“كنعان”، نشرة الاقتصاد السياسي، الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2018، إعداد: الطاهر المُعِز

خاص ب”كنعان”، نشرة الاقتصاد السياسي عدد 457

طاقة: نشرت وكالة الطاقة الدولية يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 توقعاتها بشأن سوق النفط لسنة 2019، وأكدت أن إمدادات النفط العالمية ستتجاوز الطلب على مدى سنة 2019، بسبب زيادة الإنتاج بنسبة تفوق نمو الاستهلاك، ليرتفع المخزون العالمي للنفط بحوالي مليونَيْ برميل يوميًّا، في ظل تباطؤ اقتصاد معظم الدول الرأسمالية الكٌبْرى، المُستوردة للنفط، وخصوصًا دول منظمة التعاون الإقتاصادي والتنمية (34 دولة “متقدّمة”)، وتعتبر هذه الدّول “المُحرّك الرئيسي لزيادة استهلاك النفط في العالم”، كما تُهَدِّدُ الحرب التجارية التي أعلنتها الولايات المتحدة على العالم بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي…

ارتفع إنتاج مجموعة دول “أوبك” (12 دولة) من النفط الخام خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر 2018 بنحو 240 ألف برميل يومياً مقارنة بنفس الشهر من السنة السّابقة (2018)، إلى 32,99 مليون برميل يومياً، وانتهزت السعودية والعراق وبعض الدول الأخرى من خارج “أوبك”، مثل روسيا” بالإضافة إلى الولايات المتحدة، انخفاض إنتاج النفط في إيران وفي فنزويلا وفي ليبيا، لطرح ما لا يقل عن 1,2 مليون برميل إضافي يوميا في الأسواق العالمية، وتتوقع وكالة الطاقة الدّولية ارتفاع إمدادات النفط الصّخْرِي الأميركية بمتوسّط 1,2 مليون برميل يومياً بنهاية سنة 2018 وبنحو 1,3مليون برميل يومياً أخرى سنة 2019، من المستوى القياسي الحالي الذي يزيد عن 11 مليون برميل يومياً، مما ينافس إنتاج “أوبك”، بينما تتوقع الوكالة انخفاض إنتاج “أوبك” من معدل 32,99 برميل يوميا سنة 2018 إلى 31,3 مليون برميل يوميا سنة 2019، في ظل ارتفاع مستمر لمخزون النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ سنة 2015…

 يتمثل تهديد الإنتاج الأمريكي للنفط والغاز الصّخْرِيَّيْن في الإستحواذ على حصص تزداد أهميتها يوميًّا من أسواق آسيا وأوروبا، وبذلت أمريكا ما في وسعها لعرقلة مشاريع إمدادات أوروبا بالغاز الروسي، وضغطت على دول أخرى في آسيا، وأعلن وزير الخارجية الهند إن بلاده تستورد المزيد من النفط والغاز من الولايات المتحدة، لترتفع قيمة واردات النّفط الأمريكي إلى أربعة مليارات دولارا بنهاية 2018، مع الإشارة إلى ارتفاع واردات الهند من النفط إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميا في تشرين الأول/أكتوبر 2018، لتسجل أعلى تدفق شهري خلال أكثر من سبع سنوات. كما يشَكّل ارتفاع إنتاج النفط الأمريكي وطَرْحُهُ في الأسواق، تهديدًا للأسعار، حيث تراجعت   أسعار النفط، خلال الأسبوع الأخير من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2018 إلى أدنى مستوى في 2018 بسبب ارتفاع العرض وانخفاض الطلب، وانخفض سعر برميل خام مجموعة “أوبك” بحوالي 30% منذ أوائل شهر تشرين الأول/اكتوبر 2018 إلى 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، بينما انخفض سعر “برنت” إلى أدنى مستوى منذ كانون الأول/ديسمبر 2017، وانخفض سعر خام غرب تكساس الأميركي إلى أدنى مستوى منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017…

تستغل شركات النفط فترات انخفاض الأسعار لتعلن تجميد الإنفاق على عمليات التنقيب والإنتاج، ولكنها، وبالتوازي مع هذا الإعلان، تضغط على الدول المنتجة لزيادة حصة الشركات وخفض حصة الدول من الإنتاج، ونقلت وكالة “بلومبرغ” إن شركتي “أو.إم.في” (النمسا) و”إيني” (إيطاليا) تتنافس لشراء حصة بقيمة تصل إلى ثمانية مليارات دولار في وحدة تكرير مملوكة لشركة نفط أبو ظبي، كما تدخلت حكومة جنوب إفريقيا لتيْسِير استثمار شركة حكومية ما قيمته مليار دولارا في قطاع النفط بجنوب السودان، لتنافس بذلك شركات آسيوية، من بينها مؤسسة النفط الوطنية الصينية “سي.إن.بي.سي” و”بتروناس” (ماليزيا) وشركة النفط والغاز الهندية (أو.إن.سي.جي فيديش)، على قطاع النفط في جنوب السودان…

من جهة أخرى توقع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يوم 16/11/2018 إن سعر سبعين دولارا لبرميل النفط الخام، يدعم توازن ميزانية روسيا، التي بَنَتْ موازنة 2018 على أساس 40 دولارا للبرميل، وذكر إن روسيا والسعودية تُنسِّقان فيما بينهما للمحافظة على “توازن العرض والطّلب”، وخفض الإنتاج لوقف تراجع الأسعار، إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك، وللتذكير فإن عملية التنسيق بين مجموعة “أوبك” (عبر السعودية) وروسيا أدّت إلى الحد من حجم معروض النفط في الأسواق، مما  أتاح عودة الأسعار إلى الارتفاع بعد انهيارها في 2014-2015، وتتشاور روسيا والسعودية من أجل خفض الإنتاج بمقدار مليون برميل يومياً في ظل تراجع الأسعار بنسبة 20% خلال شهر واحد، من أجل ضمان استقرار السوق… أ.ف.ب + رويترز 23/11/18

 

الجزائر: انتقل الخطاب السياسي في الجزائر، خلال ثلاثة عقود، من “الإشتراكية” المَزْعُومة و”الثورة الزراعية”، وغيرها من الشعارات البَرّاقَة، إلى الدفاع عن قانون السوق وعن الرأسمالية الليبرالية “المُتَوَحِّشَة”، فيما بقي الإقتصاد “ريعِيًّا”، يعتمد على الثروات الطبيعية، بل باعت الدولة القطاع العام الذي كان مفخرة الجزائر (مصنع الصلب “الحَجّار” والصناعات الميكانيكية، وتركيب قطاع الغيار…)، واتخذت الحكومة إجراءات تقشُّف أَضَرّت بالعمال والموظفين والفئات الكادحة، ومن بينها خفض الإنفاق الحكومي، وانخفاض قيمة الدّينار، وخفض قيمة دعم الوقود والصحة والتعليم والنقل، وزيادة الأسعار، وتجميد التوظيف في القطاع العام، وهناك إجراءات بقيت مُؤَجّلَة إلى ما بعد انتخابات 2019…

أصبح بعض الرأسماليين، وبعض رموز الفئات الميْسُورة يتحدثون علَنًا عن “إلغاء الرقابة على الصرف”، وعن إلغاء القانون الذي يُحتم على الشركات الأجنبية شراكة مع شركة محلية تمتلك بالضرورة أغلبية الأسهم أو رأس مال الشركة المُزْمع تأسيسها، أو المشروع المُنْجَز في الجزائر، وتُظْهِرُ الوقائع إن اقتصاد الجزائر في وضع سيء، حيث تجاوز عجز ميزانية الدولة 10% ولجأ المصرف المركزي إلى طبع أوراق نقدية، لا قيمة لها، إذْ لا يُقابل قيمتَها إنْتاج حقيقي، وازدهرت السوق الموازية لصرف العُملات الأجنبية، فيما ارتفع وزن الإقتصاد الموازي ليعادل حوالي 50% من اقتصاد البلاد (الناتج المحلي الإجمالي)…

تدهورت الحالة الإقتصادية للمواطنين العاديِّين، وتدهورت معها الأوضاع المعيشية بشكل عام، وفي مجال الصحة، أعلنت وزارة الصحة يوم العاشر من أيلول/سبتمبر 2018 إصابة أكثر من مائة شخص بالكوليرا خلال شهر آب/أغسطس 2018، واستقبلت المستشفيات 200 شخص (أو حالة مشتبه بها) خلال نفس الشهر، ويُعتقد إن تسمُّمًا غذائيا واستخدام مياه ملوَّثَة تسببا في انطلاق ثم انتشار وباء “الكوليرا”، وانتشرت الإشاعات والنوادر التي تُشَبِّهُ وضع الجزائر بوضع اليمن وتشاد والنيجر، وهي بلدان فقيرة أو تعيش حالة حرب، واتهمت بعض الأوساطِ السلطات بإخفاء الوباء خلال فترة عيد الإضحى، وهي فترة تشهد سنويّا تنقل عشرات الآلاف من المواطنين، لزيارة أقاربهم أو لقضاء أيام العيد في مناطقهم الأصْلِية… بعد شهر كامل، أعلنت وزارة الصحة القضاء على الوباء…  عن “منتدى أرباب العمل“+  وكالة الأنباء الجزائرية (رسمية) + أ.ف.ب         + موقع صحيفة “الخبر” 10 و 28/09/18 + 01 و 04/10/18        

