“كنعان” تتابع نشر كتاب “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 10)

في حلقة اليوم: 

  • نتابع اليوم مناقشة طروحات “صرخة وطنية ونداء من الأعماق”

ورقة الصرخة دعوة للتعايش والتطبيع

تبدأ الورقة مشوارها التطبيعي بالتوجه لعقل الإنسان الفلسطيني، ومن خلال ما تسميه حلا للقضية الفلسطينية تدخل وبشكل ممنهج لتغيير الثقافة التحررية وزرع ثقافة الاستسلام لما هو قائم.

فهي تعيد تعريف فكرة وشعار تحرير فلسطين بأنه: ليس تحريرها من المستوطنين بل “تستهدف تحرير فلسطين من نمط العلاقات الموجودة فيها – أي العلاقات القائمة بين دولة الاستيطان الاقتلاعي والشعب الفلسطيني وحركته التحررية”، ثم تؤكد على أحقية المستوطنين في البقاء في حيزهم دون إزاحة.

ثم تتحدث عن الشعب الفلسطيني على أنه “السكان الأصليين”، مجرد سكان في عمارة أو حي أو مجموعة أحياء. ويطرح عادل سمارة سؤالا عن هذا التعريف:

“سؤال: هذه فقرة  ملتبسة، فهي جوهريا إبقاء البنية وتغيير العلاقات مما يتناقض مع ضرورة تحرير الوطن وتجريد المستوطنين من الأرض والنووي والقمم الاقتصادية والسلطة. فطالما ليس المطروح نظاما اشتراكيا، لماذ تبقى الأرض بيد المستوطنين بما هي مغتصبة؟ وحتى لو قصدت الورقة عودة اللاجئين فهي عودة قوة عمل رخيصة في أرضها!”

وهي عودتهم للسبعة في المئة الباقية من الأرض حتى الآن والتي ستظل عملية تهويدها مستمرة بما في ذلك توسيع المستوطنات القائمة.

وتنتقل الورقة إلى الدعوة للتعايش مع الغزاة: “نعم انها لحظة استبدال علاقات قديمة ذات طبيعة استعمارية عنصرية إحلالية بعلاقات جديدة طبيعية ديمقراطية تقدمية تقوم على العيش المشترك والمساواة في الحقوق والواجبات المدنية لمواطنين احرار..”

إذن، هي دعوة للعيش المشترك، أي التطبيع مع المستوطنين الغزاة مع بقاء استيطانهم كما هو وهذا الاستيطان كما بدأنا هو عملية تهويد فلسطين منذ بدايته وحتى الآن،علما أن التهويد يشمل النسبة الأكبر من الأرض بالملموس وبالنفوذ.

وتقول الورقة في مكان آخر وهي تدعو للكف عن النضال الوطني التحرري والانتقال إلى التعايش والتطبيع مع العدو: “فضرورة التغيير الجذري لبنية الصراع التي أصبحت قديمة” مع أن دواعي  ودوافع الصراع هي موضوعية وليست إرادية ليقوم شخص بتغييرها لكونها استمرت مدة طويلة وهي  ليست وليدة رغبة هذا المفكر أو ذاك أو تحقيقاً لأمنية أناس ذوي نوايا حسنة، بل تعبيراً عن حاجة تولدها حركة مقنونة لصراع المتناقضات”.

الله أكبر!! التغيير الجذري لبنية الصراع هو تعبير عن حاجة (ذاتية) “تولدها ضمن وحدة بات فيها الانتقال من التراكمات الكمية الى التغيرات النوعية حتمية”

 لا تفسير هنا للتراكمات الكمية التي تنتقل إلى النوعية.

يضيف فريق الصرخة: “… يتطلبها الخروج من حالة الانتحار الجماعي والدخول الى حالة التعايش الجماعي، انها لحظة الانتقال من كيف قديم متعفن آخذ في الاحتضار الى كيف جديد نقي اخذ في الولادة ، نسميه دولة فلسطين الديمقراطية التقدمية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية..”

