“أميركا الكُبرى”: الولايات المتحدة ومستعمراتها المترامية، أسعد أبو خليل

في القسم الأخير من كتاب «الاستشراق» عابَ إدوار سعيد على العالم العربي عدم دراسته للغرب. انتقد غيابَ مراكز تُعنى بدارسة الولايات المتحدة وسياساتها. وقد موّلَ الوليد بن طلال مركزيْن في الجامعة الأميركيّة في بيروت وفي الجامعة الأميركيّة في القاهرة لكن الجامعتيْن حريصتان جدّاً على سمعة عطرة للولايات المتحدة. الجامعة الأميركيّة في بيروت لم تجدّد عقد ستيفين سلايطة لأن فضلو خوري ارتاعَ من غضبة الصهاينة في واشنطن.

لا نعلم في العالم العربي الكثير عن أميركا وتاريخها. لا يزال هناك مَن يُردّد جاهلاً: آه، لو أن سياسات أميركا تمثّلُ الديموقراطيّة الأميركيّة في داخل أميركا. ماذا يعلم هؤلاء عن العنصريّة والقمع والجوْر داخل حدود أميركا؟ في أوائل القرن العشرين (صيف ١٩١٩)، عبّرَ سكّان «سوريا الكبرى» في استطلاع لجنة «كنيغ-كرين» عن ودّهم وتعاطفهم مع الولايات المتحدة وفضّلوها، في حال فُرض الانتداب، على أوروبا كسلطة انتدابيّة. ويقول ديفيد ليش في كتابه «الشرق الأوسط والولايات المتحدة» (ص. ٩) إنه «كان هناك نظرة إيجابيّة (في المنطقة في أوائل القرن العشرين) نحو الولايات المتحدة» لكنها تغيّرت بعد ذلك. ورشيد الخالدي يقول في كتابه «انبعاث الإمبراطوريّة» إنه «كان يُنظر إلى الولايات المتحدة بصورة جد إيجابيّة من القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين كقوّة غير استعماريّة أو معادية للاستعمار» (ص.٣٠-٣١). ويتفق أسامة مقدسي في كتابه «الثقة في غير مكانِها: الوعد المنكوث في العلاقات الأميركيّة-العربيّة», (ص. ١٩٢) مع ما قيلَ أعلاه ويقول إن رؤية النخب العربيّة كانت أن أميركا «قوة عظيمة لكن ليست إمبرياليّة». لكن الانطباع الإيجابي هذا للنخب العربيّة كان ناتجاً عن جهل لأن العرب آنذاك – واليوم – لا يعلمون عن تاريخ من الاستعمار الأميركي المباشر في أنحاء مختلفة من الأرض. واستقلال أميركا عن بريطانيا أعطاها – كما أعطى دولة العدوّ في حربها ضد بريطانيا – صفة لا تستحقّها كدولة مناهضة للاستعمار. 


هذا كتاب جديد ومهمّ وفريد من نوعه، صدر قبل أسابيع، عنوانه: «كيفَ تخفي إمبراطوريّة: تاريخ للولايات المتحدة الكبرى» للمؤرّخ دانيال إميرفاهر, أستاذ في جامعة نورث وسترن في إلينوي
«How to Hide an Empire: A History of the Greater United States» by Daniel Immerwahr‚ (Farrar‚ Straus and Giroux‚ 2019).
الكتاب يحتاج إلى ترجمة دقيقة إلى العربيّة لأنه يُعرّف العرب عن جانب مجهول لديهم من التاريخ والحاضر الأميركي. 
نجحت أميركا في تصوير نفسها لنا على أنها مناصرة في القرن العشرين لحق تقرير المصير فيما كانت تستعمل العنف لفرض سيطرتها على شعوب في أنحاء مختلفة (قبل أن تأتي إلينا بالاستعمار المباشر). عند اندلاع الحرب العالميّة الثانية كانت أميركا تستعمر هاواي والفيليبين وغوام وبورتوريكو وأميركين سوموا وويك وكانت حريصة على نفي صفة الاستعمار عن نفسها: مذكّرة رسميّة حذّرت في عام ١٩١٤ من أي استعمال لعبارة «مستعمرات» واستعمال كلمة «أراضي» بدلاً عنها (ص.١١). استعمرت أميركا الفيليبين بين عام ١٨٩٩ و١٩٤٦ (وكانت اليابان أعلنت استقلال الفيليبين عند احتلالها في الحرب العالميّة الثانيّة، ما أجبر أميركا على منحها الاستقلال فيما كانت هناك نيّة للاستمرار في الاستعمار المباشر)، وبورتوريكو من عام ١٨٩٩ حتى اليوم، وهاواي من عام ١٨٩٨ حتى إعلانها ولاية في عام ١٩٥٩، وألاسكا من عام ١٨٦٧ حتى إعلانها ولاية في عام ١٩٥٩، و«منطقة قناة بنما» من عام ١٩٤٠ حتى ١٩٧٩، وجزر «فرجن» من عام ١٩١٧ حتى اليوم (وهذه الجزر تصوّت مع دولة العدوّ في الأمم المتحدة)، وغوام من عام ١٨٩٩ حتى اليوم، و «أميركين سوموا» من عام ١٩٠٠ حتى اليوم. أي إن عدد سكّان مستعمرات أميركا بلغ نحو ١٩ مليون في عام ١٩٤٠ فيما كان عدد سكّان داخل الولايات المتحدة نحو ١٣١ مليون (ص.١٥).