 

الجزائر: تراجعت احتياطيات الجزائر من النقد الأجنبي من 106,3 مليار دولارا في 30 حزيران 2017 إلى 97,33 مليار دولارا بنهاية سنة 2017، وإلى 88,61 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري (30 حزيران/يونيو 2018)، بحسب بيانات المصرف المركزي الذي عزا هذا الانخفاض، إلى تراجع قيمة الدولار أمام اليورو، وإلى خسارة البلاد بتأثير نحو 790 مليون دولار (في عملية الصرف بين اليورو والدولار الذي تُقَوّمُ به أسعار النّفط)، في الفترة بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2018، أي إن اقتصاد البلاد ريعي، يعتمد على إيرادات النفط، ويتأثر كثيرًا بعوامل خارجية، ومن بينها سعر صرف عُملات أخرى (اختصم سعد وسعيد فَهَلَك مسعود)، واتخذت الحكومة إجراءات تقشف عديدة، لخفض ميزان المدفوعات بحوالي ثلاثة مليارات دولار، ولتصل قيمة العجز بذلك إلى 7,93 مليارات دولار بنهاية حزيران/يونيو 2018، وتتوقع الحكومة أن تبلغ عائدات المحروقات (نفط وغاز) نحو أربعين  مليار دولار نهاية سنة 2018، أما الإيرادات الأخرى فهي لا تتجاوز عادة مبلغًا يتراوح بين ملياريْن وثلاثة مليارات دولارا، أي إن البلاد لا تُصَدِّرُ شيئًا تقريبًا باستثناء النفط والغاز، ولذلك فهو اقتصاد ريعي، يعتمد على موارد طبيعية خام، ولا يعتمد على ما يُضِيفُهُ الإنسان من قيمة للمادة الخام… من جهة أخرى، اتفقت شركة المحروقات الوطنية “سونتراك” مع شرِكَتَيْ “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية لبدأ أعمال حفر للبحث عن الغاز والنفط في حقول بحرية في موقعين بشرق وغرب الجزائر في بداية سنة  2019، كما وقعت “سونتراك” اتفاقًا مع “توتال” لإقامة مصنع للبتروكيماويات سينتج 550 ألف طن من “البولي بروبلين” سنويا، واستثمار مشترك بنحو 406 ملايين دولار لدعم إنتاج حقل “تين فوي تبنكورت” للغاز، واتفاق آخر لتطوير حقل عرق عيسيوان للغاز… رويترز + أ.ف.ب 07/10/18

 

تونس نموذج سَلْبِي وسيّء للسياحة: تَتَوَقّعُ وزيرة السياحة أن يبلغ عدد السّائحين الوافدين إلى تونس ثمانية ملايين، سنة 2018، في تجاوز لعدد سبعة ملايين سائح الذي سُجل سنة 2010، العام المرجعي للسياحة التونسية، وأعلنت إن 6,2 ملايين سائحا دخلوا البلاد خلال الفترة من بداية كانون الثاني/يناير إلى نهاية أيلول/سبتمبر 2018 بزيادة 16,9% على أساس سنوي، لكن عائدات سياحة الأجانب في تونس منخفضة جدًّا، إذ لم تتجاوز العائدات مليار يورو، لا غير، مما يجعل السياحة قطاعًا خاسِرًا ماليًّا وثقافيا وحضاريا، ومُهينًا للكرامة البشرية، وتهيمن شركات السياحة والرحلات الأجنبية على قطاع السياحة في تونس، وتعتمد العروض السياحية على انخفاض السّعر، ومحاولة اجتذاب فئات أوروبية ذات دخل أقل من المتوسط، تُقَضّي أسبوعًا داخل الفنادق، دون استفادة تجار ومطاعم البلاد من هذه الإقامة التي تتضمن المبيت وفطور الصباح ووجبة أخرى، وتوجد معظم الفنادق على شاطئ البحر، وتَحْرِم المواطنين التونسيين من الإستحمام، لأن معظم الفنادق تستحوذ على جزء هام من الشواطئ، في مخالفة صريحة لقوانين البلاد، وتستفيد هذه الشواطئ المُخَصْخَصَة، والمُخَصَّصَة للأجانب، من خدمات البلدية، ومن المال العام…

تُساهم السياحة بحوالي 7% من إجمالي الناتج المحلي التونسي، وتُشغِّلُ حوالي 350 ألف في وظائف هشّة ووقتِيّة وموسِمية ومُهينة للكرامة، وبرواتب منخفضة جدًّا، رغم ارتفاع عدد ساعات العمل، ويُشكّل السائحون من المغرب العربي نصف السائحين، وهم أكثر اندماجًا في النسيج الإجتماعي، وأكثر إنفاقًا من السائحين الأوروبيين، ويستفيد منهم الإقتصاد المحلّي مباشرة، تأجير الشقق والمسكن، والأسواق والمتاجر…

ضغطت الحكومات السابقة واللاحقة لسنة 2011 (سنة رحيل بن علي) على المصارف الحكومية لإقراض الفنادق بمقدار 4,4 مليار دينارا، لم تُسَدّدها هذه الفنادق التي يملكها أشخاص مُقَرّبون من السلطة، مما عرَّضَ “الشركة التونسية للبنك” (مصرف حكومي) للإفلاس، وتمت إعادة هيكلته سنة 2015 بسبب القروض التي بلغت 1,7 مليار دينارا والتي لم يتمكن المصرف من استرجاعها من الفنادق، واضطرت المصارف إلى التوقف من إقراض المُنشآت السياحية، بسبب سوء الإدارة في الفنادق والإحتيال لتهريب الأموال إلى الخارج، والفساد، بدعم من الدولة، فيما يستحوذ عدد قليل من الوُسطاء ووكالات السفر الأوروبية الجزءَ الأكْبَرَ من الأرباح، وبذلك لا يُساهم قطاع السياحة في دعم مدّخرات المصرف المركزي من احتياطي النقد الأجنبي، بل بالعكس، تستنزف الفنادق ووكالات الأسْفار مخزون النقد الأجنبي، عبر مخالفة القانون الذي يُجبرها على إيداع الأرباح في مصارف تونسية، ولكنها تعمد إلى تهريب جزء من المال إلى الخارج، لتفادي تسديد الضرائب وتفادي القيود القانونية على حركة العملة، فيما يُعاني المصرف المركزي من نقص العملة الأجنبية (حوالي 75 يومًا من التوريد بدل 90 يومًا على الأقل)، كما يتم صرف حوالي 30% من حجم العملة الأجنبية في تونس في السوق الموازية، ومنها جزء من إيرادات السياحة…

للتفكير وللتّأمُّل: تتوقع منظمة السياحة العالمية، ومنظمة “يونيسكو” أن يصل عدد السياح في قطاع ما يمكن إدراجه “السياحة الثقافية” حوالي 1,6 مليار سائح سنة 2020، وتُعرّف الكاتبة الفرنسية (دكتورة في العلوم الإقتصادية) “كلود أوريجيه دو كلوزو” ( Claude Origet du Cluzeau ) في كتاب يحمل عنوان “السياحة الثقافية” (الطبعة الثانية 2005) هذا النوع من السياحة “بقضاء ما لا يقل عن ليلة واحدة في مكانٍ مَا، خارج منطقة الإقامة الإعتيادية، بغرض البحث والاكتشاف للتراث وللمعالم التاريخية والعادات والتقاليد، والتفاعل معها” (ترجمة تقريبية غير احترافية)…

