رسالة كوبا: عناق المحرومين من ارضهم في البرازيل وفلسطين، نورالدين عواد

مراسل “كنعان” العروبية ومنسق الحملة العالمية للعودة الى فلسطين

هافانا، كوبا

15 شباط 2019

لا شك في ان الصراع الدائر على قدم وساق على نطاق معولم، يكتنف ابعادا ثلاثية: طبقية وقومية واممية، بغض النظر عن تجليات ومبررات الصراع، واصطفافات وتحالفات القوى المنخرطة فيه.

في مقر مركز مارتن لوثر كينغ (الابن) في العاصمة الكوبية، عقدت يوم 13 شباط مساء، جلسة حوارية تفاعلية مع فريق من “حركة المحرومين من الارض” او “حركة البدون ارض” البرازيلية الذي يزور كوبا،من اجل القيام بالعمل الانتاجي التطوعي في الاراضي الكوبية، والاطلاع عن كثب على واقع المجتمع الذي يتصدى للوحش الامبريالي الامريكي وذيوله في الداخل والخارج منذ ما يربو على ستين عاما.

حضرالجلسة اعضاء الفريق البرازيلي (12 عضوا) وممثلين عن مركز الاستضافة، وممثلو الحركة الدائمين، واخرين عن بعض الجهات الكوبية المعنية، ومراسل كنعان العروبية، منسق الحملة العالمية للعودة الى فلسطين. لفت الانتباه الغياب المطبق لكافة ممثلي الاحزاب السياسية اللاتينية والعربية المعتمدين، علما بانه تم توجيه الدعوة اليهم.

تطرقت الرفيقة سيموني ممثلة الحركة الى الوضع الراهن في البرازيل ووصول جائر بولسونارو الفاشي الى الرئاسة، ممثلا لليمين المتطرف المتلاحم مع الاوليغارشيات الاقليمية والامريكية الشمالية تحديدا، وبدعم من بقايا الدكتاتورية العسكرية الغابرة، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وبتشريع وتاييد من ممثلي “الاصولية الدينية” في اشارة الى الانغليكانيين والكالفينيين…اي المسيحيين المتصهينين. وتطرقت الى مكامن الضعف التي اعترت حكومات لولا وديلما (حزب العمال / حزب يمثل الديموقراطية الاجتماعية)، على الرغم من انجازاتها الكبيرة في اخراج 40 مليون برازيلي من الفقر وتحسين مؤشرات التنمية البشرية اجتماعيا واقتصاديا وتعليميا وصحيا.

ان الاطاحة بديلما من الرئاسة الشرعية اولا من خلال انقلاب برلماني، والاطاحة بلولا من عالم السياسة لاحقا، من خلال ملاحقة قضائيا شرسة والزج به في السجن لاكثر من 20 عاما، كانت باشراف كامل من الادارة الامريكية، من اجل اخراج البرازيل من البريكس المناهضة للسياسات والسلوكيات الامبريالية على صعيد عالمي، و اخراج البرازيل من صف القوى المنادية بالمشروع القومي التحرري الاستقلالي في امريكا اللاتينية؛ ووضع البرازيل عسكريا في مواجهة الثورة البوليفرية في فنزويلا.

حاليا يقوم بولسونارو بمحاولة القضاء على كل ما انجزته الحكومات العمالية ومَوضَعة البرازيل في خندق الامبريالية الامريكية طموحا في استعادة دور امبراطوري منشود تاريخيا في البرازيل. بالاضافة الى خصخصة كل شيء حتى الامازون البرازيلي بما بترتب على ذلك من ماساة بيئية بتدمير الغابات والنباتات والحيوانات والهواء (الاوكسجين)،  وماساة بشرية بتدمير وربما ابادة القبائل والشعوب الاصلانية التي تعيش في ادغال الامازون.

 

اقليميا يناوىء جائر الفاشي (عدو المراة والزنوج والفقراء والثوريين) فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا وبوليفيا، ويتحالف مع رؤساء اليمين واليمين المتطرف في القارة عموما، ويتغنى بغرامه بالكيان الصهيوني الذي يتمتع بنفوذ كبير في البرازيل في هيمنته على وسائل اعلام جماهيري اساسية ومنظمات “يهودية” واقتصادية ويمتلك حتى مصانع اسلحة وخدمات امنية. وربما ينقل سفارة بلاده الى القدس دعما لنتنياهو والكيان الصهيوني المسمى تلطفا “دولة اسرائيل”.

هذا النكوص في ميزان القوى البرازيلي لصاح الاوليغارشية وحلفائها، يضع حزب العمال والقوى المناوئة للدكتاتورية واللبرالية الجديدة وخاصة “حركة المحرومين من الارض” التي تعدّ اكثر من 5 ملايين انسان، امام واقع وتحدي ماساوي وخطير، يحتم عليهم النهوض باستراتيجية جديدة من اجل انقاذ البلد.

