اختلال أداء النظام الأميركي: مسعى ترامب لتغطيتها من فنزويلا

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

        سيسيل حبر وفير لسبر أغوار التخبط السياسي الأميركي، بتجلياته الداخلية التي اتخذت طابع “الكيدية” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومسارعة الإدارة لتسليط الضوء على أزمة مفتعلة مع فنزويلا علّ التسبب بحرب أهلية دموية يتسيّد جدول الأعمال ويفرض واقعاً جديداً يراد منه تعزيز التحشيد الداخلي خلف السياسة الكونية الأميركية.

        في سياق تلك السياسة “الكيدية” نجد لزاماً المرور على أبرز محطات المخططات الأميركية الخاصة بفنزويلا لارتباطها الوثيق في صلب سياسة الهيمنة الأميركية، عززها صعود بارز للتيارات اليمينية في عدد من دول أميركا اللاتينية، أبرزها البرازيل.

بداية، تعود المخططات الأميركية “لغزو” فنزويلا لعام 1998، على الأقل، بعد فوز الرئيس الراحل هوغو شافيز، وتتالت فيما بعد. اما الاعداد لمحاولة الانقلاب الراهنة فتؤكده يومية وول ستريت جورنال بأنه جرى على قدم وساق منذ شهرين، ترأسه نائب الرئيس مايك بينس.

وتوضح الصحيفة أن عناصر الخطة الانقلابية كانت بنات أفكار عضو مجلس الشيوخ ذو أصول كوبية، ماركو روبيو، الذي دأب على مطالبة الإدارة الأميركية بالاطاحة بالرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو؛ أحدثها كان في خطابه أمام المجلس، 15 يناير الجاري، بدعوة البيت الأبيض “.. تعيين خوان غوايدو رئيساً للبلاد مما سيضع تحت تصرفه ملايين الدولارات من الأرصدة الفنزويلية المجمدة في الولايات المتحدة” وتمويل حملته في تسلم السلطة “لشراء الاسلحة وانشاء جيش من المرتزقة” وفرق الموت وأدخال البلاد في أتون حرب أهلية.

        حجم الأرصدة الفنزويلية المجمدة في المصارف الأميركية والبريطانية يفوق ادعاءات “السيناتور روبيو،” ويصل لعدة مليارات من الدولارات، وهي ثمرة لإجراءات العقوبات والحرب الإقتصادية الأميركية على فنزويلا. وبرز في الواجهة مصرف “باركليز” البريطاني الذي “رفض” طلب فنزويلا تسليمها أرصدتها من سبائك الذهب المودعة قيمتها نحو 1.2 مليار دولار.

الهدف المركزي الأميركي، لم يعد محط تكهنات للاطاحة بالنظم التي لا تمتثل لسياسات واشنطن، بل لإعادة السيطرة على “أكبر مخزون نفطي في العالم يقدر بما يفوق 300 مليار برميل” في فنزويلا، وهي “الجزرة” التي علقت في ذهن الرئيس ترامب، كما يتردد.

في الساعات الباكرة من يوم 22 يناير الجاري، استدعى البيت الأبيض ثلاثة أعضاء متشددين من الكونغرس: ماركو روبيو، ريك سكوت، ماريو دياز- بالارت، للقاء عاجل مع الرئيس دونالد ترامب ونائبه مايك بينس؛ ومسؤولين آخرين أبرزهم وزراء الخارجية والتجارة والخزانة. تم تكليف نائب الرئيس بينس باجراء مكالمة هاتفية مع “زعيم المعارضة خوان غوايدو،” ورد فيها، وفق التسريبات الصحفية، ان الأول أبلغه “.. إن اعتمدت الجمعية الوطنية المادة 233 (من الدستور) في اليوم التالي، فإن الرئيس (ترامب) سيعلن دعمه له” وتنصيبه رئيساً للبلاد.