توجد في كافة مناطق تونس آثار للحضارات التي حكمت البلاد، من الفنيقيين والقرطاجنيين إلى القرى البربرية ومعالم الحضارة العربية والمساجد التاريخية ومختلف المعالم، والمواقع الطبيعية، لكن الدّوْلَةَ في تونس تُمَوِّلُ شبكات الفنادق الخاصة، التي تُلَوّث المحيط والبحر والشواطئ، ولا تُفِيد البلاد والعباد (بل تَضُرّ بالبلاد وبسكانها)، وتُهمل ما يُسَمّى “السياحة المُسْتدامة” أو “السياحة الثقافية”، ولا تنفق الدولة إيرادات السياحة (القليلة) على ترميم المعالم الحضارية في البلاد كالأسوار والقِلاع والحُصُون، ولا تهتم بالتعريف ب”التراث المادي وغير المادي، من مبان أثرية ومتاحف ومنجزات ثقافية وحضارية، ومن مساهمة في تاريخ البشرية وتقدم العُلُوم والمعارف…” وفق تعريف المنظمة العربية للعلوم والثقافة للسياحة الثقافية، بل أهملت حكومات تونس المتعاقبة التراث الشفهي، والفنون الشعبية والحِرَف (باستثناء بعض الفلكلور)، ومعظم المكونات الثقافية والحضارية للبلاد، لتكون السياحة الثقافية “جسرا للتواصل الحضاري” (وكان بورقيبة يَحْتَقِرُ كل ما هو مَحَلِّي ويُمَجِّدُ كل ما هو فرنسي، أو كل ما فعله كمال أتاتورك في تركيا)، كما يَعْسُر على المواطن التونسي والباحث، العثور على جَرْدٍ للمعالم الحضارية والثقافية والتاريخية للبلاد، بينما تستغل الدول الإستعمارية التّراث المَنْهُوب من البلدان المُسْتَعْمَرَة والمُهَيْمَن عليها، لاجتذاب عشرات الملايين من السائحين…

تُقدّر منظمة السياحة العالمية إن السياحة الثقافية تُمثّل أكثر من 10% من إجمالي السائحين في العالم، وتُقَدِّرُ نمو السياحة الثقافية بمعدل 15% سنويا، وتُشكل إيراداتها وإنتاجها قرابة 11% من مجمل الإنتاج العالمي، وتوفر 200 مليون وظيفة، أي ما يعادل 8% من مجموع الوظائف في العالم…  

(ملاحظة: نشرت صحيفة “الإقتصادية” السعودية  الجزء الأول من الخبر القصير عن أرقام السياحة في تونس، نقْلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية “أ.ف.ب”، مرفوقا بصورة لمدينة “أسطنبول” التّركية وبالعلم التركي، الذي اشتق منه علم تونس)… عن أ.ف.ب + رويترز 07/10/18

 

مصر للبيع؟ كان الإقتصاد المصري من ضحايا رفع نسبة الفائدة في الإقتصادات الرأسمالية المتطورة، فخرجت منها استثمارات أجنبية بقيمة ستة مليارا دولارا خلال ثلاثة أشهر (أيار وحزيران وتموز/يوليو 2018 )، وسوف تضطر الدولة إلى مزيد من الإقتراض من الأسواق المالية الدّولية (إضافة إلى قُروض صندوق النقد، والمصرف الإفريقي للتنمية، والبنك العالمي، والخليج)، بأسعار فائدة مُرْتَفِعَة، مما يزيد من عجز الموازنة، لأن البلاد لا تنتج ولا تُصدّر الشيء الكثير، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط المُسْتَوْرَد (وقريبا ستستورد غازًا مَنْهُوبًا من سواحل فلسطين المُحتَلّة)، وإلى ضغوط صندوق النقد الدّولي، وإلى حلول أجل استحقاق الدّيون خلال سنَتَيْ 2019 و 2020، وتحاول حكومة مصر الخروج من هذه الورطة (مُؤَقّتًا، أي تأجيل الإفلاس) بواسطة بيع سندات دولية بقيمة خمسة مليارات دولار، في الربع الأول من 2019، ونظرًا لعزوف المُشْتَرِين من أوروبا وأمريكا، تحاول وزارة المالية الترويج للسندات في آسيا وأوروبا، رغم الظّرف غير المُواتي (بسبب ارتفاع نسبة الفائدة وانخفاض الإقبال)، بسبب الحاجة المُلِحّة لتمويل الميزانية، وتمكّن المصرف المركزي من بيع سندات خزانة لأجل ثلاث وسبع سنوات، بعدما ألغى عِدّةَ طُرُوحات بسبب العائدات المُرْتَفِعة  التي يطلبها المستثمرون، مما يُشِير إلى انعدام الثقة في اقتصاد البلاد، وتهدف الحكومة المصرية إلى تطبيق أوامر (شُرُوط) صندوق النقد الدّولي، وخفض عجز الموازنة من 9,89% خلال السنة المالية 2017/2018 إلى 8,4%من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية 2018/2019 (التي تنتهي في الثلاثين من حزيران/يونيو 2019)، ويتطلب ذلك تمويلات جديدة بقيمة 24 مليار دولارا، لا تمتلكها الحكومة بل تحاول الحصول عليها عبر الإقتراض بفائدة مرتفعة، لأنها ديون سوف يحل أجل استحقاقها خلال السنتين القادمتين، ويبلغ معدل الفائدة حالياً على سندات دولية مصرية متوسطة الأجل تستحق في شباط/فبراير 2023 نحو 6,3%، وتحتاج الحكومة إلى قروض عاجلة بقيمة لا تقل عن أربعة مليارات دولارا، قبل نهاية الربع الأخير من سنة 2018، لتتمكن من تصريف الأعمال، وتفاوض الدائنين لتمديد أجل الديون القائمة، كما تُفاوض البنك العربي الإفريقي وفرنسا وألمانيا للحصول على ثلاثة مليارات دولارا…

تسبّب انخفاض قيمة العُملة المحلية (الجُنَيْه المَصْرِي) في ارتفاع العجز التجاري من 35,4 مليار دولارا خلال السنة المالية 2016/2017 إلى 37,3 مليار دولارا خلال السنة المالية 2017/2018، لكن انخفاض العملة المحلّية شجّع المصريين العاملين بالخارج على زيادة تحويلاتهم من 21,8 مليار دولارا إلى 26,4 مليار دولارا خلال نفس الفترة، وتسبب تطبيق شروط صندوق النقد الدولي في خفض الدعم، وارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 14% خلال تموز 2018 وهو ما يرفع أسعار الفائدة، لأن الدّائِنِين يطلبون سعر فائدة أعلى من نسبة التّضخّم، ويسعى المستثمرون والمصارف للحصول على أسعار فائدة تتراوح بين 18% و18,5%، في حين كانت السلطات تراهن على مستويات تتراوح بين 14% و15% على سندات 3 سنوات و7 سنوات…

من جهة أخرى، وإضافة إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ارتفعت عائدات السياحة بنسبة 68% إلى 7,4 مليار دولار في العام المالي 2017-2018، كما ارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة  15,4% في المئة إلى 5,7 مليار دولارا… أ.ش.أ رويترز 08/10/18

 

السودان: تأثر اقتصاد السّودان كثيرًا بانفصال الجنوب (تموز/يوليو 2011) بسبب خسارة حوالي 75% من إنتاج النّفط، الذي كان يُمثل أول مورد للعملة الأجنبية، وأدّى تدهور الوضع الإقتصادي إلى انخفاض قيمة الجُنَيْه السوداني، وارتفعت بذلك معدلات التضخم إلى مستويات قياسية نظراً لاستيراد البلاد معظم حاجياتها تقريباً، ويتواصل انخفاض قيمة الجنيه رغم الإجراءات الحكومية التي شملت اعتقال عشرات من تجار العملات الأجنبية، وتحديد سقف لسحب الأموال من المصارف، ولكن سبب الإنخفاض يعود إلى تراجع الإنتاج وتراجع قيمة الصادرات (التي كان النفط يُشكل معظَمَها)، وتراجع الإستثمارات (المحَلّية والأجنبية)، وكانت الحكومة قد قررت في أيار/مايو 2018 تشجيع استثمارات الشركات النفطية الصينية والماليزية، والاستفادة من تصدير الذهب ومحاربة تهريبه، بهدف رفع إنتاج النفط خلال العام الجاري (2018) إلى 31 مليون برميل، بعائد يصل إلى مليار دولار، لأن الحكومة تعتبر إن زيادة إنتاج النفط تمثل ضرورة لزيادة موارد النقد الأجنبي ولإنعاش العملة الوطنية…

أعلن محافظ البنك المركزي السوداني، الخميس 04/10/2018، تنفيذ سلسلة إجراءات جديدة، بداية من يوم الأحد 07/10/2018 بهدف تحديد سعر الصرف يَوْمِيًّا، ووضع حدّ لتدهور قيمة الجُنَيْه السّوداني، وتحديد سعر شراء الذهب من أجل محاربة التهريب (تهريب الذّهب)، ويُتوقع إلغاء القيود على استيراد حوالي عشرين سلعة (منها سلع غذائية)، كانت فرضتها الحكومة سنة 2017، وحددت الحكومة  سعر صرف الدولار الأمريكي بنحو 47,5 جنيه سوداني (بعد أن كان السّعر الرّسمي 29 جنيها مقابل الدّولار)، ولكن المصارف لا تمتلك ما يكفي من الدولارات، لتلبية حاجة مُسْتَوْردي السلع والتّجهيزات، رغم زيادة الكميات التي يعرضها المصرف المركزي، فيشتري التّجار الدولارات من السوق الموازية بحوالي 49 جنيها للدولار… 

