تعدد حروب امريكا ليس تخبطاً، بقلم د. عادل سمارة

لم يعد النقاش في أسباب تعدد وتزامن حروب امريكا/ترامبو إن كانت هي جوهر الدور الاستغلالي والنهبوي لهذه الدولة باعتبارها إمبراطورية لم تتوج، وإن تُوجت فهي تقاتل كي لا تفقد الدور والموقع ومن ثم التاج. أو لأن ترامبو هو نفسه سوبر ضارية أمبريالية. وربما لم يعد من معنىً للبحث في فئة أو فصيلة فاشية ترامبو لأن مركز الأمر هو دور رأس المال في المرحلة الاحتكارية  وحقبة العولمة بما هي نيولبرالية والأهم مأزومة. ذلك لأن الفاشية تجد جذورها في الرأسمالية ففي رأس المال تكمن المشكلة، الراسمالية هي المشكلة. فلو كان الأمر فاشية وعنصرية وحسب، لكان ترامبو العدو الأول لحكام السعودية وخاصة بن سلمان ولو كان الأمر طبقاً للديمقراطية الغربية المتهالكة، لكان أيضا حكام السعودية أول من يستهدفهم ترامبو. وعليه يكون الإغراق في البحث عن طبيعة الجينات الفاشية ل ترامو هو امر من قبيل الرياضة الذهنية للمثقف اللبرالي، وربما معظم مثقفي الغرب. إن العلاقة متداخلة بل جدلية بين الأمرين، فهناك بنية رأسمالية في مرحلة العولمة وهي أفرزت رئيسا وإدارة على شاكلتها.

كما أن الهجمة الثقافوية الغربية الحالية ضد القومية حيث تدمج ما بين الفاشية والقومية بعمومها وتنوعاتها في المركز والمحيط، واصفة امريكا ترامبو بالصعود القومي بطبعة فاشية، وكذلك صعود اليمين القومي في دول أوروبية بنفس الصفة مما سمح لهؤلاء المثقفين بإعادة الهجوم ضد القومية من حيث المبدأ وهو الأمر الذي خلط ما بين القومية العنصرية البرجوازية في المركز وما بين النضال القومي التحرري في المحيط ولا سيما في الوطن العربي.

وحيث تغذى اليسار التابع على هذا التوجه، ولا سيما اليسار التروتسكي في المركز والمحيط، فإن مواجهة هذا الخلط النكوصي إلى الوراء هو مهمتنا وتحديداً المثقفين العروبيين الذين لا يقفون موقف تبني التضاد بين الماركسية وبين القومية في حالة حركات التحرر الوطني وليدة القرن الماضي واستمرار العناصر الجذرية في هذه الحركات والتي ترى في التبادل اللامتكافىء والتبعية ميادين تحرر قومي حيث لم يعد التحرر القومي محصور في الجغرافيا بل هو اشد في التبعية البنيوية والتي تمثلها في الوطن  العربي طبقة راس المال الكمبرادوري والطفيلي والريعي حيث تتضافر هذه مع بعضها البعض لتعميق مشكلة “تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي”.

 

لم تخرج أمريكا حتى تُقتلع

 

وإذا كان هذا التوضيح كما يجب، فحبذا لو يتم التوقف عن الثرثرة بأن امريكا تتخبط سياسياً في وطننا والعالم باعتبار هذا الوصف هو لطمئنة النفس بل ورغائبي جداً.صحيح أن سياسة امريكا تبدو فوضوية مقارنة مع الحِذق والحندقة السياسية لروسيا والحذر الصيني، ولكن امريكا ليست مجرد بلدوزر فقد قائده السيطرة والتحكم بمقوده.

قيل الكثير عن “خروج” امريكا من الوطن العربي باتجاه الصين، وتزايد هذا القول بنقل امريكا بعض وجودها الاحتلالي الرمزي في سوريا إلى العراق. وهو نقل لا يختلف عن إعادة إنتشار قوات العدو الصهيوني في المحتل 1967 وهو الذي اسماه البعض تحريراً واستقلالاً على الأقل لمنطقة (أ) من الضفة الغربية بينما جيشه يدخل رام أنَّى شاء.

هذا الحديث يفتح على تغير في آلية العدوان الأمريكي وليس في جوهره، بمعنى أن وجوده بل حضوره لا نقاش فيه، ولكن التغير في أي جيش من جيوش العدو الأمريكي الذي  يتم هذه المرة الاعتماد عليه من بين جيوشها الثلاثة: الجيش من الأمريكان والجيش الصهيوني والجيش الثالث اي جيش الإرهابيين  الذي جنده أوباما.

