المرأة الفلسطينية بين فاعلية الشارع والاعتقال: الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، رلى أبو دحو*

ليس بجديد أن نقول إن المرأة الفلسطينية حاضرة في المفاصل الأساسية وحتى الثانوية من تاريخ المقاومة الفلسطينية الممتدة لأكثر من قرن من الزمن، منذ هبتها في وجه الاستعمار البريطاني احتجاجا على الاستيطان الصهيوني في عشرينات القرن الماضي، مرورا بالمشاركة في ثورة شعبنا في 1936-1939، ومجموعة زهرة الأقحوان العسكرية في العام 1948.

ومع انطلاقة الثورة المعاصرة في الستينيات توالت النماذج الثورية من ليلى خالد وأمينة دحبور، مرورا بالشهيدات شادية أبو غزالة ودلال المغربي، فيما تصدرت العشرات من الفلسطينيات العمليات العسكرية والتي أفضت لمجموعة كبيرة من الأسيرات في سجون الاحتلال.

فيما تنوع الفعل النسوي المقاوم بين الوطني الكفاحي المباشر، وبين الاجتماعي عبر لجان المرأة وسلسلة من النشاطات والفعاليات التي أسست لحركة نسوية مناضلة وناشطه وطنيا واجتماعيا، وعززت بذلك مكانة المرأة في العمل الوطني الفلسطيني والحيز العام اليومي.

جاءت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام 1987، لتضيء على استعداديات شعبنا الفلسطيني في تحدي الاحتلال ومقاومته، كفعل مقاومة واستمرار يومي. لقد شكلت هذه الانتفاضة علامة مميزة تحسب للجان الشعبية والمحلية والأطر الديمقراطية من عمال، للفلاحين، للطلبة، وللمرأة الفلسطينية عنوان مقالتنا هذه.

بين التعليم الشعبي والاقتصاد المنزلي، والحماية الشعبية للأحياء السكنية، ومقارعة الاحتلال في شوارع الانتفاضة، المرأة الفلسطينية كانت حاضرة بقوة، وتصاعد هذا الحضور مع اشتداد الحملة الشرسة الاحتلالية على شعبنا من قتل واعتقالات، هنا برزت الطاقات العالية والمميزة للنساء الفلسطينيات في مسك زمام الأمور والإبقاء على كل مظاهر الانتفاضة ومفاصلها من تنظيم وإدارة الأحياء والتعليم الشعبي والاقتصاد المنزلي والتعاونيات، والأهم الإبقاء على نبض الشارع حيا.

الأسيرات / التنظيم النسوي المقاوم

عندما تذكر الحركة النسوية والفعل النضالي للمرأة في الانتفاضة عادة ما تتصدر صور النساء في الشوارع في المواجهات مع قوات الاحتلال، وفي محاولة إنقاذ الشباب والصبية من أيدي الجنود، فيما كان على المقلب الآخر الاعتقال والسجون خندق وساحة نضالية لا تقل أهمية خاضتها النساء كجزء من عملية المقاومة الانتفاضية، وكجزء من رفد الشارع بالكادر النضالي.

شكلت السجون منذ لحظة الاحتلال الأولى، خندق متقدم لبناء الذات والوعي الفلسطيني المقاوم، وقد درجت الثقافة الفلسطينية والشارع على تسمية السجن “مدرسة الثوريين” كتعبير عن مجمل العمل المنظم الذي يتم داخل الأسر، حيث عملية التثقيف والتصليب الثوري.

في الانتفاضة الكبرى ومع تصاعد الاعتقالات تحولت السجون إلى خلية نحل بالمعنى الحرفي والفعلي للكلمة، أفواج من الأسرى ومعظمهم صغير السن وحديث التجربة وبأحكام صغيرة ومتوسطة، كان يتم صقل وعيها وتأهيلها ثوريا وإعادتها إلى الشارع الانتفاضي أكثر وعيا وقدرة على إبداع أدوات ووسائل مواجهة ومقاومة. إن الأدبيات التي تتحدث عن تلك الفترة سواء أدبيات السجون أو خارجها كثيرة وفيها الكثير الكثير من التفصيلات لهذه المرحلة الهامة من تاريخ الحركة الأسيرة، إلا أن تجربة الاسيرات الفلسطينيات للأسف والتي كانت أيضا جزءاً من هذه التجربة والتاريخ لم يتم الإضاءة عليها، خاصة في فترة الانتفاضة، حيث توافد أعداداً من الأسيرات المشاركات في الفعاليات الانتفاضية خاصة في مواجهة جنود الاحتلال وتم محاكمتهن على ضرب الحجارة، والمولوتوف، والطعن بالسكاكين، والتنظيم، وحتى محاولات عمليات استشهادية، أو المشاركة في حماية المناضلين، إلى أمهات وزوجات تم احتجازهن كورقة ضغط على أقاربهن المطاردين..

وفي سجن الرملة-نفي ترتسيا، هناك بدأت خلية النحل تفعل فعلها، وأولها المطالبة بالانفصال عن المعتقلات الجنائيات الإسرائيليات، والاعتراف بالأسيرات السياسيات الفلسطينيات، كجزء من الحركة الأسيرة الفلسطينية في السجون المختلفة.