من جهة أخرى ارتفع عجز ميزانية الدولة من 11,2 مليار جنيه سنة 2016 إلى 14 مليار جنيه سنة 2017، بينما بلغت نسبة التضخم مستوى قياسيا في آب/أغسطس 2018، لتصل إلى 66% وهو أحد أعلى معدّلات التّضخّم في العالم… 

أعلن محافظ المصرف المركزي إن هيئة الصرف الجديدة ستحدد أيضا سعر شراء الذهب، تمشيا مع الأسعار العالمية، من أجل محاربة تهريب الذهب، الذي أصبح يُمَثِّلُ أول سلعة، أو مادّة خام يصدرها السودان، ومن أجل تشجيع المنتجين المحلين على بيعه من خلال القنوات الرسمية، ورغم ازدهار نشاط استخراج الذهب، انخفضت صادراته، عبر القنوات الرّسمية، من 367,3 مليون دولارا خلال الربع الرابع من سنة 2017 إلى 212,1 مليون دولارا خلال الرُّبع الأول من سنة 2018 ويعود هذا الإنخفاض إلى ازدهار نشاط التّهْرِيب، بسبب سعر الشّراء الذي حدّده المصرف المركزي، وهو أقلّ من السعر العالمي، وفق شركات تعدين الذهب، مما يحرم المصرف المركزي من أهم مصدر للعملة الأجنبية… رويترز 07/10/18

 

اليمن، إنجازات سعودية – إماراتية: يقود التّحالف الرّجعي السعودي الإماراتي (بإشراف أمريكي) حربًا عدوانية ضد الشعب اليمني، منذ آذار/مارس 2015، وأنشأ هذا التحالف العدواني حركات داعمة للإحتلال، ولكن بعد حوالي ثلاث سنوات، انطلقت مظاهرات حاشدة تُنَدِّدُ ب”تدهور الأوضاع المعيشية وتداعيات انهيار العملة”، وتوسعت الإحتجاجات ضد سياسة “الإجرام والتّجْويع” وشملت كافة المحافظات والفئات، بسبب إمعان تحالف العدوان في تشديد الحصار ومَنْع دخول الغذاء والدّواء، وخفض قيمة العملة المَحَلِّيّة (الرِّيال اليَمَنِي) بنسبة 60% خلال فترة قصيرة، ودعا المتظاهرون إلى إنهاء الإحتلال والعدوان، وإنهاء سيطرة السعودية والإمارات على جميع حقول محافَظَتَيْ “شبوة” و”حضرَموت”، وإلى استعادة اليمَنِيِّين عمليات إنتاج النفط والغاز، وتُمثِّلُ عوائدهما نحو 75% من إجمالي إيرادات الدولة، وحوّلت قوات الإحتلال حقولاً نفطية إلى ثكنات وقواعد عسكرية، بدعْمٍ من  قيادات عسكرية تنتمي إلى حزب “الإصلاح” (الإخوان المسلمون) في مأرب وشبوة وحضرموت… تُسيطر قوات الإحتلال الإماراتي- السعودي على صادرات شركة “بترو مسيلة” (أكثر من مليون برميل شهريا) عبر ميناء الضبة النفطي في مدينة المكلا (مركز محافظة حضرموت)، ويتم تحويل إيراداتها من العملة الصعبة إلى البنك الأهلي السعودي، وتفْرِض القوات الإماراتية الحصول على نسبة 5% من حجم الإنتاج اليومي لثلاث شركات نفطية، ثمنًا ل”حماية المنشآت النفطية”… 

طالبت حركة “أنصار الله” (الحوثيون) بتحييد إيرادات الدولة، عبر إشراف الأمم المتحدة، وجهة مُحايدة تتولّى تسديد رواتب الموظفين، والحفاظ على سعر صرف العملة، لإنقاذ ملايين اليمنيِّين من المجاعة والأمراض…”، وتظاهر المواطنون في العاصمة “صنعاء” ضد “الحرب الإقتصادية التي يقودها تحالف الإجرام والتجويع”، بحسب الشعارات واليافطات المرفوعة، وأعلنت الأمم المتحدة “إن تدهور سعر صرف الريال اليمني يفاقم خطر المجاعة لحوالي أربعة ملايين يمني، إثر الإرتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية” خلال شهر أيلول/سبتمبر 2018، بسبب الانخفاض السريع في قيمة الريال… عن الأمم المتحدة + أ.ف.ب 04/10/18

 

السّعودية– وِراثة العَمالة مع الحُكْم؟ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ 20 آذار/مارس 2017، خلال استقباله محمد بن سلمان “إن السعودية ستعطينا جُزْءًا من ثروتها الطائلة”، ثم طلب 200 مليار دولار من السعودية “لدعم برنامج أمريكي – سعودي لتطوير الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، خلال أربع سنوات، أي بمعدل خمسين مليار دولارا سنويا”، وطالب – خلال زيارته السعودية في نيسان/ابريل 2017 – الدول الغنية ولاسيما السعودية بدفع الأموال مقابل تأمين الحماية الأمريكية، ثم أعلن خلال لقاء جماهيري له في ولاية ويست فرجينيا، ضمن الحملة الإنتخابية لتجديد نصف أعضاء الكونغرس الأمريكي “لقد قُلت للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، لديك تريليونات الدولارات و نحن من يؤمن لك الحماية، ونحن نقوم بالانفاق العسكري على دولتك الغنية، ولولا حمايتنا لانتهى حُكمُك، ولذلك وجب تسديد المزيد من المال مقابل الحماية، ومقابل النّفقات العسكرية…”، وكان قد صرح أيضًا: “إن  الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود لن يظل في الحكم لأسبوعين من دون دعم الجيش الأميركي…”، ويمكن تأويل كلام الرئيس الأمريكي بفرض أمر واقع جديد، يتمثل في “إشراف الولايات المتحدة على مجمل إنتاج النفط السعودي والتصرف في عائداته مقابل الحماية من التهديدات المُحْتَمَلَة، الداخلية والخارجية”، وعدم الإكتفاء بما تنفقه السعودية (والإمارات وقَطَر) لحد الآن على شراء السلاح الأمريكي، والإنفاق على البرامج الأمريكية للهيمنة واحتلال البلدان والعدوان، مباشرة أو عبر المجموعات الإرهابية…

دعا الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”، خلال فترة ولايته الثانية، إلى تغيير أساليب الحكم، لتجنُّب الإنهيار من الدّاخل، بسبب ارتفاع حدة التناقُضات، التي لا يسع أمريكا حماية أسرة آل سعود منها، إذا لم تُغَيِّر أساليب الحُكم، وتحقيق إصلاحات داخلية، لتأمين الإستقرار الدّاخلي، مع تكفل أمريكا بحمايتها من الخارج، مقابل عائدات النفط، ولكن الرئيس “دونالد ترامب” لا يُفاوض، بل يُهَدِّدُ ويأمر بفجاجة وببذاءة غير معهودة، وخارج القنوات الدبلوماسية، ويريد تنفيذ أوامره بسرعة، لأن السلاح الذي تشتريه السعودية لا يكفي لحمايتها… كما على السعودية تأمين حاجة الأسواق العالمية من النفط الرّخيص، وتعويض انخفاض صادرات إيران وفنزويلا”، وطلب ترامب من السعودية تفجير منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) من الداخل، بهدف حماية اقتصاد أميركا والدول الصناعية من النتائج المُحْتَمَلَة لأي ارتفاعٍ لِأسعار النفط…

يُمثل دونالد ترامب مزيجا من عقلية المستوطنين الأوائل للأراضي الأمريكية الذين يقتلون كل من اعترض سبيلهم، ومن عقلية الرأسمالي المُضارِب، وكلاهما مُتَجَرِّد من أي قواعد للتعايش مع الغير أو مراعاة مصالح الآخرين، بل يُحرّض السعودية على تكثيف عدوانها على شعب اليمن، وعلى زيادة التصعيد مع إيران، ومزيد التقارب (بل التّحالف) مع الكيان الصهيوني، ضد الشعب الفلسطيني، وشعوب المنطقة (من بينها شعوب إيران والعراق)، ولا يهتم “ترامب” بنتائج سياسته على الحُلفاء أو الأصدقاء، فما بالك بالمنافسين والخُصُوم، ولا يهتم بنتائج انخفاض أسعار النفط على اقتصاد السعودية وبقية دُويلات الخليج المُصَدِّرَة للنفط، من عَجْزٍ ومن دُيُون، فقد تَحول فائض ميزانية السعودية من 155 مليار دولار سنة 2008 إلى عجز مُتَوَقَّع يتجاوز 60 مليار دولار سنة 2018، ولهذه الأسباب تُحاول أسرة آل سعود خفض العجز، عبر ابتزاز عدد من أُمراء الأسرة المالكة المُعارضين لمحمد بن سَلْمان، ورجال الأعمال، ونهبت (باسم مكافحة الفساد) نحو مائة مليار دولارا، ولا يزال ثمانية أثرياء رهن الإعتقال، وفق محمد بن سَلْمان، وخفض العجز كذلك عبر اتخاذ إجراءات التقشف، وإلغاء دعم الطاقة وفرض ضرائب غير مباشرة، وخفض نفقات الدولة بنحو 30 مليار دولار، وطرح 5% من أسهم شركة النفط السعودية “أرامكو” للبيع (تضغط أمريكا لكي يتم طرح مجموع الأسهم في بورصة نيويورك)، وأضرّت هذه الإجراءات بالفُقَراء ومُتَوَسِّطِي الدخل في السعودية، حيث ترتفع نسبة البطالة، والفقر، بالإضافة إلى أزمة السكن المُزْمِنَة، ولا يهتم “دونالد ترامب” بالنتائج الوخيمة لانتفاضة مُحْتَمَلَة في السعودية، بل يعمل على إخضاع السعودية لهيمنة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، عبر القُروض المَشْرُوطة…

