بازار الانتخابات الصهيونية مابين البيت الأبيض ومؤتمر إيباك، محمد العبد الله*

مدخل

إنطلاق صفارات الإنذار في محيط مدينة الطيرة في فلسطيننا المحتلة عام 1948 يوم 25 / 3 جاء ليُعلن عن حدوث خرق صاروخي للهدوء والأمن الذي يلف السماء والبحر والساحل شمال مدينة يافا، كشفت عنه بعد لحظات أصوات الإنفجارات الناجمة عن سقوط صاروخ فوق مبنيين سكنيين مما تسبب بتدمير واسع لهما أدى لإصابة عدد من المستعمرين اليهود الصهاينة. حجم المفاجأة لم يكن بفعل سقوط الصاروخ فقط، بل بالمدى الذي قطعه الصاروخ الذي قَدَّره بعض العسكريين والمحللين بما يتجاوز المائة كلم ، بدلالة أن منطقة الإطلاق تقع جنوب قطاع غزة (منطقة رفح) وليس في شماله. وقد جاء هذا الهجوم بعد 10 أيام تقريباً ” 14 / 3 “على سقوط صاروخين في منطقة “غوش دان” وسط الأرض المحتلة . وإذا كانت ارتدادات الزلزال الذي أحدثه وصول الصاروخ الأخير لتلك المنطقة قد هزت الأسس التي يقوم عليها كيان المستعمرين، فإنها امتدت موجاتها لتصل إلى “نتنياهو” في واشنطن التي وصلها لحضور مؤتمر “إيباك / لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية “، وللقاء الرئيس الأمريكي لعقد قمة بينهما، حاول العديد من الكتاب والمحللين تسميتها “قمة الجولان” وهي التي تمخضت عن مؤتمر صحفي، استعراضي، قام خلاله الرئيس الأمريكي بتوقيع القرار/الأمر التنفيذي، القاضي بالاعتراف ببسط “السيادة الإسرائيلية” على هضبة الجولان المحتلة، هذا الأمر الذي يناقض كل القرارت الدولية،ويُسقط معادلة “الأرض مقابل السلام” التي كانت تقوم عليها الرؤية الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني، كما يتخلى عن قراري مجلس الأمن: الأول، رقم 497 الذي رفض قرار حكومة العدو عام 1981، ضم الجولان المحتل إليها، من خلال التأكيد على أن”قرار “إسرائيل” بفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلة باطل ولاغٍ وبدون تأثير”. والثاني، رقم 3240 الذي يؤكد على” أن جميع التدابير المتخذة من قبل “اسرائيل” لتغيير الطابع المادي للأقاليم المحتلة أو لأي جزء منها أو لتغيير تكوينها السكاني أو هيكل مؤسساتها أو مركزها، هي تدابير باطلة ولاغية” . وهذه القرارات هي التي استندت عليها معظم الدول في رفضها وإدانتها لقرارات ترامب حول الجولان المحتل.

   مع انتهاء ذلك المؤتمر، قرر نتنياهو العودة سريعاً للكيان لمتابعة تطورات الرد العسكري الصهيوني على صاروخ الفجر. هذا الرد الذي انطلق من الطائرات المغيرة على عدة مناطق بالقطاع بعد أقل من 12 ساعة على سقوط الصاروخ، والذي ردت عليه المقاومة المسلحة برشقات من الصواريخ وقذائف الهاون لمستعمرات محيط غزة، مما أشار إلى أن الرد العسكري الصهيوني، بقي دون الدخول في مواجهة واسعة يمكن لها أن تفتح لمعركة– دون مستوى الحرب- وهو مااصطلح على تسميته بدوائر صناعة القرارات بالكيان بالـ”تصعيد ” ، وهو ماحافظ على عدم تجاوز الخطوط الحمر بين العدو والمقاومة. وقد اتضح ذلك، مع ظهور الدور الحكومي المصري  النشط بين الطرفين مما أدى لوقف إطلاق النار .

