تحولات نوعية وكمية طرأت على المجتمع الأردني في الآونة الأخيرة، المبادرة الوطنية الأردنية

 

14/3/2019

 

تجري تحولات، نوعية وكمية، داخل المجتمع الأردني، بالفعل وفي الواقع، ويبدو أنها غير مرئية أو أن منظومة الحكم والنخب التابعة وكثير من السياسيين الأردنيين، لا يقدرون أو لا يعيرون اهتماما لهذه التحولات، فما زالوا يتمسكون في تشخيص مفوّت لهذا الواقع.

ففي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وعلى ضوء صخب تسارع الأحداث وتفاعلاتها في منطقتنا العربية والجوار، يصبح إعادة تقييم المتغيرات المحلية، بشكل دوري، واجب من أجل تطوير أدوات النضال بحسب المقتضى.  

 انطلاقا من الحقائق والوقائع والمعطيات القائمة يمكن تشخيص الواقع الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي الأردني القائم وطبيعة التحولات التي حدثت داخل الدولة والمجتمع بخطوط عريضة:

         قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، ومحاولة الطغمة المالية العالمية فرض الرأسمالية المضاربة، كان النظام الحاكم التابع في الأردن ، يستند إلى قاعدة اجتماعية تتشكل من:

 كبار البروقراط المدني والعسكري، وكبار التجار، وكبار ملاكي الأراضي والمواشي، وشيوخ العشائر.
وكان الاقتصاد بدائي، ولكنه كان يحقق، إلى حد كبير، الاكتفاء الذاتي ويسمح بتصدير فائض من قطاع الزراعة والثروة الحيوانية ومواد خام أولية إلى دول الجوار.

تم إنشاء إمارة شرق الأردن ، دولة وظيفية ريعية تابعة وفرض عليها الاعتماد على المساعدات الخارجية والمنح والقروض الميسرة لإدارة شؤون الدولة والمجتمع – من قبل الانتداب البريطاني الأول ثم الانتداب الثاني الأمريكي –  والهدف حجز التطور الطبيعي للدولة والمجتمع، ومنع إحداث التراكم الرأسمالي الوطني، والتراكم المعرفي المرتكز إلى خطط تنمية وطنية منتجة حقيقية متمحورة حول الذات الوطنية، مما ولّد قسراً دولةً مستهلكةً ومجتمعاً مستهلكً، على كافة الصعد، وتبعاً تم حجز بناء هوية وطنية ومجتمع مندمج، وبذلك تم ضمان حجز الاندماج المجتمعي وضمان ديمومة بقاء المجتمع الماقبل رأسمالي : مجموعات ومجاميع منعزلة عن بعض، غير مندمجة،  تتساكن على أرض واحدة. 
نتج عن هذا النهج – الاعتماد على المساعدات الخارجية –  أن أصبحت الدولة ومؤسساتها المشغل الرئيس للقوى العاملة في المجتمع، فتم ربط المجتمع بكله، وعلى كافة الصعد: الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية، بمؤسسات الدولة البيروقراطية ورجالاتها – مما سمح في نشؤ ظاهرة “أزلام وأتباع” – ومنع بناء الدولة الحديثة. 

حجز هذا النهج مسار التطور الطبيعي للدولة – حيث نشؤ سوق أولاً – بالاعتماد على المجتمع المنتج، ومن ثم يسار إلى بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

        بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وبروز وهم نهاية التاريخ وصراع الحضارات، والبدء في تطبيق توافقات واشنطن، ومحاولة فرض الانتقال إلى الرأسمالية المضاربة، حدث تغيير نوعي: من وظيفة دولة الرعاية والمشغل الرئيس للقوى العاملة، إلى دولة المصارف والمؤسسات المالية، وحدث انحلال  الحامل الاجتماعي القديم للنظام، وبدء محاولة بناء حامل اجتماعي جديد تحت مسمى ” اللبرالية الجديدة” أو ما أطلق عليه الأردنيون مصطلح ” جماعة الديجتل الصلع” وهنا أنفجر صراع بين من يطلق عليهم قوى الشد العكسي أي ” البروقراط الأمني والمدني ” من طرف، الذين شعروا بتهديد مواقعهم في الدولة ، و ” اللبراليون” الذين لم يتمكنوا من تثبيت مواقعهم الجديدة.

