“كنعان”، نشرة الاقتصاد السياسي، 2 آذار (مارس) 2019 ، إعداد: الطاهر المُعِز

خاص ب”كنعان”، نشرة الاقتصاد السياسي عدد 470

الصحة تجارة مُرْبِحَة: تشكّل أرباح شركات المختبرات والعقاقير المراكز الثلاثة الأولى لنحو 75% من السوق الأمريكيّة، وتُقَدَّرُ الأرباح السّنوية الصافية لهذه الشركات بنحو 10 مليارات دولار، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، وكنا أورَدْنا في عددٍ سابقٍ رأي العالم والباحث البريطاني “رتشارد روبرتس”، والحائز على جائزة نوبل في قسم الطب سنة 1993، بشأن الشركات الكُبْرى للمختبرات والعقاقير التي تُعرْقل البحث العلمي، وترفض الإستثمار في الأدوية التي قد تُشْفي من أمراض مُزمنة عديدة” وتُخْضِعُ قطاع الصحة وصناعة الأدوية لقيم السوق الرأسمالية، ولقانون الربح، ونورد في هذا العدد مُلَخَّصًا لما كتَبَهُ الكاتب “روب لارسون” مؤلف كتاب “الرأسمالية ضد الحرية” (2018)، في موقع “كاونتر بونش”، بشأن جَشَع واحتكار نتائج البحث العلمي من قِبَل شركات صناعة العقاقير التي رفَعَتْ أسعار الأدوية بشكل يحُدُّ من حصول ملايين المرضى على العلاج اللازم، وعلى سبيل المثال، رفَعَتْ شركة “فاليانت” ( Valeant ) الكندية العابرة للحدود أسعار الأنسولين، عبر شراء واستغلال براءات الإختراع، وعَمَدَتْ شركة “مايلان” (التي تحتكر إنتاج مجموعة أدوية “إيبيبن”)، إلى شراء حقوق إنتاج “إيبنفرين” سنة 2007 (نوع من الأدرينالين يستخدم في حالات الطوارئ) لتعظيم أرباحها، حيث رفعت سعره من 94 دولارا للعلبة الواحدة من الحُقَن إلى 609 دولارا للحُقْنَتَيْن (بزيادة سبعة عشر ضِعْفًا)، ممَّا أثار حفيظة “الجمعيّة الطبيّة الأمريكيّة” (المُقرّبة من شركات الأدوية)، التي اضطرت إلى اعتبار هذه الأسعار “مُرْتَفعة”، كما بررت صحيفة “وول ستريت جورنال” ارتفاع الأسعار، لكنها اعتبرتها باهظة، وتُمَوِّلُ شركة “مايلان” إلى زيادة الإستثمار في الإشهار، وتمويل مجموعات الضغط، وعمدت إلى تبرير ارتفاع الأسعار بارتفاع سعر تكْلِفَة تصنيع الحقن، وتُموّل الشركة مجموعات رعاية صحيّة تقوم بتوعية الناس في المدارس والمطارات والملاعب الرياضيّة على كيفية التعامل مع أعراض الحساسية، بهدف الترويج لاستعمال حُقَن “إيبيبن”، فيما تمكنت مجموعات الضغط التي تُموّلها إلى التأثير في تشريعات ما لا يقل عن عَشْرِ ولايات أمريكية، باتجاه إجبار المدارس والملاعب والفنادق والمطاعم، وغيرها من المحلات التي يرتادها الجمهور، على توْفِير هذه الحُقَن، ونجحت في التأثير على مجلس النواب لإقرار تشريع فيدرالي (في كافة الولايات) لفَرْض تَوْفِير الحُقن في الطائرات التجارية، وأنفقت الشركة بعض المال لكتابة مقالات تمتدح هذا الدّواء من قِبَل علماء وأطباء وباحثين، وحَثَّ هؤلاء الباحثون والأطباء المُرْتزقة الحكومة وشركات التأمين على تسديد ثمن العلاج، بدل المرضى، لتضْمن الشركة ارتفاع الأسعار، أو استقرارها في أ الحالات، وفْقًا لصحيفة “نيويورك تايمز”، كما مَوّلت الشركة بعض المنظمات غير الحكومية، من أجل إخماد بعض الأصوات المُحْتَجَّة… تُشكِّل مبيعات حُقَن “إيبيبن” نحو 20% من أرباح عمليات الشركة سنة 2016، ومكّنتها هذه الأرباح من مُضاعفة راتب المديرة التنفيذية والمُدِيرِين الآخرين خلال خمس سنوات (حوالي 300 مليون دولارا)، بالإضافة إلى حوافز وزيادات أخرى موعودة بنهاية 2018، في حال تَمَكّنُوا من مضاعفة حصّة الشركة من السوق… تعمد الشركات المتنافسة (التي تُنْتِج أدوية متقاربة أو متماثلة) إلى الإتفاق على سعر مرتفع، وكشف تقرير رسمي ل”مكتب المحاسبة الحكومي” أنّ 20% من شركات الأدوية رفعت الأسعار بنسبة 100% لمرّة واحدة على الأقل بين سَنَتَيْ 2010 و2015، ورفعت “صناديق الاستحقاق الصحيّة النقابية” وصناديق تأمين أخرى، دعاوى ضدّ بعض الشركات، ومن بينها شركة “مايلان” و”إندو” بتهمة “التَّآمر لرفع أسْعار بعض الأدوية ذات الإستخدام الواسع، ومن بينها (ديجوكسين) بنسبة 884% و(دوكسيسايكلين)  بنسبة 281,8% خلال ثلاث سنوات”، مما يُلْحق أضرارًا مادية وصحية بالأُسَر التي لا تمتلك تأميناً صحياً، أو تلك التي تُسَدِّدُ الحد الأدنى من اشتراكات التأمين الإجباري…

اضطرت الأحزاب والمنظمات الأمريكية التي تدافع عن حرية السوق وعن تَكَفُّل المنافسة ب”تعديل” الأسعار، إن المنافسة ليست الحل الأمثل، فقد اتفقت الشركات على رفع الأسعار، بشكل لا يتماشى مع تكالبف إنتاج الأدوية (وسلع استهلاكية عديدة)، وتَضَرّر المُسْتهلك والمَرِيض، مما يُظْهِر أيضًا أهمية القطاع العام، وعدم خصخصة كل نشاط يتعلق بالصحة وبمصلحة المواطنين بشكل أَشْمَلَ… عن “روب لارسون” مؤلف كتاب “الرأسمالية ضد الحرية” (2018) – موقع “كاونتر بونش” كانون الأول/ديسمبر 2018

 

صراع الكواسر: يحمل “كارلوس غصن” ثلاث جنسيات، البرازيلية، حيث وُلِدَ وعاش جُزْءًا من طفولته، واللبنانية، جنسية والده، والفرنسية، حيث درس الهندسة في مدرسة “البوليتكنيك” المرموقة وتخرج منها سنة 1974 كما تخرج من كلية التعدين سنة 1978، ويرأس شركة “نيسان” اليابانية العملاقة لصناعة السيارات، والتي تمتلك أكبر مصنع للسيارات في بريطانيا، وهوأول أجنبي يتولى إدارة شركة سيارات يابانية، ونجحت الخطة التي قَدّمها ونفّذها في إنقاذ شركة السيارات اليابانية العملاقة “نيسان” خلال العقدين الماضيين، ويشغل أيضا منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “رينو” الفرنسية ورئيس شركة “ميتسوبيشي موتورز”، كما يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لتحالف “رينو- نيسان- ميتسوبيشي موتورز” الاستراتيجي… ألقت السلطات اليابانية القبض عليه، بصفته رئيس شركة “نيسان” العملاقة لصناعة السيارات، كارلوس غصن، في طوكيو لاستجوابه بشأن “مخالفات مالية”، وانخفضت أسهم مجموعة “رينو” (التي استحوذت على “نيسان”) بنسبة 15% عند انتشار الخَبَر، وكانت الشركتان (رينو ونيسان) تُواجِهَان خَطَرَ الإفلاس قبل اندامجهما خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وتتهم اليابان رئيس الشركة بخفّض قيمة دخله في الأوراق الرسمية (للتهرب من تسديد الضرائب)، ويستخدم أصول الشّركة لمصلحته الخاصّة، ونشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا عن التحقيقات الخفية التي أدت إلى إقالة المدير العام لشركة نيسان اليابانية، كارلوس غصن، واتهامه بالتزوير، واعتمدت الصحيفة على وسائل الإعلام اليابانية، لتكتُبَ “إن خطّة كانت تستهدف شركة نيسان، منذ عشرة أشهر، عبر حرب داخلية خفية، يقودها بعض مُساعديه المُقرّبين الذين سَرّبُوا معلومات أدت إلى اتهام كارلوس غُصْن بالفساد والتزوير والتلاعب بأموال الشركة لأغراضه الشخصية، وكان غُصْن قد تمكن من إقناع مجلس الإدارة مَنْحهُ (منحَ غُصْن) مبلغ يفوق 80 مليون دولار، بعد التقاعد، وحاول الحصول على أموال التقاعد، وهو لا يزال في منصبه، وإنه عقد استشارة بقيمة 100 ألف دولار سنويا بين ابنة غصن وشركة نيسان، وحاول الحصول على أموال التقاعد، وهو لا يزال في منصبه…

