“كنعان” تتابع نشر كتاب “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 13)

في حلقة اليوم: 

ملحق (1)

 قيس عبد الكريم/أبو ليلى كسرنا تابو شعار التحرير الكامل

محمود فنون

22/4/2014م

قالوا الكثير عندما بدأوا التزحلق في خط التسويات.

المحطة الأولى:

البحث في إمكانية تسوية من حيث المبدأ.

كانت المحطة الأولى تتمثل بالغوص في التاريخ لإيجاد تجارب مشهودة تعتبر منارة للمنظرين لضرورة السير في نهج التسوية. هنا تمت استعادة صلح الحديبية، واستفاد منه المنظرون بأن التسويات ممكنة وهي لا تلغي إمكانية الحرب في وقت آخر.

وتمت استعادة صلح بريست لوتوفسك الذي عقدته الدولة السوفييتية الوليدة  بقيادة لينين مع ألمانيا النازية التي كانت تحتل أراضي سوفيتية. وتم تشبيه المواقف بين الحالتين: في الأولى ألمانيا معتدية ومحتلة بينما الدولة السوفيتية تدافع عن الوطن كما أن إسرائيل غازية ومحتلة والثورة الفلسطينية تناضل من أجل التحرير.

وهكذا دواليك ليصلوا إلى نتيجة مفادها من حيث المبدأ أنه لا مانع من التسويات السياسية بين الأعداء.

هنا احتدم النقاش واسعا ومتواصلا وشاملا في الأوساط السياسية الفلسطينية وفي أوساط المثقفين. ما هو الدور الذي لعبه وحققه مثل هذا النقاش؟

إن الذين يطرحون فكرة ضرورة التسوية السلمية مع الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين كانوا هم أنفسهم الناطقين والمنافحين في هذا التطاحن. ما معنى هذا؟

منذ أن بادرت قيادة الجبهة الديموقراطية وقيادة وفتح ولفيف من المحسوبين على الثقافة الهابطة، ومعهم عدد من العرابين عام 1973، اتخذ هذا الطرح بعدا جديدا وذلك لأن أصحابه هذه المرة مدعومون بحقيقة أنهم “الفدائيون” وقيادة الشعب الفلسطيني.

فقبل ذلك، كان من يطرح شيئا من هذا يتعرض بحق لهجمة وطنية شاملة تؤدي إلى إخراسه ويواجه برفض شعبي يصل حد نبذه واتهامه بالخيانة الوطنية ووصفه بأنه في خدمة العدو ويطرح طروحاته خدمة للعدو ومن أجل التمهيد للإعتراف بإسرائيل.

هذا ما لاقاه  الشيخ محمد على الجعبري- رئيس بلدية الخليل، والدكتور حمدي التاجي الفاروقي والمحامي عزيز شحادة حينما طرحوا مشاريعهم إثر احتلال عام 1967 م وكذلك هذا ما لاقاه الصحفي محمد أبو شلباية حينما نشر أطروحته بكراس بعنوان “نحو دولة فلسطينية مستقلة عام 1972م”.

ففي 23 آب 1967م، أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية بيانا للرد على المشاريع المطروحة جاء فيه “…في مساومات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية ويرغمها على قبول أية صيغة يمكن اقتراحها لترسيخ أقدامه لتثبيت كيانه…وكنتيجة لذلك أخذت بعض الأنباء تتحدث عن المفاوضات، والتعايش والإعتراف، والصلح وما إلى ذلك من مشاريع تؤدي كلها إلى تصفية القضية الفلسطينية لأن هذه القضية لا تقوم على تسويات ولا تقبل فيها مساومات. وإنما هي قضية تحرير ومصير … لأن الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية بأسرها لن ترضى عن تحرير فلسطين بديلا…”.

