الصين: تطويع الرأسمالية لمتطلبات القرن الواحد والعشرين، الطاهر المعز

تقديم

يُسْتَشَفُّ من وثائق الحكومة الصينية، إن المنعرج الإقتصادي بدأ سنة 1978، عندما بدأت الحكومة (والحزب “الشيوعي” الحاكم) تدعو إلى تَبَنِّي النهج الرأسمالي، لكن بقيادة الدّولة، مما سمح بتحويل قيادات الحزب الحاكم (والأَوْحَد)، والجيش، والشرائح العُلْيا من بيروقراطية أجهزة الدّولة، وأجهزة الحكم الإقليمي والمَحَلِّي، إلى برجوازية جديدة، راكمت ثروات طائلة، من خلال نَهْبِ مؤسسات القطاع العام، وأراضي وممتلكات الدولة (أي ممتلكات الشعب) في الأرياف، وتكثّف مُسْتوى التّراكم الرأسمالي، بفضل عرق مئات الملايين من العمال، ومن المُزارعين الذين اضطُرّوا إلى النزوح نحو المدن الصناعية، لتستغلهم المصانع، دون حصولهم على الحقوق الدنيا (الحق في السكن والرعاية الصحية وتعليم الأبناء)، بل يضطرون لتسديد الرشوة مقابل الحصول على أي خدمة، وأدى هذا التراكم، خلال أربعة عقود، إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدّل 9,4% سنويًّا، وانتقل حوالي 800 مليون شخص، من حالة الفَقْر المدقع، إلى حالة الفقر النّسبي (بمقاييس البنك العالمي)، أمّا الدولة فقد اتجهت نحو إفريقيا وبعض مناطق آسيا، وبعض بلدان أمريكا الجنوبية، لنَهْبِ مواردها الطبيعية، وتصدير فائض العُمّال الصينيين (حوالي مليون صيني في قارة إفريقيا)، وفائض السلع الرديئة والرخيصة، مما قضى على الصناعات التقليدية والعديد من الحرفيين في هذه البلدان، مقابل تطور اقتصاد الصين، وارتفاع حجم المبادلات التجارية بين الصين وبلدان العالم، وارتفاع حجم احتياطي النقد الأجنبي الصيني، وبدأت الولايات المتحدة تتخوف من تطور الرأسمالية في الصين، عندما أظهرة الصين قُدُرات تصنيعيّة فائقة، وعندما بدأت الشركات الحكومية الصينية تُنْتِج تجهيزات تستخدم التكنولوجيات الدّقيقة، وتجهيزات الإتصالات والطاقة وغيرها، ولذلك أعلن الرئيس “باراك أوباما” سنة 2012 (بدعم قوي من قيادات الحزب الديمقراطي وجزء هام من الحزب الجمهوري) نقل 60% من القوة العسكرية البحرية الأمريكية إلى آسيا، لمحاصرة الصين، ولسد الطريق أمام إمداداتها، في حال انطلقت حرب معها، لكن الصين بدأت منذ 2013 في تنفيذ مبادرة “طريق الحرير الجديد”، أو مبادرة “الحزام والطريق”، للإلتفاف على المخططات الأمريكية لمحاصرتها، وأعلن الرئيس الصيني، ضخ أربعة تريليونات دولارا لدعم هذه الخطة، أُضِيفت لها عدة مبالغ أخرى، واستغلّت الصين الضّربات والنّكسات التي أصابت النظام الرأسمالي العالمي، خصوصا في الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، لِتُوَسِّعَ نطاق تجارتها الخارجية، وتُكثِّف استثماراتها، في إفريقيا وآسيا، وفي أوروبا أيضًا، ضمن رُؤْية صينية للعالم، وضمن برنامج “الحزام والطريق”، الذي وفّرت له الدّولة (الصِّينية) الدّعم الضروري، المالي والإعلامي، والدبلوماسي، وغير ذلك من الوسائل، وتدّعي الدّعاية الرّسْمية الصينية “إن مبادرة الحزام والطريق تُشكّل تحفيزًا للنمو العالمي الذي يحتاجه الجميع، للتغلب على المصاعب والتحديات الاقتصادية…”، وأصبحت الصين، منذ أكثر من عقد، أكبر مدافع عن الإقتصاد الرأسمالي المُعَوْلَم، عبر التجارة الحرة والمنافسة “العادلة” (لا يمكن أن تكون المنافسة “عادلة”، لأنها يجب أن تنتهي بغالب ومغلوب)… 