عقدت الشركتان “نيسان” و”رينو” تحالفا فيما بينهما سنة 1999، ثم مع الشركة اليابانية العملاقة لصناعة السيارات “ميتسوبيشي موتورز” (سنة 2016)، وبذلك أصبح تحالف الشركات الثلاثة منافسا قويا لتحالف “فولكسفاكن- تويوتا”، لكن على حساب العُمّال، واشتهر في أوساط رأس المال سنة 1996 بإغلاق مصنع شركة “رينو” في بلجيكا وتسريح 3300 عامل، لذلك انتعشت الشركة وزادت مبيعاتها خلال فترة قصيرة، وعندما ارتفعت أرباح شركة “رينو” فاوض الحكومة الفرنسية لتُخفّض ملكيتها للشركة من 80% من رأس المال سنة 1992 إلى أقل من 16% بعد عشر سنوات، وضغط على العمال والنقابات لتجميد الرواتب وخفض عدد العمال وتغيير نظام العمل نحو ما يُسمِّيه رأس المال “المرونة”، أي تشغيل العُمال بأقل ما يمكن من الحقوق، إلى أن أصبحت سيارات الشركة هي الأكثر مبيعاً في أوروبا الغربية، واشترت حوالي 45% من أسهم شركة “نيسان” اليابانية مقابل سبعة مليارات دولار، وبذلك أصبح “غصن” يرأس مجلس إدارة “نيسان”، وباع تحالف “نيسان – رينو – ميتسوبيشي” 10,6 ملايين سيارة، سنة 2017، أو حوالي 12% من إجمالي السيارات المُبَاعة في العالم، ويعمل في مصانع التحالف حوالي 470 ألف عامل في 200 دولة حول العالم، وتقول الدّعاية والصحف إن الفضل يعود لكارلوس غصن، في تحقيق نجاحات هذا التحالف، أما ما تقوله هذه الدعاية، هو إن غُصن عُرف خلال تسعينيات القرن العشرين باسم “قاتل النفقات”، بعد إلغاء عشرات آلاف الوظائف وإغلاقه مصانع في اليابان وفرنسا، وخَفّض نفقات الشركتَيْن على حساب الطبقة العاملة، لتزيد أرباح الرأسماليين المُساهمين في رأس مال الشركات، لذلك وعادت نيسان إلى تحقيق الأرباح بعد سنوات من الخسائر المستمرة طيلة سبع سنوات، وارتفاع قيمة ديونها إلى عشرين مليار دولارا، وتَضَمّنت خطة كرلوس غصن أغلاق خمسة مصانع وتسريح 21 ألف عامل…

راكم “كارلوس غصن” العداوات ضده من الشركات المنافسة، وأهمها تحالف “فولكسفاكن- تويوتا”، كما تراكمت ضدّه أحقاد المساعدين والمستشارين والموظفين الذين عملوا معه وكان يعاملهم بقسوة واحتقار بلغ حد الإهانة أمام زملائهم، بالإضافة إلى قيادات النقابات التي فاوضته حول تحسين الرواتب وظروف العمل، فنالت العكس، من تجميد الرواتب وزيادة ساعات العمل، وتسريح عشرات الآلاف من العُمال في اليابان وفرنسا وأمريكا الجنوبية…  عن رويترز + صحيفة “فايننشال تايمز15/12/18

 

موريتانيا: أعلنت الشركة الأمريكية “كوسموس إنرجي”، خلال شهر نيسان/ابريل 2015 اكتشاف حقل هام للغاز الطبيعي، على الحدود البحرية الواقعة بين موريتانيا والسنغال، ويعد هذا الحقل الأكبر في منطقة غرب أفريقيا، وتُقَدَّرُ احتياطياته من الغاز الطبيعي بأكثر من 450 مليار متر مكعب، ولم تسفر اللقاءات العديدة التي جمعت ممثلِين عن الحكومتيْن عن اتفاق بشأن تقاسم عائدات الحقل، وحقول أخرى يُتوقَّعُ اكتشافها على الحدود بين البلدَيْن، وأعلن الرئيس السنغالي (ماكِي صال) منذ شهر شباط/فبراير 2016، اتفاق الحكومتَيْن على “توحيد الجهود لاستغلال حقل الغاز المشترك، بهدف تحقيق الإكتفاء في مجال الطاقة للبلَدَيْن”، لكن الخلافات لا تزال قائمة، رغم اللقاءات والمباحثات، وأعلن الرئيس السنغالي، يوم الاثنين 17/12/2018، “قُرْبَ توقيع مجموعة اتفاقيات تتعلق باستغلال حقل الغاز الذي تم اكتشافه على الحدود بين البلدين”، لِكَي تنطلِقَ أشغال حقل الغاز في بداية سنة 2019، وسبق توقيع وقّعَتْ حُكومتَيْ البلدَيْن (في شباط/فبراير 2018) اتفاق تعاون حكومي بخصوص تطوير واستغلال هذا الحقل الضّخم (“السلحفاة الكبير – أحميم”) للغاز الذي يقع على الحدود البحرية بين البلدين…

من جهة أخرى – وفي مجال الطاقة أيضًا – أعلنت شركات “بريتش بترليوم” (بي بي) البريطانية  و”كوسموس إنرجي” الأمريكية يوم الأربعاء 19/12/2018 عن “برنامج لمبادرات التنمية الاجتماعية لتحسين الصحة وسبل العيش والتنمية الاقتصادية في منطقة “انجاكو”، جنوبي موريتانيا”، وهي بمثابة فُتات “لا يُسمن ولا يُغْنِي من جوع”، للسكان الذين تَضَرَّرُوا (منذ سنة 2016) من تلوث المياه والأراضي، والمُحيط بشكل أشْمَلَ، جراء نشاط شركات النفط والمحروقات، التي تجني ملايين الدولارات، وحرمت صيادي السمك من رزقهم، ثم تُرَوِّجُ دعايات ضخمة، لبرامج صغيرة ومحدودة، تَدّعي السّهَر على راحة السّكّان، و”تسهيل انتفاع السّكّان بخدمات الرعاية الصحية الأساسية”، وتُمَوّل شركات النفط العاملة في هذه المنطقة، بعض المنظمات المُسمّاة “غير حكومية”، لتنفيذ برامج “الرعاية الصحية، وتأسيس جمعيات تعاونية للنساء، عبر القروض الصغيرة، وتدريب صيادي السمك على تحسين معايير البيئة والصحة واستخدام أجهزة الاتصالات…”، وتجدر الإشارة إن شركة “بريتش بتروليوم” تمتلك حصة تفوق 60%  من الحقل سواء في الجزء الواقع في مياه السنغال أو الجزء الآخر الواقع في مياه موريتانيا، ويقع حقل غاز “تورتو- آحميم” على الحدود بين موريتانيا والسنغال ويجري تطويره تحت اسم مشروع تورتو/آحميم وهو مرفق عائم بحري مبتكر للغاز الطبيعي المُسال، ويتوقّع أن يحقِّقَ البلدان الإكتفاء الذاتي من الطاقة، وأن تحقق صادرات الغاز مَوْرِدًا هامًّا للدّولَتَيْن… عن موقع “صحراء ميديا” (بتصرف ) 19/12/18

 