وفي بيان أصدره رجالات البلاد تحت عنوان الميثاق الوطني المرحلي في الأرض المحتلة جاء فيه، ردا على فكرة إقامة دولة فلسطينية في أراضي الضفة والقدس والقطاع، ما يلي:

“6- إننا نرفض بإصرار الدعوة المشبوهة لإقامة دولة فلسطينية يراد لها أن تقوم منطقة عازلة بين العرب وإسرائيل مرتبطة بالوجود الصهيوني الدخيل . وتعتبر تلك الدعوة وسيلة لإخراج القضية الفلسطينية عن محيطها العربي وتجريدها من مفهومها القومي وعزل الشعب العربي الفلسطيني عن أمته العربية. وإن إقامة مثل هذه الدولة من شأنه تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية تؤدي إلى انحلال الشعب الفلسطيني وإلى تسديد ضربة قاسية إلى تيار التحرير العربي”

أي باختصار: إن فكرة التسوية، منظورا لها في ذلك الوقت، كانت تؤدي إلى ترسيخ أقدام إسرائيل وتثبيت أقدامها وتستهدف تصفية القضية الفلسطينية وخلق منطقة عازلة وعزل الشعب الفلسطيني ….الخ.

وكانت الردود شنيعة على كل من تطرق لهذه الأفكار بعد ذلك في أي مكان.

المحطة الثانية:

في أيلول 1969م قدمت الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين إلى الدورة السادسة للمجلس الوطني الفلسطيني مشروع قرار بشأن (حل ديموقراطي شعبي للمسألة الفلسطينية) نشرته الحرية في الثامن من أيلول جاء فيه “2- …ورفض الحلول الرجعية القائمة على الإقرار بدولة إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها ممثلة بقرار مجلس الأمن السيء الذكر” (المقصود قرار 242 الذي كانت ترفضه الجبهة الديموقراطية وكل الفصائل الفلسطينية آنذاك وتؤكد رفضها له في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني)

كما جاء في برنامج الجبهة الشعبية الديموقراطية كما نشرته الحرية في أيلول 1969:

” – ترفض الجبهة أي صيغة من صيغ التسوية  السياسية للقضية الفلسطينية، سواء كان ذلك ممثلا بقرار مجلس الأمن في 22 تشرين الثاني (نوفمبر)1967، أو أي قرار آخر …ما يدفعها إلى انتقاد كل موقف عربي أو عالمي يهدف إلى تحقيق التسوية السلمية، لأنها تسوية تقع على حساب المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.”

ويحدد البرنامج موقف الجبهة الديموقراطية وفهمها:

“- إن الجبهة تدرك أن دولة إسرائيل ، بقيادة الحركة الصهيونية، هي كيان زرعته الإمبريالية  العالمية بقيادة الولايات المتحدة لضرب الحركة الوطنية العربية ونضال شعب فلسطين (كما يراه برنامج الجبهة الديموقراطية) يستهدف تحطيم أداة الدولة وكيانها وأجهزتها القائمة”. وهذا يعني استحالة التسوية السياسية معها.

وفي سنة 1969م ذاتها صرح عرفات عن مفهومه لشكل الدولة التي ستقام في فلسطين بعد التحرير (وليس بعد التسوية السياسية):

“هدفنا هو إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة “. وأضاف: “لن نجبر أحدا على الرحيل إذا كان راغبا في العيش تحت لواء الدولة الفلسطينية كفلسطيني مخلص” والدولة الديموقراطية التقدمية التي تنادي بها فتح لا تتناقض مع كونها عربية “أي هو سائر في طريق التحرير ويفسر كيف ستكون فلسطين بعد تحريرها من اليهود وأوضح صلاح خلف أبو إياد دوافع النضال الوطني ومعنى الدولة الفلسطينية الديموقراطية وهي أنها “تصفي فقط الكيان الصهيوني العنصري داخل فلسطين”.

