السودان – “الشعب يريد إسقاط النظام”، الطاهر المعز

تُقَدّرُ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة بنحو 17 مليون هكتار، أو ما يُعادل ثُلُثِ مساحة البلاد، ويمكن للسودان تصدير الغذاء لكافة الدول العربية، لو كانت هذه الأراضي مُسْتَغَلّة، ولا تزيد مساحة زراعة القمح بنحو 480 ألف هكتار، ويبدو إن زراعة القمح مكلفة وإنتاجيتها ضعيفة في السودان، مما جعل البلاد تستورده من الخارج، بالعُمْلَة الأجنبية التي أصبحت شحيحة، بعد انفصال جنوب السودان في تموز 2011، وأخذت حكومة الجنوب معها ثلاثة أرباع إنتاج النفط، وإيراداته من العُملة الأجنبية، ولذلك تستورد البلاد معظم حاجتها من النفط ومن القمح، في ظل شُح العملات الأجنبية، مما جعل البلاد في أزمة مستمرة منذ 2011، وذلك رغم الرّفع الجُزْئي للحظر الأمريكي (تشرين الأول/اكتوبر 2017)، لأن الولايات المتحدة أبقَتْ على السودان ضمن قائمة الدول “الدّاعِمَة للإرهاب”، ولم ينفع لها تَسْليم “كارلوس إليتش رامريز” للسلطات الفرنسية، ولا طَرْد “أسامة بن لادن” من البلاد، ولا المُشاركة في العدوان على شعب اليمن…

خفضت الدولة دعم الوقود والطّحين (الدّقيق)، فارتفعت أسعارهما وأسعار النقل والغذاء وغيرها، وأصبح المواطنون يقفون لساعات في طوابير طويلة لشراء الخُبْز المُدعَّم، وتعدّدت احتجاجات المواطنين ضد غلاء الأسعار، وآخرها الإحتجاجات التي بدأت يوم الإربعاء 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، والتي بدأت في مُدُن بورتسودان (شرقي البلاد وعطبرة (شمال البلاد) وسنار وربك والقضارف، قبل أن تصل إلى مُدُن الخرطوم وأم درمان والأبَيض وغيرها، في اليوم الثاني، احتجاجاً على ارتفاع أسعار الخبز من جُنيه واحد إلى خمس جُنَيْهات للرغيف الواحد، وأدت تلك الاحتجاجات لحرائق في بعض المباني التي ترمز للحكومة أو حزب المؤتمر الوطني الحاكم للبلاد منذ 1989، وتدخّلت الشرطة والجيش لقمع المتظاهرين، بالهراوات والغازات المسيلة للدموع، وأطلقت الرصاص الحي مما أودى بحياة ما لا يقل عن ثمانية أشخاص خلال الأيام الثلاثة الأولى للإحتجاجات، وهتف بعض المتظاهرين: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وهو شعار الإنتفاضة في تونس بنهاية 2010 وبداية 2011، والتي أسقطت رأس الحكم، وبقي النّظام، وأصدرت السلطات أوامر رسمية لقوات الجيش ب”حماية المناطق والمرافق الحيوية والمُنْشآت والمُؤسّسات الرسمية”، كما أصدرت  قرارًا بإغلاق الجامعات والمعاهد العليا والمدارس، إلى آجال غير مُحدّدة، وأعلنت حالة الطوارئ، إضافة إلى حظر التّجَوّل من السادسة مساءً إلى السادسة صباحًا، وأعلنت أوساط المُعارضة ارتفاع عدد القتلى إلى 22 ضحية (من بينهم ستة في مدينة “القضارف”، شرقي البلاد)، في اليوم الخامس للإحتجاجات، يوم الأحد 23/12/2018، مع ارتفاع عدد المُدُن التي شملتها الإحتجاجات، واعتقال ما لا يقل عن ثلاثين عنصر من قادة أحزاب المعارضة (بيان يوم السبت 22/12/2018)، بالإضافة إلى مئات الإعتقالات في صفوف المواطنين، بمختلف ولايات البلاد، وقررت بعض القوى السياسية والنقابية ومنظمات أهْلِيّة تحديد يوم الأربعاء 26 كانون الأول/ديسمبر 2018 لتنفيذ إضراب سياسي وعصيان مدني…
تميز وضع البلاد بنقص مخزون النقد في المصرف المركزي، ونقص العملة الأجنبية، مما جعل الدولة عاجزة على توريد القمح والأدْوِية والوقود، وغير ذلك من المواد الضرورية، وتعترف الحكومة بوجود أزمات في الخبز والوقود (لأن الطوابير الطويلة شاهد على ذلك)، ولكنها تَنْكُر أزمة السيولة، رغم الوقائع التي تُثْبِتُ شُحّ النقد، وعدم قُدْرَة المواطنين على سحب أموال من حساباتهم المصرفية، واضطرت الحكومة إلى إعلان زيادة حصة المخابز من الطحين في ولاية الخرطوم بشكل دائم، ولكن المواطنين صرّحوا إن ذلك لم يَدُمْ سوى يومًا واحدًا، وقدّرت بعض المواقع الإخبارية السودانية نسبة العجز في الخبر بمدينة الخرطوم بما لا يقل عن 15% من الإستهلاك اليومي المعتاد للمواطنين…  