رموز الرأسمالية الصينية:

تُعَدّ شركة “هواوي”، العملاقة في مجال الاتصالات، واحدة من أكثر الشركات الصينية نجاحا، وإحدى أكبر الشركات العالمية في مجال التزويد بمعدات الاتصالات وخدماتها، وأصبحت تُنافس الشركات متعددة الجنسية، ذات المنْشَأ الأمريكي أو الأوروبي، أو الكوري الجنوبي، وغيرها، ولذلك اعتبرت حكومة الولايات المتحدة (التي تمثل مصالح الشركات الكبرى) نشاط هذه الشركة الصينية على مستوى العالم “تهديدا للأمن الوطني الأمريكي”، ومنعتها من التنافس للفوز بعقود حكومية أمريكية، وضغطت الحكومة الأمريكية على حلفائها لاستثناء “هواوي” من المشاركة في شبكات “الجيل الخامس” للإتصالات، في دول الحلف الأطلسي، وفي دول الحُلَفاء، وهدّدت أي دولة تستخدم التقنيات الصينية، بخفض مستوى تبادل المعلومات معها، واعتقلت حكومة كندا المديرة الماليّة لشركة “هواوي”، خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، بناءً على طلب أمريكي، ومنعت حكومات عديدة حول العالم، من بينها كندا وأسترليا ونيوزيلاندا، وأوروبا، شركات اتصالات من استخدام خدمة شبكات الجيل الخامس التي تقدمها “هواوي”، مبررة ذلك بمخاوف أمنية، واعتبرت الولايات المتحدة (ومعها الحكومات التي ضغطت عليها) إن شركة “هواوي” تتمتع بعلاقات وطيدة مع الحكومة الصينية، وطموح الشركة (ومن ورائها الحكومة الصينية، وفق الدعاية الأمريكية) للهيمنة على سوق الجيل الخامس لتقنية الهواتف المحمولة، ومساعدة حكومة الصين على “جمع المعلومات الخاصة بالمواطنين الغربيين والمنظمات والحكومات الغربية”، وهو ما تنفيه الشركة الصينية، التي رفعت دعوى قضائية ضد الحكومة الأمريكية التي “فرضت حظْرًا غير مُبَرّر”، يفتقر إلى الأدلة، وفشل الكونغرس الأمريكي مرارا في تقديم أي دليل يدعم قيوده على منتجات “هواوي”، وذكّرت الشركة بعددٍ من حالات التجسّس الأمريكي على حكومات الأصدقاء والخصوم في العالم (من أستراليا واليابان إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية)، وهي الحالات التي وقع اكتشافها، بالحجج الدّامغة التي لا يمكن إنكارها، وثَبَتَ من خلالها ضَغْط الحكومة الأمريكية على شركات مثل “أريكسون” و”سيسكو” و”سامسونغ” وغيرها من شركات الإتصالات الأخرى، للحصول على المعلومات الخاصة بالمُسْتخدمين، ومن بينهم رؤساء حكومات أوروبا (أعضاء حلف شمال الأطلسي)، وسرعان ما خمدت نيران التّبْن التي اشتعلت على إثر اكتشاف عمليات تجسس مخابرات وحكومة الولايات المتحدة على “الحلفاء والأصدقاء”، فضلاً عن الخصوم والمنافسين و”الأعداء”…