تونس: قدمت الحكومة موازنة 2019 للبرلمان في شهر تشرين الأول/اكتوبر 2018، ويقدر حجمها بأقل من 41 مليار دينارا (أو قرابة 14 مليار دولارا)، واتَّسَمت ميزانية سنة 2019 بتضْلِيل من يُحاول تحليل أبوابها، لأنها تجاهلت مُتغيرات سعر صرف الدينار، واتجاهه نحو الإنخفاض المُستمر أمام الدولار واليورو، وهما العُملتان المُعْتَمَدَتان في تقييم قيمة القُروض الخارجية وفوائدها، وخدمة الديون، وأدى تراجع قيمة الدينار إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، وارتفاع الأسعار، وبالتالي نسبة التضخم إلى نحو 7,8% منتصف سنة 2018، كما اتسمت ميزانية 2019 بنفس مواصفات السنة السابقة، ومن بينها العجز الهَيْكَلِي (عكس “الطّارِئ” أو “الظّرْفِي”) لميزانية الدولة وعجز الميزان التجاري، وارتفاع قيمة الدّيون ونسبتها من الناتج المحلّي الإجمالي، بالإضافة إلى التضخّم وانخفاض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، ونادرًا ما تطرّق وزراء الحكومة أو رُموز الحزبيْن الحاكِمَيْن (الإخوان المسلمون والدّساترة) إلى الحلول أو البدائل المُمْكِنَة للخروج من هذه الأزمة الهيكلية، بل خفضت الحكومة الإعتماد على الموارد الجبائية المُوظّفَة على أرباح الشركات وغير الأجراء (أو “المهن الحُرّة”)، وزادت الحكومة عبء الضرائب غير المباشرة، وهي ضرائب محجفة وغير عادلة، تُسَبِّبُ ضَرَرًا كبيرًا للأُجَراء وللفُقراء، وتركز التصريحات الحكومية باستمرار على رواتب موظفي القطاع العام، التي تعتبرها مرتفعة (وهو ما يُوحِي به لها صندوق النقد الدّولي)، مقابل التّكتّم على ارتفاع رواتب ومِنَح وحوافز الجهاز الوزاري والنّيابي، والمبالغ الضخمة ل”تعويض” الإخوان المسلمين عن سنوات اللجوء، حيث أصبحوا أثرياء وأعْيان (بقدرة قادر “خليجي” أو أمريكي؟)… تُعول الدولة كل سنة على موارد ذاتية تُغَطِّي نسبة 75% من الميزانية، ويتوقع أن تبلغ مديونية ميزانية 2018 نحو 72% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعول الدولة على خفض نسبتها إلى قرابة 71% (حوالي ثلاثين مليار دولارا) وخفض عجز الميزانية من قرابة 5% بنهاية سنة 2018 إلى حوالي 4% سنة 2019، لكن هذه التوقعات مبنية على أساس ارتفاع نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 2,5% متوقعة بنهاية 2018 إلى أكثر من 3,1% سنة 2019، وهو احتمال ضعيف، لأن معظم خبراء الإقتصاد المَحَلِّيِّين والأجانب يعتبرونه غير واقعي، وفي مقدمتهم خبراء المصرف المركزي التونسي والبنك العالمي، ويتوقع هؤلاء ارتفاع قيمة خدمة الدَّيْن من حوالي ثمانية مليارات دينارًا سنة 2018 إلى 9,5 مليارات دولارا سنة 2019 (زيادة عن أَصْل الدّيْن)، بينما لا تتجاوز ميزانية التّنْمية لسنة 2019، ستة مليارات دينارًا (افتراضية، في انتظار الواقع بنهاية السنة المالية 2019)، وتُقارب المبالغ التي تسددها الدولة بعنوان “خدمة الدّيْن” 24% من ميزانية 2019، بينما انخفضت مواردها من تصدير الفوسفات الذي انخفض حجم إنتاجه من حوالي ثمانية ملايين طن سنة 2010، إلى أقل من أربعة ملايين طن سنويا (سنة 2018)، وفي ظل تخفيض حكومة الإخوان المسلمين والدّساترة نسبة الضرائب على أرباح الشركات ذات القيمة المضافة العالية من 25% إلى 13% (بداية من 2021)…

بدأ رئيس الحكومة (موظف أمريكي سابق، مَدْعُوم من حزب الإخوان المسلمين)، ماراثون التّسَوّل، وقصَد السعودية، إثر الزيارة العقيمة لمحمد بن سلمان إلى تونس (وسط احتجاجات شعبية ضد آل سعود)، ووعد الملك سَلْمان بن عبد العزيز ب”مُساعدة” (أي قَرْض بفائدة لم يُعْلن عن نسبتها) مالية بقيمة 830 مليون دولارا (أي أقل قيمة من الوعود السابقة التي لم تُوفي بها السعودية)،كما زار تونس رئيس الوزراء الكوري الجنوبي، ضمن زيارة شملت أيضًا المغرب والجزائر، ولم تُسْفر زيارته لتونس عن أي اتفاق، فيما تبحث الحكومة التونسية عن موارد (قروض) إضافية، سوف تزيد من إغراق البلاد بالدّيون…عن وكالة “وات” + رويترز 18/12/18

 

لبنان: دعا الحزب الشيوعي اللبناني إلى التظاهر يوم الأحد 16/12/2018، ورفع المتظاهرون يافطات تطالب ببعض الحقوق، ومن بينها “العمل والسكن والكهرباء والمياه النّقِيّة والضمان الصحي، ووضع حد لاحتكار الأدوية، وإصدار قوانين تحمي الأُجَراء والمُتقاعدين من ارتفاع تكاليف المعيشة، وإقرار خفض معاشات نواب البرلمان والوزراء، واعتماد نظام ضريبي تصاعدي على الدخل، وزيادة معدلات الضريبة على الفوائد المصرفية وعلى عمليات المضاربة العقارية…”، وتَعْكس هذه اللائحة الطويلة من المطالب، تراكُم المشاكل التي أهملتها أجهزة الدولة القائمة على شكل من “الوِفاق” والمُحاصَصَة الطائفية والطّبقية، وعلى اتساع رُقْعة الهَدْرِ والفساد الذي يستحوذ على حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي… ظهرت نتائج الفساد وهَدْر المال العام في التّهرّب الضريبي المُنَظّم، أَشغال وإدارة المرافئ والمطار والمنطقة الحرّة (في المطار)، والجمارك، وكهرباء لبنان ووزارتي الأشغال والاتصالات وأملاك الدولة، وغيرها من ممتلكات الشعب، ومَوّلت الدولة، قطاع التعليم الخاص، والجمعيات الوهمية، مع إعفاء الأوقاف العائدة للمؤسسات الدينية من الضرائب، وزيادة الضرائب غير المباشرة على ذَوِي الدخل المحدود، تطبيقًا لمقررات “مؤتمر باريس الرابع” (أو ما عُرِف باسم “سيدر”) الذي أقرّ شروطًا مُسْتَنْسَخَة من شروط صندوق النقد الدّولي، ومن بينها فرض ضرائب غير مباشرة عبر رفع الدعم عن الكهرباء وخصخصة القطاع العام، وخفض إنفاق الدولة، وخفض مخصصات الصحة والحماية الإجتماعية، ومعاشات التقاعد، ورفع أسعار الوقود، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 15%، وإثقال كاهل الأُجراء والفُقراء بقروض الدولة وارتفاع الفائدة على سندات الخزينة من 7,5% إلى 10,5%، مما يرفع قيمة الدين العام، وقيمة الفائدة أو “خدمة الدّيْن”، وترفض الدولة زيادة الرواتب، بينما تُنفق أموال الشعب، وتقترض من أجل إنقاذ المصارف المتعثّرة، وخصوصًا المصارف المرتبطة بعلاقات زبائنية مع بعض أطراف السلطة، وطالب الحزب الشيوعي اللبناني، في ورقة اقتصادية نَشَرها يوم 13/12/2018 “بإلزام المصارف بإعادة الأموال المنهوبة أو بتحويلها إلى أسهم تعود ملكيتها إلى الدولة”… عن موقع الحزب الشيوعي اللبناني + صحيفة “الأخبار” 16 و17/12/18

 

الصين في فلسطين المُحْتَلّة: عادت العلاقات بين الصين وحكومة الكيان الصهيوني سنة 1992، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وتطورت بسرعة، لكن العلاقات السّرّيّة كانت قائمة منذ أكثر من عقد، قبل ذلك، إذ أبرمت حكومة الصين سنة 1985 عقدًا ذا صبغة عسكرية تضَمّن تحديث الكيان الصّهيوني الدبابات الصينية من طراز (ت ـ 62)، سوفييتية الصنع، مما مكن الكيان الصهيوني من الإطلاع على تقنيات السلاح الروسي الذي تملكه جيوش سوريا والعراق ومصر والجزائر وغيرها من الدول العربية، ودعم الكيان الصهيوني الصين في بناء غواصة من طراز “سونغ”، وتزامن تطور العلاقات الصينية الصهيونية مع تطور الرأسمالية في الصين، ومع اختصار علاقاتها في استغلال موارد البلدان الفقيرة وإغراق أسواقها بالسلع الصينية الرخيصة، وانعكس ذلك في تراجع دعم الصين لحركات التحرر ولحكومات الدول المناهضة للإمبريالية، وأدّى تطور العلاقات مع العدُو، إلى ارتفاع قيمة صادرات “السّلع والخدمات” الصهيونية إلى الصين بنسبة 62% من ما يعادل 2,8 مليار دولارا خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2017 إلى 3,5 مليار دولارا خلال نفس الفترة من سنة 2018، كما ارتفعت الواردات الصهيونية من الصين بنسبة 10%، خلال نفس الفترة من 4,45 مليار دولارا إلى 4,9 مليار دولارا…

