حوار حول مقال:”ماذا تنتظر جماهيرنا من الجبهة الشعبيّة؟”: الجبهة الشعبية: عودة الدور … ولكن…: ملاحظات في تشخيص وإنهاض الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، د. عادل سمارة

طلب مني الرفيق خالد إبراهيم الراهب إن أعطي رأيي في فكرة مقالة له عن الجبهة الشعبية بعنوان (عشيّة الذكرى الـ11 لرحيل جورج حبش: ماذا تنتظر جماهيرنا من الجبهة الشعبيّة؟ ).

وفي الحقيقة ترددت في الكتابة لاعتبارات كثيرة وخاصة لأن ما اكتبه قد يثير حساسيات، مع انه يثير فيَّ شجونا يتقاطع مع واجب.

نظراً لحضور الواجب كتبت، لكنني فيما يخص  النشر ترددت مع ان الرفيق خالد اقترح علي نشرها.

وحين قرأت الردود بأنواعها على مقالتي النقدية لنقاط في خطاب السيد حسن نصر الله الأخير قررت النشر اعتقادا مني أن النقد المشتبك حتى مع الحلفاء هو فهقة وعي وتوعية للرفيقات/اق وحتى لمن لهم معبودين ومعابد. فلا مقدس سوى الحقيقة ونقدها.

■ ■ ■

 

تحياتي،

 

الكتابة في هذا الموضوع ذات شجون، والاختصار ليس سوى اختزالاً، والمجاملة ليست سوى طريقا للخصاء. ومع ذلك، سأحاول مقاربة سؤالك ما أمكن متلافياً ما يكرهه كثيرون، ومحاولاً عدم وأد النقد بيدي أنا نفسي.

سؤالك شديد الأهمية لأنه يرفع الدارج من الهمس والمجاملة والنميمة إلى التحليل والنقد. ومع ذلك سوف أضنُّ، وهذه خيانة، على القارىء الثوري بأن أُحيدُ ولا أُحايد عن ذكر بعض الأسماء، رغم الضرورة والأهمية، ولا سيما التي نهبت تراث الجبهة الشعبية وتراث الحكيم وحداد وكنفاني وأكثر وحملته لتهديه إلى “السلام” . هكذا خِين القربان الذي خُلق للتحرير والعودة والوحدة العربية ليُقدَّم حياً إلى طاولة “دولة واحدة في كنف الغاصب”. لا بأس، طاولة عالية الزخرف، في قاعة باتساع مبنى الأمم المتحدة، ولكن القربان حي عصي على الإلتهام. ذلك لأن التنظيم الثوري لا يكتفي بالوجود بل يُصر على الحضور/الاشتباك. ليس كما قالها ديكارت: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، ابداً فقد يكون الوجود مثابة حضور مادي أصم كتيماً ساكنا، بينما الحضور فعل اشتباك مهما تفاوت حجم المعسكر ودرجة الاصطفاف الطبقي والقومي والعالمي. فقيمة الوجود ان يكون حضوراً.

 

 

ملاحظات في تشخيص وإنهاض الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

 

الحديث في العمل التنظيمي في شرط الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي كأداة للثورة المضادة في فلسطين والوطن العربي ليس مجرد حديث سياسي، وربما يخرج عن نطاق كونه مجرد رأي، وبالضرورة ليس متعة ليُعرض بخفة يد كرياضة ذهنية. ذلك لأن اي عمل تنظيمي حقيقي، أي مقاوٍم يجب ان يكون سِرِّياً. لا بل هو سريٌ حتى في الشرط التابع لأنظمة عربية شكلية الاستقلال حقيقية التبعية حد العمالة. وهذا يكشف بؤس القوى والمثقفين/ات الذين يعظون اليوم بالحل برِقية الديمقراطية! فيلتحقون بالأنظمة القطرية ويُقزِّمون دورهم طبقا لما تسمى قوانين هذه الدولة ليتمتعوا ب “الشرعية” وبالنتيجة لا يعودوا حزبيين ولا أحزاباً.وبالطبع، انتج هؤلاء مؤخرا بدعة تسمية بعض الدول القطرية ب “الدولة الوطنية”.

إن سؤال العمل السري شاق جداً حيث يبدو في مناخات العلنية المطلقة وحلول الإعلام محل الأحزاب، ومدير المحطة بديلا للأمين العام، والفتاوى مكان النظرية الثورية، والأكاديمي في مكان لينين والتحليل المأجور والطائفة محل الطبقة ومحل الأمة ليس سوى إعادة امر ما إلى ناصية التاريخ بعد أن تجاوزه التاريخ.

 لكن سحر العمل السري وحده فقط الذي يعطيه معنى ويجعل منه ضرورة لأن التثمير هناك، وهناك فقط. وإذا كان الخلاف بين العلنية والسرية قد شغل الثوريين في بدايات القرن العشرين، فإنه يحتفظ بوجوبه حتى اليوم. فصحيح أن الحزب اللينيني كان يغرس في عناصره تميز الوصول إلى المعلومة والنظرية بشكل منفرد او متقدم على الناس، وبأن هذا التميز “الاحتكار ربما” اصبح من ظواهر الماضي بعد إغداق المرحلة بالمعلومة على كل من أراد، إلا أن المعلومة بحد ذاتها لا يشكل توفرها قوة تغيير ثوري بدون الحزب الثوري. وحين يكون الشرط السياسي القائم قمعي أو استيطاني، يبقى للعمل السري سحره وفاعليته.

