المغرب في شِبَاك “علاقات الشراكة” مع أوروبا، الطاهر المعز

تقديم:

وَصَفَ النائب السابق لرئيس البنك العالمي، “جوزيف ستيغليتز”، الدّيون وتحرير التجارة بالمخططات التي أقرّتْها الدول الغنية لمصلحتها، ووصفت مجموعة “أتاك” المغرب (وهي مجموعة تطالب بإلغاء ديون “العالم الثالث”) اتفاقيات “التبادل الحر” ب”الإتفاقيات الإستعمارية، ضد الشّعوب”، وفَصّلتْ مضمون اتفاقيات “التبادل الحر” في كتاب نشَرَتْه المجموعة سنة 2014، وتُمثِّلُ الإتفاقيات بين الإتحاد الأوروبي والمغرب نموذجًا لعلاقات التّبَعِيّة، والإستعمار الجديد…

ورثَتْ دول المغرب العربي، بدرجات مختلفة، علاقات الإستعمار الجديد والتّبَعِية الإقتصادية والثقافية إزاء فرنسا، القُوّة الإستعمارية التي كانت تحتل المغرب العربي عسكريا، ثم أصبحت تُهيمن اقتصاديا، ولما تَبَلْوَرت هياكل ومؤسّسات الإتحاد الأوروبي، تغيّر شكل العلاقات بين الطرفَيْن، وشكّلت اجتماعات ما سُمِّي “مسار برشلونة” أو علاقات شراكة “أورو متوسّطيّة” (ابْتِداءً من 1995) أساسًا لعلاقات الشّراكة الحالية بين الإتحاد الأوروبي وبلدان المغرب العربي (إضافة إلى مصر والأردن)، وألْبَسَتْ أوروبا هذه العلاقات غلاف “حقوق الإنسان” و”حرية التجارة” وغيرها من الشعارات التي يمكن اعتبارها “إسمًا على غير مُسَمّى”، مع ادّعاء “سيكون البحر الأبيض المتوسط منطقة حوار الثقافات والتبادل التجاري الحر، والسَّلام والإزدهار”، وغير ذلك من عبارات التّضْلِيل التي فنَّدَها الواقع والمُمارسات، وفنّدتها القوانين الأوروبية التي زادت من الحواجز والعراقيل، مع زيادة ميزانيات مراقبة الحدود، وبَدَل أن يكون البحر الأبيض المتوسط منطقة سلام وحوار الثقافات، أصبح مَقْبَرَةً للفقراء، وفضاءً يعج بالبوارج الحربية، وبمختلف الفرق الأمْنِيّة، وكلّما صُنِفَت علاقات الشراكة ب”المُتَمَيِّزَة” أو “المُتَقَدِّمَة”، انفتحت حدود تونس والمغرب أمام السلع ورؤوس الأموال الأوروبية والمواطنين الأوروبِّيِّين، وأحْكَم الإتحاد الأوروبي إغلاق حُدُودِهِ أمام السلع والمواطنين القادمين من الضِّفَّة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسّط، وخصوصًا من البلدان التي خَرّبَتْها طائرات وقنابل وصواريخ الإتحاد الأوروبي، فارتفع عدد المُتَوَفِّين غَرَقًا، والمفقودين في البحر الأبيض المتوسط، قريبًا من سواحل جنوب أوروبا، المُراقبة بأجهزة التّصْوير والطائرات الآلية والبوارج، والتقنيات المتطورة…

هيمنة تحت مُسمّىالشراكة“:

ينقسم الشركاء المتوسّطيّون للاتحاد الأوروبي، في إطار “مسار برشلونة”، إلى شركاء عاديين وشركاء متميزين، ويُصنّف الكيان الصهيوني، ضمن الشركاء الإستراتيجيين (لأوروبا وللحلف الأطلسي)، أو ما فَوْقَ المُتَمَيِّزِين، فهو يتمتع بكل مزايا الدول الأعضاء، دون تحمل الوجبات، ودون تسديد مساهمات الأعضاء، أو الخُضُوع للإجراءات والقوانين، وحصلت حكومات تونس (خلال فترة حُكْم زين العابدين بن علي) والمغرب، على صفة “الشريك المُتَقَدّم”، ثم الشريك “المُتَمَيِّز” (أو المُمَيّز)، مكافأةً لهما على تطبيق قواعد الليبرالية الإقتصادية (رغم عدم تَوفُّر الأرضية المدّية) وفتح الحدود، وبيع الممتلكات العامة لشركات أوروبا المُعَوْلَمَة، وحراسة حدود الإتحاد الأوروبي ضد فقراء إفريقيا (ومن ضمنهم الفُقراء المَحَلِّيّون)، ومكافأة لحكوماتهما على التّطبيع مع الكيان الصهيوني (بأشكال مختلفة)، وكلما تطورت علاقات الشراكة، زاد تغلغل اللغة الفرنسية واللغات الأوروبية (أي إزاحة اللغة العربية)، وانخفض عدد طلبة المغرب الدارسين في جامعات أوروبا، وعدد العُمّال، حيث اقتصر عدد تأشيرات الدّخول إلى الإتحاد الأوروبي على العاملات والعاملين المَوْسِمِيِّين، وعلى ذوي المؤهلات والخبرات العلمية والتّقنية، وزادت ميزانية “الأمن” وعَسْكَرة الحُدود البرية والبحرية الأوروبية، بإنشاء وكالة “فرونتكس”، لمراقبة الحدود، وزيادة ميزانياتها سنويا، وأصبحت “فرونتكس” مُجَهّزة، منذ 2013، بعدد من الكاميرات المتطورة والطائرات الآلية والأقمار الصناعية، وغيرها… في المقابل، ارتفعت مساحة الأراضي التي تحتلها أوروبا وشركاتها، خصوصًا منذ 2012، في مناطق “أوفشور”، أي مناطق اقتصادية مُغْلَقَة، غير خاضعة للقوانين المحلّية المغربية (أو التونسية)، تستغلها الشركات الأجنبية التي تستخدم العمالة المحلية الكثيفة والرّخيصة، لتُنْتِجَ سِلَعًا يُعيد الرأسماليون الأوروبيون تصديرها، وتبقى أرباحها في المصارف الأوروبية، وكل ذلك باسم سياسة حُسْن الجوار، والشراكة المُميّزة، التي تعني إدْماج اقتصاد المغرب (أو تونس) وفق حاجة الشركات الأوروبية للسلع ولرأس المال، ضمن “منطقة تبادل حر”، أما العُمال (والعاملات)، فيقع استغلالهم على عين المكان (خارج أوروبا)، وفق القوانين والرواتب المحلّية، دون حاجة للهجرة، وعلي أي حال فالحدود مفتوحة في المغرب أو تونس للأوروبيين، ومُغلقة في أوروبا أمام المغاربة والأفارقة، الذين يُخاطر نحو سبعة آلاف منهم سنويا للعبور إلى إسبانيا، عبر مُسْتوطنات “سبتة” و”مليلة” التي تحتلها إسبانيا، داخل المغرب…

