في يد مسئولين في الإدارة الأمريكية التي  تنتهك حقوق الإنسان في العراق كل يوم ، وفضائح أبو غريب لا زالت ماثلة في الأذهان.

    إن أحد أهداف العمل الأهلي هو بناء القدرة الذاتية للجمعيات، وأن تكون قوة هذه الجمعيات مستمدة من أعضائها ومن مصداقيتها ومواقفها المبدئية. فهكذا يتعود الناس علي العمل الجماعي الأهلي الذي يؤدي إلي توليد ثقة الناس في أنفسهم ، وليتواصل عطاؤهم وتتراكم خبراتهم ويصبحوا قوة فعالة في المجتمع ، فيعتدل الميزان ولا تجور السلطة علي حقوق الشعب. (لكل هذه الأسباب المجتمعة فإن جمعية أنصار حقوق الإنسان بالإسكندرية التي أنتمي إليها ترفض أي تمويل أجنبي.)

فقرات من دراسة المجتمع المدني: بين القدسية الليبرالية والتسويق النيوليبرالي للديمقراطية، د. سهير مرسي ، نوفمبر ‏2004‏

      بينما كان في وقت من الأوقات مفهوم “المجتمع المدني” يقع في دائرة اختصاص البحث الأكاديمي، إلا أنه اكتسب شعبية في أنحاء العالم في العقدين الماضيين. وقد أصبح هذا المصطلح شعار طنان مرتبط بمناقشات حول دور الدولة ومفهوم المواطنة تؤكد عليه ادعاءات المروجين لبرامج مؤسسات صناعة التمويل في الشمال الكوني في إطار ترويجهم  “للتنمية” و”الدمقرطة”. ونجد اهتماما موازيا في الدوائر الأكاديمية والذي نتج عنه تزايدا في دراسات هذا التصور المثالي الليبرالي، واستنباطه في سياق تاريخي- اجتماعي متعدد الأبعاد- حتى بافتراض أن كل المنظمات غير الحكومية يشغلها مستقلين مهذبين يكرسوا حياتهم للصالح العام ، لماذا نجد أن في عملية تسويقها “للديمقراطية” تلجأ مؤسسات صناعة التمويل إلي مجموعات غير منتخبة وليس لها علاقة واضحة ببنية فعالة للمساءلة ؟

  • لماذا يتدفق التمويل علي المنظمات غير الحكومية من مؤسسات دولية حكومية و “غير حكومية” ؟
  • ما هي عواقب تسليع النشاط السياسي ؟

 تلك هي الأسئلة التي يتصدي لها الإنتاج الفكري لأفراد ومجموعات من حول العالم التي ترفض ما أسمته أرانداتي روي ” نجونة المقاومة”.

     وفي نفس النهج تمثل هذه المقالة محاولة لإزالة الغموض عن المزاعم التحررية المرتبطة بإخراج “المجتمع المدني” من مخزن النفثالين ليصبح الحقيقة البديهية للعولمة النيوليبرالية. يستند هذا الاجتهاد إلي رؤى تحليلية تعطي الاهتمام المفروض للعلاقات المركبة بين مؤسسات “حكومية” و”غير حكومية

 المجتمع المدني : تعدد المعاني والأيديولوجيات

 الأموال في هيتي بأنهم يشكلوا قلب المجتمع المدني فيها. وهذا المثال وغيره يدل علي أن المعاني المختلفة المتعلقة باستخدام مصطلح “المجتمع المدني” هي في الأساس تعبير عن توجهات أيديولوجية مختلفة.

     إن منطلق التوجه المحافظ الجديد يؤكد علي تباين “المجتمع المدني” والدولة ويمنح الأول قيم الفردية الشديدة والاهتمام بالمصالح الشخصية والعمل الجاد وحرية الاختيار والملكية الخاصة وعدم الثقة في الدولة. فحسب هذا التوجه الأيديولوجي تتساوى منظمات “المجتمع المدني” بالقطاع الخاص ويروج لها كمقدم خدمات ل”تخفيف حدة الفقر” وبذلك يمكن تجنب “القلاقل السياسية”. وباختصار فالفكرة الكامنة في هذا التوجه الأيديولوجي هي تحبيذ الفقراء علي “المشاركة” في “المجتمع المدني” وتثبيط همتهم في الانخراط في الحركات) يتواكب التوجه المحافظ الجديد نحو “المجتمع المدني” مع غرض امتصاص أي تحد هيمني لمنافع رأس المال عابرة الأوطان. وباعتبار منظمات “المجتمع الاجتماعية  “الشعبية الراديكالية”. وبتشابه واضح للفلسفة المصاغة في مشروع المحافظين الجدد الأمريكيين( المعروف بمشروع القرن الأمريكي الجديد Project for the New American Century المدني” كقطاع خاص تتعمد الرؤية المحافظة الجديدة تهميش ليس فقط الدولة ولكن أي مصدر آخر (مثل الإعلام) قد يكون لديه احتمال كامن للتأثير علي “التنمية” بما في ذلك “المجتمع المدني” نفسه.   

     بالإضافة إلي ذلك فإن الأيديولوجية المحافظة الجديدة ( وكذلك الليبرالية التعددية) تعطي دورا محوريا لل”مجتمع المدني” بالنسبة “لاستدامة” الديمقراطية. وتعتبر أن هناك علاقة تفاعلية (synergetic) بين الديمقراطية ورأس المال وحرية الأسواق، وتصور هذه العلاقة وكأنها “طبيعية” وتمثل قمة عملية التطور، وبذلك تتشابه مع مفهوم فوكوياما عن “آخر التاريخ”. أما المفتقد الواضح في هذه الرؤية المحافظة الجديدة “للمجتمع المدني” فهو الأخذ في الاعتبار علاقات القوي البنيوية وما يتعلق بها من الاهتمام بأمر أساسي وهو العدالة الاجتماعية.

     إن الجزم بصحة افتراضات الأيديولوجية المحافظة الجديدة تمثل تناقضا صريحا مع الواقع في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وأستراليا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بالذات حيث تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء ويهبط مستوى الخدمات العامة ومنها الصحية والتعليمية وأيضا تتقلص برامج المعاشات. إن هذا يحدث في نفس الأماكن التي تصاغ فيها السياسات التنموية الدولية التي تصدر إلي “المجتمع المدني” في البلاد “النامية” حيث يتلهف البعض علي الدعم المالي الهائل المصاحب  “للتنمية” و”الدمقرطة”.   

     وهكذا يلفظ توجه الماركسية الجديدة ثنائية “المجتمع المدني- الدولة” وصفة ال”مدنية” ولا يشوه سمعة الدولة مثل ما هو الحال في الأيديولوجيتين الأخيرتين. و هذا ينبثق عن الإدراك بالاعتماد المتبادل بين المجالين وأن منظمات “المجتمع المدني” تلعب دورا في استمرارية قوة الدولة مثلها مثل حال المنظمات الرسمية “للمجتمع السياسي”.

