الجزائر – أزمة عميقة، وليست عابرة، الطاهر المعز

نحاول في هذه الورقة دراسة أسباب التصعيد الجماهيري، وارتفاع عدد المتظاهرين، واتساع رقعة المظاهرات التي عَمّت مختلف مُدُن ومناطق الجزائر…

يمكن اعتبار هذا النص مُكَمِّلاً لنص سابق نَشَرهُ موقع “كنعان”، في الثالث من آذار/مارس 2018، تحت عنوان: “الجزائر – خلفيات احتجاجات شباط/فبراير وآذار/مارس 2019”

https://kanaanonline.org/2019/03/03/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D9%81%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%8C/?fbclid=IwAR36EjMXyC6ohr-SCnYMo8hoZkw9T5d7unvj3nSWZtQymrb9wwymK-YCIVo

 

تصعيد شعبي، وتراجع تكتيكي للنظام:

تزامنت مظاهرات يوم الجمعة، الثامن من آذار/مارس 2019، مع يوم المرأة العالمي، وكانت مشاركة النّساء، من مختلف الفئات الإجتماعية (باستثناء البرجوازيات ) مكثّفة، وكذلك مشاركة الأُسَر، مع الأبناء، وارتَدَت العديد من النساء الرداء الخارجي، الأبيض، التقليدي، المعروف ب”الحايك”، الذي كان يُمثّلُ، رمزًا لمقاومة النساء للإحتلال، زمن الإستعمار المُباشر…

أظهرت الصور والأشرطة حجم المظاهرات غير المسبوقة في شوارع وساحات العاصمة “الجزائر”، كما في المدن الكُبرى، يوم الجمعة، الثامن من آذار/مارس 2019، مما يُعدُّ رَفْضًا صريحًا لرسالة بوتفليقة، التي قرأها مدير حملته الانتخابية يوم الثالث من آذار/مارس، وتضمّنت وُعودًا، غير ذات أهمية، مثل “إجراء انتخابات مبكرة”، بعد فوزه بمنصب الرئاسة، ويمكن ملاحظة حَدَثَيْن هامّيْن، تمثّلا في امتناع الشرطة عن صد المتظاهرين في العاصمة (بسبب كثرة عددهم)، ما داموا بعيدين عن القصر الرئاسي (في ضاحية “المُرادِيّة”)، مما سمح بتخفيف عدد المُصابين بالقنابل المسيلة للدموع، وتمثّل الحَدَث الثّاني في تَصدّع صفوف أحزاب المُوالاة، وإعلان الإنشقاقات، وارتفاع عدد الإستقالات، داخل الحزبين الرئيسِيَّيْن الحاكِمَيْن “حزب جبهة التحرير الوطني”، الذي اهترأت صفوفه، وأصبح هيكلا، يُدير جهاز الدولة، ولكن جماهيره هجرته منذ عُقود، و”التجمع الوطني الديمقراطي”، وهو عبارة عن فَرْع لجبهة التحرير، ويرأسه رئيس الحكومة “أحمد أويحي”، فيما بقي الجيش (القوة الرئيسية المُنَظّمَة) في موقع من يُراقب الوضع عن كثب، وبالتدْقِيق، وَدَعَتْ بعض اللافتات إلى “العصيان المدني”، في حال أصرت الدّائرة المُقرّبة من الرئيس المريض، على ترشيحه، وطالبت بعض الهُتافاتِ الجيشَ “بالانحيازِ للشعب”، ردًّا على تصريحات قائد الأركان ضد المتظاهرين…

شكّلت مظاهرة الثامن من آذار ردًّا مباشرًا على الوُعُود التي أطْلَقَتها الدوائر الحاكمة، باسم عبد العزيز بوتفليقة، وهو في مستشفى سويسري، لا يقدر على الكلام أو الكتابة، فما بالك بعجزه عن التفكير السليم والمنطقي، بحكم اعتلالِهِ، ويستهدف تعهّد بوتفليقة بعدم البقاء لأكثر من عام في حال انتخابه، ترتيب الوضع، من أجل ترشيح شخصية مقبولة من الشعب، غير معروفة بتورطها في عمليات الفساد، لكنها تُواصِل عملية التغطية على الفساد وعلى تهريب الثروات إلى الخارج، والحفاظ على امتيازات الأثرياء، من كبار ضباط الجيش ومن رجال الأعمال، والمُستفيدين من الريع النفطي، ومن عمليات التوريد والتصدير…

أدّى اتساع نطاق المظاهرات إلى تَصُدِّع بعض الدّوائر المُتَنَفِّذَة، خارج دائرة الأحزاب ونواب البرلمان والحكومة، ومن بينها “منتدى رؤساء المؤسسات”، الذي يرأسه “على حدّاد”، أحد المُقرّبين من دائرة الرئيس، التي تحكم باسمه)، و “الاتحاد العام للعمال الجزائريين”، الذي لا يُمثل العمال في شيء، بل يُمثل السلطة الحاكمة، لدى الطبقة العاملة، وعُرف الأمين العام بتمَلُّقِهِ الزائد عن اللُّزُوم لرموز السلطة السياسية…