ماهو الكيف القديم؟ أعتقد أن الورقة تقصد حالة الصراع العربي والفلسطيني مع العدو، وبفعل سقوط الدول العربية وتراجع الحركة الفلسطينية أصبح الظرف مواتيا للاعتراف باستيطان اليهود في كل أنحاء فلسطين وبهذا يتم الانتقال إلى الكيف الجديد لمن يعرفون قوانين الجدل (قانون وحدة وصراع الأضداد والتغير الكمي يؤدي إلى تغير كيفي وقانون نفي النفي) في سياق عملية التضاد وليس إراديا كما تطرح الورقة. وهل حقا يتولد الجديد النقي؟؟

إذن  المطلوب الانتقال من “حالة الإنتحار الجماعي إلى حالة التعايش الجماعي”، وهذا سيكون على أيدي أصحاب الصرخة، والذين لا يوافقون على بقاء عنصرية وانعزالية المستوطنين حيث سيتخلى اليهود عن عنصريتهم. وهم في سياق التحذير من حل الدولتين وكل ما يضيفونه أن حل الدولتين  يبقي على عنصرية الكيان وعلى كل صفاته القذرة.

تقول الورقة: “اننا نحذر الاحرار والمناضلين من اجل حلول عادلة في فلسطين التاريخية، ومحيطها الاقليمي، من تطبيق شعار (دولتين متجاورتين في فلسطين). فهو من جهة اولى يمثل خديعة كبرى عندما يصور إقامة المعازل الإثنية في فلسطين كتعبير عن تطبيق حق تقرير المصير لسكان هذه المعازل…ومن جهة ثانية، يمثل انفصال كيان المستوطنين وتميزهم عن السكان الاصليين القابعين في المعازل، تكريس لنظام الفصل والتمييز الإثني (الابارتهايد) والإبقاء على طبيعة البنية الاستعمارية لكيان المستوطنين واستمرار استغلالهم للأرض الموحدة، تحت سيطرتهم، وقوة عمل السكان الأصليين فيها”.

هنا تتمثل شفقة الصرخة على السكان الأصليين وقوة عملهم كما يصور مناطق إقامتهم بأنها معازل إثنية – ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما أنهم حريصون على تخليص اليهود من عنصريتهم بمنحهم كل فلسطين بدلا من جزء منها.

فأصحاب الصرخة لا يقبلون هذا الحال، وبالتالي هم حريصون على بوتقة اليهود من جديد وتخليصهم من صهيونيتهم وعنصرية دولتهم.

“ان حجر الزاوية في أي حل لقضيتنا الوطنية لا يتمثل في النسب الكمية للأراضي المخصصة لسكان المعازل( أي الشعب الفلسطيني – م ف) على الرغم من اهمية ذلك، بل يتمثل اساسا وقبل كل شيء في نوع العلاقات التي ستقام بين سكان فلسطين التاريخية المنزوعة المعازل”.

أصحاب الورقة لا يرون قيمة لاسترداد الأرض فلا أهمية لنسبة الأراضي التي تخصص لسكان المعازل وهم الفلسطينيون، ما داموا سيربحون علاقات جديدة مع مغتصبي أراضيهم ووطنهم والذين يسيطرون، كما تقول الورقة، على 93% من أرض فلسطين التاريخية، وعندما نجمع سبعة في المئة مع علاقات جديدة يكون الفلسطيني رابحا!!! 

بدوره يقول علي حتر في تعليقه:

“ولهذا نرى ان المشكلة الفلسطينية لا تنحصر في وجود مهاجرين مستوطنين من جهة وسكان أصليين (فلسطينيين) على أرضها التاريخية من جهة اخرى، بل في نوع العلاقة التي اقامها كيان المستوطنين -المنعزل- مع شعبنا.”

ليس اغتصابا بل نوع العلاقات..

“وعليه نؤكد ان التغيير الذي نريد تحقيقه على ارض فلسطين التاريخية لا يمس وجود الناس عليها، بل يمس العلاقات القائمة الغير انسانية بينهم”

ويكمل في نفس المصدر:

“وتصف الورقة الاحتلال الصهيوني أنه “احتلال اقسى انواع النظم الاستعمارية الاستيطانية التي مارست سياسة التمييز والفصل العنصريين”

بعد قليل تنسى هذا الكلام!!! وتطلب التعايش معه وإزالة خصائصه العدوانية.”

وتقول الورقة (ورقة الصرخة):

“ولهذا نرى ان المشكلة الفلسطينية لا تنحصر في وجود مهاجرين مستوطنين من جهة وسكان أصليين (فلسطينيين) على أرضها التاريخية من جهة اخرى، بل في نوع العلاقة التي اقامها كيان المستوطنين -المنعزل- مع شعبنا.”