لقد ألهمت الانتفاضة وبيانات القيادة الموحدة إرادة النضال لدى الأسيرات بخلق واقع نضالي متقدم داخل الأسر، وأعطتهن دافع لتحقيق المطلب التاريخي بالانفصال في سجن خاص بالأسيرات السياسيات، وكان لهن ذلك بعد نضال وإضراب امتد لأكثر من ثلاث أشهر، فيه استقبلت الأسيرات أول فوج من الأسيرات المحكومات إداريا من قطاع غزة وكن أربعة ومن الضفة الغربية أيضا.

لقد شكلت الانتفاضة الفلسطينية مرحلة مهمة في تاريخ الحركة الأسيرة النسوية، حيث تحول السجن إلى مدرسة ثورية تستقبل يوميا أسيرات جدد يندرجن ضمن الفصائل الفلسطينية في الأسر وضمن نفس الهيكل التنظيمي لما هو معمول به داخل كل قلاع الأسر. من مدرسة اللغة ” محو أمية العربية، إلى العبري، والإنجليزية”، إلى دروس التاريخ الفلسطيني الذي كان غائبا نسبيا عن الأسيرات صغيرات السن تحديدا (الزهرات)، إلى أصول العمل الأمني والتنظيمي في الأسر، إلى كل ما يعني الصمود والبقاء وبناء الذات الثورية.

كانت تلك المرحلة من أهم المراحل من حيث العمل اليومي التثقيفي، حيث كان يتم بوتيرة عالية نظرا لمتغيرين اثنين هي حجم الاعتقالات، وأيضا الأحكام القليلة لنسبة كبيرة، ما تطلب العمل المكثف. لقد كانت تتندر الأسيرات أحيانا بأن “مكسور عليهن نوم”، وذلك لحجم المهمات اليومية التي اضطلعت بها الأسيرات.

وفي تلك المرحلة، والتي توزعت الأسيرات فيها على قسمين من سجن هشارون، كان لهؤلاء النساء الصغيرات والصبايا حديثات التجربة شرف الخوض مع الحركة الأسيرة إضراب العام 1992، وهو من أهم الإضرابات المفصلية في تاريخ السجون. وأود التنويه هنا، محاولات قيادة الإضراب ثني الأسيرات عن الإضراب، أو على الأقل عدم بدء الإضراب في يومه الأول، اعتقادا منهم أننا نساء لن نتحمل، حينها رفضت الأسيرات هذا المنطق، وخضن الإضراب من يومه الأول أسوة بباقي السجون، وكانت أعمار الأسيرات تتراوح بين طفلات صغار لا يتجاوزن من العمر 14 عاما إلى أمهات كبيرات في السن، ومما يجدر ذكره هنا أيضا أن الأسيرات المريضات رفضن إعفائهن من الإضراب، وأضربن رغم أن عدم تناولهن لأدويتهن كان يهدد حياتهن.

لقد استفادت الكثيرات من التجربة حين خرجن من المعتقل، حيث استعدن حياتهن التعليمية والعملية على قاعدة بناء الذات وتصليبها من كل ما تعلمن من الأسر، وبعض الاسيرات عدن مرة أخرى إلى الأسر على ضوء استمرار نشاطهن الانتفاضي.

ما بعد الانتفاضة؛

لقد شكلت الانتفاضة محطة نوعية للمرأة الفلسطينية ونضالها واختبار للطاقات والقدرات المختلفة لديها على محوري النضال الوطني والاجتماعي، وأظهرت قدرات تنظيمية عالية وتنوع في أشكال العمل فيما تصاعدت العضوية التنظيمية للأطر النسوية والجماهيرية عامة، كيف لا وهي التي تتواجد في ساحات المواجهة الشعبية الانتفاضية.

إلا إن كل هذا الإنجاز تراجع وبشكل ملفت ومؤسف فيما بعد الانتفاضة والمرحلة الجديدة، حيث  تحولات مفصلية أتت عليها الأوضاع أهمها اتفاقية أوسلو سيئة الذكر، والتي غيّرت الكثير في مفاهيم العمل النضالي والديمقراطي، وقد تراجع العمل، كما تراجعت الأطر الديمقراطية الطوعية، من العمال إلى الطلبة إلى المرأة، ويمكن هنا إيجاز أبرز ملحم لهذا التحول الذي جرى على الجميع وعلى الأطر النسوية موضوع حديثنا، المتمثل في تحول الكثير من عضوات التنظيمات والأطر نحو إنشاء وتأسيس مؤسسات نسوية ممولة. إن التحول لمؤسسات الأنجزة “NGO’s ” عنى في مضمونه التحول من مؤسسات ولجان طوعية وبأجندة مرتبطة بالوطني والاجتماعي مدعومة من التنظيم السياسي وتعمل وفق قيادة جماعية، إلى مؤسسات ممولة مرتبطة بمشاريعها وعملها بأجندة التمويل وما يتيحه من هامش محدد للعمل في غياب أي أجندة وطنية واضحة، وحيث الولاء لمصدر التمويل وليس للحزب أو تنظيم السياسي وما يمثله وطنياً واجتماعياً.

إن هذه المرحلة هي حصاد مر للحركة النسوية ولفاعلية النساء في المواجهة مع الاحتلال، وأيضا في تحقيق مكسب لنضالهم الاجتماعي، وكل ذلك مقابل ما شكلته الانتفاضة من حاضنة فعلية لنمو وتطور النضال النسوي الفلسطيني، والجمع بين ما هو وطني وما هو اجتماعي.

* أسيرة سابقة ومحاضرة في جامعة بيرزيت

::::

المصدر: بوابة الهدف

http://hadfnews.ps/post/49415

________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.