الكتاب يؤرّخ لوحشيّة واستعمار أميركي مجهوليْن من العرب ومن الأميركيّين على حد سواء


بلغت مساحة المستعمرات خُمس مساحة أراضي أميركا في الداخل. لكن تاريخ وطابع استعمار هذه البلاد والجزر مجهول. والمؤلّف، إميرفاهر، قال لي إن فكرة الكتاب أتته خلال زيارة الفيليبين عندما أدرك أن تعليم تاريخ أميركا يتجاهل استعمارها، مثلاً. أي أن بيرل هاربر جرت على أرض غير أميركيّة يومها. وبعد الحرب العالميّة الثانية، استعمرت أميركا قسماً من ألمانيا وكوريا والنمسا وكل اليابان, أي إن «أميركا الكبرى» ضمّت أو استعمرت ١٣٥ مليون نسمة خارج حدود أميركا. وسكّان المستعمرات الأميركيّة لم تختلف حياتهم عن حياة السود داخل أميركا، من حيث العنصريّة والحرمان من الحقوق السياسيّة والمُواطنة وإطلاق صفات التحقير العنصري ضدّهم وإجراء اختبارات طبيّة عليهم (كما جرى في بورتوريكو). والكتاب يعزّز نظريّة أن العرق والعنصريّة هي مركزيّة في تأريخ الجمهوريّة الأميركيّة واستعمارها. أي إن الإمبرياليّة الأميركيّة ليست حديثة العهد، مع أن دورها تعاظم بعد الحرب العالميّة الثانيّة: ومنذ تلك الحرب تدخّلت أميركا عسكريّاً في حروب ونزاعات ٢١١ مرّة في ٦٧ دولة (ص.١٨).
والاستعمار الأميركي بدأ في داخل أراضي دولة أميركا اليوم وتوسّع خارجها. في العقد الرابع من القرن التاسع عشر أنشأت الحكومة الفدراليّة مستعمرة للسكّان الأصليّين في «أوّل مستعمرة» لها (ص. ٢٠).
وتدرّج الاستعمار الأميركي من حالة السكّان الأصليّين إلى الفقراء والملوّنين في الداخل الأميركي قبل أن يتوسّع خارج الحدود. وبعد أن استولت أميركا على ولاية لويزيانا لم يكن في الوارد إعطاء سكّانها حقوقهم وكان داعي الحريّة، توماس جيفرسون، صريحاً إذ قال يومها إن سكّان الولاية (وفيهم خليط من الملوّنين) «مثل الأطفال غير قادرين على الحكم الذاتي» (ص.٣٣). وهكذا حُكمت الولاية عسكريّاً. لكن السكّان الأصليّين هم الذين عانوا من الإبادة والاضطهاد منذ أن وطأ الرجل الأبيض هذه الأرض. كانوا يُعزلون في أنحاء من البلاد، ثم يُطردون منها ويُدفعون نحو أنحاء أخرى ويتعرّضون للإذلال والمهانة (يصف السكان الأصليّون ترحيلاتهم القصريّة نحو الغرب بـ «مسارات الدموع»). وكان الرجل الأبيض، فرداً وفي شخص الحكومة الفدراليّة، يستسهل نكث الوعود وخرق الاتفاقيّات التي كان يوقّعها مع السكّان الأصليّين. 