تزامن هذا الإتجاه الإقتصادي والتجاري مع مسار إيديولوجي بدأه النظام الصيني (والحزب “الشيوعي” الحاكم) منذ عُقُود، وكتبت صحيفة “الشعب” الرّسمية جِدًّا “إن ما يجري في العالم العربي منذ 2011 يندرج في سياق صراع الحضارات بين الغرب والعالم العربي منذ ألف سنة” (10/07/2013)، مما يُشِير إلى تَبَنِّي الحزب “الشيوعي” الصيني نظريّات المُثقَّف العُضْوي للإمبريالية الأمريكية “صموئيل هنتنغتون”، وتَبَنِّي النظريات اليمينية والعُنْصُرِية التي تُروِّجُها مراكز البحث الرجعية والإستعمارية، ويندرج تعزيز العلاقات مع الكيان الصهيوني في إطار إيديولوجي، إضافة إلى الإطار الإستراتيجي السياسي والإقتصادي والتجاري…

أبرمت وزارة النّقل في حكومة العدو الصهيوني سنة 2015 اتفاقًا مع شركة حكومية صينية (مجموعة شنغهاي الدّولية للموانئ) لإدارة ميناء مدينة “حيفا” المُحْتَلّة، لفترة 25 سنة، بداية من 2021، وستُنْفِقُ الشركة الصينية مليارَيْ دولاراً، لتطوير الميناء، وتَشْيِيد مستودع جديد في الميناء تُديره الصين، وتُشَغِّل به عُمّالاً صينيين، ولكن الولايات المتحدة تعترض على تنفيذ هذا المشروع من قِبَل شركة صينية، لأن ميناء حيفا محطة هامة لرُسُو وصيانة البوارج الحربية الأمريكية، التابعة للأسطول السادس الأميركي، الذي يجوب البحر الأبيض المتوسط، وهو مَسْرَحٌ للمناورات الحربية الدَّوْرِيّة المشتركة بين البحرية الأمريكية (بما فيها حاملات الطائرات) والجيش الصهيوني، وهدّدَت الحكومة الأمريكية بوقف المناورات والصيانة في ميناء حيفا، في حال تولت شركة صينية الإشراف على إدارة الميناء، بعدَ سنتين، مما قد يَدْفَعُ حكومة العدُو الصهيوني إلى إعادة النّظر في ترتيبات العقد مع الشركة الصينية، بعد إفْصَاح المسؤولين العسكريين الأميركيين عن مخاوفهم من الوجود الصيني، “لأن الصّين ستُراقب البُنْية التّحْتِيّة الحسَّاسة، وسوف تحصل على معلومات هامة من خلال مراقبة حركة السفن التجارية والحربية الداخلة والخارجة، مما يُعرّض عمليات البحرية الأميركية للخطر، عبر مراقبة الصين لعمليات الصّيانة”… كما اشترت “مجموعة شانغهاي للموانئ” امتياز استثمار ميناء “أَسْدُود” أيضًا، إضافة على حَفْر أَنْفاق في جبل “الكَرمل”، وغَيَّرتْ حكومة الصين بذلك مسار “طرق الحرير الجديدة” (أو “الطريق والحزام”)، كي تمر عبر مواني فلسطين المحتلة (حيفا وأسدود)، وهو البرنامج الضّخم الذي بدأت الصين تنفيذه منذ سنة 2013، وخَصَّصَت له نحو تريليون دولارا، خلال عشر سنوات، أنفقت منها أكثر من 300 مليار دولار، وتسعى الصين لإدماج الدول العربية والكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين ضمن هذا البرنامج، بالإضافة إلى إيران وتركيا وباكستان والقرن الإفريقي، بهدف خدمة طموح الصين لتُصْبِح القوة الإقتصادية والتجارية الأولى في العالم، والإلتفاف على أي محاولة أمريكية لحصارها… أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فإن تطوير العلاقات مع الصين يَتَنَزّلُ ضِمْنَ   إعادة التموضع الدبلوماسي الذي بدأ، منذ الأزمة الإقتصادية (2008 – 2009) وإثر اكتشاف كميات كبيرة من الغاز في عرض سواحل حيفا المُحْتلّة (ومناطق أخرى من ساحل فلسطين المحتلة)، وتُحافط دولة الإحتلال على علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع الحكومة الليبرالية والعُنصرية الهندية ( حكومة “ناندرا مودي” والحزب الحاكم “بهارتيا جاناتا”)، قبل أن يُزيل حُكّام العرب ورَقَةَ التُّوت، ويكشفون عَلَنًا عن خياناتهم وتآمرهم…

زار الرئيس الصيني فلسطين المحتلة (للمرة الرابعة خلال رئاسته) خلال الأسبوع الأخير من تشرين الأول/اكتوبر 2018، في زيارة استمرت ثلاثة أيام، بمناسبة انعقاد الاجتماع الرابع للجنة الصينية-الإسرائيلية المشتركة للتعاون في مجال الابتكار، ورافقَ الرئيس الصينين بعثة ضَمّتْ وزراء ونواب وزراء من 13 دائرة حكومية صينية، وقبل وصوله، كان نائب الرئيس الصيني قد وَقَّعَ ثمانية اتفاقيات ثنائية مع الصهاينة، في مجالات “العلوم والتكنولوجيا والعلوم الحياتية والإبداع والصحة الرقمية والزراعة”، بالإضافة إلى “تعزيز التعاون بين الدوائر الحكومية، والقطاع الخاص، والقيام بأبحاث مشتركة في العلوم والصناعة وتخصيص منح دراسية لطلاب من الجانِبَيْن”، وتَدّعي أوراق الدّعاية السياسية الصينية إن تطوير العلاقات مع الإحتلال الصهيوني، يندرج ضمن محاولات الصين “بناء عالم متناغم يسوده السلام الدائم والرخاء المشترك”، وأدّى تآمر الحكومات العربية إلى عدم إثارة الموضوع، في حين تفوق أهمية المبادلات التجارية الصينية مع العرب ( حوالي 250 مليار دولارا، كمُتَوسّط سنوي) مثيلتها مع الكيان الصهيوني (حوالي عشرة مليارات دولارا كمتوسط سَنَوِي)…

تحتاج الصين إلى تطوير قطاع التقنيات الدّقيقة، عبر الكيان الصهيوني، الذي استفاد منذ إنشائه من التقنيات الأوروبية ومن التقنيات الأمريكية المتطورة منذ حوالي خمسين سنة، وأصبحت الصين ثالث أكبر مستثمر في شركات التقنية العالية (الهايتك) العاملة في فلسطين المُحْتَلَة (التكنولوجيا المدنية والعسْكرية)، مما يُظْهِر خيارات الصين الإستراتيجية، وبعض دَوافع تَعْزيز العلاقات مع الكيان الصّهْيُوني، رغم حجم استهلاك العرب للبضائع الصينية، ورغم حجم مبيعات المحروقات العربية إلى الصين، وحَذّرَت الولايات المتحدة من استفادة الصين من بعض التكنولوجيات فائقة الدّقّة، ذات المنشأ الأمريكي، إثر اتفاق الصين مع الكيان الصهيوني على تنفيذ مشروع مشترك لتصميم الطائرات وتصنيعها وبيعها في الصين…

ارتفعت قيمة الاستثمارات الصينية المباشرة في فلسطين المحتلة سنة 2016 بمقدار ثلاثة أضعاف، لتصل إلى 16 مليار دولار، وبالأخص في قطاع التقنيات المتطورة، بحسب تقرير صيني، فيما تَوَقَّعَ تقرير صهيوني أن تحتل الصين مكان الولايات المتحدة، كأكبر مصدر للاستثمارات الخارجية، خلال عقد واحد، أما الشركات الصهيونية فإنها تهدف الوصول إلى السوق الصينية الضخمة، وتهدف المؤتمرات السّنوية المُشتركة والمنتديات، والقمة الصينية الصهيونية للإبتكار، تعزيز التعاون الذي قد يُصْبِحُ تَحالُفًا، يَضُرُّ بنا كعرب، بالدّرجة الأولى…  عن وكالة “شينخوا” + وكالة “سبوتنيك” + ترجمات فلسطينية لمحتوى الصحف الصهيونية من 23/10 إلى 17/12/18