انطلقت الحَمْلة ضد شركة “هواوي”، ضمن سلسلة من الخصومات والنّزاعات الإقتصادية والسياسية، والتي أدّت إلى فَرْض رُسُوم مرتفعة على صادرات الصّلب واللوحات الشمسية وبعض السلع الصينية، منذ عدة سنوات، قبل إعلان “دونالد ترامب” الحرب التجارية، أما استهداف شركة “هواوي”، فيندرج ضمن محاولات استبعاد الصين من سوق التقنيات الحديثة والمتطورة (منذ 2010)، إذ تعد الصين “دَخيلاً” على هذا الميدان، ولكن شركة “هواوي” أصبحت واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في الصين، وثانية أكبر شركات إنتاج أجهزة الهواتف المحمولة في العالم، بمبيعات فاقت مائتَيْ مليون هاتف محمول سنة 2018، في أنحاء العالم، وأصبحت بالتّالي مُنافِسًا جِدِّيًّا للشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية وغيرها، في مجال التقنيات الدّقيقة، وسبق أن أصدرت  لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب الأمريكي (سنة 2012) تقريرا يُفِيد إن شركتي “هواوي”، و”زد تي إي” الصينيتَيْن “يمكنهما اعتراض الاتصالات في حال السماح لهما بالعمل في الولايات المتحدة، كما يمكنهما شن هجمات الكترونية على البنية التحتية الأمريكية كشبكة الكهرباء”، وأوْصَت اللجنة بعدم السّماح باستخدام منتجات وخدمات هاتَيْن الشركَتَيْن، وظَهَر فيما بَعْدُ إن المصدر الرئيسي لما ورد في هذا التقرير، هي وكالات الاستخبارات الرئيسية الأمريكية (منها وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الاتحادي)…

تتهم الولايات المتحدة الشركات الصينية بالتعاون مع الحكومة الصينية، بينما أقرت جميع دول حلف شمال الأطلسي وفي مقدمتها الولايات المتحدة، قوانين الطوارئ، بذريعة “مكافحة الإرهاب” (خصوصًا بعد 11/09/2001)، وهي قوانين تجبر المنظمات والمواطنين والمجموعات على الوشاية “لدعم ومساعدة الشرطة” وتُجبر هذه القوانين المواطنين على تنفيذ عمل استخباراتي، مَجَاني، بذريعة الوقاية من الإرهاب، فَضْلاً عن القوانين التي سمحت للحكومات وأجهزة المخابرات من التنصت على الأفراد والمجموعات والأُسَر والأحزاب والنقابات، باستخدام تطبيقات شركات التكنولوجيا، بذريعة “الأسباب الأمْنِيَّة”، وكانت أجهزة مخابرات الدول الرئيسية الناطقة بالانغليزية (الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا ونيوزيلندا ) مُكلّفة رسميًّا بمراقبة الاتصالات في الاتحاد السوفيتي ودول “المنظومة الاشتراكية”، منذ أواخر الحرب العالمية الثانية (منذ ما قبل نهاية الحرب)، وتواصل تَجَسُّسُ هذه المنظمة، إلى حين انهيار الإتحاد السوفييتي، ليتوسّع بد ذلك إلى بقية بلدان العالم، بذريعة “محاربة الارهاب”، مع التركيز على الصين، وكانت هذه الدول (بالإضافة إلى ألمانيا وفرنسا) في مقدمة البلدان التي أرسلت جنودًا إلى أفغانستان والعراق (باستثناء فرنسا عند احتلال العراق سنة 2003) وليبيا وسوريا وغيرها، وهي نفس الدّول (ومعها دول أخرى) التي أعلنت أنها لن تسمح لشركة “هواوي” بالمشاركة في شبكات الجيل الخامس التي تنشئها…

لا يُمْكِن فَصْل الإجراءات الأمريكية، التي وَحّدَت نواب الحزْبَيْن الجمهوري والديمقراطي، ضد شركة “هواوي”، عن الحرب التجارية الأمريكية ضد الصّين، ومحاولة منع الصين من احتلال موقع الولايات المتحدة في الهيمنة على اقتصاد العالم، وتأخير امتلاكها التقنيات الدقيقة…