 “انفتاحوحيد الإتجاه:

استخدمت فرنسا شُبّان المستعمرات، ومنها المغرب العربي، وقُودًا للحرب الإمبريالية الأولى والثانية، واستخدمت هؤلاء الشّبّان في قَمع ثورات المُستعمرات الأخرى (في فيتنام ولاوس وكمبوديا)، كما استخدمت شباب المُسْتَعْمَرات للعمل في المصانع ومقاولات إنشاء الطرقات والجسور والمباني والسكة الحديدية، وفي المصانع والمزارع، وازدهر اقتصاد فرنسا، بعد الحرب، وشارك العمال المهاجرون، من المغرب العربي في إعادة إعمار البلاد، وفي ازدهار اقتصادها، وكذلك اقتصاد ألمانيا وبلجيكا وهولندا، وإن بدرجة أقل، وبعد انهيار الإتحاد السّوفييتي، وتوسع الإتحاد الأوروبي والمُحيط الأطلسي، نحو الشرق (أوروبا الشرقية)، أصبحت أوروبا الغربية تستورد ذوي المهارات وكذلك العُمّال من أوروبا الوُسْطى والشّرقية، وانخفضت حاجتها إلى المهاجرين من أصِيلِي المغرب العربي وإفريقيا، وأصبحت بعض الشركات الأوروبية تستغل العُمال في بلادهم، لتتمكّن من تحقيق أرباح قُصْوى بأقل قدرٍ من الإنفاق، وأصبحت الشرطة الأوروبية تُلاحق المُهاجرين الذين نَجَوْا من الموت غرقًا في البحر، وتمكنوا من دخول الأراضي الأوروبية، بينما أمعنت قُنْصُليات الدول الأوروبية في رفض طلب تأشيرات دخول الأشخاص من المغرب العربي إلى أوروبا، سواء لزيارة الأسرة أو للعمل أو للدراسة أو للسياحة، باستثناء بعض الفئات التي يقع انتقاؤها بدقّة، ورفضت هذه القنصليات نحو ثُلُث طلب الجزائريين للتأشيرة، رغم استيفائها “الشّروط”، ونحو 12% من طلبات المغاربة، سنة 2014، مع الإشارة إلى انخفاض طلبات التأشيرة بنحو 80% منذ 2004، بسبب ارتفاع أسعارها (أكثر من 120 يورو في المتوسط، غير قابلة للإسترداد في حالة الرفض)، إضافة إلى المصاريف الأخرى، وبسبب شطط الشّروط، وذلك بالتوازي مع ارتفاع عدد حالات الطّرد، والتّرْحِيل القَسْرِي لمواطني المغرب العربي من دول الإتحاد الأوروبي، ويأتي الجزائريون في مقدمة المُبْعَدِين، يليهم التونسيون (بما لا يتناسب مع عددهم الإجمالي، الصغير نسبيا)، ويأتي المَغاربة في المركز الرابع، بحوالي 15 ألف حالة “غير مرغوب بها”، وترحيل فِعْلِي لما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف سنويا، وتجاوزت أوروبا عمليات الملاحقة والطرد في أراضي أوروبا، وأنشأت (أو مَوّلتْ) مركز اعتقال للمهاجرين غير النّظامِيِّين في ليبيا وتونس والمغرب، وتقوم الجزائر بتنفيذ نفس الأمر، بأشكال أخرى، ضد طالبي اللجوء والهجرة العابرين الجزائر، قادمين من بلدان إفريقية، جنوب الصحراء الكُبْرَى، وبذلك أصبحت علاقات الشراكة المُتقدّمة، تعني العمالة المُتقدّمة، وتقَمُّص دور شُرطي أوروبا، وحارس حدودها عن بُعْد، وأصبحت منظمات حقوق الإنسان الأوروبية تلوم المغرب أو تونس أو الجزائر على عدم احترام حقوق الإنسان، في حين تتمثل مُهِمّة أجهزة القمع لهذه الدول في “التّعاقد من الباطن” (أو المُناوَلَة)، فهي تعمل لمصلحة أوروبا، بأوامر أوروبية، وبتمويل (جُزْئِي) أوروبي…

