الماديّة سلاح نظري ضروري للفلسطينيين، علي عامر

ا(1)
برهنت نظريّة المعرفة الماركسيّة، على أنّ نمط الحياة هو الذي يحدد الوعي وليس العكس، مؤكدّة على دور الوعي الأساسي في تغيير نمط العلاقات الاقتصاديّة الاجتماعيّة القائم. فالوعي هو انعكاس للواقع، ولكنّه في نفس الوقت يمارس دوره التاريخي في تثوير الواقع وتغييره.
(2)
شكّل طرد الفلسطينيين وتهجيرهم والاستحواذ على أرضهم وديارهم وإحلال أفواج من الغزاة الغرباء محلّ أصحاب الأرض الأصليين، أساساً للمشروع الصهيوني التوسّعي. فعل الطرد والتهجير والاستحواذ على الأرض مستمر باستمرار المشروع الصهيوني ومطامعه التي لا تنتهي عند حدود فلسطين التاريخيّة.
(3)
إنّ الواقع الاقتصادي الاجتماعي للفلسطينيين، هو بالضبط اللا-واقع، حيث أنجزت المصادرة والاستيلاء على الجزء الأكبر من فلسطين التاريخيّة، وإحتواء جزء من الفلسطينيين في دولة الكيان الصهيوني المسخ، وتهجير وطرد جزء كبير منهم، والعمل على تذويبهم في مجتمعات اللجوء، والفصل الجيو-سوسيو-سياسي بين الضفة الغربيّة وغزّة والقدس، وتقسيم الضفة الغربيّة إلى معازل ديموغرافيّة غير متصلّة جغرافيّاً، وصولاً إلى الغاية الصهيونيّة الأساس وهي إلغاء وجود الفلسطينيين كشعب واحد على أرض.
هذا الواقع الفلسطيني المادي، الذي هو بالضبط اللا-واقع، أو النقيض التام للواقع، أو الاستلاب التام للواقع، ينعكس في عقول الفلسطينيين، على شكل أعلى أنواع الاغتراب، لدرجة يمكن القول عندها، فالفلسطينيين يعانون الاغتراب الحادّ لدرجة، أنّهم يعيشون حياة طبيعيّة جداً، في واقع غير طبيعي أبدأ.
هذا الاغتراب التام والمطلق، يتجلّى في الحقل السياسي مثلاً، في وهم الدولة الفلسطينيّة ومؤسساتها المزعومة، في النضال الزائف نحو الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعية، في مجموعة المشاريع والحملات التي تحمل عنواوين ضبابيّة مثل تعزيز مشاركة الشباب السياسيّة، وتمكين المرأة اقتصاديّاً، وما إلى ذلك من أوهام تسبح في فضاء ليس له أرض.
يمكن النظر أيضاً إلى التوجّه الفلسطيني نحو تدويل القضّة الفلسطينيّة، ونقل ساحة النضال من ميدان الواقع والفداء، إلى صالات المؤسسات الدوليّة، على أنّه تجلّي آخر من تجليّات الاغتراب الناتج عن استلاب أرض الميدان وتشتت الشعب.
كما أنّ الإنتاج النظري والفكري والأدبي والفنّي الفلسطيني، بمجمله، وبدون تعميم مطلق، يمثّل مرآةً لهذا الاغتراب وليس نقداً له.
نظريّات الديمقراطيّة والليبراليّة ودعوات الحوكمة الرشيدة والشفافيّة وحملات ضبط الفساد واديولوجيا البحث اللانهائي عن الذات والهويّة الضائعة والأدب السريالي أو السيكولوجي والفنّ التجريدي العالي الخالي من المضمون الواقعي ونزعات الموسيقى البديلة والدمج الثقافي في أشكال الفن، والثقافويّة الزائدة والمعارف المحلّقة في الهواء، جميعها ليست إلّا ظلالّاً على مرأة الاغتراب. وليست أبداً نقداً له.
(4)
الماديّة من حيث هي مذهب نظري وتمرين فلسفي، تمرّن وتريّض الذهن على دراسة الواقع الملموس، على اكتشاف الأساس المادي للواقع الذي نحيى فيه، على التخلّص من الأوهام والشعوذات والافتراضات والأماني، تبدو في السياق الفلسطيني، سلاحاً نظريّاً ضروريّاً لا مندوحة عنه.
فهي السلاح النظري الوحيد القادر على اكتشاف غياب الواقع المادي للفلسطينيين، وبالتالي اكتشاف القضيّة الفلسطينيّة في بعدها الأعمق، أي طبيعة التناقض الوجودي بين المشروع الصهيوني والشعب الفلسطيني، بلغة أخرى، التيّقن من أنّ أي وجود صهيوني يعني بالضرورة نفي لوجود فلسطيني.
والماديّة هي السلاح النظري الوحيد، الذي يلحّ على العقل للتحرر من اغترابه، ويدرّبه على قراءة الواقع الملموس، بقواه الاقتصاديّة السياسيّة الاجتماعيّة العسكريّة الفاعلة، الموجودة وجوداً حقيقيّاً، والتي في الحقيقة هي من يصنع الواقع ويصيغه ويوجهه.
وبذلك فالماديّة، هي سلاح أساسي، نحو تقديم رؤية ماديّة ملموسة حقيقيّة فعليّة للقضيّة الفلسطينيّة، كمقدمّة ضروريّة للتحرير.
إن كانت الماديّة سلاحاً نظريّاً أساسيّاً لأي عملية تثوير أو تحويل للواقع، فهي للفلسطينيين الأداة النظريّة الأولى، في مواجهة الشكل الأعلى من أشكال الاغتراب الذهني، والمقدمّة الأساس، لوضع العقل في مواجهة مأساة الواقع كما هي، والمتمثّلة في غياب هذا الواقع أصلاً.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.