تضرّرت الشركة الأوروبية من قرارات العقوبات والحظر ضد روسيا والصين وإيران، ومع ذلك، يطَبِّق الإتحاد الأوروبي القرارات الأمريكية، ويُضيف عليها إجراءات أخرى أحيانًا، كما في سوريا، مما يجعل من أوروبا قوة اقتصادية، وقزْمًا سياسيا (في السياسة الدّولية)، ولا يمكن البحث عن هامش من الحركة، للبلدان الفقيرة، من خلال التعويل على “الصراع بين الإمبرياليات”، وكانت شركة استشارات أمريكية (شركة “روديوم”) قد نشرت نتائج دراسة، ادّعت “إن نحو 50% من الاستثمارات الصينية في دول الاتحاد الأوروبي، سنة 2018، كانت في قطاعات حسّاسة”، وأثارت هذه الدّراسة الأمريكية المُوَجّهَة بفعل السياسات الأمريكية (وهي ليست الدراسة الأولى)، جدلاً في أوروبا عن “هيمنة الصين” على أوروبا، ولم تُثِر الحكومات الأوروبية (ولا معظم أحزاب المعارضة) هيمنة الولايات المتحدة على الحلف الأطلسي، وإجبار الحكومات الأوروبية على زيادة ميزانية الحرب، وتكثيف المشاركة الأوروبية في العدوانات العسكرية التي لا تخدم سوى المصالح الأمريكية في العالم…

طريق الحرير يمر من أوروبا

بدأت الصين تنويع علاقاتها منذ سنوات، مما خفّف من تأثير العقوبات الأمريكية، وتندرج مبادرة “الحزام والطريق”، ضمن البرنامج الإستراتيجي الصيني لتجاوز الولايات المتحدة، ولقيادة النظام الرأسمالي العالمي، بأساليب مختلفة (في بداياتها، على الأقل)… أما الحكومة الأمريكية فهي تُفاوض الصين، وتُقر العقوبات، في نفس الوقت، وأعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” (يوم الإربعاء 20 آذار/مارس 2019) “إن الرسوم الجمركية تُمثل عُقوبة نَفْرِضُها على الصّين، بهدف إجبارها على تقديم تنازلات عديدة، وسوف تبقى هذه العقوبات لفترة طويلة…”، وتهدف الإدارة الأمريكية إبقاء الرسوم المفروضة على واردات الولايات المتحدة من المنتجات الصينية، بقيمة تفوق 250 مليار دولارا سنويا، ويفتخر “دونالد ترامب” مُصرِّحًا “إن هذه الرسوم خفضت العجز التجاري، وجلبت مليارات الدولارات للخزينة الأمريكية”، ولكن العجز التجاري لم ينخفض، بل ارتفع، ثم من يُسَدِّدُ هذه الرُّسُوم؟ إنه المُسْتهلك الأمريكي، والشركات الأمريكية المُسْتَوْرِدَة للمنتجات الصينية…  

لم تستشر الحكومة الأمريكية “حُلفاءها” قبل اتخاذ قرار خوض الحرب التجارية ضد الصين وروسيا، وقبل اتخاذ قرارات العقوبات والحَظْر، بل تَضَرّرت شركات أوروبية عديدة (شركات صناعة السيارات وشركات الطاقة والمصارف وغيرها) من هذه الحرب التجارية، ومن العُقوبات ضد الصين وروسيا وإيران، واعتادت حكومات الولايات المتحدة (مهما كانت الأغلبية، “جمهورية” أو “ديمقراطية”) فَرْضَ قراراتها ومصالحها، على الحلفاء، وكثّفت خلال السّنوات القليلة الماضية، من تهديداتها (في قالب “تحذير”) لدول الإتحاد الأوروبي، بشأن عدد من القضايا، ومن ضمنها الحرب التجارية والمنافسة التكنولوجية التي أصبحت تُمَيِّزُ الصين، وهددت الإدارةُ الأمريكيّةُ حكومةَ ألمانيا بالتوقف عن تقاسم المعلومات السرية إذا لم تستبعد برلين شركات الاتصالات الصينية من شبكات “الجيل الخامس” (مع الإشارة إلى ثبوت تجسس الولايات المتحدة على الحكومة الألمانية)، وكانت الحكومة الأمريكية قد عارضت عدة صفقات لشركات صينية في أوروبا، و”حَذّرت” إيطاليا من المشاركة في مشروع “طرق الحرير الجديد” (أو “الحزام والطريق”) الصيني، علمًا وإن أضخم القواعد البحرية والجوية الأمريكية توجد في أوروبا وإيطاليا، سواء بغطاء الحلف الأطلسي، أو بدونه… 