بدوره صرح جورج حبش في 20 كانون أول من عام 1967 (أي في ذات الفترة التي طرحنا فيها مواقف الديموقراطية وحركة فتح) بما يلي:

“ج-… إننا نخوض معركة تحرر وطني ديموقراطي ذات أفق إشتراكي هدفها إنهاء كيان إسرائيل كدولة عدوانية عنصرية مغتصبة مرتبطة بالإمبريالية العالمية. إن إنهيار هذا الكيان، بمعنى انهياره مع ارتباطاته ومواصفاته، نصبح أمام وضع من الطبيعي أن يكون لكل مواطن فيه حق العيش المتكافئ … بأن معركة التحرر الوطني الديموقراطي لا بد من خوضها حتى نهايتها وربحها. ذلك شرط ضروري ليكون التحرير حقيقيا، وبالتالي ليكون حديثنا عن الديموقراطية بعد هدم الكيان العنصري العدواني الإمبريالي لإسرائيل، بكل مواصفاته وارتباطاته..”.

ومن المعلوم أن قرارات المجلس الوطني الفلسطيني المتتابعة كانت ترفض قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 وتصفه بأوصاف تؤكد رفضه، كما كانت ترفض شعار إزالة آثار العدوان الذي أطلقه العرب والذي استهدف حصر النشاط في إزالة آثار عدوان إسرائيل عام 1967 والانسحاب من سيناء والجولان والضفة والقطاع بما فيها القدس .. كما كان الإصرار على نهج الكفاح المسلح كطريق لتحرير فلسطين كل فلسطين.

وقد نظّرت الجبهة الديموقراطية في أدبياتها ضد قرار مجلس الأمن حيث ورد “من هنا فإن تنفيذ قرار مجلس الأمن لا يعبر عن مهمة مرحلية لتنظيم النهوض الجماهيري القادم. إن الدعاية لهذا الشعار داخل الحركة الوطنية تعني الإلتزام المسبق بإيقاف النهوض الجماهيري عند الحدود التي تعينها له الطبقات الحاكمة العربية …”، وكذلك رفضته الشعبية وفتح وكل الفصائل (واليوم تقبله الديموقراطية وفتح وتدعو للالتزام به وتنظّر له)

هذه لوحة الموقف الفلسطيني حتى عام 1969 م متمثلة في ضرورة هدم كيان إسرائيل بالكفاح المظفر ورفض التسويات معها.

هناك مسألة  أخرى مهمة جدا وهي أن الموقف الوطني الفلسطيني قد عبرت عنه المواقف والبيانات والشروحات والمناظرات والمقالات السياسية  والقرارات الصادرة عن كل فصيل والقرارات الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني.

ولكن، لا يقتصر الأمر عند الخطاب السياسي. إنه لمن المهم جدا أن ننتبه إلى أن كل أشكال التعبير الأدبي والفني كانت منسجمة مع هذا الموقف: الشعر والأدب  والخطابة والمقالات والخواطر والفن التشكيلي .. وكذلك حوارات الأشخاص الدارجة، ووسائل التعبئة والتثقيف والتحريض التي تمارسها الهيئات والأطر المنظمة من الفصائل وما يتبعها.

كان هناك تناغمٌ إذن.

ويتوجب أن نلفت الانتباه إلى أن القادة والمنظرين والناطقين، بأشكالهم المتعددة، كانوا يجهدون من أجل التعبئة بهذه المواقف وتثقيف الجماهير بها وبالأخص تثقيف النشء والأجيال.

يتوجب علينا أن لا نستهين أبدا بهذا الأمر حيث كان الكل الوطني يجمع على الموقف الوطني وإن يكن بطرائق قد تتباين إلى هذه الدرجة أو تلك باستثناء الحزب الشيوعي الأردني وهو في الضفتين.

هل كان هناك شذوذٌ؟

كان الشذوذ منبوذا وإذا صدر عن ذات الجوقة فإنه سرعان ما يتم نفيه أو تقزيمه أو وصفه بالموقف الشخصي وربما مهاجمته علانية. وكان الهجوم متصلا على مواقف الحزب الشيوعي في ذلك الوقت لأنه يدعو إلى الحل السلمي والنضال السلمي.

