ماذا وراء الصراخ المالي- رام الله، عادل سمارة

يبدو أن وراء الصراخ عن تراجع التمويل المسموم لسلطة أوسلو أمور ابعد من قطع التمويل من هنا وهناك. ووصل الصراخ إلى تعهدات البعض بإنفاق آخر فلس على الناس!!! وكأن فردا ما يدفع للناس من جيبه!

 

ممولو السلطة يعرفون عن الفساد أكثر مما نعرف نحن، ومع ذلك لم يقطعوا التمويل. وقد كتبوا ونشروا وتحدثوا عن ذلك كثيراً. وحين كتبنا بيان العشرين المخصص ضد الفساد جرى اعتقالنا وضربنا وإطلاق الرصاص على بعضنا. بينما بقي التمويل.

 

ولكن، على فرض انقطع التمويل، فما هي الحكمة من إقامة سلطة سوف تعتمد تمويلا على أعداء الشعب؟ هل كان السبب في الدفع غير تثبيت اتفاقات أوسلو؟ أي:”ريع مالي لتنفيذ اتفاق سياسي”. وتحديداً لأن ذلك الاتفاق هو تحت ماكينة التنفس الاصطناعي الذي هو التمويل الريعي. وقد حصل. ولذا، فإن كل من يقول بأن أوسلو انتهى، إنما يخدع الناس. أوسلو رسخ وترسخ، وها هو ينتقل إلى طوره العربي الرسمي.

 

وهذا الطور هو جزء من صفقة القرن أو لنقل من مخطط تصفية القضية الفلسطينية لأن التصفية هي القاعدة والصفقة إحدى صفحاتها التي حتى لو شُطبت لن تتغير الخطة والمؤامرة.

 

دعك من سؤال ما الحكمة، لأن أوسلو ثابتة، وأصبح لها جمهورها بالضرورة والقطع وليس شرطا بالانتماء والقناعة. إنها تعييش ما لا يقل عن ثلث المجتمع. لأوسلو “شعبها بطبقاته وأجهزته” وللبقية من الناس تراتبهم الطبقي والمهم أن تدفع الناس، ليس كل الناس، الضرائب.

 

وهنا يكون السؤال: من يدري ما هو مقدار المال المجني بالضرائب؟ فالضرائب حديث التبرم والتشكي في الشارع ومن الجميع.

 

صحيح أننا لا يمكننا الحكم بلا حسابات وقيود على مقدار الضريبة وهل تكفي السلطة وحدها أم لا. ربما تكفي وتزيد. ولكن يبقى السؤال: من يدري! ولماذا لا أحد يدري سوى الراسخين في حفظ الأسرار؟

 

ومن يدري كيف يتم التهرب الضريبي والإعفاء والتطنيش…الخ. أي من يدري في أية خزانة يتم اعتقال الشفافية؟

 

قد يتنبه اقتصادي حاذق ويقول: يا أخي طيب قسم كبير من الضرائب المدفوعة هي عن مداخيل اصلها من التمويل الذي لا يعجبك.

 

وهذا صحيح، ولكن دعونا نضع المعادلة في قالبها الصحيح: طالما هذا الاتفاق باقٍ والسلطة باقية، فلتكن هناك شفافية في معرفة المصادر وشفافية في جمع الضرائب وشفافية في الإنفاق وشفافية في ضبط الوظائف وشفافية في حجوم الرواتب وشفافية في قياس الراتب على الأداء في العمل.

 

دعونا في حالة واحدة ان نتشبه بالعدو، وليس بالخليج، مثلا، لدى العدو شفافية ومطاردة للفساد وحتى محاكمة بعض الفاسدين. بينما هنا نخضع لما اسميته في كنعان العدد  105 لعام 2001 “الاقتصاد السياسي للفساد”.

 

بتحديد أكثر، لنقل بأن هذه السلطة تعيش ألى حد كبير على الريع الأجنبي وليس المحلي، فليتم توزيع الريع بحد مقبول من التفرقة السياسية والطبقية وليس بحد قاتل لا سيما أن الدفع الريعي مقصود به تخدير الشعب أي ان هدف التمويل هو إسكات الناس.

وهذا ما طرحه البنك الدولي منذ عام 1993 حيث ورد في أحد تقاريره “يجب ان يلمس الشارع فوائد المساعدات” (عادل سمارة: البنك الدولي والحكم الذاتي:المادحون والمانحون1997 ص 53).[i]

بهذا المعنى تصبح الدورة المالية هنا: تمويل اجنبي، توزيع معقول، ضرائب دقيقة على الريع والإنتاج والخدمات. وهذا يعني ان الريع المدفوع هو ليس لعيون القيادة بل لإعماء عيون الناس، فليتم إعطائهم بعض ما دُفع لإلهائهم!