ترامب : بلفور بطبعة جديدة

جاءت نتائج المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض لتضرب عصفورين بحجر واحد: أولاً، دعم نتنياهو وحزب الليكود في الانتخابات التي ستجري بعد عدة أيام في 9 نيسان/ ابريل لاختيار أعضاء الكنيست ، في مواجه خصومه الذين أضافوا لملفات الفساد التي تحيط برئيس حكومة العدو، إهتزاز نظرية الأمن والتفوق في مواجهة القطاع الصامد بما تشكله مسيرات فك الحصار ووحدات الإرباك الليلي والمسير البحري، والصواريخ سواء المعروفة التي تدك مستعمرات غلاف غزة، أو “المجهولة ؟!” أو التي تُطلق “عن طريق الخطأ؟!!” والتي استهدفت خلال عشرة أيام تقريباً عمق فلسطين المحتلة عام 1948، من صداع دائم لنتنياهو . وقد جاءت هذه الصواريخ مترافقة مع العملية الفدائية المُركبة والبطولية للشهيد عمر أبو ليلى، التي أعادت التصويب على مكامن الخلل والتهتك في المنظومة الأمنية الاستخباراتية، لتكشف بالصورة فضيحة العجز للجنود في مجابهة الفدائي المهاجم، بسكين. وثانياً، بهدف الاستعداد للانتخابات الأمريكية عام 2020 من أجل كسب أصوات الناخبين الأمريكيين اليهود  المسيحيين الإنجيليين الذين يمثلون قرابة 25 بالمائة من الشعب الأمريكي والذين صوتوا لصالحه بأعداد كبيرة في انتخابات عام 2016.

  جاء وعد ترامب بالتبرع  بهضبة الجولان المُحتلة لحكومة العدو ليعيد للبعض من أصحاب الذاكرة المثقوبة، ضرورة العودة لتصريح / وعد “جيمس آرثر بلفور” وزير خارجية بريطانيا لليهود، بإعطائهم فلسطين ليقيموا عليها “دولتهم”، ولما أحدثه القرار الرئاسي الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية للغزاة المحتلين، للتأكيد من جديد ،أن العقلية الاستعمارية واحدة سواء بما يتعرض له وطننا العربي أو ماشهدته وتواجهه مناطق أخرى من العالم تعرضت  وما زالت للغزو والسطو المسلح والاستعمار والهيمنة.

عرض مسرحي في مؤتمر إيباك

في الشريط المسجل الذي تم عرضه لنتنياهو على المجتمعين في مؤتمر إيباك، تبرز فيه النرجسية والديماغوجيا بأقبح أشكالها وتعبيراتها. تحدث رئيس حكومة العدو مطولاً عن ” قانون القومية ” مشيراً إلى “أن القانون لا يمس بحقوق الأقليات …نحن نعتز بحقوق الفرد وسيادة القانون. نحن لا نحكم على الناس حسب اللون أو الدين أو الهوية الجندرية، حيث لا أحد هنا مواطن من الدرجة الثانية. جميع مواطني “إسرائيل”، سواء أكانوا يهودًا أم عربًا أم مسلمين أم مسيحيين، هم مواطنون من الدرجة الأولى ولهم نفس الحقوق”. إن هذا الكذب، تفضحه القوانين والممارسات بحق أصحاب الأرض الأصليين.

   على الرغم من مظاهر السعادة التي أبداها نتنياهو بهدية ترامب “هضبة الجولان المحتلة” والتي لاتعدو حبراً على ورق ، فإنها لم تستطع أن تخفي الأزمة المستفحلة والمتدحرجة التي تعصف به : الرشاوي والفساد، و التي زادت من عمقها الصواريخ التي أصابت “المركز” الجغرافي والديمغرافي في كيان الاحتلال. فالعجز عن تحقيق إنتصارات عسكرية على الأرض دون دفع الثمن الباهظ :البشري والنفسي والمادي، مازال يُربك الحملة الانتخابية له ولحزبه الليكود في مواجه المنافس الجديد، قائمة / تحالف ” أزرق أبيض” ،الذي اعتلى زعيمه ” بيني غانتس” منصة مؤتمر إيباك ليقدم بنود برنامجه الانتخابي القائم على مزايدات أكثر دموية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته. فقد تحدث عن تهديدات بالحرب والدمار، تمتد من “طهران إلى غزة”. مستنداً على تاريخه الدموي في قتل الفلسطينيين. لقد أكدت المواقف التي تضمنها خطاب “غانتس” بأن الأحزاب الصهيونية بقيادة مجرمي الحرب، تتسابق على إبراز قدراتها في سفك دماء الشعب من أجل زيادة أصوات الناخبين الذين سيتوجهون لصناديق الإقتراع بعد أيام.

خاتمة

على الرغم من قدرة الديماغوجيا المرتبطة بالصورة، ومسارح التهريج / قاعات المؤتمرات الصحفية، على تهييج مشاعر المتلقي والمستمع. إلاّ أن الحقائق التاريخية والجغرافية، ومآلات الصراع السياسي والعسكري والثقافي والاقتصادي مع الغزاة المحتلين وأدواتهم المحلية على أرض الواقع، هي التي ستحدد النتائج النهائية لهذا الصراع .

 

 * كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.