الأرض المحتلة … هذا هو العمل: أسبوع يختصر قرناً، د. عادل سمارة

هذا الأسبوع الثاني من شهر كانون الثاني ديسمبر 2018 جاء تماماً كما أرَّخ تراث الفِلاحة الفلسطيني “كوانين فحول الشتاء”. أتى هذا الأسبوع بتحديات  وفحولة المقاومة.

أولاً…الاشتباك

كان هذا الأسبوع  الممتد من رام الله إلى البيرة إلى سلواد حالة الصراع المفتوح بين المقاومين وبين  جيش الغُزاة المستوطنين، حرب غوار المدن والأحياء. الحُمولة الثقيلة والحركة البطيئة لقوات العدو تطارد نموراً منفردة فيوجعونها  قبل أن يستشهدوا، بل يقتلون منها ويمضون في طريق حرب الغوار”اضرب واهرب”. هذا متغير نوعي، بعد زمن طويل  مختلف لكنه تشرَّب تجارب الماوية والجزائر وجيفارا وكوريا الديمقراطية وحزب الله، أممية حرب الغوار.

وهكذا كان في غزة للمرة الأولى تسقط خطة أمن العدو ليقع في فخ كشف فريقه من صهاينة وعملاء ويُقتل منهم ولم يتمكنوا من الهرب لولا الغطاء الجوي الأمريكي، فأمريكا وباء هنا في كل شبر ترعى الكيان إلى أن تموت هي.

لسنا مع القفز في هواء الحماسة، لكنه التراكم الكمي سيكون نوعياً.

ثانياً …الاشتباك الآخر/التنسيق القمعي

لم تتأخر أجهزة سلطة رام الله عن قمع الجماهير التي خرجت إلى الشوارع احتفاء بالمقاومة والصد والرد قبل الاستشهاد والصد والرد والنجاة. نعم يستحق هذا كل الفخر والنشوة والاعتداد. لقد أمعنت تلك الأجهزة في القمع والضرب. لعله تطور سلبي مميَّز تماماً. نعم تتعدد الانتماءات هذا مع الشعب وذاك ضد الشعب، هذا هو التاريخ فلا غرابة. في السابق كانت السلطة تتردد في قمع حراك يحصل لحظة/إثر الاستشهاد. لكن هذا القمع جاء فوراً بعد استشهاد منتصر وانتصار ربما مع استشهاد مؤجل.

في الليلة نفسها قام العدو بتفجير منزل عائلة أبو حميد ولم يواجهه سوى الشباب بالحجارة، ولم تكن بحوزتهم بندقية أو مسدسا واحدا. لا بأس ، المهم موقف الشعب الذي لم ينثني.

لعل المفصل اللافت، هو التنسيق القمعي وليس فقط التنسيق الأمني.

ثالثاً… إبحثوا في النظرية لفهم الحقب الزمنية

تأسَّى وحزن وغضب كثير من الشرفاء على القمع الذي تعرضت له المتظاهرات/ين.  وكأن هذا لم يحصل سابقا منذ أوسلو، وحتى قبل اوسلو! فليس صادقاً من يزعم أننا قبل اوسلو وانقسام الاستدوال  لم نقتتل ولم نغتال بعضنا بأيدينا.

قد ابدو بارد الأعصاب حين ألوم على المتأسِّين. لست كذلك. لكن عدم فهم الواقع هو أمر خطير ومضيعة للزمن والزمن ليس سوى جهد الناس شغلهم وحياتهم. من لا يذكر أحداث التاريخ، أقلُّه المرئي والراهن، لن يكون إنسان تاريخي.

فالأسى والحزن ليسا سوى بقايا تفكير عاطفي إقطاعي بطريركي دافىء وجميل، عشائري وحميم، لكنه ليس واقعياً اليوم.

نحن في حقبة مختلفة، حقبة التسويات والتصالح مع عدو لا يتصالح. ولذا، يكون موقف من يحزن على هذا اللون الحداثي الغربي الراسمالي من القمع موقفاً بلا معنى وبلا إنتاج.

في هذه الحقبة، ذهب التطبيع إلى مداه الأبعد ولن يتراجع. ومن يسري التطبيع في دمه لن يتم تغيير دمه، عالج الطب سرطان اللوكيميا، ولكن هذا السريان لا علاج له فحامله لا يريد. ولو كان يريد لما فعل. من خلق أجهزة القمع سوف يأمرها بالقمع وسوف تطيعه لأنها تعرف سلفا، لا جهلاً، أن هذا دورها.  و “ستتقن” عملها. من مارس التطبيع في الارتباط بالغرب الاستعماري لن يتغير، ومن تموَّل من الأنجزة (درهم، دولار، روبية، يورو، مارك، ين…الخ) لن يتغير، ومن استنام في مخادع الطابور السادس الثقافي لن يقوى على الانتقال إلى أعشاش القش. ومن أصبح قطا سمينا، لن يصوم رمضان لتخفيف الوزن. ومن رضع الرَيْع، لن يعمل بيده، ومن نال من مال الفساد ما نقله من الفقر وبطاقة المؤن (الأونروا)  إلى حساب مصرفي بالملايين سيقتل الملايين كي تبقى أنبوبة المال متدفة ولو بالدم.

