قمع وريع وضرائب وتمييز في المقاومة! عادل سمارة

من هذه معاً وجميعاً تتشكلَّ آنياً اللوحة/المشهد الفلسطيني بكل هذه المتناقضات. ولهذا السبب بالتحديد، اي المتناقضات، ورغماً عنها تعلو القضية ويشتد الصراع وينفجر زعيق من يشدونها إلى الخلف. يعيقونها نعم، ولكن التناقض لا يتوقف بل يخلق نقيضه ولا يتوقف عند خلق طباقٍ له، فلا طباق  إثر صراع نقيض وآخر.

رفضٌ في الضفة الغربية طالما جرى قمعه بكل ما أسس دايتون من ضخِّ إعادة التثقيف مركَّبا على تدريب وتسليح، إلى جانب إعادة هندسة المجتمع ككل، ما امكن عبر تطبيق تنظيرات ضواري اليمين لا سيما كارل بوير وحفيد داروين إلى جانب تغلغل أل سي آي إيه إلى حد قد تراهم  يُدعون إلى أعراس القُرى . اعتقالات، وتعذيب، واتهامات، وقمع تظاهرات ونعت  المشاركات بأكثر القول سوقيةَ. اما البنية التحتية لكل هذا فهو سلطة وريع هائل وضرائب اشد هولاً. ريع وضرائب! معادلة عجيبة.

جوع وفقر واعتراض في غزة قوبل بقمع سلفي اصولي لا قيمة في أفقه الثقافي غير العصا والسيف وربما النار. وهناك ايضاَ ريع وضرائب! معادلة عجيبة ايضاَ. 

بنية هنا وأخرى هناك، سلطة هنا وأخرى هناك، بتوصيف اشنع، شيء هنا وآخر هناك يعيشان على ريع خبيث. ريع لا يتسرَّب منه للناس سوى النزر الاضطراري، ومع ذلك يتجول سوط الضرائب على ظهور الناس.

الريع في رام الله اموال المانحين الأعداء غرباً وعرباً، امريكا، اوروبا اليابان وأموال الدين السياسي الوهابي والسلفي :السعودية والإمارات. 

والريع في غزة أموال الدين السياسي القطري والعثماني ومركز الإخوان المسلمين، والدين السياسي الإيراني أكثر نظافة ولكن له أجنداته ايضاَ.

ضرائب، ومن لا يدفع يُقمع ومن يعترض يُهان في وطن: المقاومة”!

أما الرد على كل هذا، فبيد شاب فرد في سلفيت وبرقين والزاوية وغداً في كل زاوية. لكنه سوف يُنسى قريباً سواء بقي على قيد النضال أو  قيد حياة الشهادة، لا فرق لديه وقد أعطى درساً اسطورياً في حرب غوار المدن للعدو ولل “دولتين”.  وكأنه يقول بأن المقاومة والريع لا تستقيمان.

هذا الريع مني…لك وحدك!

بين الريع من الجمهوريات العربية وبين ريع اليوم مسافة تمييز هائلة. كان الريع من ليبيا والعراق إلى الجميع، بمعزل عن التفاوتات. كان الريع، على مساوىء استخدامه، عروبياً.

اما ريع الإمبريالية وأنظمة الدين السياسي فمختلف الهوى والتوجه.

شرط الريع الإمبريالي هو الحفاظ على اتفاق أوسلو حياَ وفاعلاَ . هو ريع مالي مقابل موقف سياسي بلا مواربة. لذا كان دايتون من إفرازاته. فكان القمع لأية معارضة ذات قيمة.

وشرط الريع الوهابي تماما كشرط الريع الغربي بل وأخطر لأنه مغطىً بالدين و “نعمة” سلطان تابع.

للريع في غزة هاشم وجهان:

الوجه القطري العثماني، والذي لا يختلف عن أهدف الريع الغربي والوهابي، اي هو ريع ضد المقاومة ولكن بقفازات مالية تراهن على توهين العزيمة تدريجياً، إعادة هندسة من عملاء. دشداش أبيض وقلب أسود وعقل مع العدو.

ووجه آخر، ريع من نظام الدين السياسي في إيران، يدعو للمقاومة، ولكنه يمارس تمييزاً فوقيا واضحاً بأنه لقوى الدين السياسي، ليس لليسار منه سوف الفتات بعد استشهاد القذافي وصدام ومحاصرة قوميي الكويت. وهذا يعني أنه، إذا لم توجد الطائفية فليكن الدعم لقوى الدين السياسي حيث هي الأقرب. هذا سيثير غضب المهزومين/ات لأنهم لا يريدون المقاومة ويُحيلونها على الحليف الإيراني ويُغضب عميلات/وعملاء إيران الذين قد لا تعرف إيران أنهم مخترقون.فمن لا عروبة له لا إخلاص له للحليف الإيراني. 