صادق البرلمان الأوروبي (شباط 2019)، بضغطٍ من فرنسا وألمانيا (وإيطاليا بدرجة أَقَلَّ) على “قانون إطاري” لمراقبة الاستثمارات الأجنبية في الاتحاد الأوروبي في “القطاعات الإستراتيجية”، ولمَنْعِ بعض أصناف الشركات الأجنبية من الحصول (بأسعار زهيدة) على الخبرة والتقنيات التي طوّرتها أوروبا، على مر العُقُود، وأصبح القانون نافذًا، في شهر آذار/مارس 2019، في مجموع الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، ولا يُشكّل هذا القانون الأوروبي سوى تأكيد لما تُطبّقه حكومة فرنسا منذ 2014، وحكومة ألمانيا، منذ سنة 2004، إثر شراء شركة صينية لشركة “كوكا” التي تعتبر من أهم الشركات الصناعية في ألمانيا، واتخذت حكومة ألمانيا قرارًا في كانون الأول/ديسمبر 2018 (في شكل مَرْسُوم) يسمح للحكومة الألمانية بالتدخل لتعطيل صفقة استحواذ شركات أجنبية على شركة ألمانية، وخفضت عتبة التدخل من نسبة 25% (نسبة حصة الشركة الأجنبية في رأس مال الشركات الألمانية) سنة 2004، إلى نسبة 10% سنة 2018، واضطرت شركة “يانتاي تاهاي” الصينية، إلى التّخَلِّي عن شراء شركة “ليفيد” الألمانية لصناعة المعدات، بعد إقرار المرسوم الحكومي، رغم بدْء المفاوضات منذ عدة أشْهُرٍ…

وقعت إيطاليا والصين يوم السبت 23/03/2019، مذكرة تفاهم بشأن المشروع الصيني المعروف تحت اسم “مبادرة الحزام والطريق”، وذلك في ختام زيارة الرئيس الصيني لروما، لثلاثة أيام، في نطاق سعي الصين إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بلدان عديدة، بعد إعلان الولايات المتحدة “الحرب التجارية”، وتنتمي إيطاليا إلى مجموعة السّبعة (بعد إقصاء روسيا)، وهي أول دولة تنتمي لهذه المجموعة، تنضم إلى “مبادرة الحزام والطريق”، وبهذه المناسبة، وقعت شركات إيطالية وصينية، مجموعة من اتفاقات التعاون، في مجالات الطاقة والفولاذ وأنابيب الغاز، وغيرها، بقيمة تُعادل عشرين مليار يورو…

أثارت هذه الزيارة رُدُود فعل مُعادية، من داخل إيطاليا ومن خارجها، وأعلن “ستيف بانون”، المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي أصبح مستشارا لليمين المتطرف في أوروبا: “إن الصين استدرجت إيطاليا لتكون جُزْءًا من الاستراتيجية الصينية الجشعة للسيطرة على العالم… إن مبادرات مثل (الحزام والطريق) أو شركات مثل (هواوي) للإتصالات ستمنح الصين السيادة على العالم”، وأعلن “ستيف بانون” دَعْمَهُ لموقف “ماتبو سالفيني”، وزير الداخلية، وزعيم حزب الرابطة، اليميني المتطرف، وشريك “حركة خمس نجوم” في الائتلاف الحاكم، وهو غير متحمس بالمرة لانضمام إيطاليا لمبادرة الحزام الطريق، وفي نفس السياق، وصف رئيس البرلمان الاوروبي أنطونيو تاياني (وهو من حزب سيلفيو برلسكوني، اليميني جدًّا) إنضمام الحكومة الإيطالية إلى مبادرة الحزام والطريق، بالخطأ الفادح، ويدعو إلى “التشاور مع الولايات المتحدة الأمريكية، وربما مع الإتحاد الأوروبي أيضًا، قبل توقيع اتفاقيات مع الصين”، ولو سمحت هذه الإتفاقيات تعزيز الصادرات الإيطالية نحو الصين، وردّ عليه وزير خارجية إيطاليا (إينزو موافيرو ميلانيزي): “ينبغي على الاتحاد الأوروبي امتلاك إستراتيجية موحدة، ونحن ننتظر حدوث ذلك، وفي الأثناء، تدافع كل دولة عن مصالحها، ولو في الصين…”