تميّزت المظاهرات، منذ بداياتها في 22 شباط/فبراير 2019 بالمشاركة المُكثّفة للشباب (أقل من ثلاثين سنة) الذي يُشكل أكثر من نصف الشعب الجزائري، ونحو ثُلُثَيْ المتظاهرين، ومعظم المتظاهرين، من الجيل الذي لم يُعايش الحرب الأهلية (أو لم يكن يُدْرِك ما يحدث)، والذي لم يعرف غير بوتفليقة كرئيس، ولم يعرف غير البطالة، وهو جيل يبحث عن عمل وحياة كريمة، لم يتأثّر بالشعارات الوطنية المناهضة للإستعمار، وبتاريخ حرب التحرير، ولكنه متشبث بعدم تدخل القوى الأجنبية، مما يُبعِد شُبْهة “الأيادي الأجنبية التي تُحرك شرذمة ضالّة تصطاد في الماء العكر”، كما كان يَرِدُ في الإعلام الرّسْمي العربي بشكل عام، ومن بينه الإعلام الجزائري الرسمي (الحكومي)، واستهجن العديد من المُعارِضِين للنظام، تصريح وزير الخارجية الفرنسي، بشأن “الدعوة للاستقرار والأمن والتنمية في الجزائر”، كما أثارت ادعاءات أحد موظفي وزارة الخارجية الأمريكية “دعم الولايات المتحدة الشعب الجزائري”، احتجاجات واسعة، ورُدُودًا تدعو أمريكا إلى “دَعْم الشعب الفلسطيني”، والكف عن خلق الفوضى في فنزويلا، بدل التّدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وذَكّرَت بعض وسائل الإعلام الجزائرية بالعدوان الأمريكي على شعوب ليبيا والعراق وسوريا، في المقابل كانت مشاكل البطالة والفقر والفساد، مواضيع دائمة الحُضُور في النقاشات والشعارات، وهي مشاغل المواطن، وخصوصًا الشباب، التي لا تقترح أحزاب المعارضة المعروفة، حلولاً لها، مما يقلل من شعبية هذه الأحزاب لدى المُتظاهرين، وكانت الرسالة المَنْسُوبة للرئيس قد اتهمت “الحاقدين من خارج البلاد” بإثارة زوبعة مُفْتعَلة لإحداث الفوضى في البلاد…

 الأسباب الحقيقية للإحتجاجات:

تمثّل الإحتجاجات الحالية نتيجة منطقية لمسار طويل (بدأ منذ عُقُود) لما يسميه صندوق النقد الدولي “برنامج الإصلاح الهيكلي”، والذي أدّى إلى تطبيق برنامج اقتصادي رأسمالي ليبرالي (بدل رأسمالية الدّولة)، وإلى وضع حدّ للإصلاح الزراعي، وإلى تخلّص الدولة من القطاع الصناعي، وبيعه للشركات الأجنبية (مُجَمّع “الحَجّار” للحديد والصّلب) أو المحلّية، بمشاركة رأس المال الأجنبي، وأصبحت الدولة تعتمد في إيراداتها على ريع النفط والغاز، مما أثّر سلْبًا على التشغيل، حيث ارتفعت نسبة البطالة إلى مستويات قياسية (نحو 12% من قوة العمل، رسميا)، واضطر خريجو الجامعة العاطلون عن العمل إلى العمل بالإقتصاد الموازي، ويظم نحو أربعة ملايين عامل، أو الهجرة غير النظامية، والمخاطرة بالحياة، بحثًا عن حياة أفْضل، رغم علْم الكثير منهم بانسداد الأُفُق في أوروبا…

من جهة أخرى، نتج عن هذه السياسة الإقتصادية الليبرالية، تعميق الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، ويأس فئة الشباب من العمل في وظائف “عادية”، براتب قار، وبتأمين اجتماعي، وخلاص الساعات الإضافية، وغيرها من الحقوق التي كانت مكتسَبَة في مؤسسات القطاع العام، وارتفعت نسبة البطالة بين الشباب دون سن الخامسة والعشرين، والنساء، وخريجي الجامعات إلى ما بين 20% و 30%، أما الثروات فارتفعت بفعل الفساد الذي تُدِيرُهُ وتشرف عليه دوائر الدّولة، منذ العقد الأخير من القرن العشرين، إبان الحرب الأهلية، عبر خصخصة المؤسسات والمرافق وعبر توريد المواد الضرورية والكمالية، وعبر العقود الضخمة للبنية التحتية، وبناء المساكن الإجتماعية، وتميزت هذه الفئات الجديدة من البرجوازية بعدم الحياء، وبنشر مظاهر الثراء السريع، مما يُشكل استفزازًا للفُقراء وللشباب الباحث عن عمل، وللعمال الذين يكدحون، من أجل رواتب ضعيفة، لا يتجاوز معدّلها 150 دولارا شهريا، في ظل ارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الدينار…