إن القارئ المتمعن يدرك أن كاتب الورقة لا ينطلق من حقائق الصراع حقا، بل هو يطرح ما يمهد للنتيجة التي يريد الوصول لها وهي أن يبقى اليهود في كل أنحاء فلسطين بموافقة طارحي فكرة الدولة الواحدة. فالمهاجرون اليهود المستوطنون لم يبدأوا بقمع وقهر الشعب الفلسطيني قبل الإنتداب مثلا، ولا حتى في بداية الإنتداب حيث كانوا أقلية قليلة جدا ويحميهم الانتداب البريطاني نفسه من غضبات الشعب الفلسطيني التي تتالت طوال المدة.

لقد كان الصراع منذ البداية على الحيز وتطهير الحيز. كان هكذا من البداية ولا زال حتى الآن، وكان الاستيطان هو الذي يتغلب وليس مجرد العلاقات الإجتماعية أو النفسية  أو بسبب التعالي والموقف العنصري.

إن الاستعمار قد استقدم اليهود الصهاينة والعنصريين لكي يستوطنوا فلسطين. ولبّ الصراع لم ينشأ من عنصريتهم وصهيونيتهم، بل من استيلائهم على الأراضي وإقامة المستوطنات عليها وتأسيسهم لتجمع خاص هو الذي أقام دولته عام 1948 م، التي لولا وجود الاستعمار البريطاني خاصة، والاستعمار الغربي في حقبة الإمبريالية عامة، بما هو الأب المؤسس عسكريا وماديا وثقافياً واستجلابهم كمستوطنين؛لولا ذلك ما كان لهذا الكيان أن يُقام ولا أن يستمر وأن يقوم بطرد الشعب الفلسطيني مما أدى إلى إنشاء حالة اللجوء والتشرد.

ولكن الورقة، بعد أن نفثت كل هذه السموم، أدركت أن إسرائيل لا تقبلها، ومن أجل التدليس على الشعب الفلسطيني تقول الورقة:

 “ولذلك كله نؤمن وندعو ونقاوم مع شعبنا وقوى التحرر القومية والإقليمية لإنجاز هذا التغيير الذي لن يحدث من تلقاء نفسه، بل بواسطة تصعيد كفاحنا الضاري ومقاومتنا بجميع أشكالها المؤدية إلى إحداث تغيير في ميزان القوة وخلق حالة توازن الردع”، أي النضال الضاري من أجل الوصول لحالة الردع دون أن تشرح الورقة أية آليات عملية لهذا النضال ولكنها تقفز على طول الخط لهدفها المنشود وهو ليس هزيمة إسرائيل، بل يصل إلى درجة:

“… بحيث يصبح تحقيق أمن المستوطنين مشروطاً بتجريدهم من وضعهم الاستعماري الاحلالي وسماتهم الانعزالية الانفصالية وحرمانهم القانوني من الترويج لثقافة الاستعلاء والكراهية والحقد على الغير وخاصة على شركائهم في المواطنة المتساوية مع السكان الفلسطينيين (الأصليين) وإلغاء كل حالات التمييز والتمايز عن الآخرين في الحقوق والواجبات وفك الارتباط مع الهيمنة الامبريالية والرجعية الإقليمية.”

وهنا تكون الورقة قد فككت النظام العنصري وأجبرت المستوطنين على التخلي عن صهيونيتهم وعن خصائصهم العشرة الواردة في الورقة والتي تربّوا عليها جميعا، وهذا هو التغيير الكيفي المقصود. لنذكر لكم ثلاث خصائص أصيلة وبنيوية كما تقول الورقة:

“8- خاصية انغلاق المستوطنين على ذاتهم وعزل السكان الاصليين والانعزال عنهم في حالة بقائهم لاستغلال قوة عملهم.
9- خاصية تعالي المستوطنين على السكان الاصليين واحتقارهم باعتبارهم ادنى منهم درجات عدة في سلم التطور البيولوجي والحضاري حسب زعمهم.

10- خاصية عداء المستوطنين المطلق لسكان المحيط الاقليمي ان وجد، طمعا في استغلال ثرواته الطبيعية وقوة عمله البشرية، وللتوسع في مجاله الجغرافي.”