 

يعني هذا أن تكون للمنظمة السياسية الجذرية آليات عمل أعمق وأدق من آليات الإعلام الدارج استخدامها اليوم حيث يُقدم المناضلون الجدد معلومات مجانية عن أنفسهم لمختلف أجهزة المخابرات وأقلها[1] الرباعية في الأرض المحتلة اي الفلسطينية والصهيونية والأمريكية والأردنية.

دعني ابدا بالأبسط، كانت من السياسات الذكية لسلطة الليكود التي بدأت عام 1977 أن خففت القيود على الصحافة من باب ، التوقف عن  منع نشر إعلانات الوفاة والاستشهاد للفدائيين وهذا ما اتسع طبعا كما نرى اليوم سواء في التعازي او الرثاء أو التهاني…الخ. ومن حينها لاحظت أن هذا تعويد للمناضلين على درجة من العلنية الطوعية. لذا، بوسع اي جهاز مخابرات متوسط الذكاء، أن يعرف انصار ومتعاطفو، وربما أعضاء تنظيم مقاوِم من التهاني والتعازي حيث ينحصر تقريباً مهنؤو أو معزي شخص معين في رفاقه أو كما يفعل الطائفيون/ات تجاه ابناء طائفتهم ويفعل عملاء طائفة يعملون لطائفة أو قومية أخرى جندتهم وممولتهم.

ذكرت الأبسط لأذكر الأكثر تعقيدا، وهو أمنية ومناعة التنظيم المقاوِم والتي ترتكز على جملة عوامل أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، وبالطبع الأهمية:

  • التصليب الفكري والانتمائي أو درجة الوعي.
  • ودرجة الدقة والسريةَّ.

ولعل كلا الأمرين هما خط الدفاع الحقيقي في مواجهة العدو، وأجهزة المخابرات المتعاونة معه، وما أكثرها.

لا يمكن للتنظيم بناء كوادره فكريا ومن ثم تعميق انتمائهم إلا إذا كانت له إيديولوجيا واضحة وثابتة ومتطورة في سياق خطها. والإيديولوجيا هنا بمعنى النظرية الثورية أي الماركسية-اللينينية في حالة الجبهة الشعبية، وإن أكنت اميل ايضا إلى تضمين الماوية.

لا تقتصر هذه الإيديولوجيا على المستوى الفكري النظري اي الفلسفة الماركسية وعمادها الديالكتيك وتطبيقها في المادية التاريخية بالمعنى الأوسع والاقتصاد السياسي بالمعنى العملي وحتى اليومي، بل هي تعني:

  • موقف فكري نظري
  • موقف كفاحي مقاوِم اي في حالة فلسطين العمل المسلح والعمل السياسي.
  • موقف اجتماعي طبقي.
  • تمظهر هذه في الموقف السياسي

لقد مرت الجبهة الشعبية في مسيرتها منذ تفكك، وربما تفكيك، حركة القوميين العرب بعدة منعطفات لا يسع المرء تجاهل الحوار فيها، وإن كان ما يمكن ذكره هنا مجرد بعض عناوينها:

  • التحول بعد هزيمة 1967 من جزء من حركة القوميين العرب كحركة عروبية إلى تنظيم فلسطيني. حينها كنت في المعتقل لدى العدو، ولا أدري ، حتى الآن، ما هي دوافع تفكيك الحركة بعد الهزيمة لأنني كنت وحتى اليوم أعتقد ان وجود تنظيم عروبي له فرع في كل قطر بما في ذلك فلسطين هو المدخل الطبيعي لمواجهة الثورة المضادة التي تستهدف الوطن العربي بأسره منذ القرن السابع عشر أي دخول الغرب مرحلة الراسمالية التجارية وهو استهداف لا نقول لم يتوقف بل يستشرس.
  • تأخُّر الجبهة الشعبية ما بين 1967-69 في تبني الماركسية-اللينينية مما خلق فجوة عبئتها مجموعة من كوادر الحركة/الجبهة عبر انشقاق منظمة عنها هي الجبهة الديمقراطية ، الأمر الذي أفقد الجبهة الشعبية العديد من الكوادر الماركسية، وكنت انا من بينهم داخل السجون، لأجد لاحقاً بعد فترة قصيرة ان لا مكان طبيعي لي في الجبهة الديمقراطية ولكن بعد تجربة افهمتني جيدا أن الحركة الوطنية الفلسطينية بدون عمق عروبي حقيقي هي ذاهبة إلى التسوية، وهذا ما اكدته في كراس صغير وبطباعة رديئة (أزمة الثورة العربية وانحطاط كامب دبفبد) كتبته في السجن وطبعته بعد خروجي عام 1979. وهو الفهم الذي قررت بموجبه أن أبقى خارج الأطر التنظيمية المباشرة مع الحفاظ على موقف أقرب إلى الجبهة الشعبية كما بدأت وكما كنت من مجموعتها القيادية حين اعتقالي 13-12-1967.  هذا مع بقاء اقتناعي بان الحزب هو المكان الطبيعي لكل مناضل/مثقف/مشتبك، لكن إذا بقي الحزب ثوريا.

لقد تبنت الجبهة الشعبية لاحقاً الماركسية-اللينينية ولكن بعد أن وفرت مناخا لانشقاقات وأصيبت بتلكم الضربات التي كان تسديدها الحقيقي عبر دعم اليمين للانشقاقات الأمر الذي أكد ان حركة المقاومة هذه لن تتحول الى جبهة وطنية كما في الجزائر مثلا، وبالتالي فإن هذا كان من عوامل تورطها في استدخال الهزيمة عمليا ومشروعاتيا  أي أوسلو.