تعتقد أرانداتي روي أن:

 “رأس المال الذي يوفر للمنظمات غير الحكومية يلعب نفس الدور بالنسبة للسياسة البديلة الذي يلعبه رأس مال المضاربة الذي يدخل ويخرج من اقتصاديات البلاد الفقيرة. فهو يبدأ بإملاء جدول الأعمال والأولويات، ويحول المواجهة إلي مفاوضات وينزع السياسة عن المقاومة، وكذلك يتدخل في الحركات الشعبية المحلية التي عادة ما تكون معتمدة علي النفس.”

 مصطلحات تجميل العولمة النيوليبرالية

 “كثير من عناصر المجتمع المدني تقلل من الكراهية والعنف وتشجع المسئولية الاجتماعية والمساعدة المتبادلة بين المجموعات في الأوقات الاقتصادية الصعبة، وفي فترات التحول السياسي تصبح منظمات المجتمع المدني ذات أهمية شديدة في تلطيف أو منع خطر العنف الجماهيري. والعديد من مؤسسات القطاع الخاص علي المستوى العالمي تحاول منع هذه الصراعات العنيفة .

تقرير لجنة كارنيجي حول منع الصراع العنيف 1997 .

وكما يوضح لينزن:

“أحد الأسباب الأساسية التي تجعل العديد من مؤسسات ووكالات التنمية كالبنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية نستخدم مصطلحات كهذه ، هو أن هذه المصطلحات تساعد في إعادة تدوير الخطاب الذي يبرر تدخلهم المستمر وتخدم أهدافهم الاستراتيجية . فلقد تم صياغة مصطلح المجتمع المدني بحيث يصبح أداة أساسية لخدمة الفكر التنموي لهذه المؤسسات . فهذا المصطلح يرتبط بشدة بمجموعة من “الروشيتات” التي ترى في الأسواق المتنافسة شرط للتطور الرأسمالي وقد احتلت هذه الفكرة موقعها المركزي في فترة الثمانينات التي اتضح فيها فشل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي.

حكومات المنظمات غير الحكومية

 إن الانفصال المفترض  بين منظمات “المجتمع المدني” و”الحكومة” يجد تكذيباً واضحا مجسدا في الدور المحوري للمؤسسات الحكومية الأمريكية (مثل الصندوق القومي للديمقراطية National Endowment of Democracy وهيئة المعونة الأمريكية  (AIDفي تنمية “المجتمع المدني” في ما يسمي بالدول النامية.

كذلك تبنت حكومات الاتحاد الأوروبي سياسات تغيير مسار قنوات المعونة الدولية وتحويلها من الحكومات إلي المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية. فالكرم الانتقائي الموجه إلي هذه المنظمات يعني الآن ليس القبول بشروط المانحين فقط ولكن أيضاً الموافقة علي تعهدات بالالتزام بشروط “اتفاقات التمويل” مثل التي أشرنا لها بالنسبة لهيئة المعونة الأمريكية ومؤسسة فورد.. وتخضع لهذه الشروط منظمات غير الحكومية من بينها من تدعي “التقدمية” وتعتبر نفسها “ضد النظام العالمي” ولكنها في الواقع علي عكس من ذلك.

من ضمن النقاد الواضحين لهذه المنظمات الدولية إيمانيوويل وولرستين Immanuel  Wallerstein الذي كتب: “إن منظمات حقوق الإنسان ادعت بأنها تتحدث باسم المجتمع المدني .. هذه المنظمات كان لها تأثير علي بعض الدول ـ ربما كل الدول ـ أن توجه سياساتها في اتجاه اهتمامات حقوق الإنسان ؛ ولكن أصبحت (هذه المنظمات) أكثر شبها لزملاء الحكومات عن معارضيها. وعموماً لا يبدوا أنهم ضد النظم القائمة فقد أصبحوا منظمات غير حكومية متواجدين في المناطق المركزية ولكنهم يطبقون السياسات في الأطراف حيث يعتبروا وكلاء لحكوماتهم(الغربية) وليس منتقديها. علي أي حال قليلاً ما نجحت هذه المنظمات في التعبئة الشعبية. فإنها تستند في الأساس إلي قدرتها علي الانتفاع من قوة المناضلين النخبة في بلاد المركز.

عندما تظهر منظمات “المجتمع المدني” استقلالية حقيقية من مموليها نجد أن “التمدين” و “الارتباط ولإعطاء مثالا فجا عن كيفية توظيف المنظمات غير الحكومية للتقليل من شأن الديمقراطية فعلينا أن نقرأ خطاب الاعتذار الذي بعث به عدد من مثقفي أمريكا الشمالية المعروفين إلي رئيس فنزويلا شافير في 12 أغسطس عام 2004

“نحن مستاءون لتدخل حكومتنا  (USA) في شئون بلادك(Venzuela) الداخلية. لقد مول الصندوق القومي للديمقراطية National Endowment of Democracy ، وهي مجموعة ممولة من كونجرس الولايات المتحدة الأمريكية، رؤساء معارضة راديكاليون ضمن محاولة إنهاء رئاستك. بعض الأفراد الممولين من قبل الـ NED اشتركوا في انقلاب إبريل 2002 لمحاولة الإطاحة بنظامك .استطلاعات الرأي التي تمت بواسطة الحكومة الفنزويلية ومعارضيها توضح أنك ستغلب علي المنادين برحيلك عن الحكم.  كمواطنين أمريكيين، نحن ملتزمون بتحسين العلاقات مع بلادك  ونحث الكونجرس والبيت الأبيض علي أن ينظر إلي فنزويلا ليس فقط كنموذج للديمقراطية بل أيضاً كنموذج لكيف يصرف عائد النفط لصالح كل شعبها”

 ملحق رقم2 :

“إن ازدياد الاعتماد المتبادل في ظل العولمة، مكن الدول المتقدمة من استخدام مميزات منزلتها  العلمية المتفوقة، وخبرتها التكنولوجية، لفرض “شكل أكثر مواربة وأكثر شمولا للإمبريالية عن أي حقبة سابقة  في التاريخ” ………… هنرى ناو، Henry Nau عضو مجلس الأمن الأمريكي خلال حكم الرئيس ريجان.

العلم كأداة للهيمنة الأجنبية وكأداة للتقدم

يتعرض وطننا في مصر وفي دول عربية أخري لعقبات كأداء تعيق نهضة حقيقية تحقق المعيشة الكريمة للمواطنين في إطار سياسي يلتزم بالحرية الفكرية والاستقلال الذي يضمن سيادة القرار الوطني. فلا حرية ولا أمان ولا رفاهية لمواطن في وطن غير مستقل يتمتع بالسيادة الكاملة التي تمكن قياداته من اتخاذ قرارات نابعة من مؤسساته الوطنية ومتناسقة مع مصالح الشعب وطموحاته وليست مملاة عليه من دول أجنبية حتي وإن غلفت برداء التعاون والشراكة.