 

السعودية – فلوس النّفط: قُدِّرت النفقات العسكرية للسعودية سنة 2016 بنحو 88 مليار دولارا أو ما نسبته 13,7% من الناتج المحلي، واحتلت السعودية المرتبة الثالثة عالميا من حيث أهمية الإنفاق العسكري سنة 2017، بأكثر من سبعين مليار دولارا، متفوقة على روسيا وفرنسا وبريطانيا والهند، وتضاعف استيراد السعودية من الطائرات المروحية والطائرات المُقاتلة والمُدرّعات والدّبابات، حوالي أربع مرات، خلال الفترة 2010 – 2014، وفق ما وَرَدَ في تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) بشأن مبيعات الأسلحة لسنة 2017، وارتفع الإنفاق العسكري بشكل خاص بعد العدوان على شعب اليمن (آذار/مارس 2015) واشترت أسلحة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا وإسبانيا وكندا وألمانيا، لاستخدامها في عدوانها ضد شعب اليمن، وضد الدولة والمجتمع في سوريا وفي العراق، بالتوازي مع زيادة التطبيع والتحالف مع قادة الإحتلال الصهيوني، ضد الشعوب العربية وضد إيران…

أعلن الملك سَلْمان بن عبد العزيز عن الخطوط العامة لميزانية السعودية لسنة 2019، وأَظْهرت الأرقام اعتزام حكومة أُسْرَة آل سعود زيادة الإنفاق الحكومي بأكثر من 7% خلال سنة 2019، ليبلغ مجمل الإنفاق 295 مليار دولارا، بهدَفِ تحفيز النمو الاقتصادي، وتخفيف الضّرر الذي لحق الإقتصاد الرّيعي، المعتمد على النفط، بعد انخفاض أسعار النفط الخام، منذ منتصف حزيران/يوليو 2014، وتباطؤ نمو الإقتصاد، قبل الإنكماش سنة 2017، وتُقدّر الحكومة نسبة النمو بنحو 2,3% سنة 2018، لكنها (في حال تحققت هذه النسبة بالفعل) غير كافية للحد من ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت 13%، وفق البيانات الرسمية، وأكثر من ذلك بكثير وفق التقارير غير الرسمية…

حاولت أسرة آل سعود دَعْمَ الإيرادات غير النفطية، من خلال التقشف وخفض النفقات الحكومية وفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% منذ بداية 2018 (وهي ضريبة خليجية، تُطَبّق في الدويلات السِّت لمجلس التعاون الخليجي)، وتعهدت الحكومة بخفض عجز الميزانية من 195 مليار ريال مُتَوَقّعة سنة 2018 إلى 136 مليار ريال سنة 2023، اعتمادًا على ارتفاع إيرادات صادرات النفط، التي ارتفعت أسعاره من 54 دولارا لبرميل الخام في المتوسط سنة 2017 إلى نحو 73 دولارا في المتوسط سنة 2018، ولكن البنك العالمي يتوقع زيادة نسبة العجز في الميزانية إلى نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، سنة 2019، وتتوقع الميزانية ارتفاع إيرادات النفط بنسبة 9% خلال سنة 2019، وهي نسبة غير واقعية، على ما يبدو، ويَعْسُرُ على أي مُراقب لاقتصاد السعودية إصدار توقّعات دقيقة، لأن أُسْرَة آل سعود تعشق الضبابية وتمقت الشفافية، فهي على سبيل المثال، لا تُعْلِن السعر المفترض لبرميل النفط الخام الذي اعتمدَتْهُ لخطة ميزانية  2019، ولا حجم الإنتاج اليومي المُتَوَقّع، ويحاول الخُبراء استنتاج ذلك من مجمل البيانات المنشورة، وبناءً على ذلك، يقدّر السعر المُفْترض لبرميل الخام الذي اعتمدته السعودية لميزانية 2019 بنحو 70,5 دولارات للبرميل، وحجم الإنتاج بنحو 10,2 مليون برميل يوميا، طيلة سنة 2019، وتتوقع الميزانية ارتفاعا في نمو القطاع غير النفطي من 2,3% سنة 2018 إلى نحو 2,5% سنة 2019، ويبقى الإنفاق الحكومي هو المحرك الرئيسي للنمو في السعودية، وفي دويلات الخليج الأخرى، التي لا تُنْتِجُ شيئًا غير النفط والغاز، وتستورد جميع احتياجاتها، وتُشغل عمالاً أجانب في كافة القطاعات، وعمد الجناح الحاكم من أسرة آل سعود منذ تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2017 إلى رفع إيرادات الميزانية، من خلال خفض الدعم لأسعار الوقود، ومن ابتزاز المئات من الأُمَراء ومن رجال الأعمال، الذين جرى احتجازهم في فندق “ريتز- كارلتون” خلال الحملة التي تَذَرّعت ب”مكافحة الفساد”، وأعلن المُقرّبون من محمد بن سلمان (الحاكم الفِعْلي للبلاد) إنهم يستهدفون جمع نحو 100 مليار دولار، ولكن وزير المالية أعلن جمع حوالي 15 ملياردولارا فقط سنة 2018، ومثلها سنة 2017، وعمدت الحكومة إلى زيادة “الإنفاق من خارج الميزانية” من صندوق الاستثمارات العامة (وهو صندوق الثروة السيادية الرئيسي للسعودية)، لتمويل مشاريع بمليارات الدولارات في  قطاعات العقارات والسياحة والترفيه…

أشرنا مرات عديدة، في أعداد سابقة من هذه النّشرة، إلى صعوبة اعتماد الأرقام التي تُصْدِرُها هيئات رسمية سعودية، بسبب تَضارُب محتواها، وبسبب الضبابية التي تكتنف كل ما يخص السعودية… (دولار أمريكي واحد = 3,75 ريال سعودي) عن أ.ف.ب + رويترز 19/12/18

 

نيجيريا: ذَكَرْنا في عدد سابق بعض أسباب الحُروب والنزاعات الداخلية في العديد من البلدان الإفريقية، ومن بين هذه الأسباب، العوامل الطبيعية والجفاف، حيث لا تنمو بذور الحبوب والزراعات الأخرى، كما تُصْبِح المراعي قاحلة، فتموت المواشي من الجوع والعطش، ويَخْلُقُ دخول المواشي إلى المساحات المزروعة (التي توسّعت مساحتها، مما ضَيّق حَيّز المراعِي)، مشاكل قد تؤَدّي إلى نزاعات مسلحة، تُسَجِّلُها الصحافة “الغربية” ومنظمات حقوق الإنسان (من بينها “مجموعة الأزمات الدولية”)، ضِمْنَ “الحرب الدّينية” أو “الحرب الطائفية”، ووَرَدَ في تقرير نشرته منظمة العفو الدّولية يوم الإثنين 17/12/2018، إن الاشتباكات التي وقعت في نيجيريا بين مزارعين (معظمهم من المسيحيين) ورعاة ماشية (معظمهم من المسلمين) أدّت إلى سقوط حوالي 3641 قتيل وتَشْرِيد الآلاف من المواطنين، منذ سنة 2016 معظمهم سنة 2018، وإن من شأن “أعمال العُنف” (كما تصفها المُنَظّمة) أن يؤثر على نتائج الانتخابات (شباط/فبراير 2019)، وتتهم منظمة العفو الدولية السلطات والجيش والشرطة بالتقاعس، والتهاون، وعرقلة التحقيق، وعدم محاكمة الجناة، مما أدّى إلى تصعيد النّزاعات، وفق المنظمات الحقوقية، التي تتهم السلطات المَحَلّيّة بتسْييس هذه النزاعات وتأجيجها، مما جعل عدد قَتْلَاها يفوق عدد ضحايا المجموعات الإرهابية (“بوكو حرام” وتفرعاتها) بست مرات، خلال النّصف الأول من سنة 2018، في هذا البلد الأكثر كثافة سُكانية في إفريقيا (192 مليون نسمة سنة 2017) وأكبر اقتصاد إفريقي وأكبر منتج للنفط في إفريقيا، بحوالي 2,5 مليون برميل يوميا، كانت تُصَدِّرُ منها أكثر من مَلْيُونَيْ برميل قبل أزمة النفط (منتصف 2014)، وتُقَدّر احتياطيات البلاد ب37 مليار برميل من النفط ونحو 65 تريليون متر مكعب من الغاز…