في الخلفية أيضاً كانت مراهنة أميركية على تهيئة الأجواء لانتشقاقات في صفوف القوات العسكرية والأمنية، بيد أن وعي القيادات السياسية والعسكرية أجهض تلك المهمة قبل أن تبدأ؛ وبالتالي ما كان سيترتب عليها لاقى النتيجة عينها.

خلل إداري أم كوميديا سوداء

        تبادل الرئيس ترامب ومنافسته اللدود، رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، اتهامات وصلت ذروتها باتخاذ اجراءات عقابية متبادلة: الرئيس ترامب “افشى” وألغى زيارة غير معلنة كانت في صدد القيام بها لمقر حلف الناتو في بروكسيل وافغانستان؛ وبالمقابل أبلغته بعدم ترحيبها لدعوة الكونغرس للانعقاد في جلسة مشتركة يلقي أمامها خطابه السنوي. وفي الخلفية، تنابذ الرؤى والأولويات حول انهاء الإغلاق الحكومي.

        توصل “العقلاء” لحل “مؤقت” ينهي ظاهرة الإغلاق بعد تنامي الغضب الشعبي العارم واصبحت تهدد مصير ومصداقية أركان المؤسسة الحاكمة، لا سيما قيادات الحزب الجمهوري، وانتفاء “المردود” السياسي المرسوم لتحميل الخصم الجزء الأكبر من المسؤولية.

الحل “المر” والمؤقت أنعش تكهنات الفريقين لنفوذ السيدة بيلوسي، كموقعها في المرتبة الثالثة في الهرم القيادي الأميركي، وتسجيلها “هدف نظيف” على خصم ينتشي بتحقير الآخر وامتهان المرأة، وغاب تبجحه بتمويل الجدار الفاصل.

        تمترس الرئيس ترامب وراء إصراره على الاستمرار في الإغلاق وتجميد عمل مرافق الدولة، كان بتحريض ودعم رئيس مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بغية تسجيل “حرج” سياسي لخصومه في الحزب الديموقراطي، كما يتردد. وعند وصول الطرفين لنقطة اللاعودة شهدنا “تباين” لهجة الرئيس ترامب باغفاله الحديث عن اتفاق لا يتضمن تمويل مشوع بناء الجدار – الذي سيعود بفوائد مالية عالية على أركان المؤسسة عبر الشركات المتعاقدة وتدوير العوائد عبر تمويل حملات الحزب الجمهوري بالدرجة الاولى.

        تغاضى الساسة الأميركيون عن حقيقة مشاعر الازدراء المتنامية داخل المجمتع الأميركي، إذ جاءت أحدث استطلاعات للرأي بنتائج قاسية كان الأولى أخذها بعين الاعتبار: 75% من المستطلعة آراءهم لا يثقون بالدولة وسياسييها ويؤيدون بشدة مقولة الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغان، بأن الهيكل الحكومي “هو المشكلة بعينها؛” بينما أعرب 53% منهم عن اعتقاده بأن الدولة ومؤسساتها “لا تحظى بدعم وتأييد الشعب،” وفق استطلاع أجري في شهر آب/أغسطس 2018.

        حقيقة الأمر أنه لولا مظلة دعم ماكونيل المتشددة لرأينا موقفا محتلفا للرئيس ترامب، يعزز ذاك القول ما تعرض له ماكونيل من كلامٍ قاسٍ من أبرز أركان قيادات الحزب، كيفين مكارثي، بأنه “يتحمل الخطأ بمفرده،” لتدحرج كرة الثلج نحو الحزب الجمهوري. ومضت تلك الدائرة الضيقة من قادة الحزب بالقول أن ماكونيل مارس “مهنته في الابتزاز السياسي” لخصومه وانقلبت النتيجة وبالاً على الجميع.

        استطراداً على حقيقة ما جرى “خلف الكواليس” نقلت يومية واشنطن بوست، 24 يناير الجاري، اجماع المعنيين بالمشاورات بأن الرئيس ترامب “استسلم بسرعة بعد إفشال (نانسي) بيلوسي جهوده للمضي بالقاء الخطاب السنوي، على الرغم من ايحائها المسبق له بارجائه.” واضافت “في الحقيقة أن (الرئيس ترامب) يَجْبُنْ ويتراجع امام منازلة حقيقية .. أنه يختبيء داخل البيت الأبيض وينشر تغريداته، عوضاً عن التعامل مع تلك المرأة  التي أفقدته رباطة جأشه برفضها دور التبعية.”