  • بين الانحصار القُطري كتنظيم فلسطيني وتبني الماركسية كتنظيم اممي جرى فقدان البعد القومي بنيويا وثقافيا في الجبهة الشعبية وهو الخلل الذي عانت منه طويلاً وكان ذلك تحت تاثير العلاقة بالاتحاد السوفييتي والكثير من مخاليط التنظيرات التي تقف ضد القومية مسبقاً سواءً:
    • بتأثير التوجه السوفييتي الذي لم يغير زعم: “إن الأمة العربية في طور التكوين”! وهو تحليل مثير للهزء الحقيقي بمعنى حتى لو كانت كذلك، فلماذا لا يتم تطوير المشترك القومي؟ وبالطبع كان الرد دائماً، بان الاشتراكية أمميا على الأبواب فلا داع للمرور بالمرحلة القومية. هذا التحليل الذي غاب عنه ان الأمة العربية أمة قيد الاستهداف الدائم من قبل الغرب الراسمالي ولاحقا من قبل قوى إقليمية..
    • أو بتاثير تيارات التروتسكية التي تقف بالمطلق ضد القومية وخاصة القومية العربية، وفي اعتقادي الخاص لأنها، اي التروتسكية،مضمخة بتعاطف صهيوني والذي بموجبه ترى في العروبة العدو الحقيقي للكيان الصهيوني الإشكنازي. وإذا كان الوجود الأقوى للجبهة الشعبية هو في الأرض المحتلة، كان من الخطورة بمكان أن عطباً اصاب كثرة من قيادييها عبر هيمنة التروتسك عليهم بتاثير “ماتسبين – جناح القدس التروتسكي” التي انحلت، وتأثير عزمي بشارة الذي أخذ حركة أبناء البلد للمشاركة في انتخابات الكنيست بعد أن نال فتوى من قياديين في الجبهة الشعبية، ومعروف أن ابناء البلد يستمعون للجبهة.
    • إن الموقف الكوزمولبولتيكي السوفييتي تجاه القومية والذي أثر على الجبهة هو عالي الشبه مع موقف قوى الدين السياسي من القومية العربية. وهو الموقف الغربي الرأسمالي من هذه القوى خاصة وأن مختلف قوى الدين السياسي الإسلامية غير العربية وقوى الدين السياسي اليهو-سيحية/الإيفانجيلية والصهيونية والهندوسية هي قومية!!!

هل تم رتق هذا الخلل في الجبهة ؟ لست متأكداً، لا سيما وأن التعاطي مع المسألة القومية بدأ يعود إلى بعض كوادر  الجبهة، كما أعتقد، بعد هزيمة اوسلو مما يعني أن المناخ الجديد بما هو استدخال للهزيمة لن يكون ولا يستطيع أن يكون رافعة لعودة للعروبة. أقول بعض، لأن بعضا آخر يدحش العروبة احيانا بشكل استدراكي شكلاني حيث تطارده تثقيفات اليسار الغربي وخاصة التروتسك بل ويصل بعضهم إلى الدعاية للدولة الواحدة مبتهجا كصبي وجد لعبة حلم بها ذات يوم إبَّان فقر أبيه في صباه. ليس هذا مكان مناقشة مسألة الدولة الواحدة، فكتاب الرفيق محمود فنون كافٍ، ولكنني ذكرتها هنا فقط لارتباطها التناقضي مع العروبة وتحديدا نفيها لعروبة فلسطين.

إنه الإلتباس في المسألة القومية هو السبب الذي دفع كوادرا من الجبهة الشعبية لتأييد الثورة المضادة في سوريا إلى أن بانت الأمور فتراجع هؤلاء بأن لاذوا بالصمت. لقد تورط هؤلاء في الخلط بين السلطة وبين الوطن.

 

أوسلو كارثة التحول

 

تختلف التقييمات لاتفاقات اوسلو سواء من حيث متى بدأ هذا الفايروس في الحركة الوطنية الفلسطينية ومتى استفحل ليتبلور في مشروع تنفيذي لاستدخال الهزيمة اي اتفاقات اوسلو، أو من حيث الموقف من هذه الاتفاقات.

يُجيز المرء لنفسه القول بأن هذه الاتفاقات هي مشروع مؤقت انتقالي  تمهيدي لتسهيل ضم المحتل 1967 في دولة لكل مستوطنيها. وبأن “سلام الشجعان” ليس سوى تغطية على الهزيمة لأنه سلام راسمال وخاصة الصهيوني لأن حصة الشريك الفلسطيني منه ليست سوى اقتصاد التساقط. وعليه، فإن اي تعاطٍ مع هذا المشروع هو تعاطٍ مع الهزيمة طبقاً للدرجة وصولاً إلى النوع.

هكذا كان رأيي منذ الاتفاق المذكور. وأذكر انني كتبت رسالة مطولة بهذا الخصوص إلى الحكيم حينها[2]وكان من بين ما ركزت عليه، أن لا تعود قيادة م.ت.ف إلى الأرض المحتلة بأية وسيلة كي تبقى المنظمة ممثلة لشرف النضال من أجل التحرير وليُترك أمر المفاوضات والتسويات للمحليين الذين لديهم الرغبة في التعاطي غير الثوري مع العدو ولا سيما لأن العدو لن يقدم سوى تسهيلات إدارية ومالية…الخ تتخلَّق وتتحلَّق على حوافها شريحة كمبرادر مالي سياسي سوف تقاتل لتسمين نفسها  ويبقى هؤلاء بالطبع مجرد متعاونين ومساومين للعدو لا يمثلون الشعب الفلسطيني وهدفه للتحرير. اي بمعنى آخر، ترفيع رؤساء البلديات درجة أخرى لا أكثر.