        في خضم هذا الصراع، بين هذين المعسكرين، دخلت البلاد في حالة من الفوضى، ودخل الاقتصاد مرحلة كساد، فتنام معدلات الفقر والبطالة، وتلاشت الخدمات المجتمعية، وزاد السخط العام، وتولدت حراكات اجتماعية متعددة الأنماط، حراكات مطلبيه وحركات سياسية اتخذت للمرة الأولى شعارات تغيير النهج: كسر التبعية وتغيير سمة الدولة الاستهلاكية لصالح دولة الإنتاج، وعلى كافة الصعد.

        اتخذت الحراكات الطابع الوطني تدريجياً، فأخذت إلى حد كبير الانقسامات البدائية تتلاشى: العشائرية والطائفية والإقليمية والمناطقية، فلم يعد يجد التحريض على هذه الأسس. 

        لم يعد فاعلاً الاستقطاب الذي كان سائداً ما بين النظام والحركة الإسلامية، ولا بين فلسطيني وأردني، ولا جنوبي وشمالي، ولا بدوي وحضري، ولا أدل على ذلك من الحوارات العلنية الجارية في صفوف الحراك والمجتمع، حيث التوحد حول مطالب وطنية محددة وواضحة:

“كسر التبعية وتغيير النهج وبناء الدولة المنتجة المستقلة” بالإضافة إلى شعارات محاربة الفساد واسترجاع الأموال المسروقة، ومحاسبة المسؤوليين عنه، واسترجاع الشركات الوطنية التي تم بيعها، واستعادة دور الدولة في تأمين العمل طبقاً للنص الدستوري والرعاية الصحية والتعليم المجاني.

فتبددت التناقضات الوهمية ونم بدلاً عنها وعي بالتناقض الرئيسي ” بين عامة الشعب وخاصة الشرائح الكادحة والمنتجة، من طرف، وقوى التبعية: في الحكم وفي السوق وفي صفوف النخب، ومن خلفها قوى الهيمنة قي المركز، من طرف آخر.

هذه التطورات الجارية في المجتمع الأردني تنبه لها المركز الرأسمالي، ونتيجة وعيه ومعرفته بأهمية الموقع الجيوسياسي للأردن ، باعتبارها العقدة الجيوسياسية الأهم في المنطقة، وخوفاً من حدوث انفجار في هذا البلد، ومعرفته بخطورة تداعيات هذا الانفجار على المنطقة خاصة وعلى المحيط الأوربي عامة، أخذت بريطانيا المبادرة ودعت إلى “مؤتمر لندن” لتخفيف الأزمة المالية المتعمقة، ومحاولة ضمان دعم مالي، ما زال معالجة الأزمة القائمة تعتمد المقاربات المالية، ولم تقترب من الحلول الحقيقية، حيث معالجة الأزمة البنيوية الاقتصادية الاجتماعية هي الأساس.

        الأردن ليس بحاجة إلى مساعدات خارجية، لا بل يمكن أن يصبح دولة مانحة، إذا ما تم رفع الحجز عن ثرواته الطبيعية ومقدراته الوطنية، وتم استثمارها ضمن خطط تنمية وطنية متمحورة حول الذات الوطنية.

        لسنا بحاجة إلى مؤتمرات تسوّل، بل، أذا ما تحرر القرار الوطني، وعبر إتباع نهج التراكم الرأسمالي الوطني، يمكن إحداث نهضة وطنية شاملة تحرر الطاقات الهائلة الكامنة في المجتمع الأردني، ليحدث التغيير المنشود، والقفزة المنتظرة.

        الفرصة الآن سانحة لإحداث نقلة نوعية للحراك المجتمعي والانتقال به إلى مرحلة جديدة، مرحلة حمل مشروع التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي،  وبناء الحامل الاجتماعي لهذا المشروع، حامل يتشكل من  ممثلي أطر الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة: النقابات العمالية والفلاحية والمنظمات الجماهيرية، والقوى السياسية وقوى المجتمع الوطني. 

        بناء قيادة مخلصة صادقة مؤتمنة على الحراك ومشروعه. 

 

” كلكم للوطن والوطن لكم”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.