الآثار السلبية لعلاقات الشراكة:

وقّعت حكومة المغرب أول اتفاقية تجارية مع الإتحاد الأوروبي سنة 1969 (كانت تُسمّى “المجموعة الإقتصادية الأوروبية” آنذاك)، وتوسّع نطاق الإتفاقية عدة مرات، وحصلت أهم التغييرات سنتَيْ 1976 و 1978، ولكن التعديل الأخير (1978) لاتفاقية التبادل التجاري يتضمّن “مساعدة اقتصادية ومالية” أوروبية للمغرب، مما رَبَط اقتصاد البلاد بأوروبا بشكل رسمي، تدعمه الإتفاقيات التي كَبّلت البلاد بالدّيون، وتعمّقت التّبَعِية باتفاقية الشراكة التي أقرّها مؤتمر برشلونة سنة 1995، لأنها تَضَمّنت خَفْضَ الرسوم الجمركية على السلع بشكل تدريجي، وفتح الأسواق للإنتاج الصناعي بشكل تام سنة 2012، على أن يتم استكمال الإنفتاح الكامل ليشمل الإستثمارات في كافة القطاعات: الصناعة والفلاحة والصيد البحري والطاقة والنقل بأنواعه والتعليم والصحة والمياه وغيرها من القطاعات الحيوية والخدمات، وهي نفس الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي، ومنذ 2008 أصبح المغرب “شريكًا متقدّمًا”، أي إنه يُمكن للمصارف والشركات الأوروبية السيطرة على أي قطاع في المغرب، بما فيها التأمين والخدمات الصحية والتشغيل وصناديق التغطية الاجتماعية، تحت مُسمّى “إنجاز برنامج الإندماج المُتَقَدِّم بين الاقتصاد المغربي واقتصاد الاتحاد الأوروبي”، أو ما سُمِّي بداية من سنة 2012 “اتفاقية التبادل الشامل والمُعَمّق”…

تتضمّن علاقات الشراكة شُروطًا تقتضيها عملية “التبادل الحر” (أو التجارة الحُرّة)، وفي مقدّمتها فَتْح الحدود (أمام السلع الأوروبية، في حالة المغرب) وإلغاء الرّسوم الجمركية على الواردات، مما يُؤَدِّي إلى انخفاض عائدات الدّولة في المغرب من إيرادات الضريبية الجمركية من 12% من مجموع إيرادات الضريبة إلى 4%، خلال عشر سنوات، ووجب على الدولة البحث عن إيرادات أُخْرَى بَدِيلَة، ويؤدي فتح الحدود كذلك إلى منافسة الإنتاج المحلّي، والزراعي بشكل خاص (القمح والحبوب الأخرى والزيت والسّكّر وغيرها)، وإغراق الأسواق المحلّية، مع نهب الشركات الأوروبية متعددة الجنسية للثروات المنجمية، وتلويث المحيط والتربة والمياه، ويتسبب هذا “الإنفتاح الإقتصادي” وإغراق الأسواق، في إفلاس الشركات المحلية التي تتحول إلى إنتاج سلع مُعدّة للتصدير، برأسمال أجنبي، بما في ذلك في القطاع الفلاحي، حيث أفْلَسَ المزارعون، وباعوا أراضيهم، وحل محلهم رأسماليون أجانب، يشتركون أحيانًا مع رأسماليين محليين، لإنتاج الحمضيات والخُضار في مزارع عصرية شاسعة، بغرض تصديرها إلى الأسواق الأوروبية، مما يفقد البلاد هامش الإستقلال الإقتصادي ويُبعِدُها عن تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، وأصبح المغرب (بعد “الإنفتاح”) يستورد القمح، وأهم السّلع الإستهلاكية، وكانت المفاوضات حول القطاع الزراعي، بين الإتحاد الأوروبي والمغرب، قد بدأت سنة 2006، ووقّعها الطرفان سنة 2012،  وتهدف الإسراع في تحرير تجارة المحاصيل الزراعية المُصَنَّعة وإنتاج الصّيد البحري، وتَمَلُّك الشركات الأجنبية للأراضي الزراعية…

أما على الصعيد السياسي، فتقتضي علاقات الشراكة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو ما فعله قادة المغرب وتونس (بورقيبة) منذ عُقُود…

