“كنعان” تتابع نشر كتاب “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 9)

في حلقة اليوم: 

متابعة في مناقشة وثيقة ما يُسمى”حركة شعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديموقراطية واحدة”

:::::

الوصول للدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة

أن طرحت الورقة أن الحامل الكفاحي هو الحركة الشعبية، أعادت طرح عموميات تفيد بأن الفلسطينيين في الداخل والشتات مع اليهود هم الذين سيخلصون إسرائيل من عنصريتها، واليهود من صهيونيتهم، وسيعملون على تفكيك الدولة. ثم تعود الورقة مرة أخرى في محاولة للخروج من الدوامة وتطرح: “إن بناء هذه الدولة هو نتيجة نضال وطني وطبقي متعدد الأشكال وهو نضال مشترك ما بين أهل فلسطين وأولئك اليهود المتخلصين من ‏الايديولوجية الصهيونية فدور الطرفين مهم وحاسم..”. من هم أهل فلسطين؟ هم العرب واليهود كما ترى الورقة وغيرها!

الفلسطينيون جاهزون فهم ليسوا في حاجة للتخلص من الأيدولوجية الصهيونية، وإنما اليهود هم الذين يحتاجون هذا الخلاص.

ولكن أين هم اليهود المتخلصون من الأيديولوجية الصهيونية وفي نفس الوقت جاهزون لأن يمتشقوا السلاح لمقاتلة إسرائيل التي تحتل فلسطين لأنها في نظرهم عنصرية ويهودها صهاينة؟

أليس هذا زرع أوهام مقصودة في وعي الشعب الفلسطيني؟ أليس هو نفس وهم الدولتين؟

وتزيد الورقة من حجم المنخرطين في نضال الدولة الواحدة ليشمل العرب:

“كما لا بد من التأكيد على ارتباط هذا النضال بكلية النضال في الوطن العربي نتيجة كون فلسطين هي جزء من هذا الوطن، ولأن الوجود الصهيوني في فلسطين هدف منذ بداياته الى منع استقلال ووحدة وتطور الوطن العربي بأكمله.”

لماذا لم يتقدم اليهود للنضال من أجل دولتين لشعبين ليبينوا أنهم مخلصون للفكرة التي طرحوها؟

إن كل أسباب فشل حل الدولتين لشعبين والتي تكمن في الموقف الإسرائيلي والعجز العربي والفلسطيني هي قائمة تماما في وجه أي حلول وأي تسويات بما فيها حل الدولة الواحدة باستثناء الضم.

إذا قامت إسرائيل بالضم فسيكون الشعار المطالبة بالمساواة، وستكون طروحات أصحاب الدولة الواحدة مجرد مقدمة للمطالبة بالمساواة وبدولة ديموقراطية علمانية. والضم هو ما يطرحه اليهود أنفسهم ويلتقي معهم أصحاب مشاريع الدولة الواحدة:

“والآن، ليس هناك من حل إلا الحل الذي يقوم على أن فلسطين بلد واحد، وأن على أرضها لا يمكن أن تقومَ إلا دولة واحدة (أليس هذا ما يطرحه اليهود كل يوم- م.ف) علمانية ديمقراطية لكل مواطنيها”. إن هذه الإضافة هي للتزيين.

ثم مشاركة شعوب العالم، والورقة وبلغة الوجوب تُلزم كل شعوب الأرض بالمشاركة:

“ولا بد من التأكيد على دور شعوب العالم في هذا النضال الذي يخصهم أيضاً، كون الدولة الصهيونية كانت في الأصل وفي المنشأ نتاج المشروع الاستعماري الاستيطاني والإحلالي المرتبط بلحظة معينة من لحظات تطور النظام الرأسمالي الدولي. ولذلك، يجب مشاركة هذه الشعوب بالضغط على حكوماتها لانتهاج سياسات تحترم حقوق الشعب الفلسطيني، أو من خلال مقاطعة الدولة الصهيونية كونها قائمة على السيطرة على أرض الغير، وعلى العنصرية وعلى نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) وعلى توظيف الدين في مشروعها السياسي وعلى ممارسة العنف وعمليات طرد السكان الأصليين، وخدمة السيطرة الإمبريالية على مقدرات شعوب المنطقة وشعوب العالم ككل.”