المحطة الثالثة

هذا الوضع تغير كثيرا بل انقلب على نفسه. فجزء ممن كانوا يُنظِّرون ضد إسرائيل وضد القبول بإسرائيل ما دون تدميرها وهدمها، تحولوا إلى منافحين يدافعون عن وجودها تحت مسميات شتى، بل ويتم التصدي لمن ظل يتمسك بالموقف الوطني القائم على تحرير فلسطين وتطهيرها من العدوان.

بعد مجازر أيلول أخذ جزء من الثلج بالذوبان رويدا رويدا وكثر الحديث عن اتصالات بين رجالات فتح العاملين في أوروبا وبين إسرائيليين، وكثرت الدعايات والإشاعات وكثر النفي والإستنكار.

الجبهة الديموقراطية وخط التنازلات

بدأت الجبهة الديموقراطية خطها التنازلي الجديد بالهجوم على شعار التحرير الكامل.

ففي بلاغ اللجنة المركزية للجبهة الديموقراطية الصادر في آب أغسطس 1973م في دورتها الرابعة، ورد في المقدمات ما يلي:

” 3- إن الإتجاه القومي البرجوازي داخل حركة التحرر الفلسطينية الذي يدعو إلى الإكتفاء بالشعار التاريخي البعيد المدى إنما يستند إلى شريحة طبقية ضيقة من برجوازية اللاجئين الصغيرة المثقفة الهامشية وغير الملتصقة بمصلحة طبقية محددة .هذه البرجوازية هي التي ترى الشعب انعكاسا لصورتها وتتخيل أنه لا سبيل إلى توحيد الشعب الفلسطيني إلا بالإكتفاء بشعار التحرير الكامل وإغفال المصالح المباشرة لتجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة واعتبار أي تعامل بهذه المصالح المباشرة خيانة للهدف التاريخي . إن هذا الإتجاه يمكن أن يعبيء عددا من الخلايا الإرهابية المنعزلة ، إلا انه لا يمكن أن ينظم حربا شعبية. إن الجبهة مطالبة بتكثيف النقد الأيدولوجي لخرافات هذا الإتجاه القومي البرجوازي كمهمة ملحة على جبهة الصراع الأيديولوجي .”

إنه لمن “المنطقي” جدا أن تهاجم ما كنت تلتزم به بالأمس من أجل أن تقول شيئا جديدا اليوم وبطرائق فجة مشحونة بخلق أوهام وصور لا أساس لها في الواقع ولم يتجسد منها شيء خلال الأربعين سنة الماضية منذ ذلك التاريخ.

فالذين يطرحون الشعار الوطني الذي كانت الجبهة الديموقراطية تشاركهم به هم “.. شريحة طبقية ضيقة من برجوازية اللاجئين الصغيرة المثقفة والهامشية …وكذلك غير الملتصقة بمصلحة طبقية محددة ..”، وبعد هذه الشريحة تأتي الديموقراطية التي تمثل عموم الشعب وبالتالي ترى رأيها كممثلة له.

بعد ذلك يسهب البلاغ في النقاط 7 و8 و9 في التركيز على دور جماهير الأرض المحتلة في إنجاز مهمة طرد الإحتلال مع الإشارة إلى أنه يحتاج لبرنامج عمل تفصيلي. “9- إن النضال من أجل طرد الإحتلال وحق تقرير المصير يتطلب برنامج عمل تفصيلي  لتنظيم وتعبئة جماهير الشعب في صيغ تنظيمية ونقابية وسياسية موحدة للجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة للنضال الموحد ضد سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي، سياسة تخريب الزراعة والصناعة الوطنية، طمس الثقافة الوطنية …الخ”.

ويضيف البلاغ أنه على الأرض المحتلة مهمة “تجديد الوحدة مع الشعب الأردني …”

ولننتبه جميعا إلى القدرة على التنبؤ وبعد النظر ودقة الرؤيا! التي تمثل بها البلاغ الصادر عن الاجتماع الموسع الطارئ للجنة المركزية ولمندوبي منظمات الجبهة في تشرين الثاني نوفمبر 1973.