 ولكن، هل الكفاح الضاري هو ما يؤمن به كتاب الأوراق؟

ما دام النضال ضارياً، وما دام يُفقد المستوطنين حياتهم الآمنة وخصائصهم البنيوية  فلا بد أن يكون هذا النضال هو العنف الثوري المسلح. وهذا يذكرني بمشروع السلطة الوطنية المقاتلة كما في أحد قرارات المجلس الوطني الفلسطيني وسأبين ذلك أدناه، وكيف كانت هذه التعبيرات عبارة عن تزيين مضلل لهدف قبول المستوطنين والتعايش معهم واحترام حيازتهم لأرضنا ووطننا وتطبيع العقل لقبولهم؟

نحن كمتتبعين لسلوك وماضي هؤلاء الأشخاص الذين كتبوا ونشروا هذه الورقة  لم نجد لهم ماضياً كفاحياً، ولا بصورة من الصور، فما بال هذه الفقرة قد أُلحقت بالورقة؟

سنستحضر مثالا عن هذا النوع من الطرح المضلل والكاذب من خلال تجربة منظمة التحرير الفلسطينية والتي سبق أن عرضتها في كراستي:

أزمة القيادة الفلسطينية

من اللجنة التنفيذية إلى اللجنة العربية العليا والهيئة العربية العليا إلى اللجنة التنفيذية(م.ت.ف.) المنشورة على الحوار المتمدن في 3/11/2011م:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid= 282147 

“انطلاقا من الميثاق الوطني الفلسطيني (أي نحن لا زلنا مع الميثاق م.ف.) والبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية المقر في الدورة الحادية عشرة…(وهو يعني شيئا آخر غير ما اصطلح عليه لاحقا بالبرنامج المرحلي م.ف.)، ومن الإيمان باستحالة إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة (أي من وجهة نظرنا – م .ف.) دون استعادة شعبنا لكامل حقوقه الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير مصيره على كامل ترابه الوطني، (حتى الآن يبدو أنه لم يتغير شيء وأن كلمة كامل ترابه الوطني تعني كل فلسطين بحدودها الانتدابية – م.ف.) وعلى ضوء دراسة الظروف السياسية التي استجدت في الفترة ما بين الدورة السابقة والحالية للمجلس، يقرر المجلس ما يأتي:
“1- تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من القرار 242 الذي يطمس الحقوق الوطنية لشعبنا…ولذا يرفض التعامل مع هذا القرار…” (مع أن قبوله شرط للمشاركة في التسوية التي تنص كل القرارات والتصريحات أن هذه التسوية على أساسه وتنفيذا له – م.ف.)

” 2- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الارض الفلسطينية واقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة (على) أي جزء من الارض الفلسطينية يتم تحريرها، وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله”.
وهذا البند يحتوي على اللغم المزين بالعبارات الثورية والالتزام بالمقررات السابقة، ولنتأكد من ذلك فلنرَ هذا البند ذاته كيف أصبح في الدورة اللاحقة للمجلس الوطني الدورة الثالثة عشرة في القاهرة 12-22|3|1977 بعد أن أمكن الاستغناء عن بعض التزيين:

“11- مواصلة النضال لاستعادة حقوق شعبنا الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير واقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني”، حيث أسقطت عبارات النضال بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح ووصف السلطة بأنها مقاتلة. ففي الدورة الثانية عشرة السابقة تم تدبيج القرارات بطريقة تستقطب تصويت أوسع قاعدة ممكنة وتخفيف الانتقادات إلى حدها الأدنى، كما أن هذا أسلوب النزول عن درجات السلم خطوة خطوة. 

” فالمطالب كانت محدودة كما هو مبين في صياغتها بما ورد في ديباجة قرارالمجلس في النقاط العشرة ولم يرد إقامة السلطة بقوة السلاح ولا أنها ستكون “مسلحة ومقاتلة” من أجل تحرير بقية الوطن كما جاء في القرارات ذاتها. بل ودلت التجربة الطويلة جدا المنصرمة أن هذه العبارات الثورية كانت للديكور المحيط بالصورة وكان شطبها سهلا بعد خمسة شهور فقط، وهي لم تكن مقصودة بذاتها.”

أما عبارة ياسر عرفات في خطابه بالأمم المتحدة حينما قال: “جئتكم والبندقية في يد وغصن الزيتون في اليد الأخرى” (كناية عن طلب السلام – م.ف.):

“فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي”، فإنهم في الأساس لم يكونوا يستهدفون إسقاط الغصن الأخضر بل إسقاط البندقية.” وهكذا كان!!