إذن، إنها واجبات كبيرة وكثيرة بحيث تقوم الشعوب بإلزام حكوماتها لانتهاج سياسات تحترم حقوق الشعب الفلسطيني ومقاطعة الدولة الصهيونية العنصرية والتي تمارس العنف.

ما دامت هذه صفات الدولة الصهيونية العنصرية “لذلك يجب مشاركة هذه الشعوب في حلبة الصراع كل فيما يخصه.”، ولكنّ الغرب هو الذي أقام هذه الدولة وبهذه الصفات وهو معها تماما!!! هناك تقسيم عمل إذن ستطرحه الورقة في حلقة قادمة أو أن شعوب العالم أذكياء ويعرفون واجبهم وكل في ما يخصه.

إنّ توسيع دائرة المشاركين في النضال ضد إسرائيل بهذه الصورة هو كلام جميل ولكنه غير مضمون البتة. يا أصحاب حل الدولة! أنتم تسهبون في الشرح في ما لا يلزم لتوسيع دائرة نفوذ الحركة الشعبية فشعوب الدول الإستعمارية تعرف كل صفات إسرائيل هذه وتؤيدها.

إذن، الحركة الشعبية سوف تقود نضال الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات ومعهم اليهود المتخلصين من صهيونيتهم (إن وُجدوا – م.ف.) وربط هذا النضال بالنضال في الوطن العربي، وشعوب الدول الإستعمارية التي لا بد وأن تقتنع بالنضال ضد حكوماتها التي ساهمت في وجود دولة إسرائيل واستيطان اليهود في فلسطين.

هناك إمكانية أخرى عند سلامة لتفكيك الدولة العنصرية لا تحتاج إلى كل ما هو أعلاه:

 يقول سلامة في الورقة: “كما أن أزمة الامبريالية ستنعكس بالضرورة على الدولة الصهيوينة، حيث يمكن أن يتفاقم الصراع الطبقي فيها ضد الفئة الرأسمالية المُسيطرة وكل ذلك من الممكن أن يؤدي إلى إنهاء المشروع الصهيوني، كمشروع امبريالي وكدولة قائمة على الاستيطان واستغلال الدين اليهودي لخدمته ..”

هنا لا حاجة لمشاركة الفلسطينيين (؟)، فما أن تشتد أزمة الإمبريالية حتى تنعكس بالضرورة على الدولة الصهيونية فيشتد الصراع الطبقي من تلقاء نفسه ضد الفئة الرأسمالية مما سيؤدي إلى إنهاء المشروع الصهيوني كمشروع إمبريالي ودولة قائمة على الإستيطان، حيث سيستبدلون حكومتهم بحكومة أخرى يرتضونها مع بقائهم بكليتهم في فلسطين. إن هذا ليس مجرد قفزة في الهواء أو ارتهاناً لمستقبل غامض؛ إنه توكيد هوية وتكرار لما طرحه شيوعيون فلسطينيون في سبعينيات القرن الماضي.

بعد ذلك ستكون إقامة المستوطنين في فلسطين شرعية وحيازتهم للممتلكات والأراضي شرعية أيضا، وبالتالي لا حقوق لنا ولم يعد من حقنا أن نطالب رفاقنا اليهود بوطننا الذي اغتصبوه. لا كوطن وجغرافيا ولا كممتلكات ووسائل عيش، فهم قد أصبحوا يقادون من طبقات غير التي تقودهم اليوم.

إن الورقة لا تطرح مقدمات جدية لتفكيك دولة اليهود بمركباتها الأيديولوجية والعنصرية والمدعومة بالقوة العسكرية كما لاحظنا أعلاه، ولكنها تقفز إلى حق العودة وتوضح ترجماته بدقة:

“…اللاجئين الفلسطينيين لا يسقط حقهم بالتقادم ولهم حق العودة والتعويض عن ممتلكاتهم وعذاباتهم … هذا الحل يجب أن يضمن الحقوق للجميع دون استثناء، فحقوق الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم، وخصوصاً حقوق اللاجئين في العودة والتعويض عن سنوات التشرّد. فهذه الحقوق غير قابلة للتصرف، أو للتفاوض، وهذا هو مبدأ جوهري في الحل.” نلاحظ عبارة التعويض عن ممتلكاتهم وهي ذات العبارة التي طرحها كندي في رسالته لعبد الناصر عام 1962م.