فمن أجل تبرير الانتقال إلى النهج الجديد وبعد أن نقد مواقف الحركة الفلسطينية كعامل ذاتي فهو من أجل الإرتكاز إلى العامل الموضوعي، يجند البلاغُ حرب تشرين كما لو كانت سببا قويا للهبوط إلى الدرجة الجديدة من سلم التنازلات حيث يقول، وعلى عكس ما آلت إليه الأمور فعلا:

في باب “أولا”، الفقرة السادسة:

“إن النتائج التي أدت إليها حرب تشرين تفتح إمكانيات  التوصل إلى تسوية راهنة للصراع العربي الإسرائيلي. إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة بالرغم من الهزائم التي لحقت بسياستهما، لا تزالان تواصلان العمل بشكل محموم من أجل أن تاتي شروط هذه التسوية متوافقة مع أهدافهما العدوانية ..”.

فبعد أن يقرر البلاغ أن “النتائج  تفتح إمكانية التوصل إلى تسوية راهنة ..”، يستدخل البيان هنا عبارة “الصراع العربي – الإسرائيلي” كمفهوم جديد وهذا كذلك من ممهدات التسوية.

ويعود البيان لاتهام إسرائيل وأمريكا “لا تزالان تواصلان العمل بشكل محموم من أجل أن تأتي شروط هذه التسوية متوافقة مع أهدافها العدوانية (!!!) أليس موقفهما هذا مثيرٌ للعجب.

ثم يكمل البيان في فقرة أخرى مستنجدا بحرب تشرين لتسويغ الإنتقال الجديد وبطريقة فاضحة إذ ورد  في أولا، الفقرة السابعة “إن النتائج الإيجابية التي أدت لها حرب تشرين ترسي الإمكانيات الموضوعية لدحر وإحباط الحل التصفوي الأمريكي –الإسرائيلي الرجعي الأردني..”.

 الله أكبر! الله أكبر!! إذن، تعالوا هرولة أو زحفا إلى مستنقع التسويات وما عليكم سوى التسلح ببرنامج جديد ينقض برنامج التحرير الكامل،  وحرِّروا الشعب الفلسطيني من “خرافات هذا الاتجاه القومي البرجوازي كمهمة ملحة على جبهة الصراع الأيديولوجي”.

أي أنهم بعد أن قرروا طي صفحة الموقف الوطني قرروا أيضا خوض وتكثيف النقد الأيديولوجي ضده.

وفي البلاغات يستمر الحديث عن النضال وعن الكفاح المسلح والوحدة الوطنية، ولكن الجديد هو المهم وليس ما كان يقال سابقا. الجديد هو صياغات مثل النضال من أجل طرد الاحتلال، وإمكانيات حل الصراع العربي – الإسرائيلي بالتسويات كمقدمة لسياق جديد سيتواصل حتى أوسلو والمفاوضات الجارية حاليا.

وقد انتقل هذا الموقف من موقف فصيلي فتح والجبهة الديموقراطية، إلى موقف منظمة التحرير الفلسطينية من خلال صياغات قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في القاهرة (زمن السادات) من 1-9 /6/ 1974م:

“1 – تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من القرار 242 الذي يطمس الحقوق الوطنية والقومية لشعبنا ويتعامل مع قضية شعبنا كمشكلة لاجئين …”، أي يكرر ذات الموقف المطروح في الدورات السابقة، ثم ينتقل إلى الجديد ويقدمه مزخرفا:

” 2- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على أي جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله”، وهذا هو الجديد في قرارات المجلس بل هذا هو البند المهم الذي أدى إلى الانشقاق في الساحة الفلسطينية وظهور جبهة الرفض.

بعد ذلك، في بند “ثلاثة”، يكرر البيان الموقف من الاعتراف والصلح والحدود الآمنة، وفي بند رقم “أربعة” يعاود طرح الدولة الديموقراطية.