ولعل ما ساهم في وصولي والتمسك بهذا التقييم هو قيام سلطات العدو فورا بعد اشتعال انتفاضة 87 باستدعاء كثير من السياسيين والمثقفين  في الأرض المحتلة، وقد طُلبت عدة مرات حيث اثيرت امور من مستوى قريتي عبوراً إلى قلقهم من سوريا والعراق خاصة إلى النظام العالمي واستنتجت ان الحديث يدور حول معرفة من سيشارك في مفاوضات ما، وهذا ما حدث. خلالها سألني أحد رجال المخابرات : ماذا تعتقد أننا سنعطيكم؟ قلت له إذا كان من جانبكم لن يكون سوى الحكم الذاتي. قال بالضبط، أنا ليكودي، وأعتبر الضفة الغربية مقاطعة من دولة “إسرائيل”. ولن انسى أنه قال لي في مرة أخرى وبحضور اقتصاديين، كما زعم، يُحاضرون في الجامعة العبرية بأن ما يقلقهم هي العراق وسوريا.

لو كان للمرء أن يُجيب على سؤال:

إضافة للشعب الفلسطيني بأسره من هو الفصيل الفلسطيني الأكثر خسارة جرَّاء اتفاقات أوسلو، لقلت بلا تردد :الجبهة الشعبية.

وهذا يردنا إلى النقطة الثانية المذكورة اعلاه فيما يخص عوامل تصليب التنظيم وهي مسألة الدقة والسرية.

أذكر في بداية مجيء الأوسلوية إلى الأرض المحتلة سألني السيد وليد سالم وكان من كوادر الجبهة الشعبية حينها: كيف ترى وجوب عمل الجبهة الشعبية في الأرض المحتلة الآن؟ وكان رأيي ببساطة :

 

  • العلنية ليست سوى العمل بموجب قرار السلطة ، اية سلطة.
  • الأفضل للجبهة ان لا تدعو لإسقاط أوسلو لأنها لو كانت قادرة على ذلك لما حصل، كما ان عدم قدرتها لاحقا على إسقاطه سيبين للشعب بأنها رفعت شعارا عجزت عن تحقيقه.
  • أي كان الأصح ان تقف الجبهة ضد أوسلو وأن تدعو لاصطفاف ضد أوسلو وأن تقاطعه حقا وهذه مهام ممكنة وحين يكون إسقاطه ممكن لاحقاً، فهذه المهام لا بد ستكون من روافع الإسقاط. لكن للأسف فالكثير من كوادر الجبهة دخلت مؤسسات أوسلو باكرا لتذوب في تلك المؤسسات وبالتالي خلقت حالة مائعة توسطت بين تنظيم سري وبين موقف سياسي ناقد لأوسلو فضاع الكثير من الرفاق والأنصار في تحديد ما أو من هي الجبهة بعد كل هذا.
  • وأن تعمل الجبهة على الفصل المطلق بين التنظيم السري الذي يجب الحفاظ عليه مع ربطه بالخارج تماماً وبين تنظيم علني قد يسمي نفسه أنصار الشعبية كما هو حال “شين فين في إيرلنده”.

ورغم ان الجبهة رفضت المشاركة في الانتخابات الأولى لمجلس الحكم الذاتي (وهو ليس تشريعيا طبقا لنص أوسلو) إلا أنها عادت للمشاركة في الانتخابات  الثانية بعد أن أصبح موقفها ضبابيا من أوسلو. كما أنها لم تقدم تفسيراً: لماذا قررت المشاركة؟ لا سيما وان المشاركة تعني قبول أوسلو بغض النظر عن مواصلة الزعم بان الجبهة ضد أوسلو. فهذا موقف مائع وغير مقنع وهو ما تسبب في ضياع بوصلة كثير من الكوادر وذهاب آخرين إلى الحياد وفرز فئة من الكوادر متماهية مع اوسلو تماما.

لم يقتصر خلل أداء الجبهة على مجلس الحكم الذاتي، فهناك ضعف بادٍ للعيان فيما يخص الموقف الطبقي بمعنى أن أداء الجبهة على صعيد الطبقات الشعبية غير مرئي.هذا مع أن حزب أو منظمة يسارية على الأقل يجب ان تكون المدافع اليومي والحامل التاريخي لحقوق الطبقات الشعبية وأن تكون مؤثرة في الطبقة العاملة ومقنعة وجاذبة لها. وهذا لم ينعكس مثلا في ما حصلت عليه الجبهة من أصوات في انتخابات مجلس الحكم الذاتي ، طالما تورطت في المشاركة.

لو حاولنا التوضيح أكثر، فإن مشروع أوسلو وتقاطع الجبهة معه إلى حد كبير أفقدها كلاً من:

  • موقفها السياسي بمعنى أنها اصبحت ما بين التحرير والاستدوال
  • وأفقدها موقفها الفكري النظري حيث تراجعت لتسمي نفسها “تنظيم ديمقراطي” !! عجباً، فالديمقراطية ليست عقيدة نظرية فكرية، هي مسألة إدارية تنظيم مقبول للعلاقة بين الحاكم والرعية، وهذا لم يتحقق منذ اليونان القديمة وبين الرجل وزوجه وهذا اقل حظاً؟ إن اساس الديمقرطية هو في الحرية والتي غيابها النموذجي في وجود استعمار استيطاني اقتلاعي. الديمقراطية هي بقاء القيادة بيد القائد اي السلطة ولذا، علينا التفريق بين “حرية التفكير”، اي الديمقراطية التي تعطي الرعية درجة من الحرية وتمنع عنها درجات، وبين “التفكير الحر”. وحيث غاب الخطاب الماركسي-اللينيني –الماوي عن ادبيات الجبهة، فإنها لم تعد مفهومة للكثيرين.
  • وهذا أفقد الجبهة دورها الطبقي حيث لم تعد تعمل على تمثيل الطبقات الشعبية، فالديمقرطية هي محاولة تصالح فاشلة بين الطبقات لأن مضمونها البرجوازي يقصد أن تكون فاشلة وهذا من مغذيات بقائه؟
  • وهذا أفقد الجبهة الشعبية موقفها التاريخي والرئيسي أي عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني تحت كافة الظروف، وإلا ما معنى تحالف قوى ديمقراطية إحداها تعتبر الاعتراف بالكيان الصهيوني براءة اختراع[3]! أي يمكن التحالف مع هكذا طرف من  انصار و/أو متقاعدي الجبهة وبدون استخدام اسمها  وطبعا على مهام اجتماعية يومية نقابية …الخ.
  • وهذا شوه موقف الجبهة الشعبية  الجذري من الكفاح المسلح لا سيما نظراً لضعف الأداء في هذا المستوى رغم مركزيته مع الأخذ بالاعتبار  صعوبة ومجافاة المرحلة.

قد تكون محصلة هذه الاختلالات والاختلاطات في مستويين احدهما كبير والآخر أقل:

  • المستوى الأول: هو سرقة عقل الكثير من القياديين “سابقا” في الجبهة حيث دخلوا مباراة التمسك بحل الدولة الواحدة مما يعني أن التحرير أصبح أمر تقادم عليه الزمن حتى رغم نقل العدو مشروعه بأن كل فلسطين للعدو من التجسيد إلى التجريد النظري السياسي القانوني! وهذا الموقف أدى إلى خصاء الفاعلية الثورية للكثير من كوادر الجبهة فانفتحوا على فرق من الوسطيين من طراز، رتق الانقسام، المجتمع المدني، ثقافة الجندر…الخ.
  • ومن تمفصلات هذا كانت الأنجزة NGOs حيث التهمت مؤسسات الأنجزة الكثير من أفضل الكوادر بل واصبحت مؤسسات الأنجزة التابعة للجبهة تختلف وتنشق وتفرِّخ! لقد وصل وباء الأنجزة في الأرض المحتلة درجة قيادة الأنجزة للتنظيمات “أنجزة التنظيمات”[4] هذا بخلاف تجربة جنوب إفريقيا قبيل سقوط الأبرثايد حيث كانت الأنجزة مقودة من الأحزاب.

أعود إلى مسألة السرية بمعنى أن تنظيم وقف نفسه وتاريخه على تحرير فلسطين لا يمكن إلا أن يكون سرياً.

وإذا كان الصمود في التحقيق هو الموقف الأساسي في الدفاع عن الرفاق أكثر منه عن الذات، بمعنى حمايتهم، فإن البناء السري للتنظيم هو الحماية المسبقة لأنه العمل الواقي ضد غزوات العدو للبنى التنظيمية وخاصة عبر عملائه أو قيامه بإعادة التحقيق مع احد الأعضاء كان قد أعتقل واعترف. ومن هنا اهمية بقاء المنظمة الفعلية لأي تنظيم سرية تماما وبعيدة عن كل ما هو علني. وهذا بخلاف تفاخر تنظيمات فلسطينية بعدد الأسرى من اعضائها وكوادرها.

من هنا خطورة وجود انفتاح أو حتى أية قناة بين العلني والسري في وضع الأرض المحتلة. وهنا تحضرني ملاحظتان:

الأولى، ما عانيناه حينما ضُربت الجبهة الشعبية عام 1967 إثر عملية مطار اللد والتي كانت مشتركة مع منظمة “جبهة التحرير الفلسطينية” بقيادة السيد احمد جبريل حينها اثناء التوحد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. أمام الضربة الموسعة كان الأهم حماية من لم يُعتقلوا. هذا كان على الأقل تصرفي أثناء التحقيق. وحصل فعلا[5].

والواقعة الثانية، أنني في الفترة المحدودة التي عملت فيها مع الجبهة الديمقراطية قد رفضت توحيد منظمات الجبهة في كل الضفة الغربية (الشمال والجنوب والوسط)  كي لا يقود ضرب واحدة إلى ضرب كامل التنظيم ورفضت إعادة عضو اعترف سابقا بالعودة إلى العمل السري مجددا وبقي الوضع كما أردت حيث قبلت به قيادة الجبهة الديمقراطية على مضض. ولكن بعد خروجي من الجبهة الديمقراطية تم توحيد المنظمات الثلاثة وإعادة نفس العضو إلى العمل السري، وللأسف بعد اعتقاله 1978 ضُربت كل الجبهة وتم اعتقالي بعدهم بثلاثة ايام على عضوية قديمة.

بيت القصيد أن العمل السري له شروطه وتقنياته التي تحافظ على التنظيم في شروط القمعين الطبقي والقومي، وبأن التساهل في هذا الأمر هو، دون قصد، إسداء أفضل الخدمات للعدو حيث يؤدي إلى سقوط المناضلين في أيدي العدو ما يؤدي في عديد الحالات إلى تقويض التنظيم أو اقتلاعه ناهيك عن ما يحيق بالأعضاء المعتقلين من قمع وتعذيب وتدمير معنوي.