لكن هذا الحل تجنب الحديث عن الإزاحة والإحلال وذلك ببساطة لأنه لم يطرح عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وسيعطيهم هذا الحل تعويضا عن سنوات التشرد.

وتستطرد الورقة بالقول:

“ولأن ذلك (أي عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم م.ف.) سوف يتعارض مع المصالح والامتيازات التي منحها النظام الاستعماري للتجمع اليهودي في فلسطين نتيجة عملية التطهير العرقي والإحلال التي تمَّت سنة 1948 وما بعدها…”، لذلك لا بد من إزاحة هذا التعارض من خلال مبادئ العدل  بدلا من إزاحة اليهود عن الأرض كي لا نحل مشكلة وتظهر مشكلة أخرى! أليس هذا مثار هزء؟ ثم تضيف الوثيقة:

“…هنا، لا بدّ من التأكيد على أن كل المشكلات التي تنتج عن ذلك، والمتعلقة بالملكية أو السكن، يجب أن تحلّ من خلال مبادئ العدل، وفي إطار لا يفضي إلى نشوء أضرار جديدة بحق التجمع اليهودي المُتَخَلِص من مزاياه وامتيازاته التي كفلها له النظام الصهيوني العنصري.”

 فما كفله النظام الصهيوني العنصري للمستوطنين المحتلين يبقى في أيديهم عندما يتخلصون من صهيونيتهم وبمباركة مبادئ العدل أو نجد له حلولا لا تتعارض مع مبادئ العدل ولا تخلق مشاكل جديدة (وهي ذاتها المشكلة القديمة المتمثلة في اغتصاب حقوق الفلسطينيين في الملكية والجغرافيا وبالأساس في الوطن.)، مع أن الورقة نفسها قالت: “…فحقوق الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم، وخصوصاً حقوق اللاجئين في العودة والتعويض عن سنوات التشرّد. فهذه الحقوق غير قابلة للتصرف، أو للتفاوض، وهذا هو مبدأ جوهري في الحل.” والكاتب لم يذكر من سيتكفل بتعويضهم عن سنوات التشرد كذلك.

كيف يكون الحل هذا مع عدم المساس بحقوق وامتيازات اليهود التي منحتهم إياها دولتهم الصهيونية؟ أما والكيان قد اغتصب الحقوق الفلسطينية، فكيف يمكن تسمية ما تم اغتصابه لصالح المستوطنين بأنه أصبح حقوقاً للمستوطنين؟ هل اغتصاب الحق يحوله إلى حق للغاصب؟ فهم قد اغتصبوا كل شيء. بل لم يُبقوا من حقوق شعبنا شيئاً، مما يعني أن الحفاظ على ما يسميه كيلة حقوق المستوطنين هو كل فلسطين! فأي تبرع كريم هذا؟ لم يقدمه حتى فريق أوسلو!

أما “صرخة وطنية ونداء من الأعماق” فتقول:

“…ونقيم على أنقاضها شروط بقائنا الجماعي على قيد الحياة ككل متكامل ومتساو بعيداً عن الفصل والانفصال والتمييز العنصري..” عن (صرخة وطنية ونداء من الأعماق).

أي يبقى كلٌّ في حيزه وهذا معناه ليبق الصهيوني في حيزه.

ما هو الحل؟ وفي هذا السياق تتحدث ورقة الصرخة  بطريقة تفضي إلى نفس النتيجة بالموافقة على بقاء ما في يد اليهود الصهاينة المحتلين بأيديهم لكونهم تعالجوا من صهيونيتهم وعنصرية دولتهم:

“ان حجر الزاوية في أي حل لقضيتنا الوطنية لا يتمثل في النسب الكمية للأراضي المخصصة لسكان المعازل على الرغم من اهمية ذلك، بل يتمثل اساسا وقبل كل شيء في نوع العلاقات التي ستقام بين سكان فلسطين التاريخية المنزوعة المعازل ولهذا نرى ان المشكلة الفلسطينية لا تنحصر في وجود مهاجرين مستوطنين من جهة وسكان أصليين (فلسطينيين) على أرضها التاريخية من جهة اخرى، بل في نوع العلاقة التي اقامها كيان المستوطنين -المنعزل- مع شعبنا” (صرخة وطنية ونداء من الأعماق).