يُؤدي فتح الحدود إلى إغراق الأسواق المَحَلِّيّة، مع تركيز الدولة والمُستثمرين المحليين والأجانب على إنتاج السلع المعدة للتصدير، أي بحسب الطلب الخارجي، وليس لتَلْبِيَة الطلب المَحَلِّي، ويُؤدي ذلك بدوره إلى توريد السلع الاساسية، وتعميق العجز التجاري، في ظل انخفاض موارد الدولة، من ضرائب الشركات، ومن الرسوم الجمركية، وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي، بحكم ارتفاع قيمة الواردات (بالعملة الأجنبية)، فتلجأ الدولة إلى الإقتراض الخارجي، لسد عجز الميزانية، ولتمويل الواردات، وهو ما حصل في المغرب وتونس ومصر والأردن، وهي الدّوَل العربية المتعاونة مع الإتحاد الأوروبي، في نطاق اتفاقيات الشراكة (المزعومة؟)، وكانت الدّيون، خلال القرن التاسع عشر سَبَبًا في احتلال فرنسا لتونس (1881) واحتلال بريطانيا لمصر (1882)، فالدّيُون تُخوِّلُ للدّائنين الإشراف على إنفاق الأموال المُقْتَرَضَة، والإشراف على إعداد وتنفيذ الميزانية، أي الإشراف على القرار الإقتصادي، ومن يُشرف على الإقتصاد، يتحكّم في القرار السياسي السِّيادي، وفرضت فرنسا على سبيل المثال إنجاز مشاريع في المغرب، تستفيد منها الشركات الفرنسية، ولكنها غير أساسية للشعب المغربي، من بينها القطار السريع الرابط بين مدينة “طنجة” على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومدينة الدار البيضاء، على ساحل المحيط الأطلسي…

تقوم سياسة الإتحاد الأوروبي على فرض شروط علاقات الشراكة (وعندما تُصبح مَفْرُوضة، فهي ليست “شراكة”)، بذريعة ضرورة “تأهيل الإقتصاد” و”توحيد المقاييس”، ويقترح الإتحاد الأوروبي قُرُوضًا لإنجاز عملية “التّأهيل”، وشركات أوروبية تُنْجِزُ هذه البرامج والخطط، وتستحوذ بذلك على جزء هام من القروض، بالإضافة إلى بيع سلعتها و”خبراتها”، وكثّف الإتحاد الأوروبي هذه البرامج في المغرب منذ 2007، وفاقت قيمة القروض المُخَصَّصَة لها مليار يورو بين سنتَيْ 2007 و 2013، وشمل البرنامج “الإصلاحات المالية، وإصلاح الإدارة، وحماية الغابات”، بالإضافة إلى قُرُوض أخرى “لمساعدة المغرب على إنجاز برنامج الشراكة وإصلاح الهياكل الإقتصادية…”، وتعنِي عبارة إصلاح (في لُغة الإتحاد الأوروبي والرأسمالية بشكل عام): تحرير التجارة وفتح الأسواق، وخصخصة القطاع العام وتيْسِير عملية شرائه من قِبَل المصارف والشركات الأجنبية، وتمكنت بذلك الشركات الأوروبية من السيطرة على مصفاة النفط الوحيدة في البلاد، وعلى قطاعات نظافة المُدن وإدارة النّفايات، والنّقل الحَضَرِي والإتصالات وتوزيع الماء والكهرباء، مما يُعَمِّق تبعية الاقتصاد المغربي لاقتصاد الاتحاد الأوروبي، تحت عنوان “إدماج الاقتصاد المغربي في السوق الداخلية الأوروبية”، ولكن هذا “الإدماج” يُعمّق سلبيات العلاقات بين الطرفيْن، ويزيد من العراقيل أمام الإنتاج المحلي المغربي، ويزيد من حجم ديون المغرب…

زيادة حجم الدّيُون وزيادة العجز التجاري:

وقّعت حكومة الإخوان المسلمين (في المغرب) مع صندوق النقد الدّولي، منذ آب/أغسطس 2012، وحتى تموز/يوليو 2016على أربع خطوط تمويل، وهي عبارة على مبالغ تبقى على ذمة الحكومة المغربية، تستخدمها عند الحاجة، وتستخدم الحكومات مثل هذه الإتفاقيات كضمان قروض، أو لتسهيل الحصول على قُروض أخرى، أو لاجتذاب الإستثمارات الأجنبية، ويشترط صندوق النقد الدولي نفس الشروط المُجْحِفَة للقروض، أي خصخصة القطاع العام وإلغاء دعم المواد الأساسية، وتسريح الموظفين في القطاع العام، وخفض الرواتب ومعاشات التقاعد، وغير ذلك من الشروط “الإعتيادية، وبلغ إجمالي حجم أربع خطوط تمويل للمغرب، خلال ست سنوات، قرابة 13 مليار دولارا، لم تستخدمها الحكومة لكنها سددت تكاليف بقيمة فاقت سبعة ملايين دولارا، وفق وزير مالية سابق. من جهة أخرى، طرح المغرب سندات دولية (أي بيع أو رَهْن ممتلكات عمومية)، منذ 2007، وباعها بقيمة سبعة مليارات دولارا، ويعتزم طرح سندات بقيمة مليار يورو سنة 2019، ولم تُستخدم الإيرادات في الإستثمار المُنْتِج، بل في سدّ العجز، وتسديد الديون القديمة التي حل أجل استحقاقها، بواسطة دُيُون جديدة، وارتفع حجم الدّين العام، من 678,8 مليار درهم سنة 2013، أو نحو 77,8% من إجمالي الناتج المحلي، إلى 79%من الناتج المحلي سنة 2014 وإلى 81% سنة 2015. وتبلغ حصة الدين العمومي الخارجي 28,8 مليار دولار أو 26,9% من إجمالي الناتج المحلي، وعمقت الديون الخارجية تبعية المغرب تجاه فرنسا، التي تمتلك 17,8% من القيمة الإجمالية للدّيْن الخارجي المغربي، في حين يملك مصرف الإستثمار الأوروبي نحو 12,2% من الديون الخارجية المغربية، وسدّد المغرب 163,2 مليار درهم بعنوان خدمة الدَّيْن سنة 2013، أو قرابة 38,5% من ميزانية الإنفاق الحكومي، وسدد المغرب بين سَنَتَيْ 1983 و 2013 ما يعادل عشرة أضعاف المبالغ التي اقترضها، وبلغت قيمة الدّيُون العمومية نحو 900 مليار درهم بنهاية سنة 2017، فيما بلغت قيمة خدمة الدّيْن 149 مليار درهم، خلال نفس السنة، وتَفوقُ قيمة خدمة الدّيْن العام ميزانيات الوزارات ذات الصبغة الاجتماعية الرئيسية، فيما يتحمل الشعب تبعات الدّيون، عبر سياسات التقشف وتجميد الرواتب والمعاشات وإلغاء الخدمات العمومية (يُعادل سعر الدولار الواحد نحو عشرة دراهم مغربية)…