إذن هي فقرة للتزيين والديكور مرسومة بحبر قابل للشطب في الوقت المناسب. وكما رأينا أعلاه في تجربة المنظمة فقد ظلت تتنازل حتى الآن وهي الآن بعنوان سلطة أوسلو وبرنامج أوسلو وثقافة أوسلو وبالأخص ثقافة التنسيق الأمني “المقدس”.

و يقدم علي حتر جوهر تعليقه على الورقة بعد أن أدرك جوهرها: “الطريقة التي كتبت فيها الورقة ذات الثلاثين صفحة، تثير الشكوك في الأهداف..

وصف العدو بالوحشية وكل الصفات القذرة، ثم تقديم الحل الذي يحول الصراع معه إلى مجرد علاقات سيئة يجب تغييرها..!!! هذا ملخص الورقة..!!”

فلسطين لن تكون لكل من سكنها واستوطنها كما تقول الورقة..
وشعار تحرير فلسطين يعني تحريرها.. من وجود المستوطنين المهاجرين المقيمين فيها، وليس تحريرها من نمط العلاقات الإستعمارية.. الذي يحولنا إلى خدم عند من يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار!!!!!”

والآن إلى أحمد قطامش مجدداً في:

 التسوية الجارية: رؤيا جديدة – عملية جديدة لتسوية الصراع

دولة واحدة بمجتمعين منفصلين ومتشابكين

بعد استعراض الكراسة  المنشورة عام 2001 من جديد ومراجعتها  ومراجعة ملاحظاتي التي سجلتها عليها في حينه ومراجعة موضوعة “مقاربة لفهم وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” المنشورة عام 2004م لأحمد قطامش وملاحظة الأوراق التي نشرت في ذات السياق خلال العامين المنصرمين؛ وجدت أنه لزاما علي التعليق على مادة قطامش كما غيرها وخاصة أنه يصل إلى ذات النتائج المتعلقة بعدم إمكانية تحرير فلسطين من الإستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين و ببقاء المستوطنين دون إزاحة والحديث حصراً عن تسويات.

يبدأ الكاتب تناول المسألة في صفحة 186 في كراسة التسوية الجارية بسؤال هو عنوان:

“2- هل ثمة إمكانية للفصل الإقليمي، هذا ملعبنا وذاك ملعبكم؟”

إن الحديث هنا عن فصل في إطار تسوية بمعنى أن الحل المطروح هو مشروع لتسوية الصراع العربي الفلسطيني مع اليهود الصهاينة وليس نتاج حروب وثورات يفرض فيها المنتصر إرادته.

وهو بالتالي حل يراه الكاتب ويعبر من خلال إجابته على هذا السؤال عن موقفه ومقترحاته ورأيه. أي لا توجد حالة تطلبت البحث عن جواب لطرفي الصراع بل هي مبادرة ذاتية خالصة عبّر فيها الكاتب عن رؤياه الذاتية وحاول توصيلها لقرائه ومريديه كنشاط من تلقاء نفسه، كما عبر عن انتقاله إلى هذا الموقف مما يدفعه دوما للدفاع عنه وتبريره فعاد وأكد الإجابة في مقالته “مقاربة لفهم وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” المنشورة في الحوار المتمدن عام 2004 م وغير ذلك من المقالات والمداخلات.

فبعد أن طرح خلال الصفحات 186 و187 من الكراسة معطيات تستهدف الإجابة بالنفي على هذا السؤال استخلص النتيجة في الصفحة 188 حيث يقول: “ثمة تشابك جغرافي اقتصادي متزايد كرسته وعمّقته اتفاقات أوسلو، ومن خداع النفس الظن أن سنوات أوسلو قد دفعت الأمور باتجاه معاكس. إذ لا توجد أية توجهات أوخطط  إسرائيلية أو فلسطينية، تعمل لانفصال أحدهما عن الآخر (إتفاق باريس يزيد الربط ، فشل الأيدي العاملة الأجنبية في الحلول محل الأيدي العاملة الفلسطينية والإتفاق على تشغيل خمسين ألف عامل فلسطيني في المشروعات اليهودية، بقاء المستعمرات اليهودية في جغرافيا الضفة وغزة وتوسعها) إضافة إلى أن سنوات أوسلو لم تساهم في بناء اقتصاد فلسطيني مستقل …

إن الحديث عن الفصل: هذه حدودنا وتلك حدودكم، هذا اقتصادنا وذلك اقتصادكم سواء في 48 أو 67 هو حديث بدون رصيد في ظل المعطيات القائمة”.