ولأننا مهددون دوماً من قبل قوي الهيمنة الغربية و الكيان الصهيوني”حليفها الاستراتيجي “، وحلفائهم أوأتباعهم في الداخل،لمحاولات إجهاضية واستباقية لأي مشروع وطني حقيقي حتي يستمر التخلف والتبعية والفقر والضعف لضمان الهيمنة والاستغلال من خلال مشاريع الشرق الأوسط الكبير أوالجديد أو الموسع. إن الخطوط العريضة لمشاريع الهيمنة وبعض تفاصيلها، معلنة وليست سرية وكلها تصب في مصلحة إسرائيل وحلفائها من أجل الغلبة لهم، و تجلب بالضرورة التخلف والضعف لمصر ومحيطها العربي. إذاً لابد من التنبه واليقظة الكاملة لهذه المحاولات والمشاريع وكشف أهدافها الحقيقية والتصدي لها.

ولأن العلم يلعب دوراً محوريا ومتصاعدا في كافة مجالات التنمية والأمن القومي والمسائل الإقتصادية ، فمن الطبيعي والمنطقي أن يصبح العلم أداة فعالة، إما للإستقلال والتهضة والنمو والرخاء من جانب المهتمين بالوطن،أو أن يكون أداة للإستغلال والتبعية والهيمنة والقهر من قبل أعداء الوطن. ليس من المستغرب إذاً أن يهتم الباحثون في مجال “سياسة العلم” بمسألة استخدام العلم كأداة للهيمنة ولهذا توفر العديد من الدراسات حول هذا الموضوع في أمريكا ذاتها وبعض دول العالم الثالث مثل الهند وكذلك في بعض دول أمريكا اللا تينية، وللأسف، وما عدا دراسات معدودة، خلت المكتبة العربية من هذه المواضيع الهامة.

هذه الدراسة تتناول موضوع “العلم كأداة للهيمنة” وتعرض ملامح حول الاقتصاد السياسي للعلم، والعلم كأداة للإمبريالية، لتعميق التبعية.

 الاقتصاد السياسي للمعرفة والعلم

 لا شك فى أننا نتناول قضية غاية في الأهمية، تقع أهميتها في ارتباطها العضوي والوثيق والمتفاعل مع مشروع تنمية طموح، يحقق التقدم للوطن والرفاهية والمعيشة الكريمة للمواطنين، ولكنه غائب ولم يتبلور بعد. لا يمكن بل من المستحيل أن يحقق أي مشروع في هذا المضمار أهدافه إلا إذا كان مستقلا وغير تابع، أي لا يخضع لأهواء وأولويات دول أخري. والاستقلال هنا لا يعني مطلقا عدم الاستفادة بخبرات أجنبية، ولكنه يعني أن هذا التفاعل لا بد وأن ينبثق من قاعدة مصرية يقودها متخصصون في العديد من المجالات التنموية والعلمية.  في هذه الحالة فقط يمكن أن تقوم هذه القاعدة العلمية المصرية بانتقاء ما هو ضروري من الخبرات التي تخدم أولويات المشروع، والتي أقرتها المؤسسات الفاعلة الوطنية بناء علي مقاييس علمية معلنة، أي أن التفاعل يتم بشروط عربية صميمة، وليس من قبل  مجموعة مختارة من قبل فرد بناء علي مقاييس غامضة، ويسودها أجانب، وبعض العرب العاملين بالخارج، حتي لو كانوا عشرات من حاملي جوائز نوبل. فالمبدأ الأساسي الواضح والذي لا يمكن تجاوزه هو أن أي مشروع تقدم علمي بدولنا العربية، لا بد وأن ينطبق عليه نفس شروط التنمية الوطنية، وهي الاستقلالية، وعدم التبعية، وإخضاع المشروع بالكامل لأولويات وطنية محلية.

تعاون متكافيء أم تبعية واستغلال

تعرضت مصر لمخاطرالمبيدات المسرطنة المستوردة، والممنوع استخدامها في الخارج، ووسائل منع حمل ضارة بالصحة “الديبوبريفيرا”، واختبارات غير قانونية لأدوية جديدة علي مرضي مصريين، ومحاولات دفن مواد مشعة، وفضلا ت صناعية خطيرة في الصحراء الغربية، رغم أنه ممنوع دفنها في أوروبا، ومواد غذائية ملوثة إشعاعيا بعد حادث تشرنوبل، بالإضافة إلي استخدام فلاحين في البحيرة والفيوم كحيوانات تجارب، لمعرفة مدي كفاءة أحد أنواع المولاسكيسايدس، التي تقتل قواقع البلهارسيا. كانت هذه الدراسة عام 1991من قبل مؤسسات أمريكية، وموافقة وتسهيلات وزارة الصحة التي زعمت أنها لن تعرض مصريين لهذه التجارب. كانت الرقابة علي المشروع مسئولية الجانب الأمريكي، فجاء الميجور جيري بمؤسسة طبية تابعة للجيش الأمريكي وهي USAMMDA . ساهم ثلاثة أطباء مصريين تابعين للنامرو NAMRU-3 والتي أنشئت بهدف دراسة الأمراض التي تشكل خطورة علي الجنود الأمريكيين، وجاء هذا النشاط تحت شعار “التعاون العلمي”.  من هذا المنطلق نؤكد علي ضرورة إخضاع أي مشروع علمي للمناقشة والتقييم الشامل قبل قبوله والتصفيق له، ودون دراية أو معرفة بتفاصيله وأهدافه.

ضرورة فهم ديناميكية التقدم العلمي ومقوماته الضرورية 

إذا أردنا تناول الموضوع بجدية منهجية فالمنطق يحتم طرح تساؤلات أساسية قد يعتبرها البعض خارج الموضوع رغم أنها في الواقع لب الموضوع وجوهره. وحتي تكون هذه التساؤلات متناسقة وعلمية لا بد أن تكون في إطار الاقتصاد السياسي للعلم. العلم ليس منفصلا عن الإطار السياسي والاقتصادي ويخضع لعلاقات القوي السائدة في حقبة تاريخية محددة. هذه العلاقات تتمثل في مدي تحكم هذه القوي في الموارد المادية والبشرية، وعلي رأسها القدرات المعرفية في عصرنا هذا، ومن ثم أهداف القوي المهيمنة بالنسبة لأي نشاط سياسي  أو اقتصادي و أو معرفي وعلمي.