 

إذا كان الأخذ بما ورد أعلاه من شروط استعادة الجبهة الشعبية عافيتها النضالية، فإن هذا يعني إضافة إلى ذلك مغادرة الموقع الوسطي والتواسطي بين طرفي اليمين الوطني والديني السياسي وهما تنظيمان تحولا إلى نظامين يختلفان على السلطة ويتوحدان من حيث كون:

  • قيادتيهما من نفس الطبقة اي خليط تجاري كمبرادوري بيروقراطي
  • وقاعدتيهما من نفس الطبقات الشعبية

يقتتل الصغار ويتعافى الكبار.

ومغادرة هذا الموقع اللاطبقي يشترط اتخاذ موقف وطني طبقي لبلورة تحالف وطني تقدمي جديد ينطلق بداية من رفض الاستدوال لصالح التمسك بالتحرير من جهة ويفتح أفقا تحالفيا  عروبيا وأممياً. وهذا يعني ان التحالف الخماسي الذي يدور الحديث عنه اليوم يليق بفرز عدد من انصار الجبهة للمشاركة فيه وليس باسم الجبهة نفسها. وفي هذا السياق يمكن العمل الناشط في المستويات الطبقية الاجتماعية، التنمية بالحماية الشعبية، تحرر المرأة وليس الجندرة، واتحاد العمال والطلاب …الخ. وبالطبع لهذا كلفة عدم الحصول على مناصب تناسب حجم ونضال الجبهة طالما لا يتم العمل باسمها، وهذه رب ضارة نافعة حيث تتم مغادرة الاقتتال على مناصب علنية تحت الاحتلال لأن المسألة هي النضال الوطني .

وهذا طبعاً يشترط السرية وارتباط التنظيم السري مع الخارج بوضوح أي قتل داء العلنية المفرطة والتي أزالت الحدود بين العملين العلني والسري.

ويمكن للجبهة النضال ضد التطبيع وتعميم المقاطعة في الداخل والخارج على أن يكون ذلك:

أولاً: مناهضة كافة اشكال التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والفكري. ذلك لأن بعض نشطاء المقاطعة يركزون على الأكاديمي وليس السياسي و أو الاقتصادي. فمناهضة التطبيع ليست مفتوحة الانتقاء قط. بل إن مناهضة التطبيع هي تشغيل كل مواطن فلسطيني أو عربي بشكل يومي في مقاطعة العدو. إنها حرب هادئة غير مكلفة ودائمة وهي تُبقي الشعب في حالة استنفار يمكن تحمله طوال الفترة ما بين حرب وحرب.  إنها استعادة الشارع من تخدير الإعلام وقوى الدين السياسي.

وثانياً: رفض التطبيع وممارسة المقاطعة في مستوياتها الجغرافية/الأنظماتية الثلاثة:

  • رفض التطبيع ومقاطعة الكيان الصهيوني الإشكنازي
  • رفض التطبيع ومقاطعة الأنظمة العربية المعترفة بالكيان والتحريض لتفكيك مفاصل الدولة القطرية والتي يتم تجميل بعضها اليوم بتسمية “الدولة الوطنية”
  • رفض التطبيع ومقاطعة الدول الداعمة للكيان .

إن تحديد الجبهة موقفها فيما يخص الدولة الواحدة سواء بشكل فضفاض أو بشكل وقح أي مع المستوطنين أمر في غاية الضرورة. وأعتقد أن على دعاتها من أوساط الجبهة، أو الذين احتلوا تراثها وخرجوا إلى التسوية أن يقدموا تحليلا مقنعا، لا أن يتلطوا وراء أمور وتبريرات هشة من طراز “الموقف الأممي، الموقف الشيوعي، رفض الفاشية، وصف القومية بالعنصرية…الخ”. وفي هذا الصدد لا بد من رؤية الواقع الحالي في العالم ولا سيما في البعدين التاليين:

الأول: أن القومية هي قوة تقدمية في مرحلة التحرر الوطني واقتلاع الاستعمار باي شكل كان، وهي هنا لا تتناقض مع الماركسية إلا في مخيلة ماركسيين صبية ذهنيا ووعياً.

والثاني: فإن وهم الإمبراطورية الذي ساد في حقبة العولمة قد تلاشى وها هي الإدارة الأمريكية تنكفىء قومياً شوفينيا من جهة وتشن جملة متنوعة من الحروب ضد معظم العالم الأمر الذي من ضروراته الوعي بان العصر لا يحتمل الدويلات  والكيانات الهشة والتابعة بالضرورة. هذا ناهيك عن ترنح الاتحاد الأوروبي.

وهذا يفتح على أمر هام آخر هو أن الكثير من القوى الثورية العروبية في الوطن العربي كانت تنتظر من الجبهة الشعبية في السبعينات وتقريبا الثمانينات أن تكون مركز بناء حركة ثورية عربية شيوعية. لم يحصل هذا، لكنه يبقى  ضرورة تبحث عن حامل.

وإذا صحت مقولتنا بأن الحياة مقاومة في الرد على الحياة مفاوضات، فإن لا طريقا وسطا بينهما، أي دولة مع العدو الاستيطاني الاقتلاعي، فإما الثورة أو الثورة المضادة.