إذا كانت الحرب نفسها مشروع اقتصادي، أو هي الاقتصاد السياسي للحرب، فإن التغير الذي حصل في الاستراتيجيا الأمريكية بعد  كل من:

أولاً: هزيمتها في فيتنام بمعنى خسائرها البشرية وخروجها، وبعد هزيمة فيتنام نفسها نظراً لِ:

  • تدمير فيتنام من قبل الوحش الأمريكي
  • وعودة فيتنام لنظام أقرب إلى الراسمالي وبعلاقة “طبيعية” مع امريكا.

وثانياً: إعادة تجربة فيتنام ضد العراق وأفغانستان خاصة لما حمَّلها ذلك من كُلفٍ هائلة، حيث تكررت الهزيمة المزدوجة أي:

  • هزيمة امريكا شكلانياً في العرق وأفغانستان،
  • وهزيمة العراق وأفغانستان بتدميرهما اقتصاديا واجتماعيا وبنيوياً وعروبياً

وهنا كان التحول في آلية العدوان الأمريكي بل عدوان الثورة المضادة ب:

اولاً:العودة للعراق بعد تجييش وتدريب وتسليح قوى الدين السياسي في الوطن العربي لتصبح جيوشاً إرهابية مما دفع دُمى السلطة الطائفية العراقية لاستجداء عودة الاستعمار الأمريكي لتخليصها من عدو خلقته امريكا نفسها ولتزعم أمريكا دائماً، أنها “هنا” لقتال داعش!

وثانياً: تحريك الأنظمة المحلية للثورة المضادة ضد الوطن العربي نفسه، فهذه الأنظمة وخاصة أنظمة الدين السياسي وكذلك قوى الدين السياسي هي الجيوش التي تعتمدها امريكا في حربها على المنطقة وبقائها في المنطقة. وهذه جيوش “متأصلة” في الجغرافيا من جهة، وهي أقل كلفة، بل هي نفسهامثابة استثمار اقتصادي لأمريكا في الوطن العربي,

نحن أمام حالة نقل الاقتصاد السياسي للتبعية إلى الاقتصاد السياسي للقمع المحلي والإرهاب على الصعيد القومي. فهذه الجيوش هي سوق تصريف للسلاح والخدمات اللوجستية الأمريكية. ولا تحتاج أمريكا في هذه الحالة سوى إلى الجلوس في الجو ببضعة خبراء يُديرون إرهاب هذه القطعان من علٍ.

والحقيقة، أن هذا التوجه الأمريكي بدأ منذ قرابة ثلاثة عقود حين كان قائد سلاح الجو الأمريكي (نسيت اسمه) قد جادل بأن قتال امريكا يجب ان يكون من الجو. بالمناسبة هو نفسه كان في بداية حياته يعاني رُهاب ركوب الطائرات.

ولا تكتمل استراتيجية قيادة العدوان وتثبيت السيطرة من الجو بدون قوات أرضية. وها هي امريكا تحظى بأنظمة وقوات محلية تحتل وطنها هي نفسها بنفسها.

وقد تكون العبرة هذه قد أخذتها امريكا من هزيمة الكيان عام 2006 في عدوانه على لبنان حيث اعتمد رئيس اركانه دان حالوتس على سلاح الجو ، وحينما حصل العدوان كانت الأرض لحزب الله حيث هزمت قوات العدو على الأرض.

يتاكد قولنا أعلاه من الزيارة الأخيرة للوزير الأمريكي مايك بومبيو إلى مصر والأردن وتصريحاته بأن امريكا تقيم جبهة/تحالف مضاد لإيران مكون من مصر والأردن والسعودية.ولا شك أن هناك أخريات. وإذا وضعنا في الاعتبار عدم وجود مبررات لقتال عربي إيراني، يكون هذا التحالف لخدمة امريكا والكيان الصهيوني بلا مواربة.

بدورها لم تنفِ هذه الأنظمة ذلك، كما للأسف لم نسمع عن اي تحرك شعبي ضد هذه التصريحات، والتي يُحتمل أنها تلت تبلورا فعلياً لهذا التحالف. وإلى أن يتم التأكُّد من عدم مشاركة مصر السيسي باية وسيلة ضد سوريا، فإن هذه الدول وغيرها قد اصطفت ضد سوريا، وها هي تُنقل بأيدي أمريكية ضد إيران. وحين تورط مصر في هكذا حلفاً فإن نظامها يؤكد تمسكه بقتل اي نهوض عربي ليكون هناك قطب إقليمي ثالث في المنطقة مقابل تركيا وإيران، ناهيك طبعا عن خطورة الكيان الصهيوني.