 تساؤلات مهمة وضرورية

  • السؤال الأول : هل يمكن أن نتوقع إنشاء منظومة علمية رائدة في دولة نامية تعتمد سياسات التبعية السياسية والاقتصادية وفي غياب مشروع تنمية يعتمد علي العلم الحديث والتكنولوجيات المتقدمة
  • السؤال الثاني الذي يطرح نفسه بشدة، بل يستجدي الإجابة عليه هو: هل تريد قوي الهيمنة الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بما في ذلك الكيان الصهيوني أن تكون هناك نهضة حقيقية في دول العالم الثالث وفي مصر بالذات لدورها المحوري الكامن في العالم العربي والمنطقة المحيطة؟ وبمعني آخر، هل من مصلحة هذه القوي أن تصبح مصر متقدمة  في مجالات تصنيع أساسية، أو تحقق إكتفاءً ذاتيا  في السلع الإستراتيجية الغذائية والصناعية التقليدية مثل السيارات، والحديثة مثل المنتجات الالكترونية والدوائية والأدوات الصحية؟
  • السؤال الثالث: هل تشجع هذه القوي نهضة علمية  تقود وتغذي هذه التنمية المستقلة ؟ وبالتالي هل تقف هذه القوي العاتية عقبة في طريق أي محاولات جادة في طريق التنمية المستقلة المعتمدة علي قاعدة وطنية علمية ؟  هل  تحبذ قوي الهيمنة العالمية وحليفها الكيان الصهيوني إنشاء قاعدة وطنية فعالة في مصر؟ وما هو هدف هذه القوي في هذا المجال؟
  • السؤال الرابع: هل تخطط هذه القوي لإجهاض محاولات محلية لإقامة قاعدة وطنية علمية نشيطة أو أي برنامج تنموي طموح ولماذا؟ واجبنا أن نستحضر ذاكرتنا في هذا الشأن، وأن ندلل علي ذلك من واقع تاريخنا الحديث والمعاصر. هل هذا التساؤل مشروع أم أنه منبثق من فكر تآمري وأوهام غير منطقية؟ هذا يتطلب مراجعة التصريحات والمواقف المعلنة لقوي الهيمنة بالنسبة للتنمية والعلم في دول العالم الثالث، واستهدافها للعلماء ونفيهم واغتيالهم في العالم العربي والدول المحيطة.
  • السؤال الخامس: من الذي يحدد أولويات البحث العلمي في مصر أو أي بلد آخر؟ هل يمكن أن يقوم بذلك فرد حتي إذا افترضنا عبقرية هذا الشخص في الأمور العلمية والتنموية والإدارة ..الخ ؟ أم أن هذه المهمة تقع علي عاتق مجموعة من المواطنين ذوى التخصصات المختلفة في جميع المجالات العلمية وسائر نشاطات التنمية الصحية والصناعية والاتصالات والزراعة، علي أن يكون من بينهم من له أفق وتصور لمعالم النهضة، التي تتطلب هذه الطفرة العلمية، ومن لهم اهتمام بهذه القضايا عبر السنوات الماضية؟
  • السؤال السادس: ما النماذج الناجحة للبحث العلمي في دول العالم الثالث وأثرها الفعلي في التنمية؟ولماذا وضعت قوي الهيمنة العراقيل في طريقها؟ الصين، والهند، وكوبا ،وإيران. و هل يمكننا الاستفادة من هذه التجارب ؟
  • السؤال السابع: ما المعالم الأساسية، وما المقاييس التي يمكن ان تدل علي سياسات علمية جادة وليس اهتمام دعائي ومظهري ؟  مقارنة بين النموذج التابع والنموذج المظهري والنموذج الجاد.

الواقع والمنطق كلاهما يؤكدان أنه ليس من أهداف قوي الهيمنة القديمة والحديثة، أن تساعد في تقدم الدول النامية في مجالات التنمية بما في ذلك مجالات العلم، بل أن هذه القوي استهدفت استغلال موارد الدول الضعيفة، ونهب ثرواتها، وإن ساهمت في التقدم في أحد المجالات فيكون دائما لخدمة بعض مصالحها أساسا، وبما لا يتناقض مع مصالحها الأخرى. بل أنها وضعت جميع العقبات أمام محاولات التنمية المستقلة، وأجهضتها في معظم الحالات. واليابان مثال نادر أفلت من هذه القاعدة  بعد حرب ضارية، شملت تدمير مدينتين بالقنابل الذرية، ومع ذلك هناك أسباب موضوعية للسماح لليابان بضمها للمعسكر الغربي ليس هذا مجال مناقشتها.

وفي عالمنا العربي ضربت قوى الهيمنة محاولات جادة ولكنها انتهت بهزائم عسكرية. وفي كل مرة كان نتاج الهزيمة هو إضعاف الجيش الوطني، وتقويض الصناعة الناشئة عبر ما سمي “سياسة الباب المفتوح،” كان نتاج حرب 1967 هو الانفتاح الاقتصادي والخصخصة ونزع سلاح سيناء وتدهور الجامعات والتعليم عموما، ولا ننسي اغتيال بعض العلماء الألمان المتخصصين في إنتاج الصواريخ. وفي العراق دمر الجيش واغتيل العديد من علماء العراق، و استهدفت المؤسسات الصناعية والزراعية، عدا مؤسسات إنتاج النفط مصدر الطاقة الضروري لقوي الهيمنة الغربية.

وفي كوبا التي  يصل عدد سكانها حوالي 11 مليون نسمة فقط، تعرضت لحصار اقتصادي خانق وعدوان عسكري (حرب خليج الخنازير)، ولكن كوبا نجحت في إنشاء مؤسسة وطنية علمية تكنولوجية منتجة. هذا النجاح الذي يسبب قلقاً شديداً للسلطة في الولايات المتحدة. نسوق دون تعليق ما جاء في تقرير لجنة “المساعدة من أجل كوبا حرة” مايو 2004 والذي تبناه بوش: “لقد وجهت (الحكومة الكوبية) مبالغ طائلة لنشاطات مثل إنشاء مراكز لعلوم البيولوجيا والبيوتكنولوجيا، هذه النشاطات غير مناسبة من حيث الحجم أو التكاليف لدولة فقيرة أساساً، والتي فشلت في تبرير ذلك مالياً”. هذه التجربة الكوبية الناجحة لم تستورد علماء من أمريكا حاصلين علي جوائز نوبل، بل اعتمدت تماما علي جهد كوبي محض بدعم هائل من القيادة السياسية للنظام الكوبي، وبارتباط وثيق وقوي بمجالات التنمية وعلي رأسها الصحة والانتاج النباتي والحيواني، مما مكنها من إنجاز يشهد له الجميع بما في ذلك الجامعات والمؤسسات  السياسية والصحية الأمريكية. فحسب منظمة الصحة العالمية حققت كوبا  معدلات منافسة لأمريكا نفسها في مجال الصحة. العلميون الكوبيون وقيادات التنمية الكوبية هم الذين حددوا أولويات البحث العلمي مع قيادتهم السياسية الواعية، التي وفرت الإمكانات المالية في ظل ظروف قاسية، وسمحت بجلب الأدوات الضرورية من كل مكان رغم الحصار الأمريكي، هكذا يتقدم العلم في بلد نامي !!  ومن الدلالات المهمة لمشروع علمي جاد هي المشاركة الواسعة من العلميين في كافة المجالات، والمشاركة الفعالة لقيادات التنمية في جميع المجالات، والدعم المالي والمعنوي من قيادة سياسية مصرة علي تقدم علمي حقيقي. ومن دلالات النجاح هو التقدم الملحوظ في بعض المجالات الهامة شعبيا وعلي رأسها الصحة. ولهذا يقدر الشعب الكوبي الفقير الإنفاق الهائل الموجه للبحث العلمي لأنهم الجهة التي جنت ثمار هذا النشاط في مجال الصحة.