        في حمأة ذاك السجال تقدمت مؤسسة صحفية الكترونية، باز فيد، بتقرير كاد أن يسهم في تقرير مصير الرئيس ترامب قضائياً بقولها أن “.. لدى فريق المحقق الخاص روبرت موللر دليل على إيعاز الرئيس (لمحاميه الخاص) مايكل كوهين بالكذب أمام الكونغرس.” وسرعان ما استدرك فريق المحقق الخاص ما ينطوي على ذلك من مخاطر في بنية المؤسسة ومصداقيتها نافياً ما ورد في التقرير.

في غضون بضعة ايام، أنهت الصحيفة المذكورة عقود عمل موظفيها ومراسليها بالجملة، بالإضافة إلى إغلاق مؤسسات إعلامية أخرى ابوابها.

        واصلت المؤسسة الحاكمة منسوب سرديتها عن “التدخل الروسي وتواطؤ” محتمل للرئيس وحملته الانتخابية، واعتقلت الأجهزة الأمنية أحد أبرز مؤيدي الرئيس ترامب ومستشاره السياسي السابق، روجر ستون، بناء على “لائحة اتهام مقدمة من فريق المحقق الخاص روبرت موللر،” لإعاقته سير العدالة من بين أمور أخرى. وتم إطلاق سراحه بكفالة بعد بضع ساعات من اعتقاله.

        في المحصلة، لم تسفر اي من الاعتقالات والاتهامات الموجهة لمقربين من الرئيس ترامب وحملته الانتخابية عن تقديم دلائل مقنعة أو محتملة تعزز التهمة الأصلية: تورط الرئيس مع روسيا خلال الحملة الانتخابية. أما ما يخص روجر ستون ينطوي على “تضخيم” مزاعم باتصالاته السابقة مع مؤسس “ويكي ليكس،” جوليان اسانج، وفي الخلفية ما نسب للمستشار الاستراتيجي السابق لترامب، ستيف بانون، من دور بارز في تجيير مضمون المراسلات الالكترونية للمرشحة الرئاسية السابقة، هيلاري كلينتون، في خدمة حملة ترامب الرئاسية.

        في هذا الصدد، ما هو ثابت للحظة أن مزاعم المؤسسة بضلوع ستون مع “ويكي ليكس” لم تسفر عن دلائل حسية بذلك، بل ما تبين أن المتهم ستون كان على صلة بالممثل الكوميدي في نيويورك، راندي كريديكو، وكاتب صحفي من التيار اليميني، جيروم كورسي. وما عدا ذلك  مجرد تكهنات. وأبعد من ذلك، تتراجع دائرة تسليط الأضواء على دور مزعوم لروسيا بصورة ملحوظة.

        أحدث تعليق لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، عقب توجيه لائحة الاتهام لروجر ستون، جاء مخيباً للآمال المعقودة على محاصرة سياسات الرئيس ترامب، إذ قالت “.. لائحة الاتهام تثبت أنه كان هناك محاولة منسقة وهادفة من قبل مسؤولين كباراً في حملة (المرشح) ترامب للتأثير على نتائج انتخابات عام 2016 ومصادرة إرادة الشعب الأميركي ..”

        بدلاً من التصدي للسياسات المدمرة للمؤسسة الحاكمة وترميم بعض تداعياتها الضارة برفاهية الشعب الأميركي رمت بيلوسي بكل ثقلها إلى جانب محاولات صرف الأنظار عن القضايا والتحديات الحقيقية، مما يعزز ما ذهبنا إليه بانفصام المؤسسة الحاكمة وعمق أزماتها الداخلية التي تحرص على حلها بتصدير تداعياتها خارج الحدود.

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.