تاريخ استعماري طويل
ليس هناك ما يشرح عقليّة الاستعمار الأميركي أكثر من استعمار الـ«غوانو». الـ«غوانو» هي براز الطيور والوطاويط وأميركا احتاجت إليها في القرن التاسع عشر. إذا أردتَ أن تعرف المزيد – أو كل شيء – عن سماد براز الطيور ما عليكَ إلا قراءة ٥٢٨ صفحة من كتاب «كيف تخفي إمبراطوريّة». إن إهدار المجارير في الأنهار بعد التطوّر المديني حرمَ المزروعات الأميركيّة من مادة النتروجين الضروريّة للمزارع (حتى كتاب «البؤساء» يتضمّن إشارة عابرة إلى إهدار المجارير). والجزر التي تجاور شاطئ البيرو غنيّة بهذه المواد الطبيعيّة الغنيّة بالنيتروجين، والمطر نادر فيها ممّا يحفظها من التلف والشمس تتكفّل بشيّها. ويتراكم ال«غوانو» مكوّناً تلالاً بعلوّ مئات الأقدام. أما رائحتها فهي كريهة للغاية حكماً، ويستطيع المرء شمّها على بعد أميال. وصل خبر الـ«غوانو» إلى الكونغرس الأميركي في منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت أسعار استيرادها بالارتفاع. التزم وزير الخارجيّة بتأمين حماية لمن يُبحر لجلب الـ «غوانو» من البيرو مع أن سيادة الجزر هي لليبرو. استعدّت البيرو للحرب. الرئيس الأميركي فرانكلين بيرس حسم الأمر وأصدر قانون «جزر الغوانو» في عام ١٨٥٦ وحسب القانون، فإن أيّ مواطن أميركي يكتشف الـ «غوانو» على جزيرة غير مسكونة فإن الجزيرة تصبح حكماً بأمر من الرئيس الأميركي «متصلة بالولايات المتحدة» (ص. ٤٤). لكن لم يكن كل استعمار أميركا لجزر غير مسكونة، وإن كانت الجزر غير المسكونة مملوكة من دول أخرى ذات سيادة (نظريّاً). وتحرّكَ الشعب الأميركي لحصد براز الطيور، كما تحمّس في «فورة الذهب» في كاليفورنيا نفس الحقبة، وبدأ ضم، ،و احتلال الجزر بدءاً من عام ١٨٥٧. وبحلول عام ١٨٦٣، كانت الحكومة الأميركيّة قد احتلّت ٥٩ جزيرة. وكان آخر احتلال جزيرة غنيّة بـ «الغوانو» في عام ١٩٠٢ عندما بلغ عدد تلك الجزر ٩٤ جزيرة. وهذه الجزر خدمت الانتشار الاستراتيجي للولايات المتحدة فيما بعد حيث أقامت عليها مطارات حربيّة.
الدعوة إلى إنشاء إمبراطوريّة استعماريّة وجدت مُعتنقاً متحمّساً في الرئيس ثيودور روزفلت. فروزفلت أعلن بصراحة في ١٨٩٧ أن أميركا تحتاج إلى إمبراطوريّة. والطريق إليها هو عبر الحرب، و«البلاد تحتاج إليها» – أي الحرب (ص. ٥٥). وكانت الإمبراطوريّة الإسبانيّة تعاني تضعضعاً أثار شهيّة الاستعماريّين الأميركيّين، مثل روزفلت. وكانت إسبانيا تصارع الشعوب التي تعاني من احتلالها، في كوبا والفيليبين وبورتوريكو. ولم يكن استفزاز إسبانيا للدخول في حرب صعباً. حثّ روزفلت الحكومة على وضع سفينة (اسمها «مِين») قبالة شاطئ هافانا في ١٨٩٨ والانتظار لما سيحدث. والأعجوبة حدثت من دون انتظار: وقعَ انفجار على متن سفينة «مِين» (مجهول المصدر، طبعاً). تردّد