أما بخصوص العجز التجاري، فقد عمقت اتفاقيات التبادل الحر والشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة وتركيا واتفاقية أغادير (منظمة التجارة العالمية)، العجز التجاري للمغرب، فتجاوز 200 مليار درهم سنة 2012 أو 24% من الناتج المحلي الإجمالي، وتضاعف أربع مرات، خلال عشر سنوات، وتمثل التجارة مع الاتحاد الأوروبي (خصوصًا مع فرنسا وإسبانيا) أكثر من 50% من إجمالي التجارة الخارجية، ولكن اتفاقيات التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، رفعت قيمة واردات المغرب من الإتحاد الأوروبي إلى ما يعادل 2,5 أضعاف قيمة الصادرات المغربية نحو دول الإتحاد الأوروبي، ليتعمق العجز التجاري مع الإتحاد الأوروبي ويصل إلى 45 مليار درهم سنة 2011 و 51,4 مليار درهم سنة 2012 أو ما يعادل 25% من إجمالي العجز التجاري المغربي، بالتوازي مع انخفاض الإستثمارات الأوروبية في المغرب، منذ الأزمة المالية العالمية (2008/2009).

 في جبهة الفُقراء:

لم تُؤَدِّ اتفاقيات الشراكة إلى اجتثاث الفقر، بل إلى زيادة حدة الفوارق الطبقية، وارتفاع حدة الفَقْر، والبطالة، وفي نطاق تقاسم الأدوار بين الإتحاد الأوروبي، ومؤسسات بريتن وودز (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية) والنظام المغربي، يقوم البنك العالمي بتوجيه الفُقراء (والمُزارعين الذين ساهمت سياسات البنك في إفقارهم)، في عدد من البلدان الفقيرة (الواقعة تحت الهيمنة)، ومن ضمنها المغرب، نحو القُروض الصّغرى، بهدف “انتشالهم من الفقر”، لكن هذه القُروض تُمثّل حلولا مُزيّفة “لمحاربة الفقر”، التي تعتبرها الجمعية المغربية من أجل إلغاء الدّيون بمثابة “تمويل الأغنياء من قِبَل الفُقراء” (وهي قاعدة عامة، في النظام الرأسمالي، وخصوصًا في القطاع المصرفي)، ويتمثل جوهر “فلسفة” الديون الصغرى في تحميل الفُقراء أعْباء ونتائج فقرهم، بعد انسحاب الدّولة من القطاعات والخدمات الأساسية، وبيع شركات القطاع العام (في مجالات الكهرباء والماء والرعاية الصحية وغيرها) للشركات الرأسمالية المحلية والأجنبية، لترتفع الأسعار، مع انخفاض جودة الخدمات، مما يُساهم في ارتفاع إنفاق الفُقراء على السلع والخدمات الأساسية، التي لم تعد أسعارها مدعومة من الدولة، في ظل انخفاض الرواتب وتجميد الوظائف في القطاع العام، ليرتفع عدد الفُقراء والعاطلين عن العمل والمحرومين من التأمين الإجتماعي والصحي…