حينما أقرأ خبرا يشكر رئيس السلطة على توظيف او توزير شخص. عجيب، فهل قام رئيس السلطة بتوظيف هذا او ذاك في شركته الخاصة؟ تخيلوا ماذا يقول إنجليزي مثلا لو قرأ ترجمة للخبر!

العدو الصهيوني ، وهو بيننا وليس جارنا كما يزعم البعض بقصد، يعيش ايضا بدرجة عالية على الريع، لكنه يضبط ذلك إلى حد كبير. وإن تم اكتشاف فساد تكون المحاكمة. ألم تسقط رئاسة رابين للحكومة 1975 حين اكتشف حسابا بالدولار لزوجته، وها هو نتنياهو يركض يمينا ويسارا  ويكاد يفجر حربا ليحمي نفسه من محكمة الفساد.

هل نقول هنيئا لفاسدينا؟ نعم ونعم.

طالما نعيش على الاستجداء، فليكن استجداء تشاركياً. اشتراكية رثة، قوامها من اخترع لها ماركوزة، أناس رثين!

قد يكون من اسباب قلة الدفع الريعي، إن حصل حقا، أن صانعي أوسلو (الولايات المتحدة والكيان) أصبحوا ، بعد توسع الشبق الرسمي العربي للكيان، يعتبرون التطبيع والاعتراف الرسمي الفلسطيني فائضا عن الحاجة ووصل نهاية عمره الافتراضي طالما أن اوسلو جرى تعريبه رسميا، ولا احتجاجات شعبية ضده لا في الوطن العربي ولا في الأرض المحتلة.

قد يقول البعض، بأن الوقت مبكر على قيام صانعي أوسلو بطلاق بينونة كبرى مع متلقي الريع في السلطة الفلسطينية. وهذا منطقي، ولكن لا بد من اخذ “أسلوة” الأنطمة العربية بالاعتبار.

تبقى الخطوة التنفيذية الأولى تجاه تراجع الريع كما أعتقد إن حصل، والتي لا بد أن تنسجم مع شروط صانعي أوسلو وهي قطع مخصصات الأسرى المحررين والأسرى القابعين. فصانعو أوسلو لا يمكنهم دفع ما يتم تحويله لأعدائهم، اي للمقاومين، كما أن الحكام العرب هم ايضا اعداء بعزيمة جديدة ضد المقاومة. لذا تم شطب وزارة شؤون الأسرى وتصغيرها إلى دائرة.

المفارقة اللافتة هنا هي على النحو التالي:

هناك قرار سلطوي بقطع مخصصات اي اسير محرر إذا كان لديه اي دخل آخر!

وهذا يشترط السؤال: لماذا؟

فالمتقاعدون في مختلف دول العالم أحرار في ممارسة أي عمل ربحي، لدى البعض منهم اعمال تدر دخلا أكثر مما تحصلوا عليه اثناء وجودهم على رأس عملهم وأعلى من تقاعدهم الذي لا يُقطع!وإذا كانت الفرضية أن الأسير المحرر مثابة “جندي في الخدمة!” فكثير من الجنود في العالم لديهم أعمالها وهم في الخدمة.

بل إن منع الأسير من امتلاك عمل هو إصرار على إبقائه تابع ومقيد بيد السلطة وهذا يعيقه عن أي نشاط سياسي. إنه تحويل المقاوِم إلى خامل. وربما يفسر هذا عدم احتجاج المحررين على هذا الإجحاف.

هذا دون ان نخوض في كون كثير من المحررين لهم معاملة خاصة ومداخيل مغطاة عن الناس وليس عن السلطة.

وعلى اية حال، فإن ما ومن يجب تقليصه هو عدد الأجهزة وموظفي الأجهزة، وآلة القمع وفئة طريفة تسمى “المناديب” فئة على شكل شبكة من الباب إلى المحراب.

وأخيراً، للمقارنة، فقط لنرى كيف يعامل حزب الله الأسرى المحررين وأسرهم وذويهم! والأمر ليس ثراء حزب الله وفقر م.ت.ف، بل العكس.

 

ملاحظة: قال لي أحدهم: وجدت مندوبا يدير محلاً صغيراً استأجره شخص آخر مني، فقلت له اين فلان، فقال ليس هنا، انا استأجرت المحل منه. قلت، لا يحق له التأجير فأنت مقتحِم. فقال: أنا مغطى من فلان، وإن سُجنت يُخرجني فوراً؟ 

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

[i]  بوسع القارئ أن يطالع النص الكامل لكتاب: “البنك الدولي والمانحون: دراسة في أعادة تثقيف الفلسطينيين”، لمؤلفه عادل سمارة، على الرابط التالي:

 

https://kanaanonline.org/2018/01/07/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86

/