 

خاتمة

 

وطالما يتزامن هذا الحديث مع الذكرى الحادية عشرة لرحيل الحكيم من جهة، ولأن أية قراءة للجبهة لا يمكن مقاربتها بعيدا عن أهم مؤسسيها، ولأن هناك محاولات لإحياء تراث الحكيم، والأهم من كل هذا وجوب معرفة والتيقن ممن يُحيون الذكرى وهل هم على نفس الخط أم لا، أمام كل هذا  تحضرني الواقعة الأساسية في مسيرته وهي أن الثوري معرَّض للقمع والاعتقال والاغتيال وكل هذه قسراً، ولكنه لا يتطوع بالتقاعد النضالي. وربما كان سر مواصلة الحكيم موقفه ونضاله في حقيقة أنه بقي على قناعته الوطنية اولا بتحرير فلسطين بمعنى أن عدم إنجاز التحرير يعني للثوري مواصلة النضال حتى الرحيل.

وهذا ما حصَّنه ضد العودة إلى الوطن المحتل حيث كانت أوسلو عودة القيادة دون الشعب.  وإذا كان حقا ما يُقال بأن الحكيم ترك لكوادر الجبهة خيار العودة في موكب القيادة اليمينية تحت راية أوسلو، وهذا ما اشك فيه بمعنى أن ذلك حدث بعد أن اصبح الحكيم في غير موقع القائد الرئيسي وتحديداً في غير موقع القرار[6]. وعلى أية حال، فإن عودة الرفيق الشهيد ابو علي مصطفى لرفد القيادة في الأر ض المحتلة عنى في ما عناه بأن منظمة لم تفرز ولم تُثمر قيادة كفؤة لا يمكن أن تنهض بردفها بقيادة من خارج الساحة مهما كان القائد الوافد مُلهماً. وبالمناسبة، فإنني لم احضر استقبال ابو علي ولم التقيه رغم محبتي له وتاريخ عملنا معا منذ 1964 في ابطال العودة. وحينما اعتقلنا 1998 على يد سلطة الحكم الذاتي زارنا في سجن مخابرات اريحا وعاتبني لأنني لم أسلم عليه . وحينما استشهد رثيته من قلبي.

لست في داخل الجبهة ولا داخل مطبخها القيادي، لكنني اعتقد أن تقويضا ناعما لموقع الحكيم كان قد حصل تقاطعاً مع مشروع أوسلو بغض النظر عن درجة التقاطع. ماذا يعني هذا؟ غير  سوى الابتعاد عن تراث الحكيم. هل الاهتمام الحالي هو عودة لتراث الحكيم ؟ أم توظيف يميني تسووي من تيار لبرالي أكاديمي؟ ستُبدي لنا الأيام.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

 

 

 

 

 

 

[1]  أذكر في عام 1981 (غالبا) أنني كتبت مقالة في مجلة الشراع التي اغلقها العدو بعنوان “أربع سنوات ليكودية” فوجئت بالسفارة البلجيكية في القدس  المحتلة تستأذنني في ترجمتها واستخدامها، طبعا هذا الاستئذان كما سلوك القرّدة “طاعة وقلة أدب”   فبلجيكا هي مقر الناتو والاتحاد الأوروبي ودولة استعمارية وحشيتها أعلى من حجمها، لكن هذه المتابعة لتدل على أن شبكة امنية مخابرات وعملاء ثقافيين يتابعون بلداننا على مدار الساعة؟ ففي عام 1991 كتبت مقالة في جريدة الشعب المقدسية نقدا للأنجزة الفلسطينية التي هرولت لتلقي تمويلا من قنصلية العدو الولايات المتحدة بعد ايام من العدوان الثلاثيني على العراق وقبل ان يجف دم العراقيين!. كنت حينها اعمل في مكتب يو.أن.دي .بي في القدس الشرقية المحتلة. اتصل بي شخص اسمه جورج ريو من السفارة الكندية في الكيان وزارني في المكتب ليناقشني في المقالة. قلت له قبل النقاش :هل تقرأ العربية؟ قال لا. قلت من هو العميل المحلي الذي ترجمه لك؟ قال لا يوجد. قلت ما في نقاش. فقال نعم لدينا مترجمين سميهم عملاء إن شئت. حدث نفس الشيء مع صحفي ياباني حينما نقدت في كنعان دور اليابان التطبيعي في الأغوار عبر مؤسستهم “جايكا”.

[2]  لم يعد يخالطني الشك بأنها لم تصل نظراً لأكثر من تجربة مشابهة.

[3]  أذكر حينما كنت اعمل في جريدة الفجر 1975 طلب مني عديد المرات الراحل الرفيق بشير البرغوثي ان نلتقي للتنسيق تنظيميا على اعتبار أنني ممثل الجبهة الديمقراطية كما ابلغه الرفيق حواتمة، وكنت انفي ذلك وأقول له حواتمة لا صلة لي به ولا بالديمقراطية. ذلك لأن الرفيق بشير يمثل تنظيما إلى حد كبير علنياً، وبالطع هذا من الأمور التي كانت توتر علاقتي بالديمقراطية وهي عديدة دامت طوال تلك الفترة القصيرة.

[4]  أنظر

NGOization of Political Parties, in my book Imprisoned Ideas, 1998

[5]  من المفارقات في هذا الصدد ، انه حينما كان السيد أحمد قطامش يُعد كتابه عن الجبهة(“في التنظيم الثوري السري، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الوطن المحتل نموذجا”، حزيران 1967- أوسلو 1993. الدكتور أحمد قطامش، 2011) اتصل بي يوم خميس في صيف عام 2009 وقال: ابو سمر ضروري اشوفك لأني ما قدرت “أفشِّك عنَّك” أي اتجاهلك؟ وحين التقينا في مكتب مجلة “كنعان” قال: في مقابلاتي مع الرعيل الأول من الجبهة الشعبية قالوا لي “لا يمكنك تجاهل عادل سمارة في الكتابة عن بدايات الجبهة” لأن التحقيق والاعتقالات توقفت عند عادل سماره، قلت له ومع ذلك كنت تفكر “تفّشِك عني”! كان هاجسي حينها في ظروف المسلخ هو كيف نحمي الرفاق المتبقين خارج المعتقل لتلافي اقتلاع التنظيم. طبعاً لم يذكر شيئا مما قلته في كتابه قط.

