فلسطين المحتلة – مُقاطعة جُزْئِيّة للإحتلال، الطاهر المعز

نُشِرَ النّص الأصلي لحركة “المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات” على الكيان الصهيوني، سنة 2005، من قِبَلِ مجموعة من الجمعيات والمنظمات الأهلية الفلسطينية، ثم أضافت المنظمات الأجنبية أو حَذَفَتْ بعض البنود، ولكن معظمها اكتفى بالجزء الأول من الثلاثية، أي المقاطعة، مع حصرها بالأراضي المُحْتَلّة سنة 1967، أو حصر المقاطعة بالمواد الزراعية أو الصناعية القادمة من مستوطنات الضفة الغربية المُحْتَلّة، وأضافت معظم المجموعات الأوروبية والأمريكية إلى عبارة “مقاطعة”: “… إلى أن تمتثل إسرائيل للقانون الدّولي”، وهي إضافة لم تَرِدْ في النص الأصلي، ولكن بعض الفلسطينيين والعرب أصبحوا يُرَدِّدُونها، متناسين إن “القانون الدّولي” مسؤول عن تأسيس دولة الكيان الصهيوني، على أرض وَوَطَن الفلسطينيين، منذ قرار التقسيم، سنة 1947، ويمكن أن تُشَكِّلَ الدّعوة للمقاطعة منطلقًا لعزل الكيان الصهيوني، ومُقاومته كحركة استيطان اقتلاعي إحْلاَلِي، لكن لا يزال الأمر مقتصرًا على نشاط الشركات والمصارف العالمية في مستوطنات الأراضي المحتلة سنة 1967، وتوسّع هذا النشاط في أوروبا (باستثناء بعض البلدان، وأهمها ألمانيا وفرنسا وهولندا) وفي أمريكا الشمالية، ليشمل المقاطعة الإقتصادية والأكاديمية والثقافية والرياضية، وغيرها، بينما ازداد الإختراق الصهيوني في البلدان العربية وفي إفريقيا، وفي الصين…

دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (يوم الثلاثاء 20/11/2018)، وهي منظمة أمريكية ممولة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (أي وزارة الخارجية والحكومة الأمريكية) موقع شركة “بوكينغ.كوم” (مقرّها في هولندا) إلى أن تحذو حذو الاشركة الامريكية “اير بي أن بي” وتنسحب من “المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة”، وكانت شركة “اير بي ان بي” قد أعلنت يوم الاثنين 19/11/2018 سحب المساكن المقامة في مستوطنات الضفة الغربية من قوائمها، فهددت حكومة العدو برفع قضية ضد هذه الشركة التي يتمثل نشاطها في الوساطة عبر الشبكة الإلكترونية لتأجير المساكن، خصوصًا للسائحين الأمريكيين، وبعد سنوات من العمل، أعلنت (إثر ضغوط حركة المقاطعة) إنهاء الوساطة في المستوطنات “غير القانونية على أرض يمنع الفلسطينيون من الوصول إليها”، بحسب المنظمات الداعية للمقاطعة، التي اعتبرت “إن شركة اير بي ان بي اتخذت موقفا ضد التمييز ومصادرة الأراضي والسرقة”، وهو تجاوز لما أعلنته الشركة نفسها، التي أبدت تخوفات من تأثير نشاطها في المستوطنات على سمعتها وعلى إيراداتها، لأن عملية استئجار العقارات في المستوطنات محظورة على الفلسطينيين، ومسموحة للأجانب، وقدّرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عدد المستوطنين الصهاينة بنحو 400 ألف في مستوطنات الضفة الغربية وب 200 ألف مستوطن آخر في مستوطنات الأحياء الشرقية من القدس…

قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، منذ شهر آذار/مارس 2016، إعداد قائمة لقاعدة بيانات تضم الشركات والمَصارف التي تتعامل مع المستوطنات الصهيونية في الأراضي المحتلة سنة 1967، في معرض إدانة المستوطنات، “وعدم قانونيتها حسب القانون الدولي” (الذي يعتبر احتلال الأراضي سنة 1948 “شَرْعِيًّا”)، والدعوة للامتناع عن “تقديم أي نوع من المساعدات للمستوطنات”، وتحذير الشركات ورجال الأعمال “من الانخراط في مبادرات اقتصادية وصفقات تجارية معها”، وأقر الإتحاد الأوروبي وَضْعَ علامات على البضائع الصهيونية الواردة من المُسْتَوْطَنات، وهذا لا يعني مقاطعتها، بل تطبيق قانون أوروبي سابق يُجْبِرُ المُصَنِّعِين والتُّجّار على إبْراز مَنْشَأ السّلع، وهو قرار غير مُطَبّق في أوروبا، بسبب عدم وجود آليات للمراقبة وعقوبات للمخالفين، وتجدر الإشارة إن الإتحاد الأوروبي (كمؤسسة وكأجهزة دول منفردة) ضد المقاطعة، بل أقرت عدة دول (فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وبعض دول أوروبا الشرقية) قوانين تُقر الغرامة والسجن على الأفراد الداعين لمقاطعة الكيان الصهيوني بشكل عام، دون تفريق بين مستوطنات 1948 أو 1967، وردّت سلُطات الإحتلال على تهديد مجلس حقوق الإنسان، بتكليف شركات استشارات قانونية، لدراسة محتوى حملة صهيونية (وأمريكية) لمواجهة حملة المقاطعة العالمية لبضائع المستوطنات، وتشويه الطابع المَدَنِي والسِّلْمِي لحركة المُقاطعة، لتعْلِيل ملاحقة واستهداف قادة ونشطاء “حملة المقاطعة”، عبر الإغتيال، وتبرير ذلك بالعمل على اختلاق روابط بينهم و بين المنظمات الإرهابية، وبالتالي ملاحقتهم في الدول الأجنبية، من خلال التنسيق مع أجهزة مخابرات عالمية…  

أقرت الأمم المتحدة في بداية سنة 2018 “قائمة سوداء” تَضُمُّ 206 شركة دولية تعمل في مستوطنات الإحتلال الثاني (الأراضي المحتلة سنة 1967 )، وهي المستوطنات التي تعتبرها الأمم المتحدة “غير شرعية” (مما يعني إن احتلال 1948 “شرْعِي”)، واعتبر الكيان الصهيوني نَشْرَ تلك القائمة “انتصارًا للجبهة المُعادِيَة للسَّامِيّة” فيما عبرت الصحف الصهيونية عن المخاوف من “بداية سلسلة من عمليات المُقاطعة الدّولية”، وورد في تفاصيل قائمة الأمم المتحدة إن 143 شركة من إجمالي عدد الشركات – البالغ 206 شركة- لها مقرات في فلسطين المحتلة، سواء الجزء المحتل سنة 1948، أو في المستوطنات في أراضي 1967، و22 شركة مَقَرُّها في الولايات المتحدة، و7 شركات في ألمانيا و5 في هولندا و4 في فرنسا، والشركات الباقية تتخذ مقرات لها في 19 دولة أخرى، ولم يكشف تقرير الأمم المتحدة عن أسماء مجموع تلك الشركات، لكن شركة ( Airbnb ) موجودة ضمن تلك القائمة، مما دعاها إلى اتخاذ قرار “الإنسحاب”، لأن حملة المقاطعة استغلت نشر القائمة لتبدأ حملة ضغط على هذه الشركات، ومن بينها بعض الشركات الأمريكية… وردت معظم المعلومات في صحيفة “يدعوت أحرونوت” الصهيونية وفي موقع “المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” (جنيف) وفي برقيات وكالات أ.ف.ب + رويترز 20 و 21/11/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.