ابتكر خُبَراء البنك العالمي خِدْعَة “القروض الصغرى”، عبر إنشاء منظّمات “غَيْر ربْحِيّة”، لتمويل مشاريع صغيرة “مُدِرّة للدخل”، ومُوَفِّرَة للوظائف، لصالح الفُقراء، وخاصة النّساء، الذين ترفض المصارف “التجارية” تمكينهم من القروض، ولكن هذه الدّعاية الكاذبة تُخْفِي وراءها مصالح رأسمالية ضخمة، لأن الدّائِن (وهو في الواقع مَصْرف، وليس منظمة غير ربحية) يُراقب عن كثب طريقة إنفاق القرض، ويجني أرباحًا صافية تُعادل دولارا واحدًا مقابل كل ثلاثة دُولارات من مبلغ الدّيْن، وهي أعلى نسبة أرباح تُحقِّقُها المصارف مقابل القروض، أما العُقُود التي يُوَقِّعُها الفُقراء قبل الحُصول على هذه القُروض، فهي مُكبِّلَة وغير قانونية في معظم البلدان، ومن بينها المغرب، ولا تهدف “انتشال الفُقراء من الفَقْر” بل زيادة أرباح رأس المال… تُروّج الدعاية المُصاحبة للقروض الصّغرى، الإيديولوجيا الرأسمالية الليبرالية في أوساط الفُقراء (وقود الثورة ضد هيمنة رأس المال)، بالإدّعاء إن هذه القُروض تُمكن الفُقراء من الخروج من وضعية الفقر “بالاعتماد على الذّات”، وليس بالإحتجاج على سياسة الدّولة، وعلى طريقة توزيع الثروات، وتدّعي هذه الدعاية إن الفقيرَ مَسْؤُولٌ عن فَقْرِهِ، ويمكنُهُ أن يُصْبِح مُقاولاً ومواطنًا صالحًا، لو أراد، وإذا عَمل بِجدٍّ (أكثر من 12 ساعة يوميا)، وإذا أحْجَم عن المطالبة بحقوقه، عبر الإحتجاج والإنتفاض أو الثورة…

 في المغرب، تُهيمن أربع “جمعيات” (من إجمالي 13) على “سوق القُروض الصغيرة”، الذي انطَلَقَ قبل حوالي ثلاثة عُقُود، ومن بينها مؤسسات تابعة للمصارف التجارية، ونما القطاع مع تقدّم برامج الخصخصة و”الإصلاح الهيكلي” الذي يفرضه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، أما مصدر الأموال في البداية (خلال عقد التسعينات من القرن العشرين) فكان الهبات والمنح المحلية والأجنبية، من الحكومة المغربية ومن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومن الوكالة الامريكية للتنمية الدّولية (يو إس آيد)، وتتراوح مبالغ القُروض بين خمسمائة درهم وخمسين ألف درهم، لكن القيمة الفعلية لمتوسط الفائدة بلغت 35%، مما يجعل من هذه القروض، وشعار “الخروج من الفَقْر”، موردًا لزيادة أرباح المصارف، أي تحويل الثروة من الفُقراء إلى الأغنياء، لأن مَرْدُودِيّة المشاريع المُمَوّلة، ضعيفة، لا يُمكنها تحقيق إيرادات كافية لإعالة صاحب القَرْض، مع تسديد القروض وفوائدها، رغم العمل الدّؤُوب، ويتميز الفُقراء، وخاصة النّساء، ب”النّزاهة”، وعدم التّحايل على المؤسسات، وتستهدف مؤسسات القُروض النساء الفقيرات بشكل خاص، لأنهن يشتهرْن بإرجاع المبالغ المقترضة في آجالها المُحَدّدة…

انكشفت اللعبة، بعد عدة سنوات وارتفع عدد العاجزين والعاجزات على السّداد، بسبب ارتفاع معدلات الفائدة، وبدأ ضحايا القروض الصغرى يطالبون بشكل جماعي مُنظّم، بداية من سنة 2011، بوقف تسديد الديون، ودعمت السلطات الحاكمة مؤسسات القُروض، ومارست الضغط والتهديد، ومصادرة ممتلكات الفُقراء، وأصدرَ القضاءُ المغربيُّ أحكامًا قاسيةً ضد ضحايا القُروض الصّغرى (بين 2011 و 2014)، بهدف ترهيب المُحْتَجِّين، ودعم المُرابِين…

نتائج عُقُود منالشراكةالمغربيةالأوروبية:

يُصَنّف المغرب في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لسنة 2016 والذي نُشِرَ سنة 2017، في المرتبة 123 من بين 188 دولة (أي في مرتبة متدنية)، وعلى سبيل المٌقارنة، صُنِّفت الجزائر في المرتبة 83 وتونس في المرتبة 97، وليبيا المنقسمة والمُخَرّبة في المرتبة 102، وفي ذلك مُؤشّر لفشل ذَريعٍ لما سُمّي “ورشات التنمية البشرية” التي انطلقت بالمغرب، في بداية القرن الحادي والعشرين، وأشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى فشل مشاريع التنمية، بسبب انتشار الرشوة والفساد والنهب.