شروط أساسية مسبقة  لإنشاء منظومة علمية وتكنولوجية وطنية 

ويمكننا الآن تحديد بعض الشروط الأساسية المسبقة، والتي لابد من توافرها لمنظومة علمية وتكنولوجية وطنية وهى: الإرادة والعزيمة السياسية التى لا تكل، والتى تذلل كل العقبات مهما كانت كبيرة؛ ومسار إقتصادى إجتماعى يحتاج ويعتمد علي منظومة علمية وتكنولوجية لتحقيق أولوياته؛ وسياسة علمية مدروسة منبثقة من تعاون حقيقى بين مؤسسات البحث العلمى والتعليم بمستوياته المختلفة وقطاعات الإنتاج والخدمات المختلفة؛ وتعاون فعال مع دول عالم ثالث لها انجازات علمية مشهودة؛ وتعاون مشترك وفعال مع دول العالم الثالث التى نجحت بدرجات مختلفة فى مجالى  العلم والتكنولوجيا مثل الهند والصين وغيرها؛ إدراك وفهم جيد للمجتمع بأولوية الاستثمار فى المجال العلمى والتكنولوجى؛ تعاون دولى مع الدول المتقدمة يهدف إلى تنمية القدرات المحلية وليس تعميق التبعية، شريطة أن القرار والتصور لابد أن يكون وطنيا، أن نقتبس ما نشاء ولكن أن يكون نصب أعيننا الواقع والأولويات المحلية والمستقبلية، لا أن نترك مستشارين لدول أخري حتي وإن كان قائدهم من مواليد مصر، ولا أن نترك فردا أو مجموعة مصرية مختارة بطريقة عشوائية، أو أن يكون الانتقاء خاضعا لأهواء سياسية.

العلم فى سياقه الإجتماعى

من المستحيل تناول قضية العلم والتكنولوجيا بشكل واقعي دون توصيف البيئة الاجتماعية السياسية ( ينطبق هذا أيضا على أي جانب من جوانب التنمية) .

 إن الأولويات الاقتصادية تقع في القلب من فلسفة السلطة السياسية وسلوكها نحو البحث العلمي، كما أنها تحدد بدرجة كبيرة بل وفاصلة ما إذا كان العلم والتكنولوجيا قضايا تنموية محورية أم لا. فالعلم يرتبط ارتباطا وثيقاً باحتياجات التقدم في مختلف قطاعات الإنتاج فى المجتمع. وهو ما يتطلب بدوره التزاما بالتنمية المعتمدة على الذات. وتجدر الإشارة بوضوح إلى أن ” الاقتصاد التجاري التابع ” لا يحتاج إلى بنية علمية وطنية متطورة، ولكنه يقترن بمظاهر من الدعاية العلمية،  والنشاط العلمي الذي يركز علي منح درجات علمية أيا كانت قيمتها وجدواها، وعقد مؤتمرات علمية  واتفاقات مع المجتمع العلمي الدولي، أغلبها يعمق التبعية العلمية والتكنولوجية والصحية. وهذا يسير جنباً إلى جنب مع سياسة الاستيراد غير المحدود للسلع الاستهلاكية والخبرة الأجنبية ومشاريع “تسليم مفتاح” والتي تجعلنا نغوص في مستنقع التبعية .

 هناك جانب محوري آخر، يتمثل في العزيمة والإرادة السياسية  لبناء نسق للعلم والتقانة، بغض النظر عن الصعوبات، والزمن المطلوب، والأعباء المالية. إن تطوير مثل هذا النسق يتطلب إنشاء بنية متضافرة من معاهد التعليم، بما فى ذلك التعليم العالي، والمراكز البحثية والمنظمات العلمية والمالية… الخ. إنها عملية ديناميكية؛ ولا تنشأ ولا تتطور إلا عندما تتوفر لها الظروف الضرورية. كما توجد جوانب أخرى مترابطة لإقامة نسق جيد ومتكامل للعلم والتكنولوجيا، تشمل مسلك الحكومات ونهجها فيما يتعلق بكل من: المعرفة والتفكير الناقد، المعايير الموضوعية لاختيار القادة في ميدان العلم والتقانة، وفي أنشطة التنمية الاجتماعية ككل وتوفير الحرية الأكاديمية والسياسية التى تشمل كلا من الأساتذة والطلبة، واستقلال الجامعات ومعاهد البحث ونوعية وجودة التدريب المُقدم إلى الطلاب والباحثين.

وبعيدا عن النظرة المتكاملة لدور العلم والتكنولوجيا فى مصر وبقية العالم العربى، كثيرا ما يتم توجيه النقاش نحو عناصر منفصلة مثل : نقص الأدوات في المنشآت البحثية، وتمويل السفر لحضور المؤتمرات الدولية، وعجز المكتبات، ومشكلات لجان الترقية، ونزيف العقول ودور العلماء العرب في الخارج، والدوريات المحلية، وأعباء التدريس، وفرص العمل للخريجين، والارتباط بالصناعات القائمة … الخ. وفي حين تمثل هذه العناصر أهمية داخل إطار تكاملي للتحليل، فإن تناول كل منها على حدة، أو مجموعة منها بصورة منعزلة، لا يمكن أن يشكل أساساً لصياغة برامج فعالة من أجل التغيير.

وفي واقع الأمر، فإن هذه المعالجة المتفككة والمتفتتة لقضايا العلم، تحت شعار “إصلاح” الجامعات ومعاهد البحث، يمثل وهما للتقدم. وهو الأمر الذي قاد زحلان إلى وضع عنوان فرعي لكتابه الأخير حول العلم في العالم العربي هو: “تقدم من دون تغيير”، وإن كنت أفضل توصيفا أكثر دقة  وهو: “حركة دون تقدم”. إن نهجاً كلياً هو وحده الذي يمكن أن يكفل المزاوجة بين مختلف مكونات قضية العلم والتكنولوجيا. ويتناقض التصور الكلي بشدة مع منهج الحملات الدعائية لأنشطة تقدم وهمي تذكر أرقاما عن عدد الأساتذة أو عدد شهادات الدكتوراه الممنوحة، أو عدد المؤتمرات …الخ. وبإيجاز، لا غنى عن هذه المعالجة الكلية، خصوصا عند غياب نظام ونسق متكامل فى المجتمع بالنسبة للنشاط العلمى و التكنولوجى. إن سياسات الإصلاح غير الشاملة تصبح غير مثمرة في مثل هذا الوضع، ولا تقود إلى أي مساهمة ذات قيمة. وفي الواقع عادة ما تؤدي إلى إحباط العلميين الجادين وخيبة أملهم.

العلم كأداة الإمبريالية

إن استخدام العلم والتكنولوجيا للإبهار ولتعميق التبعية وللإشعار بالدونية ليس جديدا، فطالما استعملته قوى تسعى إلى الهيمنة، ولكن الجديد أننا نساهم فى ذلك بوسائلنا الإعلامية والدعائية رغم أننا لم نساهم قيد أنملة فى هذه الابتكارات، وأننا نحن مجرد مستوردين لها، والمحلل لأخبار العلم فى وسائل الإعلام يجد أمثلة عديدة على ذلك. وهكذا تتكرر محاولة نابليون لاستخدام العلم كأحد الوسائل لإخضاعنا منذ أكثر من قرن ونصف قرن مضت.