إذن، ما يقلق أهل الصرخة هو التمييز العنصري والفصل والانفصال، وليس اغتصاب الأرض والنهب، أي أن كل ما في الأمر أن يتحول الغاصب إلى شخص مهذب يلتزم بقانون عدم التعالي على عبيده. وهنا يجهل أهل الصرخة بأن النصوص القانونية كنصوص مجرد توهيمات.

هنا يكون تعويض الفلسطيني عن أملاكه غير وارد فيكفي أن تتغير العلاقة بين “السكان الأصليين” واليهود “المعالجين”.

ذلك وكما هو في النص أعلاه: “إن المشكلة الفلسطينية لا تنحصر في وجود مهاجرين مستوطنين من جهة وسكان أصليين (فلسطينيين) على أراضيها التاريخية من جهة أخرى بل في نوع العلاقة التي أقامها كيان المستوطنين – المنعزل – مع شعبنا.” ( يا رب!! لو أنه غير منعزل لكان الاستيطان مقبولا وكل شيء بخير)

وفي مكان آخر:

” ..، كما ان مصلحتنا الجماعية تفرض علينا واجب التخلص من هذه العلاقات اللا انسانية التي ورثناها عن الحقبة الاستعمارية وإلقائها في مزبلة التاريخ، حيث تتعفن هنالك الكثير من علاقات التمييز والعبودية السابقة…”

أي علينا التخلص من الموروث الثوري والكفاحي بوصفه من ضمن “العلاقات اللاإنسانية التي ورثناها عن الحقبة الإستعمارية” وهذه العلاقات هي بالتحديد علاقات النضال ضد هذا المستعمر. وتؤكد الورقة على ذلك عدة مرات حيث تدعونا “للابتعاد عن التدمير المتبادل”.

تعالوا يا عالم: قرن من الصراع الدامي بين الشعب الفلسطيني والاحتلال البريطاني والاحتلال الصهيوني. قرن من الصراع على الحيز الذي أرادت الدول الأوروبية  منحه لليهود لتهويد فلسطين وطرد الشعب الفلسطيني منها، كل هذا أصبح بجرّة قلمٍ سوء تصرف:

“نوع العلاقة التي أقامها كيان المستوطنين – المنعزل – مع شعبنا.”، أي هو مدعو فقط لتغيير نمط هذه العلاقات لا غير. إن هذا في نظر الورقة يكفي لتغيير نظرتنا للاحتلال كونه احتلالا استيطانيا اقتلاعيا. إنه إذن مجرد حاكم ظالم وما أن يعلن أنه تخلى عن ظلمه حتى ينتهي الاحتلال والظلم ونسمي الحالة بحالة جديدة ونسميها دولة واحدة علمانية وديموقراطية. إن هذا قمة الاستغباء للشعب الفلسطيني من جهة، وقمة الولاء للصهيونية من جهة أخرى. هو دعوة صريحة للتطبيع مع العدو، بل هو أكثر من ذلك؛ إنه ينطوي على نقد ذاتي للتجربة والمقاومة والنضال ودعوة لاعتبار الوجود الإستيطاني بكليته حالة اعتيادية ننقي نفسنا ومواقفنا للتجاوب الإيجابي معها ونندرج فيها.

إن الصراع بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وإسرائيل ومسانديها من الجهة الأخرى هو صراع وجود وليس صراع علاقات ناتج عن سوء فهم من أحد الأطراف. هكذا قالت الممارسة طوال القرن الماضي. وعلى هذا بنى الفلسطينيون نظريتهم في الصراع، وحركتهم هي حركة تحرر وطني وليست حركة تغيير ألقاب المستوطنين وسلوكهم وسلوك دولتهم والتطبيع معهم.