أحرجت تصريحات دونالد ترامب عملاءه في السّعودية، الذين كانوا يعتقدون إنهم من المُقَرّبِين لنظام الحكم في أمريكا، ولكن الولايات المتحدة تعتبر إن سياستها ترتكز على تحقيق المصالح، بالقوة العسكرية، وباستخدام حلف الناتو، أو تَسْخير الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وغيرها، ولا تُعير اهتمامًا لما قد يُعتَبَر “صداقة” أو “تحالفات” أو تَحْيِيد بعض القُوى، وغير ذلك من أساليب الدبلوماسية التي تنتهجها الدول الأخرى…

اعتبر عدد من الصحافيين والباحثين العرب، وغير العرب، إن تصريحات دونالد ترامب، ومن بينها “إن حكم آل سعود لن يتمكن من الإستمرار لفترة أسبوعَيْن دون حماية أمريكا”، تندرج في باب الإهانة للملك سَلْمَان بن عبد العزيز، ويحاول ابنه (المالك الحقيقي للحكم في السعودية) “حفظ ماء الوَجْه”، فطلب من وكالة “بلومبرغ” الإقتصادية الأمريكية (على ملك رئيس بلدية نيويورك الأسبق، ويرأسها “مايكل بلومبرغ”) إجراء لقاء (مدفوع الأجر) معَهُ، وأعلن خلال اللقاء “إن السعودية تشتري أسلحة بأموالها ولا تأخذها مجاناً من واشنطن ولن تدفع شيئاً مقابل أمنها… وإن الولايات المتحدة بحاجة إلى السعودية، وليس العَكْس”، لأن السعودية – بحسب ادّعائه- تُدافع عن أمن العالم في اليمن وفي ليبيا وسوريا، وتُؤَمِّنُ استقرار الإقتصاد العالمي، من خلال ضخ كميات ضخمة من النفط، بأسعار مقبولة (من الشركات متعددة الجنسية)، ومن خلال “مواجهة السعودية للمتطرفين والإرهابيين، والتحركات الإيرانية السلبية في الشرق الأوسط”… عن وكالة “بلومبرغ” 05/10/18

 

إفريقيا: يُقَدّر عدد سكان إفريقيا بأكثر من مليار نسمة، وتقدّر قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدول قارة إفريقيا مجتمعة بنحو 2,5 تريليون دولارا، ولكن نسبة المعاملات بين الدول الإفريقية ضعيفة، حيث تميزت معظم اقتصادات القارة بتصدير المواد الخام واستيراد المواد المُصَنّعَة، ولذلك فهي غير متنوعة، وتتجه نحو 80% من صادرات إفريقيا إلى خارج القارة، كما لا توجد بُنية تحتية وطرقات وسكك حديدية تُمَكّن من انتقال السلع والبَشَر بسهولة بين البلدان الإفريقية، رغم وجود بعض الإتفاقيات الإقليمية، ومن بينها مجموعة دول شرق إفريقيا التي تضم ست دول، أو الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، أو “كوميسا” التي تضم 15 دولة، وكان القادة التاريخيون لحقبة النضال من أجل استقلال إفريقيا (كوامي نكروما وباتريس لوممبا وجوليوس نيريري وجومو كينياتا وغيرهم) يطمحون إلى توحيد إفريقيا وإلى استقلالها الإقتصادي والسياسي، لكن وبعد اغتيال العديد منهم، وبعد هيمنة الإستعمار غير المباشر (الإمبريالية) على معظم الدول الإفريقية، تبدّد حُلْم الوحدة، وأصبحت معظم الحكومات والأنظمة تَبْحَثُ عن نصيب من الإقتصاد الرأسمالي المُعَوْلَم، وفي هذا الإطار، بدأت مفاوضات التجارة الحرة، أو التبادل الحُر، في نطاق النظام الرأسمالي العالمي، وليس كبديل له، أو خارجَهُ، وبدأت المفاوضات بين الدول الإفريقية سنة 2015 من أجل التوصل إلى صيغة للتجارة الحرة، وإلغاء الرسوم الجمركية على معظم السلع والخدمات والإستثمارات، وتواصلت المفاوضات حول معايير قواعد المَنْشَأ حتى سنة 2016، وبعد سنتيْن من المفاوضات، وقَّعت 44 دولة من إجمالي 55 دولة إفريقية في “كيغالي” (عاصمة رواندا) في آذار/مارس 2018 على اتفاق لجعل إفريقيا منطقة للتجارة الحرة، ولم تُوقّع بعض الدّول منها نيجيريا وتنزانيا وبوروندي، وثمانية دول أخرى، وخفضت الدول من طموحها، حيث كانت تأمل أن تشمل الإتفاقية نحو 90% من السلع والخدمات وأصبحت تأمل “تعزيز التجارة بين البلدان الإفريقية بنسبة 52% بحلول سنة 2022″، في انتظار إتمام المفاوضات حول الإستثمار، والملكية الفكرية، وهو ما أُدْرِج في نطاق “المرحلة الثانية من المفاوضات”…

تشكو اقتصادات الدول الإفريقية من عدم الإكتفاء الذاتي ومن نقص أو انعدام التكامل فيما بينها، ولذلك يمكن في مرحلة أولى تأسيس منطقة اتحاد جمركي، يُعزّز التجارة التفضيلية، ويخلق سوقًا مشتركة، وربما اتحاد نقدي في المستقبل، ولكن ارتفاع الحواجز التي تعترض التبادل التجار يُعرْقل إنجاز هذه الأهداف، خصوصًا وإن الشركات متعددة الجنسية والدول الإمبريالية تتحكم في مفاصل اقتصاد البلدان الإفريقية، ويفتقد الإقتصاد الإفريقي إلى الصناعة المحلّية، مما يُبْطِئُ حركة رأس المال والعُمال وانتقال السلع والخدمات، وتطمح حكومات الدول المُوقّعة على اتفاقية التجارة الحرة إزالة الحواجز المادية أمام التجارة، بصفة تدريجية… عن أ.ف.ب + رويترز 08/10/18  

 

البرازيل – على هامش الإنتخابات العامة: لم يصمد حُكْم اليسار طويلا في أمريكا الجنوبية، لأسباب عديدة منها قُوة الضغط الأمريكية وعدم خروج هذا اليسار عن المنظومة الرأسمالية، وترك اليمين ورأس المال والكنيسة يتحكمون في القطاع المصرفي وفي الإعلام والتعليم وتجارة الجملة ومسالك توزيع السلع، فيما بقي اليمين الموالي لأمريكا مُؤَثِّرًا في جهاز القَضاء وفي قيادات الجيش وقوات الأمن الداخلي، وكانت هذه العوامل من الأسباب التي خلقت صعوبات جَمّة في فنزويلا، وقلاقل في بوليفيا، وعودة اليمين للحكم في عدد آخر من البلدان وأهمّها الأرجنتين وكذلك في البرازيل، عبر انقلاب برلماني وقضائي…