يعاني السودانيون، منذ أَشْهُرٍ من أزمات حادة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، ومن تراجع قياسي في قيمة العُمْلة المَحلية (الجنيه السوداني) مقابل الدولار الذي أصبح يعادل ما بين 60 و 65 جنيهًا سودانيا، ويواجه المصرف المركزي نقصًا حادًّا في العملات الأجنبية، مما زاد من المضاربة في السوق الموازية…

تمثّل انعكاس هذه الأزمات على حياة المواطنين، في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وخصوصًا السلع المُسْتوردة (ومنها الوقود والقمح) بفعل انخفاض قيمة العملة المحلية، كما تعطلت حركة المواصلات العامة، بسبب شح الوقود وارتفاع ثمنه، مما زاد من صعوبة وُصول الشّغالين إلى أماكن العمل… شكّلت هذه العوامل أساسًا للإحتجاجات السابقة والحالية، في ظل عجز الحكومة عن إيجاد الحلول، واكتفائها بالقمع والتحذير من “الفتنة”…

تبلغ قيمة عجز الموازنة للعام 2018 نحو 1,6 مليار دولار، وبلغت نسبة البطالة 20,6% من القادرين على العمل، خلال الربع الأول من سنة 2018، وفق وزير التعاون (نيسان/ابريل 2018)، وارتفعت نسبة التضخم من حوالي 26% في بداية سنة 2018، إلى حوالي 70% بنهاية السنة، بسبب انهيار قيمة الجُنَيه السوداني، الذي لا يسنده إنتاج، إضافة إلى قِلّة الصادرات، وبدأت الإحتجاجات على غلاء الأسعار منذ كانون الثاني/يناير 2018، ولم تهدأ أبدًا، رغم انخفاض وتيرتها… أما النظام، وعلى رأسه عمر البشير، الذي اغتصب الحكم إثر انقلاب عسكري، منذ ثلاثين سنة، فإنه وَقَّع وثيقة انفصال جنوب السودان سنة 2005، وباع بذلك ثُلُثَ أراضي البلاد، من أجل إنقاذ نظام الحُكم، ولكن الإمبريالية الأمريكية لم توفِّ بوعودها، رغم التّوَدّد (بل العمالة) الذي أظْهَرَهُ نظام السّودان…     

وردت الأخبار والبيانات في برقيات وكالة فرنس برس (أ.ف.ب) ورويترز وأسوشيتد برس من 19 إلى 23/12/2018 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.