لقاء العشرين وشبح ماركس، عادل سمارة

مرة أخرى يلتقي قادة الدول العشرين الأكثر ثراء في العالم كي يتدارسوا من جهة، ويتنافسوا من جهة ثانية،  في كيفية تثبيت سيطرتهم على بقية العالم، وهي سيطرة غير متآخية اي متناقضة بّيْنياً، لكنها تلتقي في  هجومها المتنوع على بقية العالم. هذا مع العلم أن الثراء العام لا يعني ثراء الجميع، ففي هذه الدول نفسها، استعمار داخلي وجيوب فقر واسعة وعميقة تسقط في جحيمها  طبقات باكملها.

إنه لقاء حكام العالم او النظام الراسمالي العالمي، وطبعا بشكل مراتبي لا متساوي.

ومنذ عام 2008، على الأقل، وهم يلتقون ليناقشوا قضايا عدة، ولكن لا يتفقوا سوى على قضية واحدة: أن يفتح الفقراء أسواقهم ومناجمهم لسلع الأغنياء تحملها شركاتهم متعدية الجنسية، ذلك لأن القانون العام الأساسي للنظام الراسمالي العالمي، وخاصة في حقبة العولمة هو:

أولاً: إنفتاح المحيط، ونموذجه الأبشع الوطن العربي وخاصة السعودية

وثانياً: حماية المركز، ونموذجه الأبشع الولايات المتحدة

إن الرطانة التي كانت عنوان هذا المؤتمر ” تنمية منصفة ومستديمة  ” مثابة شعار متناقض ذاتياً، فليس هناك من معنى للتنمية في ثقافة راس المال، فما بالك بمستدامة. بل هناك استغلال مستدام، نهب مستدام وتقشيط مستدام.

أما البيان الذي صيغ به عنوان هذا المؤتمر: البيان الختامي لهذا المؤتمر والذي نص على:

1) إصلاح منظمة التجارة العالمية: وهي المنظمة التي هندستها الولايات المتحدة، ونفس هذه الدولة هي التي تدوسها بحوافرها فور توليدها وخاصة عام 2000 حينما فرضت نفس الولايات المتحدة جمارك عالية على السيارات اليابانية غير آبهة أبداً إلى أن وصلت إدارتها الحالية إلى شن حرب تجارية ضد كل العالم، وإن بدرجات.

2) التمسك باتفاق باريس للمناخ: وهو الذي يتم خرقه من الولايات المتحدة والصين خاصة، ومؤخراً يتباهى الرئيس الجديد للبرازيل بخرق هذا القانون وغيره معلنا السير  بامريكا الجنوبية على طريق الولايات المتحدة. بينما الرد هو ما قاله الرئيس البوليفي “الراسمالية أكبر تهديد للمناخ”.

3) محاربة الإرهاب: بينما بين هذه الدول من صنع ويرعى ويعيش على خلق الإرهاب وتغذيته، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة والسعودية من جهة ثانية وهي التي تمول وتدرب وتسلح الإرهاب ضد أمة هي محسوبة عليها. وإذا كانت الرأسماليات الغربية تصنع الإرهاب لمصالحها فإن السعودية وكيانات النفط الأخرى تصنع الإرهاب خدمة لسادتها في الثورة المضادة اي الإمبريالية والصهيونية!

4) رفض تجارة السلاح، وهذا بند يثير التقزز لأن تسع عشرة دولة منها تبيع السلاح بأكثر الطرق لا شرعية، بينما الرقم العشرين اي السعودية تشتر ي  السلاح من هذه الدول وغيرها. هذا مع العلم بأن اشد انواع التجارة جريمة وأكثرها ربحا هي تجارة السلاح، اي الحرب. فمع أن امريكا، على سبيل المثال، لم تدخل الحرب الإمبريالية الثانية مباشرة إلا أنها وسعت تشغيل  الإنتاج الحربي أي السلاح، والإنتاج الغذائي للمتحاربين من حلفائها ليصل عدد المشغَّلين إلى 12 مليون عامل.

5) ومحاربة غسيل الأموال: هذا وكأن غسيل الأموال يتم في الصومال واليمن مثلاً. وفي حقيقة الأمر، فإن مختلف بلدان الغرب هي التي انشئت محميات غسيل الأموال كما أنشت محميات النفط.

6) والعمل على تقويض اسباب النزوح بينما سياسات هذا الدول هي التي أفرزت حالات النزوح المتأتية عن

 أ-تاريخ النهب الاستعماري الراسمالي لبلدان المحيط  وخاصة النزوح القسري اي نهب البشر إلى المستوطنة البيضاء الكبرى أي الولايات المتحدة، من جهة

و ب:- النزوح الذاتي  المتأتي عن حالات التدمير المجتمعاتي التي ترافقت بقوة إرهاب الدين السياسي  مع حقبة العولمة وبشكل خاص مع “الربيع العربي”. 

وفي حقيقة الأمر، فإن أكثر ما تتفق عليه هذه القيادات هو :رفض استقبال النازحين من حيث المبدأ مع استثناء التقاط ذوي الكفاءات ليكونوا مثابة شريحة مستعبَّدة كما فعلت الإمبريالية النازية الألمانية بالنازحين السوريين.وهذا بالمناسبة نفس نهج الكيان الصهيوني في استجلاب اليهود المؤهلين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي مع اختلاف الموقف العرقي طبعاً. ولعل أقبح الرفض هو من السعودية التي لعبت الدور الأساس في تدمير سوريا ولم تقبل نازحا سوريا واحدا، باستثناء أعضاء منصة الرياض اي المنشقين عن وطنهم في خدمة أعدائه.