في البرازيل، وبقطع النّظر عن نتائج الإنتخابات التي جَرَتْ دورتها الأولى يوم الأحد 07 تشرين الأول/اكتوبر 2018، أصبح اليمين المتطرف أكبر قوة في البلاد، وكانت القوى الموصوفة ب”الوسط” و”اليمين المعتدل” قد مهّدت له الطريق، وتشمل الإنتخابات انتخاب رئيس للجمهورية وحُكّام الولايات، ونواب البرلمان الإتحادي، وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وتميزت الحملة الإنتخابية بغزو اليمين المتطرّف الساحة السياسية والإعلامية، بعد إلغاء القضاء ترشخ الرئيس السابق (في آخر لحظة، بهدف عدم إفساح المجال لخليفته بتحضير الحملة الإنتخابية) وزعيم حزب العُمّال “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، ويمثل اليمين المتطرف ضابط عسكري متقاعد، تَدْعَمُه القوات العسكرية، التي لا تزال تحتضن بعض المتأسفين على انهيار الحكم العسكري (من 1964 إلى 1987) والتيارات الدينية المتشددة، وبالأخص تيارات الإنجيليين المُتصَهْيِنين الذين حوّلوا الكنائس إلى مكان للدعاية الإنتخابية، ومن السلطات القضائية العُلْيا، ورأس المال المالي الذي تَدَخّل (حال تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي) لتعزيز قيمة العملة المحلية (ريال)، لتسهيل فوزه بمنصب الرئاسة، بذريعة إن أوساط المال والأعمال منحته ثقتها، كما دعمته الشركات الكُبْرى، وشبكات المتاجر الشهيرة، أما خصمه الرئيسي فرناندو حَدّاد (وزير سابق في حكومة حزب العُمّال، ورئيس بلدية “ساو باولو” سابقًا) فقد أعلن أنّه إذا فاز في الانتخابات الرئاسية سيقضي على أطماع الولايات المتحدة الأميركية في سلب ثروات البرازيل النفطية، وسيدْعَم سيادة البرازيل على ثرواتها المعدنية…

تَضُمّ قائمة المُسجّلين 147 مليون ناخب برازيلي (امتنع 20% منهم عن التصويت يوم السابع من تشرين الأول 2018، وهي أعلى نسبة امتناع عن التصويت في تاريخ البرازيل)، لاختيار رئيس البلاد وجميع الأعضاء الـ513 في البرلمان، وثلثَي الأعضاء الـ81 في مجلس الشيوخ، إضافة إلى الحكام والنواب في كافة الولايات وعددها 27 ولاية، ويعتبر مرشح اليمين المتطرف (بولسونارو) نفسه نسخة من الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، وكان أشاد مراراً بالحكم الدكتاتوري العسكري في البرازيل الذي ذهب ضحيته آلاف القَتْلى والمُصابين والمَخْطُوفين ومساجين الرأي بين سنتي 1964 و 1985 ووعَدَ ب”تطْهير النظام السياسي”، وحظي بتأييد بعض اللاعبين السابقين لفريق كرة القدم البرازيلي، ومن بينهم رونالدينيو، وكافو، ولوكاس مورا، والبطل المتقاعد لسباقات السيارات إمرسون فيتيبالدي، وهم من أصحاب الملايين الجَهَلة، ذوي مستوى ثقافي محدود جدا، ويتهرّبُ معظمهم من تسديد الضّرائب… عن فايننشال تايمز 05/10/18 + رويترز + أ.ف.ب 07/10/18

امتنع حوالي 20% من المُسَجّلِين، عن التّصويت، وحصل اليمين المتطرف على 46% من الأصوات في الدّور الأول من الإنتخابات الرئاسية، مقابل حوالي 30% ل”فرناندو حَدّاد”، مرشح حزب العُمّال، وحاز اليمين المتطرف على 52 نائب في البرلمان، فيما حصل حزب العمال على 56 نائب، إثر خسارته 12 نائبا (من 68 إلى 56 نائب) وانخفض عدد مقاعد “العمال” في مجلس الشيوخ من 12 إلى ستة مقاعد، وفشل بعض الزعماء في الفوز بمقاعد في ما كان معاقل للحزب، كما تهاوت أحزاب اليمين التقليدي، أو ما يُسَمّى “الوسط” (وهو في الواقع تليونة أخرى من اليمين)، مقابل صعود اليمين المتطرف والأحزاب المحافظة المشابهة له في أطروحاتها وبرامجها، في أكبر اقتصاد بأمريكا الجنوبية…  أ.ف.ب 08/10/18

 

أخبار من الهند: تعتبر الهند ثاني أكبر منتجي السكر في العالم، بعد البرازيل، وكانت المصانع عازفة عن توقيع عقود تصدير جديدة حتى وقت قريب بسبب أسعار عالمية تقل كثيرا عن الأسعار المحلية، إذ يكثر الطلب المحلي على السّكّر، لصناعة الحلوى، قبل أن ترتفع أسعار السكر الخام العالمية بالتزامن مع انخفاض العملة الهندية (الروبية) إلى مستوى قياسي، مما يُفَسِّرُ توقيع مصانع السكر الهندية اتفاقات لتصدير السكر الخام للمرة الأولى في ثلاث سنوات في ظل ارتفاع أسعار سوق نيويورك إلى أعلى مستوياتها في سبعة أشهر وفي ظل دعمٍ للمُصَدِّرِين من حكومة الهند التي طلبت من المصانع (منذ آذار/مارس 2018) تصدير مليونَيْ طن من السّكّر، وحَدّدَتْ حصة إلزامية لكل مصنع، مما يجعل التصدير مربحا، وتعاقدت المصانع على تصدير 150 ألف طن من السكر الخام بسعر يقارب 280 دولارا للطن، ولم تُصَدِّر سوى 450 ألف طن، ولكن هذه الكمّية كافية للتأثير سَلْبًا على الأسعار العالمية، ولتقليص حصة منافستيها البرازيل وتايلاند، في الأسواق، وهما أكبر بلدين مصدرين للسكر في العالم، وعادة ما تنتج المصانع الهندية السكر الأبيض للاستهلاك المحلي، لكنها تخطط هذا العام لتصدير السكر الخام في الوقت الذي تشهد فيه البلاد فائضا في الإنتاج للعام الثاني على التوالي، كما تعاقدت مصانع الهند على تصدير 100 ألف طن من السكر الأبيض بسعر نحو 305 دولارات للطن، نحو “الشرق الأوسط والدول الأفريقية”، وقد تنتج الهند في الموسم الجديد (الذي بدأ في بداية تشرين الأول/اكتوبر 2018) نحو 35 مليون طن من السكر، ليرتفع المخزون إلى حوالي عشرة ملايين طن، بعد طرح حجم متوسط الإستهلاك المَحَلِّي السنوي الذي يعادل نحو 25 مليون طن من السكر … أما العاملون في هذه المصانع فإنهم يُعانون من ظروف العمل السيئة ومن انخفاض الرواتب، مثل معظم عمال الهند، بالإضافة إلى عدم توفّر شروط السلامة المهنية، وخلال نفس يوم إعلان ارتفاع صادرات السكر، نشرت وسائل الإعلام خبر انفجار وقع في مصنع تابع لهيئة الصلب الهندية (سيل) الحكومية، وهي أكبر شركة لصناعة الصلب في الهند، ووقع الإنفجار في ولاية تشاتيسجاره بوسط البلاد يوم الثلاثاء مما أسفر عن مقتل تسعة على الأقل وإصابة أربعة عشر آخرين، وفق بيانات طِبِّيّة، إثر اندلاع حريق في خط أنابيب غاز، أثناء عملية صيانة مقررة في المصنع، وأعلن مسؤول في الشرطة “إن تفحّم الجثث يجعل من الصعب جدا حصر عدد القتلى ” في هذا المصنع الذي يُعتبر المنتج والمورد الوحيد لقضبان السكك الحديدية في الهند، وهو منتج رئيسي لمجموعة كبيرة من ألواح الصلب العريضة والثقيلة والصلب المستخدم في البناء وفقا لبيانات على الموقع الإلكتروني للشركة…

من جهة أخرى، قدرت بعض منظمات “المجتمع المدني” إن حوالي نصف مليون طفل يعملون في القطاع الصناعي في الهند وحوالي 350 ألف في القطاع الزراعي (بيانات 2016)، وبعمل هؤلاء الأطفال ما بين 12 و 14 ساعة يوميًّا، بالإضافة إلى أعمال أخرى غير ظاهرة مثل الحياكة وخدمة المنازل، رغم صدور قانون يمنع عمل الأطفال في الهند، منذ 1977… عن منظمة العمل الدولية + رويترز 09/10/18

 