اعترض مسؤولون من الإتحاد الأوروبي على عملية انضمام إيطاليا إلى مشروع الصين للبنية التحتية، المعروف باسم “مبادرة الحزام والطريق”، ولكن رئيس الحكومة وقَّع الإتفاقية (يوم السبت 23/03/2019)، رغم اعتراضات الوزراء الأكثر يمينية في حكومته، لتصبح إيطاليا أول دولة في مجموعة الدول الصناعية السبع (جي7)، تنضم إلى البرنامج الصّيني، لأن حكومتها ترى في ذلك فائدة للشركات الإيطالية، واقتصر التوقيع على “مذكرة تفاهم”، التي تُعْتَبَرُ في القانون الدّولي “اتفاقًا دوليًّا، يحدد إطار عمل للتعاون، ويضع مبادئ مشتركة، وهو غير ملزم قانونياً”، وتضمن الإتفاق تعهد الصين بالإستثمار في ميناءَيْ “تريستي” و”جنوا”، وباستيراد الحمضيات والقوارص الإيطالية…  

عارض بعض مسؤولي الإتحاد الأوروبي، عَلَنًا، هذا الإتفاق، ومن بينهم رئيس البرلمان الأوروبي الذي ينتمي لحزب رجل الأعمال، ورئيس الحكومة الأسبق “برلسكوني”، في موقف ذَيْلِي للولايات المتحدة، لأن الصين تستثمر في أوروبا منذ سنوات عديدة، وبلغت استثماراتها من سنة 2010، إلى سنة 2018، نحو 145 مليار يورو، رغم تراجعها خلال سنتَيْ 2017 و 2018، بسبب الضغوطات الأمريكية، التي ترجَمَتها المُفَوّضيّة الأوروبية بتشديد الإجراءات، عند محاولة شركات صينية الإستحواذَ على حصص من الشركات الأوروبي، خصوصًا في قطاعات حسّاسة، تعتبرها من القطاعات “الإستراتيجية”، والتقنيات الحديثة، والمَصارف، واستحوذت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا على قرابة نصف الإستثمارات الصينية، واستحوذت الشركات الصينية على شركات مثل “فولفو” السويدية، و”بيريلي” الإيطالية، و”كلوب ميد” و”سانت هوبر” و”لانفان” الفرنسيتَيْن، و”كوكا” و”كراوسمافي” الألمانيتْن، وتجاوز نصيب الشركات الحكومية الصينية 60% من هذه الإستثمارات في أوروبا، من سنة 2000 إلى 2018، وتركزت هذه الإستثمارات في أوروبا الغربية، وبلغت نسبة الإستثمارات في جنوب أوروبا (حيث يمر طريق التجارة البحرية في مخطط “الحزام والطريق”) 13% من إجمالي الإستثمارات الصينية في الإتحاد الأوروبي، بينما لم تستقبل دول شرق أوروبا سوى 1,5% من إجمالي الاستثمارات الصينية في الاتحاد الأوروبي سنة 2018، ومن أهم الإستثمارات الصينية في جنوب أوروبا (الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسّط)، استحواذ شركة الشحن الصينية العملاقة “كوسكو”، سنة 2016، على ميناء “بيرايوس” اليوناني، الذي باعته الدولة اليونانية، في نطاق تطبيق برنامج الخصخصة الذي فرَضَهُ صندوق النقد الدولي والإتحاد الأوروبي (خصوصًا حكومة ألمانيا)، كما تُسَيْطر نفس الشركة الصينية على ميناءَيْ “فالنسيا” و”بيلباو” للحاويات، في إسبانيا، وضَخّت الصين نحو ستة مليارات يورو في شركات (من بينها شركة الكهرباء)، ومصارف ومُؤَسّسات تأمين، في البرتغال، ورحّبت الحكومة البرتغالية بالعرْض الذي قَدّمتْهُ شركة “تشاينا ثري غورجز” لشراء أكبر شركات الطاقة البرتغالية “انرجياس دو برتغال”، وفي أوروبا الشرقية، أبرمت شركة “سي أي إف سي” الصينية، سنة 2016، اتفاقيات في “تشيكيا”، للإبستثمار في مجالات الإعلام والنقل الجوي، وفي الرياضة، عبر شراء نادي كرة قدم… 