الرئيس ماكنلي في إعلان الحرب وخشي روزفلت من ذلك وقال: «أخشى أن ماكنلي يميل إلى السلم» (ص. ٥٧). والتحريض الإعلامي من قبل إعلام هرست نجح في تعبئة الرأي العام، ورضخ ماكنلي للضغط الشعبي وأعلن الحرب. وفي ساعات ستّ في ١ أيّار دمّرت القوّات الأميركيّة – أو استولت على- كل السفن الإسبانيّة. وجنّد روزفلت قواتٍ كانت شاركت في إخضاع السكّان الأصليّين في الداخل الأميركي. وقّعت إسبانيا على «اتفاقيّة سلام» لتنهي الحرب الأميركيّة – الإسبانيّة وابتاعت أميركا الفيليبين منها بقيمة ٢٠ مليون دولار، واستولت مجاناً على بورتوريكو وغوام، واحتلّت كوبا. لم يكن لسكّان تلك البلدان من رأي في عمليّة البيع والشراء. (ص. ٦١). واستهوت فكرة احتلال الفيليبين الرئيس ماكنلي الذي قال: «علّموهم وارفعوا شأنهم وحضّروهم ونصِّروهم». وهكذا وُلدت الإمبراطوريّة الأميركيّة الكُبرى: لم تكن الخرائط تتسع لاحتواء أراضيها وبحارها. وكانت أميركا في حرب ضد المكسيك قبل ذلك قد استولت على ثلثها مع أنه كانت هناك رغبة باستعمارها كلّها بعد احتلال مكسيكو سيتي لكن السيناتور كالهون اعترضَ على فكرة ضم شعوب متخلّفة.
وتنامت الشهيّة الاستعماريّة واستولت أميركا على جزر هاواي (وكان اقتصادها تحت سيطرة احتكاريّين أميركيّين). وبعد ذلك، بين ١٨٩٩ و١٩٠٠ احتلّت أميركا السوموا مع جزيرة ويك. بعد انتهاء الأعمال الحربيّة كانت أميركا قد أضافت إلى سيادتها ٧٠٠٠ جزيرة تضم ٨,٥ مليون نسمة. وبألاسكا بلغ حجم المقتنيات الاستعماريّة حجم أميركا الداخل عند استقلالها في أواخر القرن الثامن عشر. وكم كان الشعب الأميركي الذي يهوى السيرك والمعارض والمهرجانات سعيداً عندما دشّنت ولاية نبراسكا أوّل «معرض استعماري» جلبت فيه «ألفاً من السكّان المُستعمَرين كـ«فرجة» من المقتنيات الجديدة. والإعلان عنهم فاخرَ بعيّنات من البشر «الشبيهين بالقرود» من الفيليبين» (ص. ٦٩). 
لكن بعد احتلال الأرض، ماذا تفعل بالسكّان؟ هنا خيضت مناقشات مستفيضة تقاربت مع الحيل الصهيونيّة عن احتلال أرض السكّان الأصليّين. الفتوى من الحكومة كانت أن لا حقوق للمُستعمَرين لأن الدستور تحدّث عن «الأراضي» الأميركيّة وهؤلاء ليسوا على الأراضي «الأميركيّة». ووزير العدل الأميركي في حينه كان صريحاً في إشارته إلى مستعمرات وأن رضى السكّان الأصليّين أو المُستعمرين ليس ضرورياً أبداً، و أنهم رعايا لا مواطنين. لم تمنح الحكومة المواطنيّة لأهالي بورتوريكو إلا في عام ١٩١٧ (وهي محرومة من وضع الولاية) وفرجين ايلاندز في عام ١٩٢٧ وغوام في عام ١٩٥٠، لكن مواطنيّتهم خاضعة للنقض. أما شعب الفيليبين فلم يُمنح المواطنيّة في السبعة والأربعين عاماً تحت الحكم الأميركي. أما أهالي السوموا فهم أميركيّون منذ عام ١٩٠٠ لكنهم قانوناً ليسوا أميركيّين. (ص. ٧٣).