ويستمر الكاتب في تعزيز استنتاجه على ذات الصفحة:

“… إن الفصل الإقليمي ( السياسي – الإقتصادي – الإجتماعي ) لا يتحقق على بقعة جغرافية ضيقة أو واسعة إلا في حال انتصار فلسطيني يدحر المحتل بكافة تمظهراته ، دون قيد أو شرط، الأمر الذي يحتاج إلى مسار آخر غير التسوية الجارية أو تطهير عرقي على غرار ما حصل عام 48 بطرد فلسطينيي 48 أو فلسطينيي 67، وقد تكون تخريجة الطرد تبادلا سكانيا: مستوطنو الضفة وغزة مقابل فلسطينيو 48 …وبالتالي اختزال القضية الفلسطينية في 22% من فلسطين لقاء إسرائيل دولة يهودية نقية …”

إذن، إما فلسطين كلها للجميع أو 22% للعرب مع فصل عنصري تحت عنوان تبادل سكاني. والخيار الآخر هو حل الدولتين الذي عبّر الكاتب عن رفضه في سياق الحديث عن مساوئ واستحالة حل الدولتين في بداية الكراس.

هنا يقول الكاتب لا حل إلا فلسطين للجميع كما سنرى لاحقا.

وفي ورقة المقاربة لفهم وتسوية الصراع، يقول:

” ينبغي أن يكون جليا وحاسما بما فيه الكفاية (من الذي حسم هذا سواك!) أن المسألة الفلسطينية العربية والمسألة اليهودية الإسرائيلية قد تشابكتا في ثنائية متناقضة. فلا وجود لواحدة إلا والثانية معها، ولا حل للأولى إلا بحل الثانية. وقد جرت عملية إقصاء وتهجير لثلثي الفلسطينيين من منازلهم وكرومهم ومدنهم وقراهم واحتلال 78% من وطنهم لم يكن لليهود حسب الوثائق البريطانية سوى 5.6%، في نية لتحويلهم “لغبار الأرض” (غير أن كل رغبات اختفائهم ليست سوى أحلام نتاج ضائقة عميقة) (بنفنستي- الباحث الإسرائيلي). وتكرر ذلك باحتلال عام 67 وصولا إلى فرض أوسلو (كمونولوج إسرائيلي) بيرس، ومفاعيله وما أفضى إليه… دون أن يتحقق السلام…”

إذن، لا فكاك. بمعنى أن من يسعى لمعالجة الوضع الفلسطيني والقضية الفلسطينية عليه كذلك أن يعالج قضية اليهود،  فالمسألتان “قد تشابكتا في ثنائية متناقضة”.

لكن الكاتب لم يبادر ليقول لنا ما الذي تطرحه الجهة الرسمية اليهودية لمعالجة القضية الفلسطينية، ولذلك سنعْلِم القارئ بأن مؤتمر الليكود الأخير المنعقد في 2/1/2018 قد صوت على ضم الضفة. وهذا القرار يلزم رئيس الحكومة بطرح القرار على الكنيست عندما يجد أنه في الإمكان حصوله على الأغلبية وفي أول فرصة مناسبة (تم إقراره بعنوان قانون القومية يوم 18 تموز 2018 – م.ف.).” بعد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قرر الليكود ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل ودعا ممثليه لطرح قانون الضم في الكنيست، و”أنه بعد نجاح حزب الليكود في التصويت على قانون فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، أعلن حزب إسرائيل بيتنا بزعامة أفيجدور ليبرمان وحزب البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينت عن دعمهما القرار أثناء التصويت عليه في الكنيست” (صحيفة القدس المقدسية)

أي أن كرة الضم بدأت تتدحرج. 

 وربما في حالة الضم سيكون موقف أصحاب فكرة الدولة الواحدة أسهل حيث سيرفعون شعار المساواة والديموقراطية والعلمانية مباشرة (كما أسس خالد الحسن)  مع موافقتهم القلبية على بقاء المستوطنات في مكانها كي لا يحصل فصل إقليمي يعبر عن موقف عنصري.