إن الغزو الفرنسى وضع حدا لمحاولات إعادة تنظيم مصر خصوصا فى المجال العسكرى، فقد استخدم المحتل الفرنسى العلم للتسخير والتغريب، فكما ذكر Bourrienne  أن فن السيطرة على البشر دائما كان جزءا لا يتجزأ من فن الحكم . ولم يكن هذا خافيا أبدا علي نابليون الذى استخدم كل فرصة لإبراز عظمة وتقدم فرنسا للمصريين فى الفنون والعلوم … مما جعله يدعو بعض الشيوخ المصريين كى يشاهدوا بعض التجارب الكيميائية التى يجريها العالم الفرنسى M. Berthollet .

أن هذا المشهد هو بلورة لاستخدام العلم كوسيلة لإبراز المستعمر (بكسر الميم) كقوة فذة لا تقهر ولتعميق الشعور بالدونية للمستعمر (بفتحة على الميم).

 وقد قيل الكثير حول نشاط الفرنسيين الثقافى فى مصر والذى تجسد فى مجموعة “وصف مصر” ، ولكن بحوثهم العلمية كانت لمصلحة الأوروبيين وليس لتنوير الشعب المصرى . كما أن أعضاء “معهد مصر”  ““Institut d’Egypte الذى أقامه الفرنسيون، كانوا فرنسيين ولم تكن هناك عضوية للمصريين، ولم تكن هناك دراسات عربية إلا لمصلحة الفرنسيين أنفسهم، وبمجرد أن انسحب الجيش من مصر اختفى المعهد من الوجود. وبالطبع فتح المعهد لبعض الزائرين من المصريين مثل الجبرتى الذى زار المكتبة ومعامل البحث، وقد عبر عن زيارته بأنه ” رأى أشياء لا تفهمها عقول مثل عقولنا ” !! وتصبح هذه المقولة تجسيدا لمفهوم تغريب العلم . ” كما أن الجبرتى أثناء سنوات الاحتلال الفرنسى لا يعطينا وصفه المطول عن تاريخ العلماء المصريين كما كان يفعل ولكن يعطينا ملخصا للذين أعدمهم الفرنسيون أو الذين تركوا القاهرة ” .

أما الآن فتجئ المحاولة هذه المرة بأيد عربية ولكن الهدف والوسيلة واحدة.  يسوقنا هذا لحديث مختصر حول إستخدام العلم كأداة فعالة للهيمنة من قبل القوى العظمى، وخطورة هذا الأمر تتركز فى نقطتين أساسيتين، أولهما: أن البعض يعتبر العلم والسياسة كيانين منفصلين، وبالتالي غاب موضوع العلم فى السياسة الخارجية، أو كما يسميه ديكسون، Dixon “الإمبريالية المعرفية والعلمية”، عن تناول المثقفين فى مصر وبقية الأمة العربية، وثانيهما: أن تسخير العلم والتكنولوجيا من قبل الإدارة الأمريكية كأداة للهيمنة والاستغلال والابتزاز السياسى للدول العربية  ستتصاعد وتيرته. وفى الوقت نفسه ستمنع الدول الرأسمالية الكبرى أنواعا من التكنولوجيا والمعرفة العلمية لأسباب تجارية احتكارية وأمنية وعسكرية، كما ستستغل دول العالم الثالث لتصدير تكنولوجيات غير متقدمة وملوثة للبيئة إليها.

 ولقد جذب أنتباهى لهذا الموضوع محاضرة فى أوائل السبعينات بجامعة ولاية متشيجان التى كنت أعمل بها أستاذا للكيمياء الطبيعية فى ذلك الوقت. وكانت إحدى استنتاجات المحاضر الأساسية، الذى كان يمثل الجمعية الكيمائية الأمريكية لذلك العام، هى تصدير الصناعات التى تحتاج للطاقة والعمالة المتوسطة الكفاءة والملوثة للجو مثل صناعات الورق والأسمنت إلى الكويت والمكسيك. كانت المحاضرة نموذجا لجهود توزيع العمل دوليا فى إطار العولمة، كما بدا واضحا الجانب العنصرى المقترن دائما بالتخطيط الإمبريالي. ومن المدهش أن بعض المثقفين حتى الوطنيين منهم لا يزال يقلل من العقبات التى تفرضها الدول الصناعية فى مجال العلم. فقد أشار زحلان فى كتابه الهام “العرب وتحديات العلم والتقانة” أنه “ليست هناك أية قيود جدية لنقل التقانة الى مناطق حيوية عديدة مثل الصحة والزراعة وسلسلة كبيرة من الصناعات الأساسية والمهمة”، و كما كتبت من قبل فى مكان آخر، فإن الإستراتيجية الأمريكية الواضحة هى ضمان استمرار تفوق الكيان الصهيونى إقليميا والعمل على إبقاء حالة الضعف والتخلف عربيا خصوصا فى مجالات العلم والتكنولوجيا. ولعل تدمير العراق وحصاره واحتلاله فى العقد السابق، وما تم من تهجير كفاءاته العلمية خارج البلاد واغتيال العديد منهم ومن هؤلاء د. عبد المنعم الأزميرلي العلمي المتميز أول دفعة 1960 بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وكان قياديا في المؤسسة العلمية العراقية، قتله الجيش الأمريكي بعد القبض عليه وتعذيبه الوحشي، وهو ما نشرت تفاصيله صحيفة الجارديان البريطانية عام  2004.  إن هذا مثال صارخ لممارسات اغتيال المعرفة من قبل الاستعمار والامبريالية.

وحتى لا يتسرع البعض فى اعتبار بعض هذا الحديث وكأنه جزء من التفكير التآمري، وهو نهج مفضل لدى المتآمرين أنفسهم، أود أن أبدى بعض الملاحظات الضرورية باختصار شديد، وعسى أن تتاح الفرصة لحديث مفصل لاحقا: إن الولايات المتحدة الأمريكية هى أكبر منتج للعلم فى العالم، وقد سمح لها ذلك أن تنتزع امتيازات سياسية كبيرة، ولم يقتصر هذا على دول العالم الثالث بل شمل أيضا دولا صناعية ولكن بدرجة أقل. إن استخدام العلم فى السياسات الخارجية قد أدى إلى ازدياد تحكم الشركات العملاقة ودول الهيمنة، ولقد أدى هذا الازدياد الى تفاقم أحوال الدول النامية.