كما لا يوجد وجه شَبَهٍ يذكر بين القضية الفلسطينية التي هي قضية اغتصاب وطن وتشريد أهله وبين جنوب أفريقيا التي استوطنت فيها أقلية بيضاء واغتصبت الحكم وأقامت نظام الأبارتهايد. وكانت المساومة لمعالجة هذه الحالة تكمن في تغيير العلاقات وسحب السلطة السياسية من المستوطنين والغاء التمييز العنصري، بينما الأمر عندنا مختلف جوهريا. ورغم تغني الصرخة ومختلف دُعاة الدولة الواحدة بمثال جنوب إفريقيا، ورغم الفوارق الواضحة بين الحالتين، إلا أن تجربة جنوب إفريقيا تتكشف عن كوارث أوضحها، أن السود لم يستعيدوا أرضهم، وبأن رأس المال بقي أبيضَا، وبأن القمع السلطوي بقي على نفس وتيرته السابقة.

فهم ورقة الصرخة للصراع

وتستمر الورقة في تأكيد فهمها للصراع العربي الصهيوني والفلسطيني الصهيوني بالقول:

“ومن هنا وعلى ضوء فهمنا هذا ننطلق نحو تحديد المضمون الحقيقي لشعار تحرير فلسطين، الذي لا يعني في أية حال من الأحوال تحريرها من وجود المستوطنين المهاجرين المقيمين فيها، بل تحريرها من نمط العلاقات الإستعمارية الإثنية الإحلالية التي أقامها هؤلاء المستوطنين مع شعبنا الفلسطيني، وتحريرها من دور كيانهم الوظيفي على محيطنا الإقليمي …”

تأتي هنا استعارة كلمة التحرير من التراث الثوري الكفاحي الفلسطيني وتعني هنا فقط وفقط الاستسلام لما هو قائم.

لننظر كيف تصف ورقة الصرخة العدو الإسرائيلي ثم نلاحظ كيف تقبل به، إنها دعوة للتعايش مع المغتصبين وموالاتهم ليس إلا. إن هذا العدو يبطش بشعبنا استنادا إلى تفوقه وظلمه فكيف التعايش معه. إنها أفكار تطبيعية بطرائق جديدة. إن عبارة التحرير هنا أصبح معناها ليس تحرير فلسطين بل تحرير عقولنا من القضية الفلسطينية.

وتقول ورقة الصرخة:

“وما تبقى منه (شعبنا) يحشر اليوم قسرا في معازل (كانتونات) إثنية منفصله عن بعضها، وتخضع لشروط أمنية غاية في القساوة، كالحد من حرية الحركة والالتحاق بالعمل إن وجد، وعدم القدرة على تحصيل وسائل العيش، ناهيك عن التعرض للاعتقالات والاغتيالات الممنهجة. كما يواصل مصادرة الارض وتجريفها، وخلع الاشجار وهدم البيوت والتحكم في مصادر المياه ومعابر الحدود دخولا وخروجا. هذا بالإضافة الى ممارسة الفصل والتمييز الإثني (الابارتهايد) المتمظهرة في كل جوانب الحياة وأبرزها بناء جدار الفصل الإثني…”

إنه ما كان من الممكن، ولا زال من غير الممكن، أن يستمر الاستيطان وإقامة مزيد من المنشآت والمشاريع دون الإستيلاء على أراضي وممتلكات الفلسطينيين من أيديهم بشتى الطرق والمدعومة بالعنف وقوة السلطة والدوريات العسكرية؛ ولهذا ستحتاج الصهيونية حتما إلى العنف والاعتقالات والاغتيالات وهدم البيوت وتجريف الأراضي. يأتي المستوطنون ولا يجلبون معهم أراضيَ يستثمرونها ولا مبانيَ يسكنون فيها. ولذلك، لا مناص لهم من اغتصاب الأراضي والمباني وهذا لا يكون سوى بالقوة الباطشة الغاشمة والمذابح والسجون، فلماذا هذه الدعوات للتطبيع وقبول هذا النوع من العدو وقبول التعايش معه؟

وهكذا، فإن ما جاء في ورقة الصرخة، وورقة ميونخ، من نتائج بعد إقامة الدولة الديموقراطية هو مجرد أوهام يطرحها أصحاب الأوراق  الشبيهة بقصد خدمة الصهيونية وهو ضد مصالح الشعب الفلسطيني. إنها دعوات لقبول العدو والتعايش معه، ودعوات لتطبيع عقلنا وموقفنا لقبول هذا العدو والتعايش تحت سيطرته الموصوفة أعلاه.