تايلند – عَسْكَرَةُ علاقات العمل: أضرب حوالي 1800 عامل في مصنع ب”تايلند”، تابع لمجموعة “ميتسوبيشي إلكتريك” اليابانية في نهاية سنة 2017، من أجل تحسين الرواتب وظروف العمل، وقررت الشركة اليابانية طرد 27 نقابي من المصنع، لكن توصلت نقابة العمال وإدارة المصنع إلى اتفاق حول مطالب العمال يوم 29 كانون الثاني/يناير 2018، ويتضمن الإتفاق عودة كافة النقابيين إلى وظائفهم، وفق قانون البلاد (تايلند)، واحترام بنود عقد العمل الجماعي، لكن إدارة شركة “ميسوتبشي” ماطلت في إعادة العُمال النقابيين إلى وظائفهم، بل دعتهم إلى اجتماع خاص، وضغطت عليهم لينسلخوا من العمل النقابي، ثم أودعتهم في قاعدة عسكرية لمدة أربعة أيام، لكي “يتعلموا النّظام والإنضباط”، ثم خضع العمال النقابيون لفترة تأهيل لمدة خمسة أيام، ليتعلموا “التّكْفِير عن الذّنوب” التي ارتكبوها في حق الشركة ورأس المال، ويوم كامل، للخدمة المجانية في مأوى المُسِنٍّين، وثلاثة أيام في معبد بوذي (مهما كانت ديانة العمال)، وطلبت الشركة من العُمّال اعتذارًا شخصيًّا وعَلَنِيًّا في وسائل التواصل “الإجتماعي”، وبعد هذا المُسَلْسل من الإهانات، رفضت الشركة إعادة 24 نقابيا لوظائفهم، خلافًا لقوانين البلاد، ثم طلبت من العمال التوقيع الفردي على اتفاقية جديدة، تُمكّن الشركة من رفض زيادات الرواتب ومن استرجاع الحوافز، في حالة انتماء العامل إلى نقابة لا تحظى بدعم إدارة الشركة… استغلت الشركة ضُعْف النقابات لتفرض شروطها، لكن العمال استغلّوا تعيين مجموعة “ميتسوبيشي” شريكًا رسميًّا لدورة الألعاب الأولمبية في طوكيو سنة 2020 (مما يفرض احترام حقوق الإنسان وحقوق العُمال)، للقيام بحملة إعلامية وفضْحِ ممارسات فَرعها في “تايلند” ضد العُمّال ووانتهاك الحقوق النقابية، وحق العُمّال في التّأمين الإجتماعي والتّرقيات والحوافز، وحرية الإنتماء للنقابات… عن رويترز (بتصرف04/10/18 

 

أوروبا – “اليسار” البرجوازي والعُنْصُرِي: تجدر الملاحظة إن عبارة “يسار” هي عبارة فَضْفَاضَة جِدًّا ويَصْعُبُ تعريفها، واصْطُلِح على تعريفها بأنها نقيض لليمين وللبرجوازية ولسُلْطَة رأس المال، ولكن يبقى هذا التعريف تَقْرِيبيًّا وغير دقيق أيضًا…

 تُصَنِّف المجموعات اليسارية الأوروبية، بمعظم فروعها، حزب “دي لينك” الألماني ضمن ما أطلق عليه “اليسار الراديكالي”، رغم الضبابية التي اكتنفت تأسيس وبرامج وطرق عمل هذا الحزب، ونجد من بين مؤسِّسِيه “أوسكار لافونتان”، بل هو زعيمه الأول، وهو وزير سابق في حكومة “غيرهارد شرودر” الذي أهدى المال العام للشركات الكُبْرى وخَرّب قانون العمل والقوانين ذات الصبغة الإجتماعية، وأقرّت حكومته مجموع القوانين التي تُلْغِي حقوق العُمال والأُجراء، وتُرْسِي العمل الهش وتعميم الدّوام الجُزْئي والرواتب المنخفضة جدا، مع زيادة سنوات العمل قبل التقاعد وخفض قيمة معاشات التقاعد، مما يضطر حاليا حوالي مليون متقاعد ألماني للعمل من أجل تلبية الحاجيات الأساسية، وغير ذلك من الإجراءات المناهضة لمصالح الأُجَراء…

في ألمانيا، تمول الدولة، من المال العام، المنظمات الموصوفة “غير حكومية”، ولكل حزب منظمته، مثل “فردريك إيبرت”، وهي تابعة للحزب الديمقراطي الإجتماعي، أما حزب “دي لينك” فيَمْتَلِكُ منظمة “روزا لكسمبورغ”، واشتهر المُشرفون عليها باحتقار اليسار في بلدان “العالم الثالث”، وخصوصًا اليسار العربي، ومن أشهر المداخلات التي تُعبر عن هذا الإحتقار، مداخلة أحد المُشْرِفِين على نَدْوة لليسار الفلسطيني في الضّفة الغربية المُحْتَلّة، ونَصَّب هذا المُشْرِفُ نفسَهُ أُسْتاذًا لليسار العربي والفلسطيني، لِيَصِف مناضِلِيه بالجَهَلة… ونذكِّرُ بشأن ألمانيا، بالإلْتزام القوى السياسية الألمانية، بما يُشْبِهُ الإجماع (لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية) بدعم الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني (مع بعض الإستثناءات، من بينها “الجيش الأحمر” الذي دعم المقاومة الفلسطينية، قبل عُقُود)، ومع ذلك يعتبر هذا اليسارُ الرّدِيءُ (الأوروبي، وبعض اليسار العربي أيضًا) حزبَ “دي لينك” ومنظماته، ومنها “مؤسسة روزا لكسمبورغ”، غير الرّبحية، “يسارًا راديكاليا”…

نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية مقالاً حول بعض رموز اليسار الأوروبي (من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والدنمارك وغيرها…) الذين يُطالبون الحكومات الرّجعية الأوروبية بإغلاق الحدود الأوروبية (وهي مُغْلَقَة بالفعل منذ عُقُود) وعدم قبول مهاجرين جُدُد، وعدم إنقاذ المُهدَّدِين بالغرق في البحر الأبيض المتوسط، بذريعة “وجب أن يبقى كل شخص في بلَدِهِ”، ويتجاهل مثل هذا اليسار الأسباب الحقيقية للهجرة، ولا يذكُرُها (الأسباب) ولا يُنَدِّدُ بالمُتَسَبِّب في النزوح وفي الهجرة الجماعية لعشرات الملايين من البشر، الذي قصفتهم طائرات الحلف الأطلسي ومنها طائرات ألمانيا وفرنسا والدنمارك وإيطاليا وغيرها، وينآى هذا “اليسار الراديكالي” بنفسه عن التنديد بالحُرُوب العدوانية الأوروبية والأمريكية، كما يتجنّبُ التنديد بهيمنة الشركات متعددة الجنسية على ثروات هذه البلدان المُصَدِّرَة للمهاجِرِين، وفي المقابل تطالب منظمات أرباب العمل في ألمانيا وبعض البلدان الأخرى، مزيدًا من المهاجرين، في بعض القطاعات ذات العمل المُرْهق والرواتب المنخفضة (الإنشاء وبناء العقارات والفنادق والمطاعم والتنظيف…) أو بعض القطاعات التي تبحث عن اختصاصيين ذوي كفاءات وخبرات عالية (أطباء ومهندسين وباحثين وفَنِّيِّين في مجالات الحواسيب والتكنولوجيا الدقيقة…)، ولكن بعض زعماء “اليسار الراديكالي” (وفق توصيف بعض المنظمات العربية والأوروبية) ومنهم إحدى زعيمات “دي لينك” التي ربما تسكن غير بعيد من إحدى القواعد العسكرية الأمريكية العديدة المُنْتَشِرَة في ألمانيا ( التي تَدّعِي إنها “ماركسية”) يكتبون “إن تدفق المُهاجرين أفْقَد الدولة استقلالية القرار ومُراقبة حركة المجتمع، وغَيَّرَ وجْهَ أوروبا والبلاد – أي ألمانيا – نحو الأسْوَأ، ووجب إغلاق الحدود لحماية الطبقة العاملة الأوروبية من المنافسة غير النّزيهة للعمال المهاجرين…”، أما زعيم ومؤسّس حزب “فرنسا المُتَمَرِّدَة” (وهو زعيم سابق في الحزب “الإشتراكي” الفرنسي ووزير سابق في حكومات هذا الحزب) فقد صرح “لا يجب اعتبار الهجرة شيئًا طبيعيًّا أو مُحَبّذًا أو مرغوبا فيه…” ورفض القائد المُؤَسِّس لحزب “فرنسا المتمردة” التوقيع على بيان يدعم إنقاذ المهاجرين واستقبالهم في دول الإتحاد الأوروبي، معتبرًا ذلك بمثابة “سياسة النّعامة”، أما في الدنمارك فذهب “اليسار” المَحلِّي أشواطًا بعيدة في العنصرية وإلصاق التُّهَم بالمهاجرين، واعتبر “إن الهجرة تُمثّل تهديدًا لتماسك مجتمعنا وسوف تتسبب بانهيار اقتصادنا”، وسبق أن ذكرنا إن كافة الدراسات والبحوث تُظْهِرُ استفادة مجتمعات أوروبا من الهجرة، في كافة المجالات، وتستفيد المجتمعات الأوروبية، كما يستفيد الأفراد الأوروبيون، من الإرتقاء في السّلّم الطبقي، وترك المهاجرين في أسفل درجات السُّلَّم، مع ارتفاع دخل العُمال المحلِّيِّين وزيادة فُرَص التدريب والتّأهيل… يأتي المهاجرون إلى أوروبا في عنفوان الشباب، وتختار دول أوروبا المهاجرين الذين تحتاجهم شركاتها واقتصادها (بعد فحص طِبِّي دقيق)، مع ترك هامش من المهاجرين غير النظاميين لاستغلالهم في قطاعات العمل المُضْنِي وبأُجور منخفضة، وبذلك تتمكن الشركات الأوروبية من تحقيق هامش أرباح مرتفع، وتتمكّنُ من منافسة الشركات في بلدان متوسطة الدخل، لكنها (الشركات الأوروبية) تُوزّع الأرباح الإضافية على أصْحاب الأسهم، وتُلْقِي بِبَعْض الفُتات للعمال المَحَلِّيِّين وتَفْتح لهم باب القُرُوض، لتثقل كاهلهم بقروض السيارات والمسكن والمدارس الخاصة، وحتى قروض الإستهلاك، وبذلك يتجنّبُون الإضرابات، وخسارة أجرة أيام الإضراب…