لقد عبر العديد من المسئولين الأمريكيين عن أهمية استخدام العلم كأداة للهيمنة ، ونسوق هنا بعض الأمثلة.  كان هنرى ناو، Henry Nau  الذى عمل كأحد مساعدى الرئيس ريجان صريحا عندما اقترح أن ازدياد الاعتماد المتبادل في ظل العولمة  مكن الدول المتقدمة من استخدام مميزات منزلتها  العلمية المتفوقة وخبرتها التكنولوجية لفرض “شكل أكثر مواربة وأكثر شمولا للإمبريالية عن أي حقبة سابقة  في التاريخ”

وكان هنرى كيسنجرHenry Kissinger مستشار الأمن القومى للرئيس نيكسون شخصية محورية في محاولات دمج العلم في مجال السياسة الخارجية واستخدامه للاستفادة سياسيا من ثمرة التفوق العلمى الأمريكى. تقول دكسي لي  رئيسة هيئة الطاقة الذرية السابقة ورئيسة مكتب المحيطات والبيئة وشئون العلم: أن كيسنجر اعتبر ان القدرات العلمية هي بمثابة أوراق في اللعبة السياسية، بمعني ان تقول لدولة ما إذا فعلت ما أريد في مشكلة ما ستحصلين علي قدر من العلم والتكنولوجيا (طبعا بشروطي).

ولقد أكد هذا المفهوم صانعو القرار السياسى ألأمريكى بدءا من وليام كيسى،William Casey مساعد وزير الخارجية آنذاك، والذى عمل رئيسا للمخابرات المركزية الأمريكية بعد ذلك اذ يقول في حديث لمعهد البحوث الصناعية أنه ليس هناك عاملا يفوق أهمية دعم العلم لتغذية التكنولوجيا وتسخير ذلك لتمويل طريقنا في العالم. وأكد المفاهيم نفسها زبجنيو بريجنسكى،Zbignew Brzenski ،مستشار ألأمن القومى للرئيس كارتر، والذي شدد علي قيمة العلم والتكنولوجيا كأدوات للسياسة الأمريكية. ومثلهم ألكساندر هيجAlexander Haig ،وزير الخارجية عام 1981، والذي قال”أن لب التنمية هو خلق ثروة إضافية وليس التوزيع الإنتقائى للثروة المتاحة حاليا من مكان إلى آخر فى هذا العالم”.

 ثم نصل إلى المرحلة الحالية “مرحلة العولمة المعسكرة ” كما يطلق عليها سمير أمين عالم الاقتصاد السياسي المصري، والتى تتميز بالتهديد المباشر والإملاءات البعيدة تماما عن أى مواربات دبلوماسية.

نحن لا نتحدث عن دولة عادية إنما عن الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني- أي إسرائيل- والتي لم يكف رؤسائها جمهوريين وديمقراطيين الإعلان والتأكيد علي أن الولايات المتحدة تضمن تفوق إسرائيل، ليس علي مصر وحدها، وإنما علي كافة الدول العربية. أعرف تماما كيف أن البعض يحلو له تناسي هذه الحقيقة، ولكن هذا هو الواقع الذي يحتم علينا أن نتساءل: هل سيكون التعاون المنشود في صالح مصر؟ هل سيعمق تبعية الدولة والمؤسسات المصرية بحيث تشمل الجانب العلمي بالإضافة للجوانب السياسية والاقتصادية؟ ألم يقم الاستعمار البريطاني في السابق بمشروعات إجهاضية في مجال التعليم بمصر، ومحاولات لعرقلة جهود وطنية في مجال التعليم الجامعي؟ السؤال المنطقي ما هو البديل؟ ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق هذا هو: ما هي المشاريع والبرامج المرفوضة؟ إن البديل الصحيح والصعب أيضا هو المسار المستقل. تتمثل صعوبة هذا المسار في أنه يتطلب أيضا مسارا سياسيا مستقلا. ماذا نفعل في المرحلة الآتية حتي تتبلور ظروف أفضل؟

ان الظروف التي نمر بها والمشاكل التي نواجهها ليست لها خصوصية مصرية أو عربية، وهي ليست فريدة كما يظن البعض، ولقد مرت بها شعوب أخري من قبل، بل ان هناك نماذج معاصرة تخطت مثل هذه العقبات، وحققت نجاحات ملحوظة كالصين والهند وكوبا. ولقد تناولت منذ بضع سنوات نموذجا لهذا النجاح العلمي الهائل الذي حققته كوبا.

جاء في كتاب زحلان  “العلم والسيادة التوقعات والامكانات في البلدان العربية” اصدار مايو 2012 نبذة عن محاولات من قبل قوي الهيمنة لفرض اولويات لا تتناسق مع الاولويات الوطنية.  ففي  أواخر عام  1952 اعلن الرئيس ايزنهاور في الامم المتحدة برنامج “الذرة من اجل السلام” كاداة “للتنمية والسلام”.  في هذا الاطار عرضت الولايات المتحدة علي الجامعة الامريكية ببيروت مفاعلا نوويا وكان زحلان رئيسا لدائرة الفيزياء في تلك الجامعة، فرفض المشروع، وكان منطقه “أن المفاعل لن يمكن دائرة الفيزياء من اقامة نشاط مفيد، بالاضافة الي ذلك لم يكن في دائرة من كان مهتما بالمشروع في ذلك الوقت، ولم يكن هناك اية توقعات ان يكون لبنان من الدول النووية في يوم من الايام.” كان لدينا مخططات محددة لتطوير بحوث في علم الاطياف …وفيزياء الحرارة المتدنية، والرنين المغناطيسي للالكترون والنواة وغير ذلك. طلبت الاموال المخصصة للمفاعل لشراء اجهزة يمكن ان تكون مفيدة لبرنامجنا…إلا ان عرضي رفض”. ليس غريبا ان يكون هذا موقف زحلان لكونه من العلميين العرب الذي ربط دائما بين العلم والسيادة الوطنية، والذي أصدر أول كتاب شامل حول “العلم في اسرائيل” منذ عقود، بالطبع لم يحصل علي جوائز لانجازاته العلمية والثقافية من إسرائيل أو أمريكا. 

ملحق رقم3 :

مشروع برنامج تليفزيوني حول العلم لإي إطار نشر الثقافة والمنهج العلمي

أصبح العلم أكثر من أي حقبة في التاريخ مصدرا لقوة الأمم وثروتها،كما أصبح اداة إما للمقاومة والتحرر أو للهيمنة والسيطرة. ولهذا فمن المتوقع أن تهتم وسائل الأعلام بموضوع العلم وأن يكون هناك قسم في الصحافة العربية يتناول العلم بشكل جدي في محتواه مؤكدا المنهج العلمي. كذلك كان من المنطقي ايضا أن يكون هناك عدة برامج علمية علي شاشات التليفزيون تشمل الجوانب العديدة للعلم. ولكن في الواقع وللأسف نجد الخطاب العربي يخلو من  موضوع العلم سواء إعلاميا أو ثقافيا أو اقتصاديا وفي مؤتمراتنا بخلاف أخبار متناثرة بلغة غامضة  في غالبها يساهم في مزيد من التسحير والتغريب من العلم وخطابات رنانة بأهمية العلم واحتفالات بعيد العلم وإعطاء الجوائز والشهادات والإشادة باكتشافات وهمية دون انجازات علمية حقيقية ومساهمة فعالة في التقدم العلمي. وهكذا أصبحت الثقافة العلمية العامة بمثابة ثقبا أسودا في ثقافتنا العربية حتي بين مثقفينا المعروفين.