 وهذا ما يؤكده قطامش في الصفحة 192، بعد أن يمهد لموقفه في خمس نقاط من 189 إلى 191 حيث يقول:

“وعليه فالفصل الإقليمي، الفلسطينيون العرب في ملعب واليهود الإسرائيليون في ملعب يفصل بينهما سور الصين العظيم، أمر غير ممكن …. إن الفصل الإقليمي مستحيل بما يوجب على العقل الخلاق البحث عن رؤى وتصورات دينامية أخرى تقوم على حقائق الواقع ..” وهذا تَبَنٍّ لوجهة نظر إدوارد سعيد الذي كرر مرارا “إن الفلسطينيين بحاجة إلى تفكير جديد” ولم يطرح (ولا تابِعوه طرحوا) ضرورة أن يكون اليهود في حاجة إلى تفكير جديد.

ولكن البحث والإجابة تمت قبل الحاجة إلى العقل الخلاق!!! الإجابة كانت مسبقة.

إن هذه الإجابة تعني أن الكاتب انتقل إلى هذا الموقع وهو يسوغ انتقاله كما أنه يدخل في مفاوضات داخلية مع نفسه ومع الفلسطينيين ليصل بهم إلى هذه النتيجة.

إن الطرف الإسرائيلي يستحسن طرح المبادرات والأفكار التي تعزز استيطان وتهويد فلسطين دون أن يعلن قبولها صراحة. وهو يحتاج إلى عقل جوبيتر.

فالطرف الإسرائيلي في الصراع لم يعلن قبول قرار 242 ولم يعلن قبول مبادرة الملك فهد صراحةً ولم يعلن قبول مبادرة مؤتمر القمة العربية صراحة .. الخ. ولكنه يستفيد من طرح هذه المبادرات ما دامت تطبّع العقل العربي عموما والفلسطيني خصوصا بإسرائيل واحتلالها وتهويدها لفلسطين.

نعود لأفكار الكاتب. وهو في سياق تعزيز موقفه يخبر إسرائيل (في نهاية صفحة 192 وبداية صفحة 193) أن انتصارها لا يحل المشكلة بل يؤججها “أي أن الانتصار الإسرائيلي لا يفضي إلى سلام في المنطقة بل يفتح الباب لتعريب جذري للصراع واشتعال جبهات أخرى”

إذن، هذا هو أسلوب إقناع إسرائيل بقبول الفكرة كما يدل السياق ويزيد في نهاية الصفحة مسوغات أخرى نذ كر منها: “من ناحية نظرية يصعب تخيل حجم الفظاعات والدمار والتقتيل فيما لو كان هدف الصراع إبادة الآخر. حينها لن يكون ما عرفته المنطقة قياسا بما يأتي سوى لعبة دمى بما يذكرنا بحرب الهوتو والتوتسي المجنونة في رواندا التي حصدت مليوني نسمة في سنة واحدة”. أخشى أن طرح الرقم الكبير هو للتهويل مع إنني أدين المذبحة مهما كان عدد ضحياها.

وفي ورقة مقاربة آنفة الذكر يقول الكاتب:

“ثمة أسئلة حارقة من نوع: ما هو مصير ملايين الفلسطينيين واليهود؟ هل لهم حق الحياة؟ هل يسمح العمل السياسي الأخلاقي بإزاحتهم من المكان والزمان أو إبادتهم فيزيائيا؟ هل هم وباء أم بشر؟ هل الصراع أبدي أم يزول بإزالة أسبابه؟”.هنا كلمة أسباب الصراع لا تعني احتلال فلسطين وتمكين اليهود من إقامة مستوطناتهم وتجمعاتهم الإستيطانية وإقامة دولتهم وجيشهم، بل تعني تغيير مواقف الفلسطينيين من كل هذا على قاعدة القبول.

 وفي التسوية الجارية يقول الكاتب صفحة 234: “إن العنصرية الإحتلالية قنبلة موقوتة، وتأليب وتعظيم الخصائص الجماعية (نحن آلهة والآخرون شياطين) إنما تبرر إدامة الصراع، وإنكار الآخر قنبلة بل قنابل موقوتة أيضا ..”. إذن، يستخلص قطامش أن العنصرية الاحتلالية هي “الأسباب” فمع زوال العنصرية مع بقاء الاحتلال ينصلح كل شيء.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.