رغم عائدات النّفط، يَعِيش حوالي 33% من السّكّان في حالة فقر مُدْقَع، ويُعاني ما لا يقل عن 35 مليون طفل نيجيري من سوء التغذية الحادّ، كما تحتل البلاد المركز الأول عالميا بخصوص وفيات الأطفال دون سن الخامسة، وفق منظمة “يونيسيف” (الأمم المتحدة)، وتعتبر ولايات “أداماوا” و”بورنو” و”يوبي” و”باوتشي”، شمال شرقي البلاد، الأكثر تَضَرُّرًا من الإرهاب، ومن أزمة الغذاء، حيث يُعاني واحد من كل ستة أطفال، سوء التغذية الحاد، كما يُعاني 50% من الأطفال من التّقَزّم ومن اضطرابات النمو البدني، مما يجعلهم عُرْضَةً للوفاة المبكرة، أو أنهم مواجهة صعوبات كبيرة في الحياة، يتمثل بعْضُها في عدم القُدْرَة على التّأقْلُم مع ظروف الدراسة أو العَمَل، ولا تُخَصِّصُ الحكومة الأموال (جزء من عائدات النفط) من أجل مكافحة الفَقْر وسوء التغذية…

تُشير الإحصائيات (التّقْرِيبِيّة) إلى ارتفاع نسبة الأمية في نيجيريا، إلى أكثر من 70 مليون مواطن لا يجيد القراءة و الكتابة، أو ما يفوق 35% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 192مليون نسمة، ويُقدّر عدد الأطفال الأميين بنحو 11 مليون طفل، لم يذهبوا قَطُّ إلى المدرسة، بسبب إهمال الدولة والسلطات المحلية في الولايات، وبسبب الصراعات والنزاعات التي لم تنقطع منذ استقلال نيجيريا، وخصوصًا منذ بداية استغلال النفط، فارتفع عدد النازحين من مناطقهم الأصلية، قبل أن تنتشر المنظمات الإرهابية… عن منظمة “العفو الدّولية” + “يونيسيف” + رويترز 17/12/18

 

تركيا: أشارت بيانات المصرف المركزي التركي، منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2018 إلى تراجع قيمة الإستثمارات الأجنبية الداخلة إلى تركيا بنسبة 65% خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2018، مقارنة بنفس الفترة من سنة 2017، مع تسارع وتيرة خُرُوج أموال الإستثمارات الأجنبية التي كان المستثمرون الأجانب يضخونها في تركيا، لتحقيق مكاسب، عندما كانت نسبة الفائدة في تركيا (وما تُسَمّى “الإقتصادات الناشئة”)، وتُسَمى “أموال ساخنة”، وهي سرعان ما تغادر البلاد بمجرد ارتفاع نسبة الفائدة في أوروبا وأمريكا، أما السبب الرّئيسي لمغادرتها تركيا بوتيرة متسارعة، فهو تراجع سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، وبلغت قيمة الأموال التي خرجت من تركيا خلال تسعة أشهر من سنة 2018، أكثر من عشرين مليار دولارا، من سندات وحوالات وإيداعات تابعة لرؤوس أموال محلية، واعتبر نواب المُعارضة إن هذه البيانات، مرعبة، إلى جانب الإعلان عن ارتفاع نسبة البطالة بشكل قياسي، من 10,6% في شهر أيلول/سبتمبر 2017 إلى 13,5% بنهاية شهر أيلول/سبتمبر 2018، وفق بيانات حكومية، علّلت هذا الإرتفاع بانخفاض قيمة الليرة بنسبة 42% من كانون الثاني/يناير إلى آب/أغسطس 2018، مما أدى إلى ركود كبير في اقتصاد البلاد، وتوقعت وكالة التّصْنِيف الإئتماني “موديز” (يوم 09 تشرين الثاني/نوفمبر 2018) أن يتدهوَرَ وضْعُ الاقتصاد التركي خلال سنة 2019، لأن الأداء المُنْخَفِض للليرة سوْف يُتَرْجَمُ إلى مشاكل اقتصادية حادة، في ظل تباطؤ نمو الأسواق المتقدمة والناشئة، وأكد صندوق النقد الدولي انخفاض نمو الاقتصاد التركي من 3,5% سنة 2018 إلى 0,4% خلال سنة 2019، بسبب انخفاض العُمْلَة المحلِّيّة ( بنسبة 18% يوم العاشر من آب/أغسطس، قبل أن ترتفع قليلاً)، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وهما عاملان ينعكسان سَلْبًا على الاستثمار والاستهلاك”… عن صحيفة “زمانالتركية – بلومبرغ 17/12/18

 

أوروبا – هجرة: استقبلت ألمانيا أكثر من مليون طالب لجوء في الفترة بين سنَتَيْ  2006 و 2015، ومعظمهم لجأوا من سوريا والعراق وأفغانستان بسبب الحروب العدوانية على بلدانهم، بمشاركة الجيش الألماني والمخابرات الألمانية، ولكن تدفق اللاجئين تباطأ، ولم يبلغ المعدّل الذي حدّدَتْهُ الحكومة مع منظمة أرباب العمل،  وأعلن رئيس رابطة أرباب العمل في ألمانيا: “إن الإندماج المهني للمهاجرين في القوى العاملة بألمانيا يسير بوتيرة أسرع من المتوقع”، حيث يوجد 400 ألف منهم بالفعل في وظائف أو يحصلون على تدريب، فيما يتعلم عشرات الآلاف اللغة الألمانية، وسَبَقَ أن صَرّح نفس الشخص، باسم أرباب العمل، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018: “أرجو تعجيل إصدار قانون استقدام مزيد من العمال المهاجرين، من ذوي الخبرة والمُؤَهّلات، لتعويض النقص بالعاملين في ألمانيا…”.

يُظْهر هذا التصريح وتصريحات أخرى رسمية عديدة سابقة، إن لا علاقة لحكومة ألمانيا وشركاتها بما نُسب لهما من “إحسان” أو “عمل خيري” أو “إنساني” عند قبول اللاجئين السوريين، بل ذهب ممثلون عن الشركات للبحث عن ذوي الخبرة في المخيمات في تركيا وفي الأردن، وفي اليونان، وذلك بَحْثًا عن عملة وفَنِّيِّين ومختصين في بعض القطاعات (الطب والهندسة والإتصالات…)، ولا تزال الحكومة الألمانية والشركات بحاجة لعشرات الآلاف من ذوي المهارات والخبرة، وعبرت الحكومة الألمانية عن خيبة أملها من انخفاض طلبات اللجوء بنهاية 2018، مقارنة بالعام 2017، وتتوقع الحكومة انخفاض طلبات اللجوء من أكثر من 198 ألف سنة 2017 إلى حوالي 166 ألف طلب لجوء بحلول نهاية العام 2018، من ضمنهم 30 ألف طلب لأطفال ولدوا للمهاجرين في ألمانيا، وكانت حكومة ألمانيا قد قَدّرت (بالتنسيق مع منظمات أرباب العمل) احتياجاتها السنوية بمعدل 200 ألف سنويا…

في إيطاليا، حيث يَحْكُم البلاد ائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف (الرابطة + حركة خمسة نجوم)، تَشُنّ أجهزة الدّولة حملة قمعية وعنصرية ضد المُهاجرين، الذين أنقَذُوا اقتصاد البلاد من الإنهيار، منذ أكثر من عقْدَيْن، وتظاهر الآلاف يوم السبت 15/12/2018، في روما احتجاجا على القيود الجديدة التي فرضتها الحكومة اليمينية الإيطالية للحد من دخول المهاجرين إلى البلاد، وارتدى بعض المتظاهرين سترات صفرا على غرار المحتجين الفرنسيين، ونُظِّمَت التظاهرة تحت شعار “إنهض من أجل حقوقك”، بدعوة من ائتلاف يضم قانونيين وجمعيات تدافع عن حقوق الإنسان، واحتجت المنظمات الحقوقية والنقابية على تَجْرِيم العمل الإنساني، المتمثل في إنقاذ آلاف الأرواح من الغرق في البحر، خصوصًا خلال السّنَتَيْن الأخيرتَيْن، مع الإشارة إلى مشاركة السفن الحربية الإيطالية والأوروبية، ضمن أسطول حلف شمال الأطلسي، في محاصرة المنافذ البحرية، بين سواحل جنوب البحر الأبيض المتوسط (تونس وليبيا ومصر) وسواحل شمال البحر المتوسط (اليونان ومالطا وإيطاليا)، وأقر الحزبان اليمينيان المتطرفان المُشاركان في الحكم، مرسوما (بواسطة وزير الداخلية، الناطق باسم الرابطة)، يحول حماية الأرواح إلى جريمة، ويتضمّن المرسوم إلغاء تراخيص “الإقامة الإنسانية”، التي كانت تمنح لمن يعانون وضعا هشا وللعائلات والنساء مع أطفالهن ولمن تعرضوا لصدمات نفسية قبل وصولهم إلى إيطاليا، ومنذ 2008، حصل أكثر من 120 ألف شخص على ترخيص إقامة إنساني في إيطاليا يسري لعامين وقابل للتجديد…

