عرب فلسطين 1948 بين الصديق الجاهل والعدو القاتل (2)، عبدالله حموده

بعد مضي سبعين عاماً على نكبة فلسطين علينا قراءة التاريخ لحركات التحرر الوطني في العالم مثل حركة التحرير الوطنية في الصين وكوبا وفيتنام وكوريا والثورة الجزائرية وثورة عدن في الجنوب اليمني المحتل لمعرفة أساس نجاح هذه الثورات والعوامل التي تشكل قواسم مشتركة بين كل حركات التحرر. ونجد أولاً أن قيادات الحركات الوطنية تبنت شعار (عدم استقرار العدو) وشعار (مركزية العمل بالداخل).

هنالك عدة أساليب لمقاومة استقرار العدو ودفعه تكاليف باهظة لاحتلاله وهذا يتطلب معرفة خصوصية كل بلدة ومدينة وساحة ليأخذ شكل النضال بعدم استقرار العدو الشكل المناسب والذي يقرر ذلك هم سكان الأراضي الوطنية المحتلة، ولمعرفتهم بالعدو الذي أمامهم فإنهم يحددون أشكال النضال الملائمة لظروفهم من حيث قدرتهم على التحرك ومعرفة أيضاً نقاط القوة والضعف عند العدو.

وشعار (العمل بالداخل) هو شعار له حساباته التي ترتكز على الحجم الديموغرافي لأبناء الحركة الوطنية وللعدو وطبيعة البلد الجغرافية. فمثلاً البلد الذي لا توجد فيه غابات وجبال يتخذ شكل مناسب في نضاله في المدن مثل التجربة القبرصية. أما في الحالة التي يكون فيها هناك صحاري وجبال وغابات فيأخذ شكل النضال الملائم للصحاري والجبال والغابات وشكل النضال في المدن مثل الحالة الجزائرية. كما أن تجربة فيتنام تعلمنا أن العدو مهما كان قوياً ويمتلك من التكنولوجيا الأحدث والأخطر والأكثر فتكاً فإنه لا يستطيع أن ينتصر إذا ووجه بحركة وطنية منظمة تتخذ الشكل المناسب والأساليب المناسبة التي اتبعت في فيتنام وتوجت بالانتصار على الامبريالية الأمريكية الغازية. فهنا نحن أمام شعب فقير لكنه يمتلك الإرادة والقيادة والتنظيم وينتصر على أكبر عدو استعماري في العالم.

ومن هنا علينا فهم شعار (مركزية العمل في الداخل) وظروف عرب أبناء فلسطين 1948 الخاصة والتي لا تقل عن خصوصية اللاجئ العربي الفلسطيني في الشتات سواء في لبنان أو سوريا أو الأردن أو أي مكان آخر.

إن عرب فلسطين 1948 الذين كان عددهم في ذلك الحين حوالي 150 ألف والذين عانوا من الاحتلال الصهيوني الأمرين وظروف الحكم العسكري القاسية وقوانين العمل الصهيونية وقانون أملاك الغائبين وقانون الحاضر الغائب في الوقت الذي جرت فيه النكبة والتي هشمت الوجود العربي الفلسطيني. إن هذا الوجود الذي صمد في وجه آلة الاحتلال حتى تطور وأصبح الآن يصل إلى عدد مليون وثمانمائة ألف عربي فلسطيني في داخل 1948. إن نضالهم وحفاظهم على هويتهم العربية الفلسطينية ووصولهم إلى هذا الرقم جعلهم شوكة حقيقية في حلق دولة الاحتلال. وأصبحوا يشكلوا خطراً ديموغرافياً حتى أن كثير من قادة الأحزاب الصهيونية أصبحوا يتحدثون عن هذا الخطر الديموغرافي. لقد وصلوا بصمودهم وبقائهم في أرض الوطن على مراكز علمية كبيرة وبمستوى عالٍ من المسؤولية العلمية والوطنية. وهم أثبتوا أنهم أصحاب البلاد الأصليين. ومن هنا يجب أن لا يسمح أحد لنفسه أن يكون وصياً عليهم. فهم يحددون شكل نضالهم، كما أن عرب فلسطين الخارج لهم وضعهم الخاص ويحددون الشكل النضالي الملائم من أجل التحرير والعودة. ونؤكد من جديد أنه ليس مسموحاً لأحد أن يكون وصياً على بقائهم وشكل نضالهم فهم الأقدر على تحديد شكل النضال والمحافظة على البقاء والتطور، كما أنه لا يحق لأحد تحديد شكل النضال للاجئي الشتات.