في أوروبا الشرقية، وفي روسيا، على الحدود بين قارّتَيْ أوروبا وآسيا، أتَمّت شركات الإنشاءات المكلفة تشييد جسر للسكك الحديدية بين روسيا والصين عبر نهر آمور، بطول 2169 مترًا، بهدف تعزيز التجارة الثنائية، والإلتفاف على العقوبات الأمريكية ضد البَلَدَيْن، وتعزيز التجارة في شمال شرق آسيا، ومنها إلى مناطق أخرى في العالم، ويُتَوَقَّعُ أن يكون الجسر والسكة الحديدية جاهزَيْنِ للإستعمال، خلال شهر تموز/يوليو 2019، ويربط الجسرُ الشرقَ الأقصى الروسي بمقاطعة “هيلونغجيانغ” في أقصى شمال الصين، وأعلنت وسائل إعلام روسيا والصين، إن مشروع الجِسر والسكة الحديدية يَهْدِفُ لتطوير ممر شحن دولي يربط منظومة السكك الحديدية في شمال شرق الصين بمنظومة السكك الحديدية الروسية في سيبيريا، لنَقْل ما قد يصل إلى ثلاثة ملايين طن من البضائع ونحو 1,48 مليون مسافر سنويا ابتداء من العام 2020، وبلغت قيمة التجارة بين مقاطعة “هيلونغجيانغ” الصينية، وروسيا سنة 2018، نحو 122 مليار يوان (حوالي 18,2 مليار دولار) أو ما يُقارب نسبة 17,3% من مجمل التبادل التجاري السنوي بين روسيا والصين، والذي بلغ 110 مليار دولارا، خلال سنة 2018، منها 15% تمت بالعملتين المَحَلِّيَّتَيْن (الروبل الروسي واليوان الصيني)، وتحاول الحكومتان رفع قيمة المبادلات بالعملات المحلية، للإلتفاف على العقوبات، وللمساعدة على استقرار المبادلات التدجارية، وعدم خضوعها لتقلبات الأسواق العالمية، وتقلبات أسعار العملات الأجنبية (كالدولار)، وقد ينخفض مستوى التبادل التجاري بين البلدين سنة 2019، لكن يُتوقع أن يبقى فوق مستوى مائة مليار دولارا… 

من جهة أخرى بلغ حجم الاستثمارات الصينية في روسيا سنة 2018 ما يُعادل 35 مليار دولار، وسبق أن طرحت الحكومتان حوالي 70 مشروعًا استثماريًا، مشتركًا، للإنجاز، بقيمة 120 مليار دولار، تم تشغيل 11 منها سنة 2018، ويجري تنفيذ 15 أخرى، ومن بينها مصنع للسيارات الصينية “غريت وال”، في منطقة “تولا” الروسية…