ولكن البند رقم “اثنين” أعلاه يتغير بشكل جوهري في البند الحادي عشر من بيان الدورة التالية، الثالثة عشرة ليصبح “يقرر المجلس الوطني الفلسطيني مواصلة النضال من أجل استعادة الحقوق الوطنية لشعبنا وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني”. وهنا غاب تعبير “تناضل بكل الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح”،  كما يمكن للقارئ أن يقارن.

ولم يظل الموقف هكذا، بل تغير كذلك في الدورة التالية (الرابعة عشر) للمجلس الوطني الفلسطيني، كما يلي:

“أ/1- التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا في وطنه فلسطين وحقه في العودة إليه وتقرير مصيره على أرضه دون تدخل خارجي وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني دون قيد أو شرط”

في الفقرات أعلاه أصبح تعريف (فلسطين) وتعبير (ترابه الوطني) محصورا في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن التراجع عن المواقف الوطنية العامة قد بدأ يتسلل رويدا رويدا إلى الساحة الفلسطينية، وإن كانت حرب أكتوبر قد استخدمت كعبّارة لاجتياز البرزخ بوضوح، فهذا لا ينفي المقدمات الكثيرة التي دلت على استعداد قيادة فتح وقيادة الديموقراطية للانخراط في مناخات كهذه.

 هنا غاب شعار التحرير الكامل لكل أرض فلسطين التاريخية وأصبح الخطاب السياسي الفلسطيني ترجمة لهذا التغير.

ليت الأمر يقف هنا:

انقسمت الساحة الفلسطينية مجددا هذه المرة رفضا للموقف الجديد وتبعاته وقبولا للموقف الجديد وتبعاته ولكنها ساحة “الفدائيين”.

أي إن فريق (القبول) هو ذاته كان جزءا من فريق الرفض في المحطات السابقة. القيادة، وكانت جزءا من الرفض، أصبحت قبولا ولكنها ظلت القيادة؛ والجبهة الديموقراطية كانت جزءا من الرفض وأصبحت قبولا، بل هي التي تكفلت بشق الطريق علانية. هنا يكون تقييم المواقف صعبا ودقيقا. لم يعد الأمر منحصراً في بيان صغير يحوي عبارات الرفض والتخوين للشخص أو الجهة التي تطرح المشروع التصفوي فيتم تصفيته ومواقفه سياسيا ويتم نبذه جماهيريا.

الجديد في الأمر أن القيادة أصبحت مضطرة لتبرير سلوكها ومواقفها أمام القاعدة الوطنية وأمام الجماهير الفلسطينية، وهي بطبيعتها “رفض”، وأن قيادة فتح أصبحت مضطرة لتفسير وتسويغ (قبولها) أمام القواعد التي اعتادت على تعبئتها بالرفض ونقد ونقض مواقف الرجعية العربية. كذلك أصبحت قيادة الجبهة الديموقراطية مطالبة بشرح وتسويغ مواقفها لقواعدها التي سبقت وعبأتها بالرفض وأكثر.

أصبح غصن من الشجرة أداة لقطعها:

هنا تكفلت قيادة فتح وجهازها الناطق بنشر الدعاية للهبوط، وما أدراك ما الهبوط! إن شعار النضال من أجل دولة في الضفة والقطاع هو في الوقت ذاته ذو وجه آخر لصيق لا انفكاك بينهما. الوجه الآخر يقر بأن فلسطين المحتلة عام 1948 هي لليهود ولم نعد نطالب بها وأن شعارنا يعني أننا نطالب حصرا بأراضي فلسطين التي جرى احتلالها عام 1967م. وهو يعني ذلك بالتأكيد، وقد حصلت إسرائيل على حصتها كما هي القسمة المرجوة من قبل قيادة فتح، وهي تحصل أيضاً على القسم الثاني الذي تطالب به قيادة فتح، بينما إسرائيل لم تتنازل عن شبر واحد ولم تقدم وعدا بالتنازل ولم تكن هناك أية مساومات ولا مفاوضات ولا وساطات، بل كان تنازلا مجانيا صرفا كما أوحت به النظم العربية الرجعية وعرابو التسوية.