إن الظروف التي عانى منها عرب فلسطين 1948 من محدودية التعليم ودراسة المناهج الإسرائيلية وضرورة الحصول على التصريح العسكري من أجل العمل والتنقل الذي كان يجبرهم في كثير من الأحيان أن يغيروا أسماءهم للحصول على عمل، ويتعرضون لابتزاز شديد من الحكم العسكري في حركتهم وتجوالهم وسكنهم، ولكن العربي الفلسطيني بقي قابضاً على الجمر. وكان هناك آلاف من أبناء عرب فلسطين دخلوا السجون الإسرائيلية عام 1948 الذي وصل عددهم حوالي 12 ألف أسير فلسطيني كما جاء في كتاب مصطفى كبها “أسرى بلا حراك”. وبرغم كل هذه النضالات التي خاضها أبناء عرب فلسطين 1948 قوبلوا بالتجاهل الكامل من أنظمة الحكم العربية ومن الحركات الوطنية الفلسطينية والعربية. وعندما ألغي الحكم العسكري عام 1966 تنفس العرب الفلسطينيون الصعداء في حركتهم وعملهم. ومع هزيمة 1967 تعرف أبناء عرب فلسطين على أقاربهم في الضفة الغربية وغزة وعاد التواصل بين الجميع وعرفنا أكثر معاناتهم من جهة ونضالهم في سبيل البقاء من جهة أخرى. وبالتالي صرنا نعرف أفكارهم والأهم من كل ذلك محافظتهم على هويتهم العربية الفلسطينية داخل دولة الاحتلال وأصبحوا فعلاً مشكلة حقيقية للمحتلين. وطرحت القوى الصهيونية فكرة الخطر الديموغرافي الفلسطيني.

ومن هذا الفهم لنرفع جميعاً شعار التحرير والعودة كل منا يمارسه حسب ظروفه. إننا بحاجة اليوم إلى الوجود العربي الفلسطيني الذين يعملون في أرقى مؤسسات العدو كمهنيين نابغين وليسو تابعين ولم يعودوا حطابين وسقايين للصهاينة فنجدهم على رأس مؤسسات كبيرة مثل الأطباء في المستشفيات والصيادلة وأساتذة الجامعات والتاريخ. فلهم التحية على صمودهم وتطوير أنفسهم ومحافظتهم على هويتهم.

إن معركة البقاء والتطور التي خاضوها خلال سبعين عام ومعاناتهم وظروفهم الصعبة بجبرنا على التعامل معهم باحترام شديد ودون أي وصاية. إن حركة التحرر الفلسطيني يجب أن تعوض سنوات حرمانها من الكوادر في الداخل الفلسطيني بالتعامل بالاحترام والتقدير لأنهم بحاجة إلى ذلك، كما أن عرب 1948 عليهم أن يعرفوا معاناة اللاجئ في الشتات وذلك يفيد بإقامة أفضل العلاقات من أجل وحدة الشعب العربي الفلسطيني ووحدة القضية ووحدة التاريخ والجغرافيا وتنفيذاً لشعار التحرير والعودة.

إن الحفاظ على ما تبقى من الأرض والصمود في الوطن هو مكسب كبير لحركة التحرر العربي الفلسطينية وأن تجربتهم في الصمود لا تقل أهمية عن تجربة البقاء والصمود للاجئين في البلدان العربية والأجنبية. فوحدة الشعب العربي الفلسطيني ووحدة قضيته الوطنية ووحدة الجغرافيا كلها جداول وأنهار تصب في المحيط الوطني العربي الفلسطيني.

إن ظروفاً معينة ساعدت 150 ألف فلسطيني على البقاء وظروف أخرى أوجدت الشتات واللجوء الفلسطيني. إن عرب فلسطين 1948 اليوم يشكلون كتلة من السكان لها دور مهم في النضال والبقاء في الوطن ورغم قساوة الحياة في ظل الحكم الإسرائيلي إلا أنهم صمدوا ومازالوا صامدين. فتحية لأبناء حيفا ويافا والناصرة وعكا وأم الفحم وسخنين وعرابة البطوف والطيبة وأهلنا في القدس وفي كل قرية ومدينة تواجد فيها الفلسطيني داخل الوطن وخارجه.

إن هذا الفهم ينطلق من ثقافة المقاومة ومقاومة التطبيع ورفض المعاهدات مع العدو الصهيوني.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.