بكلام موجز، على من لم يتخلص من بساطة نمط التفكير الإقطاعي أن يعرف أننا في حقبة الكمبرادور بكل مجالاتها ومآلاتها، كمبرادور سياسي، طبقي، اقتصادي، أمني ، أكاديمي، نفسي، بوليسي…الخ.

ليسمح لي رفاق مغاربة أن اقتطف ما كتبوه بعد أوسلو مباشرة:

“…ولكن هذا الطريق مرشح كذلك في اسوأ الظروف لأن تتطابق فيه الطبقة الحاكمة في تلك الدولة الفلسطينية مع مثيلاتها من الأنظمة العربية وتتحول إلى كمبرادور بطراز يفوق الطراز السائد في الوطن العربي لأنه سيكون أكثر من مثيله العربي عراب التبعية للصهيونية”. (عن :التسوية الفلسطينية تطرح أسئلة كبرى أمام الحركة التقدمية والديمقراطية العربية، تأليف اليزيد بركة، منشورات الطريق، ايلول 1993 الدار البيضاء ص 51″).

طوبى لمن اقتحم بوعيه الزمن القادم.

رابعاً… محطات كان يجب تذكُّرها كي نُجيد الاصطفاف

بعد هزيمة 1967، قررت معظم الأنظمة العربية الانسحاب/التخلي عن موقفها الشكلاني في مقارعة الكيان الصهيوني الأمر الذي كانت له تداعيات:

·       إيجابية منحت المقاومة الفلسطينية الحب الشعبي العربي

·       وسلبية حيث عجزت المقاومة عن العمل الموحد وعجزت عن القطع مع الحكام، وفي أغلب الأحيان قطعت مع الجماهير العربية ولم تُحسن قيادة القوى العربية التي انتظرت من المقاومة وخاصة يسارها القومي أن يقودها في تيار عروبي واسع.

ولاحقاً انسحبت احزاب وقوى سياسية عربية من الميدان منضوية تحت عباءة الحكام.

إلى أن بدأ الميزان في التعدُّل في حرب تشرين 1973 والتي سجلت انتصارات حقيقية للجيشين السوري والمصري، وسجلت خيانة النظام الحاكم في مصر حينها. كما سجلت الاندهاش العسكري الصهيوني من تذويب خط بارليف على يد الجيش المصري وحرب المدرعات السورية بموجاتها الجرئية حيث وصفها احد جنرالات العدو بهجمات الدبابات الألمانية في الحرب الإمبريالية الثانية، وحرب المدرعات السورية عام 1982 ضد العدوان الصهيوني  حيث أهلكت قوات العدو رغم فقدان الكثير من الطائرات السورية.

ليس هذا مجال تسجيل لنهوض المقاومة اللبنانية في وجه عدوان 1982، وانتصار حزب الله ومن معه عام 2000 و 2006 وصمود المقاومة في غزة لثلاث حروب متتالية، لكن ما اريد التاشير إلىه هو وجوب أخذ العبرة من مواقف الأنظمة العربية وغير العربية من عدوان 1982. عبرة أن تعرف بأن كثيرين انتهوا في معسكر الثورة المضادة حيث أخذتهم إلى هناك مصالحهم السياسية/الطبقية بلا مواربة، بقاء عروشهم مصالحهم وارتباطاتهم الثقافية ايضاً.

اليوم تحديداً، وقد ساد صمت الحكام العرب على عدوان الكيان ودخول رام الله كما فعل 1982، ولا من رد أو حراك او تعليق. ما اشبه اليوم بالأمس! لذا علينا أن ندرك ذلك. ولا ننسى أن نفس هؤلاء الحكام هم الذين وقفوا مع بن سلمان مؤخرا سواء من استقبله أو من خشي استقباله.

وإذا كان هذا هو الحال حيث صمتت الأنظمة وإعلامها على العدوان الصهيوني، فهي لا شك لن تشجب القمع السلطوي الفلسطيني.