يستخدم زعماء هذا اليسار “الراديكالي” الأوروبي، الشُّوفِيني، بعض مقولات “كارل ماركس”، ولكنهم أهملوا منذ عُقُود نداء “ياعُمّال العالم اتحدوا”، كما أصبحت المُطالبة بإلغاء الإستغلال أمرًا “مُحَرَّمًا” في نُصُوص وخطابات هذا “اليَسار”، بذريعة إن العالم تَغَيّر وبالتالي وجب تغيير الشعارات، وإلغاء هدف الإشتراكية والتّأميم وإعادة توزيع الثروات وِفْقَ حاجة كلٍّ منا، كما لا يُطالبون بالمُساواة بين كافة العُمّال (بين العمال الأجانب والمحلِّيِّين، أو بين عُمال أوروبا من جهة وعمال فيتنام أو ساحل العاج أو بوليفيا وغيرها من جهة أخرى)، ولا يُطالبون بقوانين تحْظُر استغلال العمال المهاجرين، ولا يُطالبون بتوزيع ثمرة جهود عمال العالم على الكادحين، كبديل لزيادة أرباح الأثرياء، أو لزيادة تركيز الثروات بين أيدي 1% من أثرياء العالم… أهمل هذا “اليسار” العمل من أجل تغيير المجتمع ومن أجل بديل اشتراكي، وأصبح زعماء “اليسار الراديكالي” الأوروبي يُحَمِّلُون العُمالَ المهاجرين (وهم جُزْءٌ من الطبقة العاملة) تدهوُر ظروف العمل والرواتب والخدمات الإجتماعية وانتشار البطالة والفقْر، ويُهْمِلُ هذا “اليسار” (عَمْدًا؟) مسؤولية البرجوازية ورأس المال، ويُلْقِي باللائمة على العمال المهاجرين الذين يُحَمِّلُهُم مسؤولية تدهور وضع الطبقة العاملة في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها، فالمهاجرون لا يحكمون البلاد، ويتمكّنون بالكاد من تلبية حاجياتهم وحاجيات أُسَرِهم، ولكن زُعماء هذا “اليسار الرّاديكالي” لا يتجرّؤون على الإشارة إلى المسؤول الحقيقي عن تدهور الوضع، فرأس المال هو المسؤول الحقيقي عن الإستغلال وعن الفَقْر وعن تقسيم الطبقة العاملة، ويُهْمِل هذا “اليسار” أُطْرُوحات القادة المُؤسِّسِين للإشتراكية بشأن الطبيعة الطبقية للدولة ولنظام الحكم، فالدّولة ليست ناتجًا لوفاق اجتماعي، وليست حَكَمًا بين الطبقات، وإنما تُمثل الدّولة ومُؤسّساتها موازين قوى، ومصالح طبقة، وتُدافع عنها ضد طبقة (أو طبقات) أُخْرَى، وفي حال أوروبا (بدون استثناء) فإن البرجوازية والشركات الإحتكارية (العابرة للقارات) ورأس المال المالي يحكمها، وتُدافع البرجوازية عن مصالحها، ضد بقية المجتمع، عبر الإعلام والمؤسسات (ومنها المنظمات المسماة “غير حكومية”) والبرلمانات، وعبر إيديولوجيا سائدة، تنشرها في المجتمع بكافة الوسائل، ويُدافع زعماء “اليسار الراديكالي” عن هذه الإيديولودجيا السّائِدَة، وإن تَخَفُّوا وراء استخدام مُحَسِّنات لَفْظِيّة، عبر التّلاعُبِ باللغة…

أظهرت الدراسات الإقتصادية الجماعية (المُشْتَرَكَة) التي أنجزتها العديد من مراكز البحث في خمسة عشر دولة تستضيف مهاجرين في غربي وشمال أوروبا، إن الهجرة مُفِيدة لاقتصاد البلدان الأوروبية، ولنظام الحماية الإجتماعية، وتناولت الدراسات حقبة تاريخية تمتد لثلاثة عُقُود (من 1985 إلى 2015)، وبينت بالحُجّة وبالأرقام مساهمة المهاجرين في رَفْعِ مُستوى الدّخل الفَرْدِي للمواطنين المَحَلِّيِّين الأوروبيين من ألمانيا إلى البرتغال ومن إيطاليا وجنوب القارة إلى السويد والبلدان الإسكندنافية، وفي تحقيق التّوازنات المالية للدولة، وخلق فائض يفوق أربعين مليار يورو سنويا (بين 2005 و 2015) في مجمل الدول التي شملتها الدراسة (أي مُجْتَمِعَة)، مما يُمَكِّنُ الحكومات (لو شاءت) من زيادة الإنفاق على دعم الفقراء والمتقاعدين والمسكن وعلى مؤسسات التعليم العمومي والصحة العمومية وغيرها، وتَكْمُنُ المُشكلة الرئيسة في احتكار هذه الثروات وهذه الأرباح من قِبَلِ أقلية، وتكمن أيضًا في طريقة توزيع الثروة التي يخلقها العُمال والأُجَراء، سواء كانوا مهاجرين أو مولودين في أوروبا، وهنا تَظْهَر حقيقة هذه الأحزاب الموصوفة ب”اليسار الراديكالي”، فهي ليست أحزابًا تُدافع عن مصالح الطبقة العاملة والمُنْتِجِين، وإنما لا تطمح سوى لتقاسم الحكم، عبر زيادة رصيدها في الإنتخابات، ولو كان ذلك باستخدام لغة و”حُجَجَ” اليمين المتطرف، ظنًّا منها إن ارتفاع عدد الأصوات والمقاعد النيابية التي فاز بها اليمين المتطرف هي نتيجة إعلانه الحرب ضد جزء من الطبقة العاملة والفقراء…

من وجهة نظرنا نحن مواطنو “الجنوب”، أو الدول المُصدِّرَة للمهاجرين، يكمن الحل (لوقف مغامرة الشباب بحياتهم فيرقوارب المَوت التي تَعْبُر البحر الأبيض المتوسط) في ما يُسَمّى “النّمُو المُسْتَديم”، في بُلْدانِنا، ويتمثل في خلق وظائف في الإقتصاد المَحَلِّي في القطاعات المنتجة، او التي تُلَبِّي حاجة المُجْتَمَع (أي الإقتصاد الحقيقي، وليس في اقتصاد المُضاربة أوالفقاعة العقارية، أو التشجيع على الإستهلاك عبر ضخ القروض الفردية للأُجراء) وفي دعم الإستغلال الجماعي للأراضي “المُهْمَلَة”، للتخلص من توريد المنتجات الغذائية بالعملات الأجنبية، وكذلك عبر تصنيع الفائض الزراعي والسّعي لتحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، والإستثمار في الصناعات البسيطة، عبر الإستفادة من الخبرات المحلية، ومن تجارب الشعوب، وتمويل هذه المشاريع عبر الإقتراض المَحَلِّي، وعبر تحفيز العُمال المهاجرين على تزويد البلاد بالعُمْلَة الأجنبية، من خلال المزج بين الحوافز المادية وتعزيز انتمائهم للوطن الأم… هذه الحلول البسيطة تتطلب قرارا سياسيا، وهي مُمْكِنَة التحقيق في بلدان المغرب العربي وفي مصر ولبنان والأردن، وغيرها… عن موقع صحيفة “لوموند“، رُكْن  ( La Matinale du Monde )  05/10/18 + منشورات “مركز الدراسات والإستشراف والإعلام الدّولي” (Cépii ) بين 2011 و 2016 + دراسة لمعهد باريس للإقتصاد (Paris School of Economics – PSE   ) ودراسة لمعهد بحوث السياسات الإقتصادية” (لندن)وهما دراستان عن الإقتصاد الشمولي في أوروبا، بإشراف “جنيفير هونت” و”مايكل كليمنس” – 2017   + مجلة (Science Advances ) حزيران/يونيو 2018

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.