إن المقصود هو فتح أبواب متعددة للتطبيع وتثقيف العقل بقبول الاحتلال كأمر لا مناص منه مع مطالبة إسرائيل بالقيام بتحسين شروط البقاء وتغيير اسم الدولة المحتلة المعادية.

وبعد هذا، تعلن ورقة الصرخة أنها تفهم تحرير فلسطين:

 ” تحرير فلسطين  الذي لا يعني في أية حال من الأحوال تحريرها من وجود المستوطنين المهاجرين المقيمين فيها، وأنها تستهدف تحرير فلسطين من نمط العلاقات الموجودة فيها”،

أي العلاقات القائمة بين دولة الاستيطان الاقتلاعي والشعب الفلسطيني وحركته التحررية. وهل يريد اليهود موقفا أفضل من هذا الموقف، الموقف من وجود اليهود ومستوطناتهم في جميع الأراضي الفلسطينية على قاعدة بقائهم ودون أي إزاحة من المكان لصالح الشعب الفلسطيني.

هذا مع العلم أن ورقة الصرخة صدرت أساسا عام 2008م، ومنذ ذلك الحين لليوم تستمر إسرائيل في قضم مزيد من الحيز وإقامة مزيد من المستوطنات وأصحاب الورقة لايضعون حدا لذلك ولم يعلنوا أي موقف في هذا الخصوص.

ويعلق علي حتر في مقالته المنشورة في مجلة ساحات التحرير على هذه الورقة،

” صرخة وطنية ونداء من الاعماق يطلقها لفيف من شخصيات وكوادر الحركة الوطنية الفلسطينية الراهنة لإقامة دولة فلسطين الديمقراطية التقدمية على كامل التراب الوطني.. شباط 2016″، فيقول: “… بهذه الكلمات تبدأ الورقة.. صرخة ونداء من الأعماق.. يستنجد لفيف من شخصيات وكوادر الحركة الوطنية الراهنة لإقامة دولة فلسطين الديمقراطية التقدمية على كامل التراب الوطني…بصرخات الاستنجاد يبدؤون، ليقيموا ما نادى به نايف حواتمة قبل أكثر من أربعين سنة ولم يحقق منه قيد أنملة! دولة ديموقراطية مع مغتصب سفاح!!
هذا هو كل التناقض.. الذي يتناسونه، ليكملوا نصا يتناقض تناقضا كاملا مع مضمون العنوان المستحيل!!!!ويضعون عليها تاريخ شباط  2016.. رغم أنهم نشروها قبل ثمانية سنوات ولم يحققوا شيئا خلال ذلك إلا مزيدا من مستوطنات المغتصبين والتنسيق الأمني معهم” (أغسطس 2016م، مجلة ساحات التحرير”.

ويستمر على حتر بالتعليق في ذات المصدر:

” تقول ورقة الصرخة: “- حل المشاكل يتطلب إزالة أسباب نشوئها؟”

ثم تدعو للتفاهم مع أسباب نشوء المشاكل بدل الدعوة لإزالتها!!!!
وتقول: “نحن سكان فلسطين التاريخية، مطالبون اليوم بان نهدم بايدينا جماعياً شروط فنائنا الجماعي ونقيم على أنقاضها شروط بقائنا الجماعي على قيد الحياة ككل متكامل ومتساو بعيداً عن الفصل والانفصال والتمييز العنصري والنفي المتبادل للاخر.”

فالورقة ترفض الإزاحة والفصل والإنفصال  داعية للبقاء: “على قيد الحياة ككل متكامل ومتساو بعيداً عن الفصل والانفصال والتمييز العنصري والنفي المتبادل للاخر.”