خامساً… دعونا نُباعد ما بين ساقّيْ الفرجار

لن ينتهي الانقسام الفلسطيني، بل يصبح عربياً. كيف؟

أولاً لأن التطبيع فلسطيني في ألأصل، ومحاورات فلسطينيين مع العدو عبر يهود غربيين سابقة على تطبيع النظام والبرجوازية الطفيلية الكمبرادورية المصرية. بل إن مشروع ما يُسمى “السلطة الوطنية على كل شبر يحرَّر” كان حقنة تطبيع مبكرة. ولا يهم إن جاء بها اليمين أم اليسار. وخُدعنا بها حينها، وكنت قد أخطأت التقدير بأن عملت بعد السجن مع الجبهة الديمقراطية التي لها نصيب في ذلك،  كما كان نصيباً لحركة فتح، وربما لأنني كنت من داخلها اي الديمقراطية  لفترة عامين عرفت أن المقصود هو التطبيع وليس التحرير فخرجت. وقد يشهد على قولي عبارة احد قيادات هذا التنظيم الذي قال: “كسرنا تابو التحرير الشامل” (إقرؤوا كتاب محمود فنون: في نقد حل الدولة والدولتين).

وها نحن اليوم نعاني انكشاف الأنظمة القُطرية التابعة حيث تتعرى واحداً بعد الآخر تغتسل من عروبتها على حساب فلسطين. تقرر مصير فلسطين بمعزل عن كل الفلسطينيين، المقاومين وحتى المساومين. وللدقة،  لا تفاوض بل تنفذ خطة الأعداء.

وهذا يعني أن الإشتباك الشديد والمصيري هو اليوم، هو على أشّدِّه بين تصفية القضية علانية عبر الفريق العربي في الثورة المضادة وبين محور المقاومة. وهذا يستدعي إعادة تموضع القضية في العمق العربي.

يمكن للمرء أن يعرف بأن كثيرين/ات سوف يقولون: هذا الرجل يخلق لنفسه حلما جميلاً. وليس الأمر هكذا ابداً.

أستدل على ما اقول من قتل جمال خاشقجي، وخاصة من الجانب الشعبي، حيث وقف الشارع العربي ضد القتَلة، وعبروا عن رفضهم للقاتل بن سلمان ليس لأنه قتل خاشقجي بل أساساً لأنه أداة صفقة القرن ومذبحة اليمن وسوريا وليبيا. وهذا دليل ميداني بأن الشعب إذا ما وجد فرصة قول ما يعتقد وما يكمن فيه، فإنه يؤكد العمق العروبي. هذا هو الاستفتاء الشعبي بلا مواربة.

الثورة المضادة ممعنة في هجومها، ولذا، تحديداً كانت المقاومة شرسة في ردها.ومن هنا فإن اللحظة مفصلية، فهنيئا لمن ارتقى وعيه إلى التقاط الحدث وامتطائه.

سادساً… ما العمل… تجليس المقاومة وتفكيك مفاصل الدولة القطرية

تشاهد وأنت تتابع الإعلام حالة غريبة تتموضع بين الضلال والتضليل. صحيح أن هناك إشادة بالمقاومة وبالشهداء والحراك الشعبي. وصحيح ان هذا الإعلام يدفع باتجاه انتفاضة فلسطينية شاملة. وبغض النظر عن كل هذا، فإنه ما من نداء للشارع العربي أن يتحرك ضد التطبيع على الأقل، ناهيك عن التحرك ضد مؤسسات وسفارات ومصالح الأعداء. أقصد بهذا الضخ الإعلامي المنهجي تحليلا وتحريضاً. فكيف حين نقول بأننا لم نسمع ولم نشهد فماً واحدا يطالب الشارع العربي في هذا البلد او ذاك بالتحرك ضد الحكام الذين ينتظمون في صفوف العدو علانية. هل يُعقل أن هذا الإعلام لا يفهم معنى تفكيك الشعب لمفاصل السلطة/الدولة القطرية تمهيدا لانتفاضة تُسقط هذه السلطة بيد الشعب!

 وحتى الإعلام الذي يشجب دور حكام السعودية أو قطر أو الإمارات لا ينادي الشعب هناك بالرفض وتفكيك سلطة هاتيك الأنظمة وصولا إلى الثورة، أو على الأقل الإشارة إلى أخلاقيات الاعتراض والرفض.

هذا بالضيط ما يدفعنا دوماً للتذكير بأن الإعلام لا يحل محل الأحزاب، وإن حل محلها وبوضعه الحالي فتلك كارثة.

صحيح ان مرتكز المقاومة هي الشعب الفلسطيني  ولكن ليس وحده  لأن القضية عربية وابعد من عربية. وهذا ما قصدناه بإعادة القضية لعروبتها. فهو أخطر من العدو من يرمي القضية في حجر الفلسطينيين وحدهم! لأنه يعرف نتيجة ذلك.  