طريق الحرير الجديد يشق الوطن العربي

في الوطن العربي، ورثت الحكومة الصينية الحالية العلاقات الطيبة التي كانت قائمة، زمن الصين “المَاوِيّة”، مع بعض الأنظمة العربية (الجزائر ومصر وسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن، ومنظمة التحرير الفلسطينية…)، وورثت أيضًا النظرة الإيجابية التي ورثتها من مشاركة الصين في بعض المعارك، مثل مؤتمر باندونغ (1955) والدعوة إلى تأسيس “نظام اقتصادي عالمي جديد” (1974)، ومجموعة السبعة والسبعين، وغيرها، وزادت هيمنة الصين على بعض القطاعات، في العقد الماضي، بالتوازي مع التطور الكبير للعلاقات الصينية – الصهيونية، في كافة المجالات، وفي مقدمتها المجالات الأمنية والعسكرية، ومع ذلك، ارتفع حجم التبادل الاقتصادي والتجاري الصيني العربي، ولكن الأرقام الضّخمة مُضَلِّلَة، لأنها الصادرات العربية (والإيرانية) تقتصر على النفط، وتحاول الصين أن تجعل من الخليج والبحر الأحمر نقطة التقاء وتقاطع بين غرب آسيا، وشرق إفريقيا وجنوب أوروبا، يستفيد منها برنامج  “الحزام والطريق”، رغم تبعية وخُضُوع معظم الأنظمة العربية للولايات المتحدة، وفي تفاصيل العلاقات الإقتصادية والتجارية، وقّعت الشركات الصينية (بإشراف حكومة الصين) سنة 2018، عُقُودًا هامة في عُمان وفي المغرب ومصر، والإمارات والسعودية وغيرها، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وتُعَدُّ الصين أكبر شريك تجاري لمصر، وبلغ حجم التجارة بينهما، سنة 2014، حوالي 13 مليار دولار، فيما تُعتبر السعودية من أهم مُصدِّري النفط الخام إلى الصين، بنحو خمسين مليون طن سنويًّا، وتتواجد في السعودية بعض شركات الهندسة الصينية، وبلغ حجم التجارة بين البلدَيْن نحو سبعين مليار دولارا (بيانات سنة 2014)، لكن الإستثمارات الصينية في كافة البلدان العربية لم تبلغ ثلاثين مليار دولارا، رغم تغلغل الصين في الإقتصاد الجزائري، وفي شبكة التجارة بالمغرب… وفي حَدَثٍ نادِرٍ، ألقى الرئيس الصيني خطابًا في مقر الجامعة العربية، في بداية سنة 2016، وتحدّث عن مواضيع فضفاضة، مثل “الإستقرار والتقارب والتفاهم والتواصل…”، وأكد على ضرورة مشاركة الدول العربية في خطة “الحزام والطريق”، وكتَبَتْ آنذاك صحيفة “الشعب” الصينية: “وقعت الصين ودول الشرق الأوسط مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون، من أجل تحقيق التنمية الإقتصادية” (الشرق الأوسط، يعني إدماج إيران وتركيا وخصوصًا الكيان الصهيوني)، واعتبرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) توقيع هذه المذكرة “مرحلة متقدمة وملموسة لاستراتيجية الصين في الشرق الأوسط، ولمبادرة الطريق والحزام”، وتتضمن هذه الإستراتيجية ضَمان عبور تجارة الصين، الممر البحري الرابط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، عبر بحر العرب والبحر الأحمر وقناة السويس، وطرحت الصين على الدول العربية “التعاون في مجال الطاقات المتجددة، والبنية التحتية، ومجالات التكنولوجيا…”، كما وعَدت الصين بتطوير الصناعات الخفيفة، والإلكترونيات، في البلدان التي تنضم إلى مبادرة “الحزام والطّريق”، وخاصة الدول المُصدّرة للنفط الخام، ولكن نموذج الجزائر، أَظْهر إن التغلغل الصيني – رغم اختلاف شكله عن التغلغل الفرنسي –  لم يُؤَدِّ إلى أي نتيجة إيجابية… 

من جهة أخرى، لا تُفَصِّلُ الإحصائيات الصينية البيانات الخاصة بالدول العربية، وتعتبر “الشرق الأوسط” كُتلة واحدة، وهي كما أسْلَفْنَا القول، ذات مدلول سياسي، بحدود غير واضحة، وتُدْمج تركيا وإيران والكيان الصهيوني (حيث تستثمر الصين مبالغ هائلة في فلسطين المحتلة)، بينما اعتبرت الولايات المتحدة إن “الشرق الأوسط الجديد” يمتد من موريتانيا إلى أفغانستان، ولذلك نشرت حكومة الصين إحصائيات الشركات الصينية في “الشرق الأوسط”، خلال عقد واحد، وَوَرَدَ في هذه الإحصائيات (دون ذكر أرقام محددة)، إن الشركات الصينية استثمرت في الشرق الأوسط في مشاريع الاتصالات الإلكترونية وتجارة التجزئة، وفازت شركتا التكنولوجيا المتقدمة (هواوي) و (زتي) بعقود ضخمة في الشرق الأوسط”، وارتفع حجم التجارة بين الصين “والشرق الأوسط” من 20 مليار دولار إلى 230 مليار دولار أمريكي، خلال عشر سنوات، ومن المتوقع أن يرتفع إلى حوالي 500 مليار دولارا، سنة 2020… معظم المعلومات من وكالات أ.ف.ب + رويترز +  “شينخوا” + صحيفة “الشعب” الصينية، بعضها يعود إلى سنتَيْ 2014 و 2016 + برقيات الوكالات من 21 إلى 24/03/2019 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.