كان لمراسل كنعان المداخلة الموجزة التالية:

التناقض الرئيسي على صعيد كوني قائم بين الثورة والثورة المضادة، ويتجلى بمختلف الاشكال اقليميا ومحليا وبالتحديد في امريكا اللاتينية والوطن العربي الكبير الذي يسمونه اعتباطا الشرق الاوسط وشمال افريقيا. الامبريالية الامريكية وبيادقها يستهدفون القضاء على المشروعيين القوميين في الاقليمين، وحشدوا ولا زالوا يحشدون كل ما يستطيعون من قوة بشرية وتكنولوجية عسكرية اعلامية ومن قوى رجعية فاشية تتدثر بالدين، لاضفاء مشروعية سماوية عليها وسلوكيتها.

بداية نحن المثقفين الثوريين في الوطن العربي وخارجه لدينا مفهوم “الدين السياسي” في مواجهة مصطلح “الاصولية الدينية” والشمولية الدينية” وامثاله، والتي نشات في اوروبا في عصر انشقاق الكنيسة واقتتال اتباعها.

عموما نحن لسنا ضد تديُّن الافراد والشعوب، فالدين ربما كان الشكل البدائي للايديولوجيا ولعلاقة الانسان بالكون، بل نحن ضد التوظيف السياسي للاديان، خاصة ما تسمى بالاديان التوحيدية، اليهودية والمسيحية والاسلام. في عصور مختلفة وحتى الان تم استخدامها كعباءة لتعمية الشعوب والمؤمنين بها عن حقيقة المخططات والاهداف الكامنة في الاستراتيجيات التوسعية والاستعمارية والامبريالية والصهيونية والرجعية. انهم لا يريدون مؤمنين وموحدين حقيقيين، فهم لا يريدون مسيحا (عيسى بن مريم) يطرد التجار من المعبد ويصفهم بالمنافقين ويؤكد انه قبل ان يدخل الاغنياء ملكوت الله، يدخل الجمل في سُمِّ الخياط، ويدعو انصاره الى الا يعبدوا الهين الله والمال (راس المال)؛ ولا يريدون محمدا عربيا امميا يمقت عبد الدينار (راس المال) وعبد القطيفة (البذخ) : باسم المسيحية (الغربية وهي مختلفة عن المسيحية الشرقية الاصلية) خلقوا الغزوات والحروب الصليبية في وطننا وفي العالم الجديد؛ باسم اليهودية خلقوا الصهيونية والكيان الصهيوني ويدمرون فلسطين وشعبها وتاريخها ومستقبلها؛ باسم الاسلام خلقوا الاخوان المسلمين والقاعدة وداعش واخواتها. انظروا الحرب الكونية الراهنة ضد البلدان العربية ذات الانظمة الجمهورية قومية المشروع، اما الملكيات فهي ملائكة!!. انهم لا يريدون اي نوع من المقاومة في الوطن العربي لا ديني ولا علماني، ولهذا طوروا هذه النسخة من الدين السياسي الاسلامي المعولم: قوى التكفير والارهاب ودعموها بالمال والسلاح والمعلومات وحتى بالمثليين والعاهرات!

انها قوى فاشية متعددة الاديان بغطاء ديني لخداع الساجدين الساذجين. ولتدمير الوطن والامة خدمة لامن ومستقبل الكيان الصهيوني وتمكينه من الهيمنة على الاقليم وتسهيل نهب ثرواته الطبيعية والحؤول دون انبعاث الامة العربية ومشروعها الحضاري.

القضية الفلسطينية كانت الخاسر الاكبر امام الهجمة الامبريالية الصهيونية الرجعية العربية والاقليمية؛ منذ ربع قرن استمالوا جزء من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وعقدوا معهم عام 1993، صفقة اتفاق اوسلو الكارثية على الوطن والشعب وحقوقه الوطنية والقومية والتاريخية، والان يطبخون صفقة القرن من اجل توجيه الضربة القاضية للقضية الفلسطينية اي تصفيتها وتطبيع عربي شامل وكامل مع الكيان الصهيوني تحت المظلة الامبريالية المعولمة.  

بمعنى : نحن واياكم نواجه الان تحديا خطيرا بالنهوض والمقاومة والقتال حيث توجب، والا فان الثورة المضادة، وهي فاشية بالتعريف، لن ترحمنا ابدا ان انتصرت. فلنشحذ الهمم ونتسلح بالفكر والوعي وكل مقومات القوة المادية، ولنبن الكتلات التاريخية اللازمة في كل بلد واقليم، وهي صاحبة المصلحة في الثورة. فاما الاشتراكية واما الهمجية.

يوجد هنا مؤسسة تربوية تثقيفية سياسية:”مشروع امريكتنا” الكوبي والقارّي (اي بناء وانبعاث الامة الامريكية اللاتينية من منظور سيمون بوليفر الفنزويلي وخوسيه مارتي الكوبي عظماء الامة، مقابل مشروع الامبريالية القائل بان امريكا للامريكيين الشماليين). في نهاية النشاط طلبت ممثلتان عن المشروع امكانية تخصيص ندوة في مقرهم لاعضائهم وانصارهم من اجل تثقيفهم بالقضية الفلسطينية والصراع في الوطن العربي الكبير. وبالتاكيد سنكون حيث يجب ان نكون في سبيل فلسطين والعروبة والوطن الكبير واحلال العدل وازالة الظلم في اي زمان ومكان.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.