مشكلة شعبنا مع الفضائيات أنها هواء وعلى الهواء فضاء وتنتشر  في الفضاء، ناقلة سهولة ما يُقال على هوائها إلى وجوب أن يقوم الشعب بالانتفاض بما يملأ فضاء الفضائيات!

الإعلام عامة والفضائيات خاصة تريد انتفاضة فلسطينية شاملة،فلسطينية فقط. فهي تتعامل مع المجتمع كثكنة عسكرية جاهزة للقتال كل لحظة، جاهلة أو متجاهلة أن الجيوش ورائها جيوش أربعة أضعافها على الأقل توفر لها الغذاء والاتصالات والطبابة والدعم المعنوي والتعبئة…إلخ.

واقعياً، فالفلسطينيون في الأرض المحتلة في حالة انتفاضة بوتائر متعددة. فمجرد الوجود وعدم الرحيل، والتعرض للاعتقال وإعاقة التحرك، وهدم البيوت واقتلاع الأشجار والاصطدام بالمستوطنين وصولا إلى الجرح والاستشهاد…الخ هي تأكيد حقيقة أن “الحياة مقاومة”.

صحيح أن القضية اساسا فلسطينية، إلا أنها في الوقت ذاته عربية، فلماذا على الفلسطينيين أن ينتفضوا وحدهم؟ وعلى سبيل المثال أن لا يتم تحريض الجماهير العربية ضد أنظمة التطبيع في بلدانها؟ لأن هذه الأنظمة بما تقوم به هي تصطف في معسكر عدوان على فلسطين، تقوم بحرب ضد فلسطين بالإنابة عن الصهيونية تماماً كما تقوم الوهابية والسلفية ومختلف انظمة وقوى الدين السياسي بالحرب نيابة عن الصهيونية والغرب الرأسمالي الإمبريالي ضد سوريا وليبيا واليمن والعراق وقد لا تتوقف هناك إن تمكنت. هذا إن لم نقل بأن هذه الأنظمة وإعلامها تقوم كجزء من الثورة المضادة بالحرب ضد الجمهوريات العربية وحتى ضد الوجود العربي.

أما على الصعيد المجتمعي في الضفة الغربية المحتلة، وعلى العكس من نفخ الفضائيات والمحللين فلسطينيين وعرباً، فإن المطلوب هو المقاومة بكل طريقة وطبقا لاستعداد كل مواطن.

ربما يصح القول بأن عملية فدائية مقاومة متقنة ضرورية بين حين وآخر كتأكيد على وجود التناقض وعلى بقاء روح المقاومة وممارسة المقاومة. وهذه تقوم بها مفارز او أفراد معينون، وهو مرهون بقدرات المقاوِمين وظروفهم ويجب ان لا يكون مرهونا بالتحميس والتصفيق على الفضائيات من الخارج حيث يكتفي هؤلاء بالتصفيق ولا يقولون كلمة ضد أنظمة هي في الصف الآخر!

ولكن ماذا عن بقية الناس؟

إن  المقاومة بالحماية الشعبية ، بكل الوسائل الأخرى والمتاحة بدءا من المقاطعة ومناهضة التطبيع وملاحقة المطبعين والفاسدين ومقاطعة مصالحهم ومحاصرتهم اجتماعيا وصولا إلى التنمية بالحماية الشعبية كي يبقى المجتمع قادراً على الصمود والاستمرار بدل نزيف الهجرات إلى الخارج.

إن المجتمع هو كائن بيولوجي عاقل ومفكر وعامل وفاعل، ويجب فهمه على هذا الأساس وليس اعتباره ماكينة تعمل بكامل طاقتها وكامل وقتها.

لقد كشف الأسبوع الأخير عن حقيقة كابر الكثيرون كي لا يُقرُّوا بها وهي : إلى جانب تغييب التنمية وزيادة الضرائب (مشروع د. سلام فياض)، وتسمين الأمن (مقتضيات اتفاقات أوسلو) قامت السلطة بتحريك القمع المفتوح في لحظة كان المزاج الشعبي عاليا وسعيداً! ولولا أن المرء يعرف أن هذه هي مقتضيات اتفاقات أوسلو لتخيل أن المشهد سوريالي. لا ابداً ليس سوريالياً.

لا يمكن للكفاح المسلح تحت استعمار استيطاني موجود في كل شبر أن ينتقل من حرب الموقع إلى الحرب الجبهية المفتوحة (غرامشي). لأن حرب الموقع هي مهمة الأرض المحتلة والحرب الجبهية هي الحرب العربية. وعلى اية حال بين حرب موقع وأخرى وحرب جبهية وأخرى يبقى تحريك الشارع لمواجهة التطبيع هي حرب فرض عين على كل رجل وامرأة،  لا تقل فاعلية عن حرب البنادق بل هي تشاغل العدو بين حرب بنادق وحرب بنادق أخرى.    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.