لفتني حديث للسيد أحمد جبريل قبل بضع سنوات على الفضائية السورية او على الميادين حيث اشتكى من التمييز من قبل إيران، وحتى السودان حيث يتم التمييز لصالح حماس والجهاد الإسلامي في السلاح. ولا أشك انه كذلك في الريع! وهذا يعني أن إيران تميز بقصد ضد المنظمات اليسارية والعروبية. مما يجعل ما تقدمه من ريع هو ديني سياسي وقومي أيضاً.

ريع…و…ضرائب:

إلى جانب التمييز بين وضد القوى الفلسطينية فيما يخص الريع الغربي والوهابي والإخواني، والتمييز على أرضيتي الدين السياسي والفكري، تقع الناس تحت سياط الضرائب التي تتوالد أميبياً.

فإذا كان الأمر بين الفصائل تمييزاً مقصود به تفوق طرف على آخر، فإن الأمر على الشارع تقشيط اشده على الفقراء وأقله على الفاسدين والطفيليين والكمبرادور. إنه تمييز طبقي بامتياز.

ولكن، لجباية الضرائب شرطها الأساس وهو معرفة الناس بمقدار ما في الخزينة؟ حتى بغض النظر عن المصدر. وكيفية توزيعه وعدالة توزيعه.

ولأن كل هذا من الأمور التي لا يعرفها الجمهور، فإن الاعتقاد السائد بأن الريوع في الدويلتين كافٍ ويزيد مما يجعل جباية الضرائب أمر فائض عن الحاجة أي لا يذهب لخدمة الناس. ويبقى هذا الأمر معلقاً طالما لا شفافية.

ما جرى في غزة قبل بضعة ايام يدل على حالة من الحقد المتخلِّف، كراهية سوداء استنكرتها مختلف الفصائل باستثناء فصائل الدين السياسي التي كما يبدو مرتاحة مالياً، من الشيخ الأكبر حتى المريد الأصغر. حظيت بالتمييز الذي يقصد تقويتها على غيرها أكثر مما يقصد تقويتها ضد الكيان الصهيوني. 

وما جرى ويجري كثيراً في الضفة الغربية تجلى في حقد فصائلي وحتى ذكوري ناهيك عن تثقيف دايتوني!

وإذا كان قد تسابق كثيرون/ات على رفض همجية حماس، فإننا لم نشاهد رفضاً لهمجية سلطة رام الله تجاه المواطنين؟

صحيح أن قمع الجياع أسوأ، ولكن قمع الحريات ابلغ، لأنه يؤسس لحياة العبودية. 

هذا القمع الضريبي والحرياتي، وذاك التمييز بين القوى على أرضية الدين السياسي لا يحتاج إلى شرح موسع لنتائجه وتداعياته ودروسه بمعنى أنه لا يخدم المقاومة. بل واخطر، إنه يبين بأن معسكر الثورة المضادة أكثر نضجا، وأعلى انسجاماً وأشد تماسكاً. 

الرد من سلفيت:

بين حين وآخر، يبرز من بين الفقراء رجل  بمثابة نبي شاب، سيف علي، سيف خالد، سيف وديع حداد  لا فرق، يضرب بنصل سكينه فقاعة التسوية، فقاعة الاستدوال مؤكداً بأن المشروع هو التحرير. تتراكض قوى الاستدوال سواء  عشاق الدولة او الدولتين بالمباركة والتمسُّح. لكن بلاغة الحدث لم تردد سوى نشيداً واحداً هو الرفض قائلاً: أمّا وباب النضال على مصراعيه وبأقل الكلف، نعم هو حرب الغوار المديني هذه المرة، فما لزوم الاستدوال ومجيىء القيادات من الخارج إلى المعتقل! ناهيك عن حجيج التطبيع بحجة زيارة السجين بل مباركة اعتقاله.

وهكذا، يحل شاب محل آلاف القادة الذين فاق عددهم سِعة المكاتب ليقول بأن النضال الوطني في فلسطين، يجب أن يكون :

  • رفض التطبيع 
  • تركيز المقاطعة
  • عملية نوعية بين حين وآخر
  • تثبيت الناس بالتنمية بالحماية الشعبية
  • استعادة الشارع العربي كي يفعل شيئا ما
  • تأكيد عروبة فلسطين فالتحرير لن يكون إلا عروبياً

وهذا يعني أن الاستدوال طريق مغلق وخطورته أنه يغلق طريق النضال، مما يستدعي انبياء من الشباب.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.