أميركا التي من باب «تدريب الجيوش المحليّة»، كما في لبنان، تحافظ على موطئ قدم عسكريّة في معظم دول الأرض


وكان صراع المتمرّدين الفيليبينيين ضد الاحتلال الأميركي مريراً. قاتل فيه المتمرّدون ببسالة وشجاعة وفقر: كانوا يجمعون علب الطعام المعدنيّة ويحوّلونها إلى خراطيش للبنادق. والذي قاد الحملة في الفيليبين كان هو نفسه الجنرال ماكرثر، الذي سيعود إلى الفيليبين لطرد اليابانيّين منها في الحرب العالميّة الثانية. خاض الفيليبينيّون حرب عصابات ضد المحتلّ الجديد، فيما ألهم الاستعمار الأميركي الشاعر رديارد كيبلنغ ليكتب قصيدته الشهيرة عن «عبء الرجل الأبيض» في استعباد الشعوب لصالحها. ماكرثر كان مباشراً في الردّ على حرب التمرّد ضده: كل الأسرى سيُقتلون، والبلدات التي تؤازرهم ستُحرق بالكامل. (ص. ٨٠). هناك في الفيليبين أتقن الجنود الأميركيّون ممارسة تعذيب «الإيهام بالغرق»، والذي ستنتشله أميركا من الأدراج بعد ١١ أيلول.
وبقيت كوبا في عهدة حاكم عسكري أميركي الذي عرّف الاستقرار بأنه يكمن في حركة رأس المال. عرضت أميركا الرحيل لكن مقابل تعديلات دستوريّة. طالبت أميركا بحق الحفاظ على أملاكها كما طالبت، وبتواضع شديد، بحق التدخّل العسكري في كوبا متى أرادت. وكان لها ما أرادت: وافق مجلس النوّاب الكوبي على منح أميركا حق غزو كوبا (وهي بالفعل قامت بذلك أربع مرّات). ووافقت كوبا على تأجير خليج أصبح معروفاً اليوم: خليج غوانتانامو، وذلك لأغراض عسكريّة. ويقول المؤّلف إميرفاهر عن حق: إن اميركا قطفت ثمار استعمار كوبا من دون أعباء الاستعمار المباشر. (ص. ٩٤). لكن التدخّلات العسكريّة الأميركيّة لم تنحصر في كوبا، بل قامت أميركا بغزو نيكاراغوا ثلاث مرات، جمهوريّة الدومينيك أربع مرات، هوندوراس سبع مرات، غواتيمالا وبنما ست مرات، المكسيك وكوستا ريكا ثلاث مرات، هيتي مرتيْن. وألحقت بالشراء السلمي (من الدانمرك) جزر الفرجين. الرئيس ولسن الذي ارتبط اسمه بـ«حق تقرير المصير للشعوب» كان عنصريّاً وشبّه سكّان العالم الثالث بالأطفال، ورأى أنهم يحتاجون إلى تدريب.