 المعنى ذاته ينطبق بالنسبة للديموقراطية مع فارق أن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة قد أقر المنهج الجديد بناء على مشروع تقدمت به الجبهة الديموقراطية. هنا من يطال رأس قيادتها؟. فهي لا تُنظّر لهذا الإنحطاط فحسب بل تعتز به! كانت ولا زالت حتى يومنا هذا مما دفع أبو ليلى ليرفع صوته متباهيا “نحن الذين كسرنا تابو التحرير الكامل”.

نعم، هم من كسروها. ولكن الاعتزاز والافتخار بهذا الموقف لا قيمة له أمام الوطنيين الفلسطينيين بل أمام الأعداء دون أن يلتفتوا!

وهكذا أصبح من مهمة هذا الفريق أن يجند خطابه السياسي وكل ما لديه من ماكنة إعلامية من أجل تسويغ هذا الهوان. أي أن فريقا من الفدائيين انتقل إلى المواقع المضادة، وبدلا من أن يترك مهمة الإقناع للعدو- وزير خارجية العدو آنذاك، أبا إيبان، تطوع ليتحملها بنفسه بطواعية. وبهذا رفع الحصار عن النظم العربية الرجعية التي تعترف بإسرائيل وتتساوق معها، وهكذا تساوق مع مرحلة الردة العربية التي بدأت بفترة حكم السادات وانقلابه الرجعي على الناصرية. وهكذا أيضا أفسح المجال للنظام العربي الرجعي الرسمي ليستثمر حرب أكتوبر، ليس لتحرير فلسطين أو استرداد أراضيها التي احتُلت عام 1967، بل ليتخلى عن حقوق الشعب الفلسطيني. لقد كان قرار المنظمة موقفا مفتاحيا تقدمت بعده لتصبح جزءا من النظام العربي الرجعي المتهالك والذي أعلن أن حرب أكتوبر 1973 هي خاتمة الحروب مع إسرائيل والسلم معها ليس سوى هدفا لهذا النظام.

كانت هذه إذا محطة الاعتراف بإسرائيل بما تعنيه من تبديد للقضية الفلسطينية من حيث أن المنظمة وقيادتها قد وقفت في ذلك الوقت على طرق التنازلات التي أوصلتها إلى ما يسمى باتفاقات أوسلو. كانت محطةً كذلك لدحر مواقف اللاصلح ولا اعتراف ولا سلام مع العدو الصهيوني.

إنه تبدل واسع في المواقف الوطنية أدى إلى تبدل واسع في الثقافة الوطنية طال كل قطاعات شعبنا “إلا من رحم ربي” (حيث عاد الرفض واعتبر البرنامج المذكور برنامجا مرحليا على طريق تحرير فلسطين وكأنه موقف تكتيكي يتوجب ربطه بالموقف الإستراتيجي).

إن ثالثة الأثافي تمثلت بالتنظير المستميت للسلام مع إسرائيل على أيدي ذات الفريق الموصوف في بداية البحث: القيادة الرسمية للمنظمة وقيادة فتح والديموقراطية ولفيف من الكتاب والصحفيين والمثقفين الفلسطينيين مع ما تحت أيديهم من ماكنة إعلامية وقدرات كتابية وثقافية وتجنيد كل ما وقع تحت أيديهم لسنوات وسنوات، حيث ساهموا في تطبيع عقل جزء من القواعد الوطنية الفلسطينية وتيئيس جزء آخر وحصلوا مقابل ذلك على “عفارم” كبيرة ومناصب كبيرة.

ولم يتوقف الأمر هنا، بل ينضم لهم منذ أوسلو فريق واسع جدا من العاملين في أجهزة الأمن الفلسطيني في الداخل والخارج وأصبحوا عاملين في مصلحة الأمن الإسرائيلي. ولا زلنا لم نحصل من يومها على دولتنا المستقلة في الضفة والقطاع!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.