 

[6]  قد يكون تقديري غير صحيح، ولكن بهذه المناسبة أيضا، وتحديداً بسببها اذكر واقعتين:

الأولى: في عام 1996 اتصل بي مساعد الحكيم من عمان، اذكر ان اسمه سهيل وقال الحكيم يريد التحدث معك. وهنا أود الإشارة إلى ان آخر مرة التقيت الحكيم ووديع حداد كانت يوم 2 حزيران 1967 أي قبل مغادرتي بيروت إلى رام الله حيث قطعت دراستي لأعود لتنشيط خلايا أبطال العودة عشية حرب حزيران المتوقعة.

تحدث الحكيم بدون ديباجة طويلة وقال أتصل بك لأننا سننشىء فرعاً لمركز الغد العربي للدراسات في رام الله وأقترحك مديراً له. قلت له بكل رحابة صدر وسأعمل بلا راتب. ثم عاد واتصل ثانية بعد اسبوعين وأكد الموضوع. لكنه لم يعد يتصل قط إلى أن رحل، وبالطبع أفتتح فرع المركز ذاك في رام الله!

إعتقدت أن ترشيحه لي كان بناء على معرفته بي أثناء وجودي في بيروت حينها حيث كنت شابا ونشيطاً. لكنني لاحقاً في مراسلة مع أحد الرفاق حيث تواصلنا فيما يخص موقف الرفيق أحمد سعدات من وثيقة سلامة كيلة بشأن الدولة الواحدة ومما كتبه لي الرفيق أن الحكيم كان يتابع كتاباتي في كنعان أنا وشخص آخر:

“… بفترة محددة كنت المعني بتحضير او سحب مقالات من النت لعرضها على الحكيم. وكنت احرص على عرض مقالات كنعان ومقالاتك بالتحديد عليه. وكذلك كنت اعرض عليه مقالات ….  قبل ما يصير حماسه لحماس غير طبيعي. المهم سالني الحكيم ذات مرة لماذا احرص على عرض مقالاتكما قلت لأنها جديرة بذلك وابتسم موافقا وقال بس الاتنين متطرفين اكتر مني. طبعا قالها مبتسما وبود”.

من نفس الرفيق عرفت أن سلامه كيلة قد عمل في مركز الغد العربي حيث كتب :

“…اعرف ذلك. فقد كنت انا ممن عملوا مع سلامة في البدايات وقبل الحرب على سوريا وذلك في مركز دراسات الغد العربي الذي اسسه الحكيم. وحينها عملت معه في لجنة الدولة الواحدة ومن الذين تابعوا مع ال 48 لعقد مؤتمر حيفا…الخ. لم تكن الامور في حينه بالوضوح الذي عليه الان. لا اقصد التبرير لنفسي ولكن هذا ما كانت عليه الامور. ثم اختلفنا وووو…”

وهذا أضاء لي على تساؤلاتي عن وجود تيار في الجبهة من دُعاة الدولة الواحدة. وهو ما أكدته لي رفيقة بأن كتابات سلامة كانت من المقررات الرسمية للجبهة.

لكن ما أوضح لي الأمر بجلاء فكان بمحض الصدفة. كنت في زيارة لأصدقاء من انصار الجبهة في شيكاغو عام 2000 . جلس بجانبي رجل وقال لي:

هل تعرفني؟

قلت لا، ولكن من ملامحك يبدو أنك يمانياً.

قال: نعم أنا من الجنوب، ما رأيك نتحدث على الشُرفة
خرجنا هناك وقال: أنا كنت مع الرئيس السابق علي ناصر ومع الحكيم في تأسيس مركز الغد العربي وكان المفترض أن تكون أنت مدير الفرع في رام الله.

قلت: نعم اتصل الحكيم مرتين ولم يعد يتصل.

قال: هذا يكفي.

وفيما يخص متابعة الكتابات، أذكر أن السيد وليد سالم الذي سألني عن رايي في آلية عمل الجبهة، عرَّفني على رفيق ممن أتوا ضمن ترتيبات أوسلو وبأن الحكيم قال للرفيق: “… طالما انت ذاهب إلى الداخل، كي تعرف الاقتصاد تعرَّف على عادل سمارة” وفعلا قدمنا السيد وليد سالم لبعضنا البعض.

والثانية: في الأيام التي تلت رحيل الحكيم تحدث معي رفاق بأن اشارك في ندوة عن الحكيم من خمسة اشخاص على أن تُطبع في كتاب. عُقدت الندوة ولم يُطبع الكتاب. فضمَّنتُ ورقتي في كتابي “ثورة مضادة، إرهاصات، أم ثورة!” 2012

https://kanaanonline.org/2018/01/31/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d8%b6%d8%a7%d8%af%d8%a9%d8%8c-%d8%a5%d8%b1%d9%87%d8%a7%d8%b5%d8%a7%d8%aa/

السبب؟ قال ليس الأمر بالنسبة لي أن اكون انا أم لا، بقدر ما ان هذه الأمور أفهمتني أن الرجل لم يعد صاحب القرار الرئيسي في الجبهة، وهذا يضيء على ما تبع ذلك من تطورات سلبية في حياة هذا التنظيم.