سياسة «أطبّاء بلا حدود»
وليس هناك من حالة تلخّص منطق الاستعمار الأميركي مثل حالة بورتوريكو التي لا تزال تعاني من استعمار وإفقار غير مقنّع من قبل الحكومة الأميركيّة (مات نحو ثلاثة آلاف في إعصار «ماري» قبل عاميْن. مَن سمع بذلك هنا أو هناك؟) مارس الاستعمار الأميركي سياسة «أطبّاء بلا حدود»، كما يصفها إميرفاهر: أي إن الأطبّاء كانوا يُجرون اختبارات طبيّة غير مسموح بها في الداخل الأميركي على سكّان المستعمرات. وليس هناك أبلغ أو أشنع من قضيّة الطبيب كورنليوس رودس، الذي وضعته مجلّة «تايم» على غلافها في سنة ١٩٤٩ تقديراً لاكتشافاته في حقل مكافحة مرض السرطان. رودس هذا كتب ذات مرّة اعترافَه، إذ قال عن سكّان بورتوريكو الفقراء: «إنهم بلا شك أوسخ وأكسل وأحطّ وأنصب عرق. أشمئزّ أنني أقطن نفس الجزيرة معهم. إنهم أدنى من الهنود. ما تحتاجه الجزيرة هو…«تسونامي» لإبادة السكّان… لقد أديتُ قصار جهدي كي أخدم مسيرة الإبادة عبر قتل ثمانية منهم وزرع السرطان في آخرين» (ص. ١١٨). والطبيب رودس هذا ترأس فيما بعد قسم الحرب الكيميائيّة في الجيش الأميركي في الحرب العالميّة الثانية، ونال وساماً رفيعاً عن عمله هذا. لكن بورتوريكو لم تكن حقل اختبار طبّي فقط بل حقلاً تجاريّاً وحبوب منع الحمل جُرِّبت هناك وكانت بجرعات كبيرة تسبّبت بأمراض، ما أدّى إلى تقليصها في الداخل الأميركي. وشجّعت الحكومة التعقيم: ١٨ ٪ من الولادات لحقتها عمليّات تعقيم. (ص.٢٠٣)
وفي عام ١٩٣٤ أنشأت الحكومة الأميركيّة إدارة مركزيّة للمستعمرات، لكن صُرِف النظر عن إطلاق تسمية الاستعمار عليها فوقع الاختيار على كلمة «قسم الأراضي»، ووقعت بورتوريكو وألاسكا وهاواي وجزر الفرجن تحت سلطتها، كما وقعت بعد بضع سنوات الفيليبين وجزر الغوانو. أما غوام وسوموا فقد بقيت تحت سلطة البحريّة الأميركيّة. وهذه المستعمرات مدّت الداخل الأميركي بالكثير من السكّر من مزارع في هاواي وبورتوريكو وجزر فرجن والفيليبين. لكن الاعتماد على المستعمرات من أجل السكّر تقلّص بعد إنشاء مزارع الشمندر في الجنوب الأميركي. لكن الاستفادة الاستراتيجية والاختبارات الطبيّة العنصر الأقوى في الاستعمار. والاستعمار العسكري، أي نشر قوّات أميركيّة في الجزر والمستعمرات كان يعني دائماً تدشين صناعة الدعارة والرقيق والإتجار بالبشر والأمراض الزهريّة التي لا يسافر الجنود الأميركيّون من دونها. لا تزال منطقة جنوب شرق آسيا منطقة مزدهرة للسياحة الجنسيّة «السوداء» (التي تتعاطى بالقُصَّر) من أيام حرب فيتنام ووجود القوّات الأميركيّة. (هناك كتاب لسنتيا إنلاو عن القواعد العسكريّة الأميركيّة وأخطارِها على المرأة بعنوان «الموز والشواطئ والقواعد»).
وبحلول الحرب العالميّة الثانيّة كانت أميركا لا تزال تستعمر الفيليبين. لكن اليابان بعد أن احتلّتها أعلنت استقلالها في أكتوبر ١٩٤٣. كانت أميركا تعد الفيليبين بالاستقلال لكن اليابان هي التي منحتها استقلالها فيما كانت الدعاية الأميركيّة تصوّر اليابان، لا أميركا، كقاهرة الشعوب. وحاربت أميركا في الفيليبين بالوحشيّة التي ميّزت كل الحروب الأميركيّة. ستالين كان عارفاً بحقيقة الاستعمار الأميركي. هو قبل بمليارات من الدولارات من الدعم الأميركي لكنّه رفض وجود أي جندي أميركي على أراضي الاتحاد السوفياتي. وبنهاية الحرب العالميّة, كان ٥١٪ من سكّان أميركا الكبرى يقطنون خارج الداخل الأميركي. لكن النسبة تقلّصت بعد ١٩٦٠ إلى نحو ٢٪, أي بعد ضمّ هاواي وألاسكا إلى الاتحاد الأميركي.
قد يتساءل سائل عن سبب عدم الحفاظ على المستعمرات الأميركيّة وعلى القوّات الأميركيّة فيها. لكن إميرفاهر يجيب عن ذلك في تحليل تفصيلي عن المطّاط وعن المواد المصنّعة. يقول إن أميركا نجحت في إيجاد وسائل استعمار شبه مقنّعة لأن تصنيع المطّاط (والبلاستيك فيما بعد) نفى الحاجة للاستيلاء على هذه المواد كما فعلت دول أوروبيّة. وأميركا التي تنشر قوّات لها في ٨٠٠ قاعدة عسكريّة في العالم، والتي من باب «تدريب الجيوش المحليّة»، كما في لبنان، تحافظ على موطئ قدم عسكريّة في معظم دول الأرض. 
هذا تاريخ يجب أن ينتشر عن دولة صمّت آذان العالم عن اعتناقها للحريّة والديموقراطيّة. هذا الكتاب يؤرّخ لوحشيّة واستعمار أميركي مجهوليْن من العرب ومن الأميركيّين على حد سواء. «كيف تخفي إمبراطوريّة»؟ قنابلها وصواريخها تعلن عن حاضرها يوميّاً، لكن تاريخَها مخفي.
ملاحظة: هناك إشارة مزعجة في الصفحة ٣٣٦ يرد فيها ما يلي: «عندما نالت فلسطين استقلالها كدولة إسرائيل». شرحت لدانيال جهل الإشارة في صياغته لأن فلسطين وإسرائيل لا تجتمعان وأن الثانية ولدت على حساب الأولى. وعد بأن يزيل العبارة في النسخة الورقيّة من الكتاب.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)

:::::

 “الأخبار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.