من جهة أخرى، لم تتحقق وعود السلطة بازدهار الإقتصاد المغربي، بفضل علاقات الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، بل تُشير البيانات الرسمية إلى تعميق الفجوة الطّبقية، وإلى ارتفاع نِسَب الفقر، وبلوغ نسبة البطالة 26,5% في صفوف الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، وبنسبة 18% لدى خريجي الجامعات، أما عن الفقر فقد بلغت نسبته 11,7% من السكان، بحسب المندوبية السامية للتخطيط (04/10/2017 )، وهي مؤسسة رسمية، وأشارت تقارير أخرى إن 45% من المواطنين الرّاشِدِين يعتبرون أنفسهم فُقَراء، ولا يتمكنون من تلبية جميع احتياجاتهم الأساسية، ونشرت “الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان” (17/10/2018) تقريرًا يُفيد إن معدلات الفقر في المغرب متقاربة مع معدلات دول مثل زيمبابوي ومالي والصومال والغابون، ويعيش حوالي 60% من سكان المغرب في فقر حاد أو متوسط، ويُعاني حوالي 38% ممن تقل أعمارهم عن 17 سنة في المغرب (وخاصة في المناطق الريفية) من الفقر بمختلف أبعاده، ويفتقدون إلى السّكن اللائق، وإلى الماء الصالح للشرب، وإلى خدمات الصرف الصحي، والتأمين الصحي والعلاج، والتعليم، ووسائل الترفيه، وأكد تقرير للأمم المتحدة بنهاية كانون الثاني/يناير 2017 أن 60% من مواطني المغرب يعيشون حالة الفقر، وإن سبعة ملايين مواطن يعيشون بأقل من 55 دولارا شهريا (أقل من 1,85 دولارا يوميا)، وأن خمسة ملايين مغربي، يعيشون بأقل من 10 دراهم في اليوم الواحد، أو قرابة دولار واحد، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأن المغرب يعد من أكثر دول الوطن العربي فقرا، خلافًا لتصريحات مسؤولي الحكومة المغربية ومؤسساتها الرسمية بشأن “محاربة الفقر وتحسّن الأوضاع في البلاد”، وورد في تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال نفس السنة (2017) “إن 44,3% من سُكّان المغرب محرومون من الحقوق الأساسية، كالسكن والصحة والتعليم… بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر، وتصنيف المغرب في المرتبة 126 في مؤشر التنمية البشرية”، أما أوضاع النساء فهي مُزْرِية، وتصل نسبة زواج الفَتَيات القاصرات إلى 16% كمعدّل سنوي من إجمالي عدد الزيجات، في حين لا تتجاوز النسبة 3% في تونس والجزائر، و5% في جيبوتي و 7% في ناميبيا و8% في رواندا، ويرتفع عدد النساء المَحْرُومات من المتابعة الصحية خلال فترة الحمل والولادة، ونسبة الأُمِّية وغيرها من المؤشّرات السلبية…

قدّر تقرير الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي “إن حوالي 15% من السكان يعيشون في حالة فَقْر (بدل النسبة الرسمية 11,7% )، ويعيش 60% من الفقراء في المناطق الريفية، بينما يتهدد الفقر 25% من السكان”، وبصورة عامة فإن مؤشرات التنمية في المغرب أسوأ من متوسط الوضع العربي والإفريقي، حيث يبلغ معدل حصة المواطن العربي من الناتج المحلي الإجمالي السّنوي 6700 دولارا سنويًّا، ولا تتجاوز حصة المواطن المغربي 4550 دولارا في السّنة، أما المعدل العالمي فيبلغ 9540 دولارا سنويا، وهناك مؤشرات تُؤكّد التفاوت الطبقي الحاد، فبينما ينفق الفُقراء نحو 85% من دخلهم على شراء المواد الغذائية، يُنفق أثرياء المغرب 36% من دخلهم في السفر وخدمات الترفيه، وبالمناسبة فارتفاع عدد السائحين الأجانب في المغرب، لم يُحسّن من وضع السّكان، بل ارتفع إيجار المسكن، وارتفعت أسعار السمك والمواد الغذائية المَحلّية…

خاتمةالآفاق:

لم يستفد المواطنون في المغرب (والحال كذلك في مصر أو تونس أو الأردن) من علاقات الشراكة، بمختلف درجاتها، مع الإتحاد الأوروبي، وأنفقت الدّولة القروض في مشاريع البنية التحتية، كالطرقات الواسعة والمطارات الحديثة، التي لا يستخدمها المواطنون الفُقراء، فيما خسروا شركات القطاع العام والخدمات، وهي من أموال الشعب…