في كرواتيا، نشرت منظمات حقوقية تقارير عن العُنف الرّسمي والمُنظَّم والمُخطّط له ضد الأجانب عمومًا (باستثناء السائحين في المنتجعات والفنادق)، مع العلم إن هؤلاء الأجانب يَعْبُرُون أراضي كرواتيا، لكنهم لا يرغبون البقاء بها، بل يحاولون الوصول إلى ألمانيا أو دول أخرى في أوروبا الغربية، وعَبَرَ أراضي كرواتيا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم من الدول الفقيرة أو تلك التي تعاني من الحروب، بين العامين 2015 و2016، ولكن العديد من الحكومات اليمينية في المجر ورومانيا وكرواتيا، اتخذت إجراءات لمنع عُبُور طالبي اللجوء، مما ترك عشرات الآلاف عالقين على الحدود، أو داخل هذه البلدان، مما يزيد من معاناتهم، في ظل القمع الوحشي المنظَّم، واتّسمت حكومة “كرواتيا” (عضو الإتحاد الأوروبي) باتخاذ إجراءات متشددة، منها الإيقاف التعسفي والتعذيب والسجن، خارج إطار ما اتَّفَقَتْ عليه دول الإتحاد، وتمكّن اللاجئون من توثيق بعض مظاهر وحشية السلطات الأمنية الكرواتية، المتشبِّعة بإيديولوجية المليشيات اليمينية المتطرفة، التي حكمت البلاد، مباشرة بعد تقسيم يوغسلافيا (بدعم الولايات المتحدة وألمانيا والفاتيكان)، وهي منحدرة من المليشيات التي تعاونت مع الإحتلال النّازي ليوغسلافيا، خلال الحرب العالمية الثانية، مما يُفسّر انتشار الأفكار والممارسات العنصرية في كرواتيا، بشكل يفوق الدول الأوروبية الأخرى…

عمد الإتحاد الأوروبي إلى القمع والرّدع والدعاية لتشويه المنظمات الإنسانية، وارتفع عدد البوارج العسكرية التي تجوب البحر الأبيض المتوسط، وتنتهك يوميًّا الحدود البحرية لدول المغرب العربي، وتمنع المنظمات وسفن الصيد من إنقاذ المهاجرين المهددين بالغرق، وعبّرت وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس)، عن ابتهاجها لانخفاض عدد طالبي اللجوء في أوروبا إلى أدنى حد منذ خمس سنوات، وانخفض سنة 2018 بنسبة 31% مقارنة بالسنة السابقة (2017)، وأشارت صحيفة “غارديان” البريطانية إلى “وحشية ما يحدث على حدود أوروبا، وخصوصًا في كرواتيا، حيث يسرق عناصر الشرطة أموال وممتلكات وهواتف المهاجرين، قبل تعذيبهم”، وأعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” إن هذه الإعتداءات ليست أعملاً فردية أو ممارسات عناصر غير منضبطة، بل “إن المعلومات التي لدينا تُثبت أن هذه الاعتداءات “منظمة ومخطط لها، على مستوى عالي”، ونشرت مؤسسة اسمها “مراقبة العنف على الحدود” (منظمة حقوقية) شريط فيديو، يوثّق عشرات الحالات من الانتهاكات، والإعتداءات الوحشية الممنهجة التي تمارسها الشرطة الكرواتية ضد اللاجئين، ويوثق الشريط عشرات حالات التعذيب وكسر الأرجل والأطراف… عن صحيفة “غارديان” البريطانية 14/11/18 + صحيفة “ويلد” (ألمانيا) + “أسُّوشيتد برس” (أ.ب) + أ.ف.ب 15 و 16 و 17/12/2018

 

الأزمة الدوْرِية لرأس المال: لم يتجاوز العالم آثار أزمة الإقتصاد الرّأسمالي الأخيرة، والتي بدات في 14 أيلول/سبتمبر 2008، حتى نَشَر المصرف الأمريكي العابر للقارات “جي بي مورغان تشيس” توقعاته بانطلاق أزمة جديدة بحلولسنة 2020، أي أن أرباب العمل (رأس المال) سيحاولون فرض خفض جديد للرواتب (أو تراجع قيمتها الحقيقية)، وخصخصة ما تَبَقّى من مرافق عمومية، وتأجيل سن التقاعد، وغير ذلك من الإجراءات التي فرضتها البورجوزية ورأس المال والحكومات بذريعة الأزمة… بدأت أزمة 2008، بسبب خسائر الرّهن العقاري، فتراجعت أسواق المال، وأعلن بنك “ليمان براذرز” الأميركي إفلاسه بشكل رسمي، بعد ارتفاع خسائره في قطاع العقارات، ونظرًا لتداخل اقتصادات العالم، امتدّت آثار هذه الأزمة المالية (في بداياتها) من الولايات المتحدة إلى مختلف أنحاء العالم، وعَدّ خُبراء الإقتصاد والباحثون والصحافيون هذه الأزمة كإحدى أسوأ الأزمات المالية في التاريخ الحديث، لكن الحكومات (التي تُمثِّلُ مصالح رأس المال) عالجت هذه الأزمة التي تَوَسَّع مداها من أسواق المال ومن المُضاربة العقارية، إلى كافة قطاعات الإقتصاد، في كافة أرجاء العالم، وكلما كان اقتصاد بلدٍ ما مُرتبطًا أو مُنْدَمِجًا بالإقتصاد الرأسمالي العالمي، كان الآثار أشدَّ تَدْمِيرًا، وكانت الإقتصادات الأقل اندماجًا أقل تأثّرًا بالأزمة… وبعد عشر سنوات، تطالب مؤسسات مالية باتخاذ إجراءات وقائية للتخفيف من حدة الأزمة القادمة، التي سوف تحدث (بحسب توقُّعاتها) سنة 2020، بناءً على تحليل الوضع العالمي، وضُعْف نسبة النّمو، وقيمة الأصول وبناء أيضًا على “قوانين” دورة رأس المال، التي تتَضَمن مرحلة ازدهار (لهم وليس لنا) تليها فترة رُكود (دائم لنا ومؤقت لهم)، وهي في واقع الأمر أزمة “هيكليّة”، أي إنها ليست طارئة، وانما هي جُزْءٌ من دورة رأس المال التي تَفْرِضُ البقاء للأقْوَى، فتعْصِف الأزمة بالشركات والمصارف الصغيرة (نسبيًّا) وتزيد من قوة الشركات والمصارف الكُبْرى، التي استفادت، خلال أزمة 2008، من تريليونات الدولارات، من عرق وكَدْح العالملين والمُنْتِجِين، ضَخَّتْها الحكومات، عبر المصارف المركزية، طيلة عِقْدٍ كامل، في خزائن وحسابات هذه الشركات الكُبْرى، وفي جبهة المُنْتِجؤين، ارتفعت وتيرة استغلال العمال والكادحين، ليرتفع “فائض القيمة” الذي تَجْنِيه الشركات من استغلال جُهْدِهِم، وتضرّرت أغلبية سكان العالم، من هذه الأزمة (التي لم يتسبّبوا بوُقُوعها) فيما استفادت الشركات والمصارف التي تَسَبَّبَت بإطلاقها، ولم تنْتَفِعْ الشعوب ولا الإقتصاد العالمي من ما سُمِّي “التَّيْسِير الكمِّي”، أي تدفق المال العام، بدون فائدة، في حسابات الشركات والمصارف العابرة للقارات، التي ربحت مبالغ طائلة من الأموال المَجانية (بدون فائدة)، ومن ارتفاع قيمة الأسهم والعقارات…

بالتوازي مع ما نشره موقع “فورتشن” ( Fortun ) أو “الثّرْوة”، أطْلَقَ البنك العالمي تحذيرات (لمن يُوجّهها؟) من أزمة قَدْ تُطاول قريبًا (في غُضُون سنة أو إثنَتَيْن) أسعار العقارات والقطاع الصناعي وشركات الإستثمار، وشركات إدارَة الأُصُول، وتبعًا لذلك، ستطال “الأزمة” رواتب الأُجَراء والمُتقاعدين مرة أخرى، بحسب صحيفة “غارديان” البريطانية، وقد تزيد الحرب التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد العالم (باستثناء الكيان الصهيوني) من حدة هذه الأزمة المُنْتَظَرة…