أي التعايش معا. أي التطبيع بأسوأ صوره. التطبيع على قاعدة القبول بالعدو وإقرار أنه لم يعد عدوا والخضوع له. وحينها فإن عقلية أمثال هؤلاء الدعاة بكونها عقلية شرقية ستبدأ بإعداد المناسف واللقاءات مع المغتصبين علنا وعلى نطاق واسع أكثر بكثير مما هو اليوم بل ومن أجل تشريع التطبيع شعبيا. ألم يحمل أنصار أوسلو أغصان الزيتون ويكللوا بها السيارات العسكرية الإسرائيلية بعد توقيع الإتفاق؟

ما منحته الدولة العنصرية من امتيازات لليهود قبل إزالة عنصريتهم يبقى معهم، وهذا ما دعت له ورقة سلامة كيلة وورقة أحمد قطامش. وبالطبع ليس للفلسطيني فيه أية حقوق، سواء كان الفلسطيني مقيما في فلسطين أو عائدا إليها (إن مكّنته دولة التمييز العنصري من العودة).

ثم تقول ورقة الصرخة، وبعد استعراض خصائص الاستيطان اليهودي في فلسطين: “ووعيا منا للعلاقة الشرطية بين الدور الوظيفي لهذا التكوين وخصائص بنيته المتمثلة في حتمية انغلاق تلك البنيه وانعزاليتها، وما يضفي عليه ذلك بالضرورة خاصية الطفيلية، وعدم القدرة على الانفكاك من التبعية لتلك المراكز…”

هنا تأتي النقطة الثانية التي تريد ورقة الصرخة، ويريد الموقعون عليها، تخليص إسرائيل منها بعد أن خلصت المستوطنين من الصهيونية وخلصت دولتهم من عنصريتها. تأتي مسألة تخليص الدولة من الطفيلية والتبعية وفك روابطها من الغرب الذي أسسها بحكم  الخاصية وهذه “خصائص بنيته المتمثلة في حتمية انغلاق تلك البنيه وانعزاليتها،” وهذه الانعزالية هي التي جعلته يتصف بالطفيلية وعدم القدرة على الانفكاك من التبعية للمركز، مما يستدعي من أصحاب الورقة تخليص  الكيان الإستيطاني من انعزاليته وطفيليته!!

ثم تذهب الورقة إلى غاية من غاياتها بإقرارها أن فلسطين هي لسكانها الأصليين والمستوطنين وفقط عليهم تغيير نمط العلاقات بينهم ويبقى المستوطنون ومستوطناتهم ومؤسساتهم وبنيتهم كما هي وذلك لأن:

“الحقائق الملموسة الراهنة على أرض فلسطين التاريخية تؤكد ان سكانها اليوم أصليين ومستوطنين يشكلون كلاً واحداً من حيث مصلحتهم في البقاء على قيد الحياة، ولا يغير من ذلك كون النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها يقوم على الفصل والتمييز العنصري وسيطرة كيان المستوطنين على ارضها وشعبها الاصلي الفلسطيني.”

إذن هم يشكلون وحسب الورقة كلا واحدا وقبل حدوث التغييرات في المواصفات التي تحدثت عنها الورقة ومؤلفوها من اليهود والعرب، وأصبح اسم الفلسطينيين “السكان الأصليين” كما الحال في الأمريكيتين وليسوا الشعب الفلسطيني. كما أن الفقرة تتحدث عن السكان المقيمين ولم تتحدث عن اللاجئين، ويتكرر هذا في أكثر من مكان مما يدل أن حديث الورقة  الذي يدور عن عودة اللاجئين ما هو إلا ديكور لتجميل الورقة.

وعلق علي حتر على هذه المسألة بعد دراسته للورقة بقوله في ذات المصدر: “وأنا أبدأ في دراسة أي ورقة بسؤال رئيس: ما هو موقف الورقة من عودة اللاجئين أو حقهم بالعودة..؟
وهذه الورقة تماطل بكل المسائل وتعطي العدو كل الوقت لتنفيذ الاستيطان وتثبيت أقدامه على الأرض.. ولا تعطي اللاجئين إلا كلمات فارغة، لا تصلح إلا موضوعا للإنشاء في الصفوف الابتدائية.!…لا أنفي أن الورقة تتحدث عن حق العودة، لكنها تقدم اقتراحات في نهاية الأمر وفي استنتاجاتها، يتعارض عمليا وعلميا مع هذا الحق!!”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.