مخاطر الإحتواء:

أدْرَك بعض الأثرياء والمُستفيدين من الريع ومن الفساد، ومن الخطَط الإقتصادية الحكومية، وممن ساهموا في نشر البطالة والفَقْر، درجةَ حِدّة الغضب، وعُمق الرغبة في التّغْيِير، فركب بعضهم (أو حاول رُكوب) موجة الإحتجاجات، ومن بينهم رجال الأعمال والأثرياء (مثل يسعد ربراب)، بسبب بعض الخلافات داخل صفوف الأثرياء والسلطة، وبعض قادة الأحزاب، وغيرهم، من أجل تخريب النضالات، ووضْع حواجز أمام تطورها، وأمام تجذّر مطالبها، والهدف هالوحيد لهؤلاء هو، في كل الحالات، ومهما كان إسم الحاكم، زيادة حصتهم من النّهب والسرقات، ومراكمة الثروات، ولا يتجاوز فهمهم للحرية، غير حرية الإستغلال وتأمين الملكية الفَرْدِية أو الخاصة (مقابل الملكية الجمْعِية، أو العمومية)، وغياب الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للعمال والكادحين والفُقراء، لأن المال عندهم هو الذي يُحَدّدُ مكانة الشخص في المجتمع، ويحدد حقوقه وواجباته، ولا يتجاوز دور الدولة عندهم، تأمين وحماية الثروات، دون الإكتراث بمصْدَرِها، وبطريقة الحصول عليها…

نحن لا نفْتَرِي على هؤلاء، وإن هذه الإستنتاجات هي خلاصة تصريحاتهم السابقة وخلال الفترة الحالية، ويرفض جميعهم الرّبط بين الديمقراطية السياسية (التي يختزلونها في عملية الإنتخاب) والديمقراطية الإقتصادية والإجتماعية، ويدّعُون إن لا رابط بين الموضُوعَيْن، كما يُعلل بعضهم إجراءات الخصخصة، وفتح الباب أمام المصارف والشركات الأجنبية، “بضرورة الإنفتاح على الخارج”، لتبرير التحالف القوي بين مجموعة شركات “يسعد ربراب” (سيفيتال) التي تحتكر توريد وتجارة المواد الغذائية، مع الشركات الفرنسية، في الجزائر وفي بلدان إفريقية أخرى، وارتباط مصالح مجموعة أخرى من الأثرياء، ومن بينهم “علي حَدّاد” بالشركات الصينية (البنية التحتية والتجارة)، سواء في الجزائر، أو في بلدان أخرى، وتتفق مختلف هذه المجموعات، رغم خلافاتها، على إعادة توزيع الريع فيما بينها، وتتفق كذلك على رفض موضوع إعادة تقاسم الثروات التي يُطالب بها المتظاهرون، لأنها تعني ببساطة، خفض حصة الأثرياء من الثروة الوطنية، لصالح الأغلبية من الفقراء والأُجراء والكادحين، فيما بقي قسم آخر من الرأسماليين وأرباب العمل (جزء من “منتدى أرباب العمل”)، على دِينِهِم الأول، وطالبوا بمزيد من القمع للإحتجاجات، و”وضع حد للفوضى”، باسم القضاء على الفتنة، وتشجيع المبادرة الفردية…

 خاتمة:

تكمن المشكلة في الجزائر، كما في غيرها من البلدان العربية، في غياب البديل الثوري، (الثوري بمفهوم التغيير الجذري)، وفي غياب قوى منظمة (باستثناء تيارات الدين السياسي)، قادرة على طَرْحِ وتنفيذ برامج قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، من أجل تحقيق النمو عبر استخدام مَدْرُوس لموارد البلاد المادية والبشرية، وإعادة توزيع ثمرة الإنتاج لكي تستفيد منها الأغلبية، مما يحد تدريجيًّا من مشاكل البطالة والفقر ومن مخاطر الهجرة غير النظامية…

إن مطلب الديمقراطية مطلب مشروع، ويكمن الإختلاف في “ماهية الديمقراطية”، أي هل تشمل الديمقراطية الإقتصادية أم تنحصر في عملية اختيار من يستطيعون الترشح؟

إن القضية الأساسية، في الجزائر وفي غيرها من بلاد العرب والعجَم، هي: في أي مجتمع نريد أن نعيش وتعيش الأجيال اللاحقة؟ وعندما نحدد طبيعة هذا المجتمع، ندرس وسائل العمل على تحقيق هذا الهدف.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.