أدّت الأزمة في البلدان العربية إلى انطلاق انتفاضات لم تكن تستهدف نظام الحكم كمنظومة شاملة، واستهدفت القوى المُنَظّمة (الأحزاب والنقابات المهنية وما يسمى “المجتمع المدني”) “الإستبداد”، بدل استهداف نظام الحكم والطبقات التي تُنَظِّم الإستغلال والإضطهاد والتّبَعِيّة للإمبريالية، فاستولى الإخوان المسلمون على السلطة في المغرب (بتخطيط من القَصْر الملكي) وفي تونس ومصر، لأن الإخوان يُشكّلون القوة المُنَظّمة القادرة على ملء فراغ السلطة، وتكتسب ثقة الإمبريالية الأمريكية التي نصبت (عبر ممثلها “جيفري فلتمان”) أُولى الحكومات في تونس ومصر، وبعد سبع سنوات ارتفعت قيمة الدُّيُون الخرجية ونسبتها من إجمالي الناتج المحلي في المغرب وتونس ومصر ولبنان والأردن والسودان، وقُسِّمت وخُرِّبَتْ بُلدان أخرى (ليبيا واليمن والعراق وسوريا…)، وتدهور وَضْع العُمال والأُجَراء والمُزارعين والكادحين والمُتقاعدين والفُقراء العرب، وارتفعت الأسعار وارتفعت نسبة الفَقْر والبطالة… من يسْتَطِيع إقْناع أي عامل أو فقير في العالم إن هناك أزمة قادمة، أي إننا لسنا في وضع أزمة حاليا؟ عن موقع “فورتشن” + البنك العالمي + رويترز 16/12/18  

 

عولمة مُسَلّحة: لم تكن العولمة حديثة العهد، فالشركات الإحتكارية تُحاول غزو أسواق خارجية بعد الهيمنة على الأسواق المحلية، بالحيلة أو بالتهديد أو بالعنف، وكان الإستعمار العسكري المباشر أحد ركائز هذا التّوسّع الرأسمالي، كما اقترن الحديث عن “العولمة” خلال العقود الثلاثة الماضية بانهيار الإتحاد السوفييتي وانهيار الحدود بين مُعسْكَرَيْن، كان جدار برلين يُجَسِّمُ أهم مظاهر تقاسم العالم بين مُعَسْكريْن، وتميزت المرحلة الحالية بإبعاد الصناعات الملوثة، والتي تتطلب عمالة كثيفة، من الدول الرأسمالية المتطورة إلى مناطق فقيرة في الصين وفي جنوب آسيا وأوروبا الشرقية (في مرحلة أولى)، كما تميزت هذه المرحلة بزيادة مبيعات الأسلحة، وزيادة أرباح مُجَمّعات الصناعات الحَرْبِيّة، وبتعاقد الولايات المتحدة مع قوى محلية لخوض المعارك مكانها، ولكن تحت إشرافها…

أشارت تقارير معهد ستوكهولم “لبحوث السلام” إلى نمو مبيعات الأسلحة والخدمات العسكرية في العالم خلال العام 2017، وإلى احتلال الولايات المتحدة المرتبة الأولى، منذ عُقُود، رغم تقدم روسي نِسْبِي، وأوردت تقارير المعهد، ارتفاع مبيعات الشركات العالمية للأسلحة والخدمات العسكرية بنسبة 2,5% سنة 2017، إلى 398,2 مليار دولار، وفاقت حصة الشركات الأمريكية 226,6 مليار دولارا أو ما يعادل 57% من إجمالي المبيعات لأكبر 100 شركة سلاح عالمية، وزادت قيمة مبيعاتها بنسبة بلغت 2% مقارنة مع سنة 2016، وحافظت شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية، على موقعها كأكبر منتج للأسلحة في العالم خلال 2017، بمبيعات إجمالية قدرها 44,9 مليار دولار، بينما لم تتجاوز مبيعات كافة الشركات الروسية مجتمعة 37,7 مليار دولارا، أو نحو 9,5% من مبيعات أكبر مائة شركة سلاح في العالم…

يعتبر السلاح أحد أهم وسائل الهيمنة، وتستخدمه الإمبريالية بالتوازي مع الهيمنة الإقتصادية، أو تستخدم السلاح كوسيلة لحراسة الثروة وكأداة تهديد لأي محاولة للتمرّد، خاصة في الدول الواقعة تحت الإستعمار (المباشر أو غير المباشر)، لأن الإمبريالية تستخدم جُزْءًا صغيرًا من الثروات المنهوبة من البلدان الواقعة تحت الهيمنة، لإرْشاء شعوب البلدان الإمبريالية، وللتخفيف من حدة الصراع الطبقي، وتمكنت الرأسمالية (في مرحلتها الإمبريالية) من تحقيق هوامش مُريحة، تسمح بالإستجابة لبعض مطالب الطبقة العاملة والأجراء وتطوير الرعاية الاجتماعية والصحية، لكن من أموال الأُجراء، عبر الإدخار الإجباري لجزء من الرواتب، تجمعها مؤسسات الحماية الإجتماعية التي تشرف على إدارة التأمين الصحي والتقاعد، مما يخفض حدة الصراع الطبقي، ويعرقل انتشار الأفكار الإشتراكية، لكن هذه “الحُقُوق المُكْتَسَبَة” للعمال والأُجراء تبخرت شيئًا فشيْئًا، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي كان يقود المُعَسْكَر المنافس، وفرضت الرأسمالية موازين قوى طبقية جديدة، داخل البلدان الرأسمالية، وعلى الصعيد العالمي، بينها وبين الدول ذات الإقتصاد المتخلف (بفعل الهيمنة الإمبريالية)، كما أدّت التغييرات الهامة في هيكلة الإقتصاد، وتطوير التقنيات وإلى تغييرات جوهرية في طبيعة العمل، وفي تركيبة الطبقة العاملة، التي انخفضت أعدادها في أوروبا وأمريكا، وارتفعت في الصين وفيتنام وبنغلادش وغيرها، وأصبحت معظم الوظائف في قطاعات التكنولوجيا المتطورة، أو وظائف ذات صبغة إدارية وفَنِّية… أما على صعيد هيكلة رأس المال، فقد تعاظَم نُفُوذ الشركات الكبرى العابرة للقارات (متعددة الجنسيات) وكذلك دور رأس المال المالي (المصارف وشركات التأمين والصناديق…)، وازداد دور المنتديات والمؤسسات غير المنتخَبَة ( منتدى دافوس ومجموعة بلدربيرغ ومجموعة الثمانية، والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية…) في تحديد مستقبل العالم، بالقوة الناعمة والدعاية، كما بالقوة الخشنة، العسكرية، وفرضت هذه الشركات والمؤسسات نوعًا من الدكتاتورية المفضوحة (كانت سابقًا مُسْتَتِرَة) تستبيح ثروات البلدان، كما تستصْدِرُ قوانين وقرارات تجيز لها الإستحواذ على شركات القطاع العام (وخصخصة المرافق والخدمات)، مع إعفائها من تسديد الضرائب، بل تستفيد من المال العام، دون تسديد نسبة الفائدة، مما جعل دور الدولة يقتصر على القمع وعلى تأميم الخسائر وخصخصة الأرباح، وتحويل المال العام (من جباية الضرائب والرسوم) إلى حسابات الشركات والمصارف الكبرى، المُعْفاة من تسديد الضرائب، ومن تطبيق ما تبقّى من لَوائِح العمل، مما تسبّب في انخفاض موارد الدولة، وارتفاع الدّيْن العام للدول الأوروبية، على سبيل المثال، بنحو 150% في المتوسّط، خلال خمسة عشر سنة،  وأصبح دور رؤساء الدول الرأسمالية الكبرى مُقْتصرًا في الخارج على البحث عن أسواق خارجية لهذه الشركات…

ظَهَر تيار النيوليبرالية المعولمة مع الثُّنائي “مرغريت تاتشر” في بريطانيا و”رونالد ريغن” في الولايات المتحدة، واستفحل حاليا في أوروبا، والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأمريكا الجنوبية (الأرجنتين والبرازيل)، لكن ذلك أدّى إلى دعم اليمين المتطرف، كما أدى إلى اتساع رقعة الغضب الشعبي…        عن موقع مجلة “بولِيتِكو” + “غارديان” + “الأخبار” (لبنان)17 و 18/12/2018

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.