تُشير ميزانية المغرب لسنة 2019 إلى مواصلة سياسة التّقشّف، وخصخصة القطاع العام (اتّصلات المغرب)، وخفضت الحكومة توقعاتها للنمو من 4% إلى 3% فيما يعتبر البنك العالمي إن نسبة النمو قد لا تتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019، وتكمن المشكلة (إضافة إلى الفساد والسرقات) في اعتماد اقتصاد البلاد على معطيات غير ثابتة، ومن بينها الفلاحة التي ترتبط بكميات الأمطار، والسياحة وتحويلات العمال المهاجرين وأسعار المواد الأولية والمعادن في الأسواق العالمية (الفوسفات)، وتواصل الحكومة الإقتراض لسد العجز المستمر في الميزانية، كما تتميز الميزانية بعجز الميزان التجاري، ولا تسمح نسبة النمو التي تقل عن 6% بتشغيل الداخلين الجدد إلى “سوق الشُّغْل”، وكانت دُويْلات الخليج قد وعدت الأنظمة المَلَكِية في الأردن والمغرب، منذ 2011، بمِنَحٍ تمكنها من تجاوز الإحتجاجات الإجتماعية، ولكنها تراجعت، ولم تُسدد سوى جزء يَسِير من التزاماتها، قبل استفحال الأزمة بين الأسرة المالكة للمغرب وآل سعود، واضطرت حكومة الإخوان المسلمين في المغرب إلى خصخصة المزيد من الممتلكات العامة، والإقتراض من صندوق النقد الدولي ومن “الشّركاء الأوروبيِّين”، مع تطبيق شروط الدّائنين، من تقشف وخفض الرواتب ومعاشات التقاعد وإلغاء دعم الطاقة والغذاء والمواد الأساسية، واشترط صندوق النقد الدّولي (أثناء مفاوضات الحكومة والصندوق) خصخصة النقل الحديدي والجوي، خلال ثلاث سنوات، من أجل الحصول على قروض جديدة، وعلى خط ائتماني، تفوق قيمته ثلاثة مليارات دولارا، وهو عبارة عن ضمانة مالية (بفائدة) لتحصل حكومة المغرب على قروض، بشروط مُيَسّرة (نسبيا)، رغم ارتفاع فائدة الإئتمان (أو الضمانة)، وأدت سياسة الإعتماد على القُروض – ليس لاستثمارها في قطاعات مُنْتِجة، وخلق الثروة، وإنما لسد عجز الميزانية، وتسديد قروض قديمة بقروض جديدة – إلى زيادة قيمة الدّيْن العام، إلى نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل الإقتصاد المغربي عاجز عن تحقيق نسبة من النمو تمكنه من توفير الوظائف، مع اقتطاع جزء هام من النمو المحقق، لتسديد قيمة الديون وفوائدها، وكما أسلفنا القول، فإن هذه الدّيون تُستخدم في تمويل مشاريع لا يستفيد منها الشعب المغربي، ولا تخلق وظائف دائمة، ولا تُحقق الّنموّ المُسْتدام، ولا تُسْتَثْمَر لإنتاج ما يحتاجه الشعب من غذاء وتجهيزات، ومن المُتَوقَّعِ – مع ارتفاع الدّيون –  تراجُع حجم وقيمة الخدمات الاجتماعية خلال تنفيذ ميزانية 2019 (خلافًا لما تدّعيه حكومة الإخوان المسلمين)، وتدهور خدمات الصحة العمومية والتعليم، إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة ونسبة الفَقْر، وأعلنت وزارة “التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن” عن وجود حوالي نصف مليون متسَوّل ومُتَسَوِّلَة بالمغرب، سنة 2016، من بينهم عدد هام من النساء والأطفال…

لم يَسْتَكِن الشعب المغربي للقمع، ولم يَرْضَخْ، بل ناضل جيل مرحلة الإستقلال من أجل استقلال حقيقي (جيل المهدي بن بركة، والمُقاوِمين في “الجيش الشعبي”)، وناضل شباب 23 آذر/مارس 1965 ضد إقصاء الفُقراء من المنظومة التّعليمية، وناضل عبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي ضد الإضطهاد والإستغلال الطبقي، ودفعوا حياتهم (إلى جانب آخرين قُتلوا أو فُقِدُوا) تحت التعذيب، ثمنًا لتحرر الأرض والإنسان في المغرب، ولم تهدأ الإحتجاجات خلال العقديْن الأخيرَيْن من القرن العشرين (ضد شروط الدّائنين)، ولا منذ بداية القرن الواحد والعشرين، رغم آلة القَمْع الرهيبة… كما أظهرت حركة الإحتجاجات المتواصلة منذ شهر شباط/فبراير 2011 حيوية المجتمع المغربي بمختلف فئاته، من الشباب (حركة 20 فبراير) إلى سكان منطقة “الريف”، شمال البلاد (حوالي ستة أشهر من الإحتجاجات المُستمرة)، حيث لا تزال ذكرى “عبد الكريم الخطابي”، وجمهورية الريف، حيّة، رغم مرور أكثر من تسعين سنة، وإلى سكان المنطقة المنجمية “جرادة” (شرق البلاد)، بعد وفاة عمال فُقراء في مناجم مهجورة، بالإضافة إلى احتجاجات الموظفين في القطاع العام (التعليم والصحة) والمتقاعدين، وغيرها من الإحتجاجات اليومية في معظم مناطق البلاد ضد ارتفاع أسعار خدمات الطاقة والكهرباء والمياه، التي استحوذت عليها شركات أجنبية، إثر خَصْخَصَتِها…

يَعْسُر تحقيق النمو المستدام، والإستثمار في قطاعات منتجة، خالقة للوظائف وللثروة، في ظل شروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ولذا يمكن البدء من رفض هذه الشروط، وتعليق نَتائجها، من تقشف وخفض الإنفاق الحكومي، وخفض عدد موظفي القطاع العام، وإلغاء دعم المواد الأساسية، وعلى أي حال فقد سدد المغرب مبالغ طائلة، لقاء القُروض التي لم يستفد منها العُمال وصغار الفلاحين والأُجراء والمُنْتِجِين، لذلك يمكن (ربما يَجِبُ) تعليق تسديد هذه الدّيون وفوائدها، وتشكيل لجان تدقيق في ظروف الحصول على هذه القُروض، وظروف استخدامها…

(دولار أمريكي واحد = حوالي عشرة دراهم مغربية) وردت معظم المعلومات في موقع الشبكة الدولية من أجل إلغاء الديون “غير الشرعية” من سنة 2014 إلى 2018، بالإضافة إلى مواقع وصحف مغربية، خلال الفترة من 25/12/2018 إلى 13/02/2019، وموقع البنك العالمي، وبيانات منظمات الأمم المتحدة (تقارير التنمية البشرية، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) من 2014 إلى 2018، ووردت أسماء منظمات أخرى، في صلب المقال، نشرت بيانات وتقارير عن الوضع في المغرب…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.