صحيح أن هناك بعض البرامج التلفزيونية الأجنبية والتي يتم ترجمتها مع بعض التعليقات من شخصية معروفة، وعلى الرغم من هذه أن هذه البرامج تحظي ببعض الاهتمام، ولكنهاتعاني من قصور مهم من أوجه الرئيسية. فالبرنامج الأصلي كثيرا ما يجري تشويهه عبر تعليقات تخلط العلم بالسحر والخرافة. وإذا كان الهدف هو نشر وتعزيز التفكير العلمي وتقليل الأمية العلمية وتوليد الاهتمام بالعلوم بين الشباب وتحميسهم للتخصص في المجالات العلمية المتقدمة فإن هذه البرامج يكون تأثيرها سلبيا. وذلك لأنها تهمل إبراز المنهج العلمي في التفكيرعموما وفي البحث العلمي، وكيف تتم الاكتشافات المختلفة. كما أنها نادراً ما تعرض صورا واقعية عن العلماء وشخصياتهم المتنوعة ومواقفهم المختلفة حول القضايا العامة. وتهمل دور المرأة كباحثة علمية. أما تناول العلم من منظور قضية اقتصاديات وسياسة العلم. ونادراً ما توجد برامج جيدة يكون اقتصادي سياسي فهو غائب تماما في نشاطنا الثقافي الغربي رغم أن موضوع سياسة العلم تتبوا أهمية خاصة في الخطاب الأمريكي كعنصر للهيمنة وفي بعض دول العالم الثالث كالهند وكوبا من منظور مقاوم.  دوما معظمهم حول  سلوك الحيوانات مثل  برنامج “عالم البحار” الذي كان يعرضه الدكتور جوهر علفي التلفزيون المصري.

 والسؤال هل يمكن النهوض بمجتمع دون حد أدنى من الثقافة العلمية بدءا بالمثقفين و قناعة شعبية عامة بأهمية العلم وعدم جدوي السحر والخرافة حتي يكون هناك تفهم وتبرير للإنفاق علي البحث العلمي رغم الأزمات الإقتصادية.

الشروط الضرورية لبرنامج علمي ناجح

من المهم أن نشدد على أن عرض برنامج حول العلم غير جذاب سيؤدي الي مزيد من نفور المشاهد من العلم. ولهذا فمن الضروري ان يلبي البرنامج شروط أساسية لازمة للنجاح. والنجاح يعني أن البرنامج قادر علي جذب اهتمام واسعً من مختلف الفئات العمرية بما في ذلك الشباب والأطفال ودون المساس بمضمونها العلمي الأساسي بحيث يشتاق المشاهد للحلقة القادمة ويثير الحديث حوله.

وبالتالي يجب أن تعرض الأفكار العلمية بوضوح شديد وبطرق جذابة وبتبسيط لايخل بالمضمون العلمي. كذلك لا بد من تزاوج المضمون العلمي مع قصص ومفارقات متعلقة بالموضوع وبشخصية العلماء الفريدة. لا بد من تقديم كبف نشأت الفكرة العلمية وكيف تطورت وكيف أدي فضول العالم وظروف خاصة أدت لاكتشاف معين. كيف أن المنهج العلمي المبني علي المنطق البسيط والابداع في اخترا الأدوات اللازمة للإكتشاف. كيف أن التطبيقات العملية تجيء لاحقا وكيف أن أدوات البحث الجديدة تساهم في انعكاسات إيجابية في مجالات الصحة والاتصال وتحسين نوعية الحياة وانعكاسات سلبية بتقديم وسائل حرب فتاكة. وكيف أن الأدوات الجديدة تصبح نفسها أدوات بحثية مما يسرع ديناميكية البحث العلمي وتدفعه الي الأمام. لا بد أن تشمل العروض قصص مثيرة للاهتمام، تتناول جوانب تاريخية، وتفاعل العلماء لإنضاج فكرة علمية.

لا بد من التدرج في عمق المحتوى العلمي ، كما أنه من من الضروري قياس ردود فعل المشاهدين لإجراء التعديلات اللازمة.

مواضيع مقترحة 

 آفاق جديدة في العلم- أنواع مختلفة من الاكتشافات-

 شخصيات علمية فريدة- جوانب  تاريخية-

العلم كنشاط سياسي اقتصادي- العلم كأداة للهيمنة والسيطرة  أو التحرر و المقاومة- العلم بين التبعية والتعاون-

مشاهد من الإثارة العلمية – جوائز نوبل- مشاهير العلماء رجالا ونساء

العلم والفن، والصحة، والتجارة-

تجارب علمية  للأطفال-

 نماذج للتقدم العلمي في البلاد النامية كوبا وإيران-

مقابلات مع علماء عرب واجانب- كتب جديدة عامة-

العناصر الضرورية للتقدم العلمي- –  العلم في العالم العربي- المنهج العلمي كأداة فعالة لمكافحة التطرف والدوغماتية.

العلم لدي الكيان الصهيوني

مراجع

   1- صفية انطون سعادة :  “العروبة والتحدي الامريكي والصهيوني”

   2-  أشرف البيومي:   نداء وتعليق علي بيان المعارضة الوطنية السورية الأخير،1 أكتوبر 2011  

        3-  منير الحمش :  “ماذا تريد أمريكا من سورية؟ ولماذا تكره القومية العربية”،  2016

        4 – أشرف البيومي:  الإخوان المسلمون: دراسة من ثلاث أجزاء  2013

        5-  أنطوان زحلان :  العرب وتحديات العلم والتقانة : تقدم دون تغيير مركز دراسات الوحدة 1999

        6 – أشرف البيومي: العلم كأداة للهيمنة الأجنبية 2012  

        7-  سعود قبيلات: النهضة العربية وخياراتها برؤية اشتراكية، 2015

        8 – فوزي منصور: الشرق أوسطية – سيطرة صهيونية علي العالم لعربي، مؤسسة العربي 1995

        9-  أنور عبد الملك:  الإبداع والمشروع الحضاري، مكتبة الأسرة 2012

       10 – سهير مرسي: المعونة الامريكية في مصر : حالة خاصة لسياسة عامة المواجهة ، الجزأ الأول في الكتاب الخامس 1985 والجزأ الثاني في الكتاب السادس 1986

       11 – سهير مرسي : التمويل الأجنبي ومنظمات المحتمع المدني 2004

       12- أشرف البيومي: من أجل تفعيل العلاقات المصرية السورية للمواجهة المشتركة ضد الإرهاب وحماية الأمن لقومين  2 سبتمبر 2015

       13 – أشرف البيومي:  المعارضة السورية: بين الوطنية والتبعية      28 أكتوبر 2015

       14 – أشرف البيومي:  “عملية شجر السيكامور ” التآمر لأمريكي – السعودي لإسقاط النظام  السوري 25 يناير 2016                                                                          

 15   -David Dickson,”The New Politics of Science”Pantheon 1984

 16 – Wallerstein,The Decline of American Power,The New press,2004 

 17  – Rebuilding Americas Defenses : Strategy, Forces & Resources for a New  

           Century

 18 – Report of the Project of the New American Century ,September 2000 

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.