مصافحات بأجر والدفع شعبي:

لم تثرثر الشعوب بقدر ما ثرثر إعلام وحكام ومحللون ومثقفون عن جريمة هائلة ارتكبتها سلطة آل سعود ضمن مسلسل جرائمها منذ ان خلق محمد بن عبد الوهاب هذا التيار التدميري في الوطن العربي باسم الإسلام. وعليه، شهد العالم مزاد رجم كلب على ما قام به ضد كلب آخر. وكل ذلك مثابة كذب أبشع من الجريمة حيث الأمر ابتزاز مزدوج: إدفعوا و/أو اشتروا السلاح واقتلوا كل العرب وخاصة اصل العرب، رحم العروبة اي اليمن.

كان لا بد أن يبدأ مزاد المصافحات في الرئاسة التونسية رغم الرفض الشعبي الواسع، باستثناء صمت الجناح القطري في السلطة هناك، اي حزب الدين السياسي/النهضة. وتم تأجيل المصافحات من الحكام العرب لما بعد مؤتمر العشرين كي تُرفع معنوية بن سلمان بعد أن أُلقي به في زاوية الصور والتجأ لسفارة بلاده مخافة التقاطه.

لافت بالطبع أخذ الصور التذكارية والابتسامات والأحاديث الجانبية وتآمر الكواليس بين هذه الضواري العشرين.

لكن ما كان لافتاً، مصافحة بوتين للقاتل السعودي. وهي مصافحة رغم أن ثمنها كبير على الاتحاد الروسي، إلا أن بوتين لم يحسبها جيداً. فهو إنما يناكف الأمريكي والغرب في طمعه بأن ينفذ صفقة أس 400 التي اعاقتها امريكا حتى الآن. ولا نعتقد أن بوتين من السذاجة بمكان كي يحلم بأن ينقل الغانية النفطية السعودية إلى مخدعه ولو سراً. فلا زنى ولا سفاحاً مأذون لها به.

لقد كان واضحا أن بوتين سوف يستثمر في مقتل العميل المعولم خاشقجي حتى قبل هذا المؤتمر. أليس هو نفسه الذي غض الطرف عن المذابح ضد عرب اليمن؟ وهذا أمر طبيعي في صراع أو قيام الراسماليين بالضرب تحت الحزام. ولذا، فالمقابل، تشدد ترامبو تجاه بن سلمان، لأنه يعرف أن الغانية حتى وإن تغنجت لبوتين فهي في نهاية الليل ستنام في مخدع العم سام. أما تشددات تيريزا ماي، وميركل وماكرون، فليست سوى استجابة الكورس الإمبريالي لتمنعات السيد الأمريكي.

بكلمة، لا غرابة على الراسمالية الروسية أن تحاول التقاط بعض المال حتى لو قيل بأنها لا إنسانية، وهي تعرب، يا من لا تعرفون، بأن راس المال لا علاقة له بالإنسانية. وهذا ما يحكم علاقة روسيا كغيرها بكل دولة على حدة.

لعل أبلغ تفسير لموقف بوتين في إجابة الكسندر زيسبنكين  سفير الاتحاد الروسي في لبنان على سؤال هل سيلتقي بوتين مع بن سلمان، فأجاب: ليس هذا ضمن اختصاصي! وهذا يعني نعم.

شبح ماركس:

لعل المفاجأة الأهم هي الانتفاضة في فرنسا تطابقا مع المؤتمر المذكور، حيث يقول الشارع الفرنسي بأن هذا المؤتمر ليس للطبقات الشعبية ولا حتى للطبقة الوسطى، وبأن هكذا مؤتمر لا يحل المشكلة الاقتصادية لفرنسا وهي مشكلة اجتماعية بمعنى أن الطبقات الشعبية تقول ل ماكرون: إما نحن أو رجال المال/ المصارف. وهو الذي ليس أمامه سوى التمسك بالمال والشركات وموقع فرنسا الإمبريالي المتراجع بأسىً، وهذا يضع الأزمة في فرنسا مفتوحة إما على هزيمة الانتفاضة أو انتصارها الجزئي كما حصل في ثورة  68، و 1997، أو الاحتمال الأصعب وهو الانتصار الفعلي وهذا  ليس على الأجندة كما  ليس حينه. إنما الدرس المستفاد أن الأزمة التي تعيشها الرأسمالية في حقبة العولمة لن تُحل بتدوير الزوايا. وهنا يظهر مجدداً شبح ماركس حيث راس المال في أزمة مستحكمة، بينما العمل لا يزال يحبو على طريق الثورة وليست الثورة نفسها بعد.

هامش:

لا يدري المرء ما الذي يدفع النساء البرجوازيات لمرافقة أزواجهن إلى هكذا مؤتمرات ليكنَ مجرد ديكور خلفي لحماية مؤخرات الذكور. بين الجميع، ربما تفرد بن سلمان بلا زوجته، ومن اين لها حتى هذا! كما تفردت ميركل  بلا زوجها. وهكذا، لا بد من  تلميع لقاء اللصوص بديكور نسوي.

https://scontent.fjrs4-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/13769552_1412767595417106_2919075286929681327_n.jpg?_nc_cat=105&_nc_ht=scontent.fjrs4-1.fna&oh=836c3151cc02e5bb0b148478fb48658e&oe=5C6DE7B5

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.