لو عدنا إلى الماضي القريب، لراينا كيف أن الشعب في الأردن قام بمظاهرات صاخبة عام 1954 ضد حلف بغداد الذي كان يحمله البريطاني جيرالد تمبلر، وأُسقط الحلف وقُتل رئيس الوزراء في الأردن حينها هزاع المجالي. ما أخطر اختلاف اليوم عن الأمس.

 

وتستعيد امريكا الجنوبية ايضاً

 

كما استعادت امريكا معظم الوطن العربي منذ هزيمة التيار العروبي بعد 1967، وتجلى ذلك في حرب “الربيع العربي”  تقوم امريكا مجدداً باستعادة امريكا الجنوبية وباستخدام نفس اسلوب قتل الذات لصالح امريكا ايضاً. فبعد سقوط اليسار في ارجنتين والبرازيل تراجع الوضع في امريكا الجنوبية وصولاً إلى التدخل العدواني ضد فنزويلا والطعن في شرعية الرئيس مادورو واحتمال غزو فنزويلا بامتطاء دول جماعة بنما بغض النظر جميعها أو بعضها.

تجدر الإشارة إلى أن امريكا الجنوبية هي موقع شركات وسوق للولايات المتحدة بينما الوطن العربي سوقاً ومصدراً للنفط. وبالتالي فإن الحفاظ  على هذين الموقعين شديد الأهمية للولايات المتحدة ربما اكثر من اية جغرافيا أخرى. إنهما الحديقة الخلفية وبئر النفط. وإذا كان غزو إيران من الصعوبة بمكان، فإن غزو فنزويلا أمر أقل خطورة كما يبدو. وهذا طبعا ناهيك عن حصار البلدين.

تجدر الإشارة إلى أن الحروب الأمريكية الحالية الأخرى هي بين تقدم وتراجع، بين تهديد وتخفيف اللهجة ، بين خلاف وحلحلة، كما هي الحال مع الصين، وروسيا، وكندا والاتحاد الأوروبي…الخ، بينما في الحرب على الوطن العربي وإيران وفنزويلا، فإنها حرب محتملة التحول إلى عدوان مسلح  وبالطبع بدماء جنود توابع امريكا.

وقريبا سيعقد مؤتمر في بولندا يضم عشرات الدول كما صرح وزير خارجية امريكا والمؤتمر مخصص ضد إيران. وهو لا شك ضد إيران، ولكن هذا لا يعني أنه ليس ضد الاتحاد الروسي.

عموماً، فإن هذه السياسات العدوانية الأمريكية المعولمة بغض النظر عن كون بعضها عدائي مباشر ومحتمل التنفيذ سريعا أو مؤجلاً وكون البعض منها تجاري أو علمي تقني، فهي جميعا تعبر عن طبيعة النظام الراسمالي الأمريكي بأهدافه الإمبراطورية وليست أبداً مجرد تخبط سياسي. وبعيداً عن توجه العالم صوب تعدد القطبيات فإن مجمل ما تبغيه امريكا من جهة وتكتيكها الجديد من جهة ثانية هو:

  • إصرار امريكا على البقاء حاكمة للعالم حتى لو كلفها ذلك الكثير لأنها تنهب أكثر وبأنها لن تسمح لأي بلد تابع بالانعتاق دون ان ينجز ذلك بالعنف كما لن تسمح لأي بلد أن يباريها سياسيا او عسكريا او اقتصاديا.
  • إن الحروب، ايا كانت طبيعتها هي عمليا تشغيل للاقتصاد الأمريكي وتشغيلا لقوة العمل الأمريكية حيث تستوعب الصناعات كثيرا ممن يُفترض أن يكونوا جنودا.
  • الذهاب أكثر لاستخدام طريقة جديدة في التجييش بحيث لا تتكلف هي نفسها الزج بجنودها في الحروب المتعددة بل دفع مختلف الأمم للاقتتال فيما بينها خدمة للاسترانيجية الأمريكية، أي المحاربة بالآخرين.

أما وهناك بلدان تنخرط سلطاتها في خدمة العدو الأمريكي المعولم واضعة دماء ابنائها تحت فلتات سيوف بعضهم البعض، فإن الرد لا بد ان يكون شعبياً ضد الثورة المضادة بداية من جغرافية بلادها.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.