خبر وتعليق: روسيا، حليف غير موثوق: من لينين إلى بوتين، مسافة وعْيٍ طبقي وأمَمِي، الطاهر المعز

نشَر لينين، بعد انتصار الثورة الإشتراكية في روسيا، سنة 1917، وثائق التفاهم بين الإستعمار البريطاني والفرنسي، سنة 1916 (قبل نهاية الحرب العالمية الأولى)، والتي عُرِفَت تحت إسم “اتفاقيات سايكس – بيكو”، كما ندّد بوعد بلفور المُتَضَمِّن إهداء وطن اسمه فلسطين، ليهود العالم، وللحركة الصهيونية…  

بعد قَرْنٍ من انتصار الثورة الإشتراكية، تَفَتَّتَ اتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفييتية (منذ 1991، رسميا)، وانتهت مرحلة مجانية التّعليم والصّحّة والنّقل والسّكن، والترفيه والثقافة، وغيرها من الخدمات التي استفادت منها شعوب الإتحاد السوفييتي، طيلة سبعة عُقُود، مُرُورًا بفترات عسيرة جدًّا، مثل حصار الجيوش “البيضاء” (الإمبريالية) لروسيا من 1918 إلى 1922، والحصار والخراب والدّمار الذي لحق الإتحاد السوفييتي، خلال الحرب العالمية الثانية، وأصبحت فئة من طبقة رأس المال المالي والصناعي تَحْكُم البلاد (روسيا)، وأصبحت الحكومة الروسية حليفة لدولة الكيان الصهيوني، وتعقد معه صفقات على حساب الدولة السورية والشعب السوري، تحت ستار دعم روسيا للنظام السوري، لدحر المجموعات الإرهابية، وهو أمر واقع، لكنه مُرتفع الثّمن…    

اعلنت وزارة الدفاع الروسية، سنة 2018، في بيان علني رسمي، إن القوات الروسية المتواجدة في سوريا (لدعم الجيش السوري، مبدئيًّا) استجابت لطلب حكومة العدو الصهيوني، دون إخْطار أصحاب الأرض (الحكومة السورية والجيش السوري)، وبدأت البحث عن رُفات جنود وضباط صهاينة، قُتلوا أو فُقِدُوا أثناء عمليات عدوانية عسكرية صهيونية في سوريا وفي لبنان، وتَعرّض الجنود الرّوس إلى مخاطر (من أجل تلبية الطلب الصهيوني) عند تنفيذ عملية البحث عن جيَف الصهاينة، في مناطق كان يُسَيْطر عليها تنظيم “داعش”… 

قبل أسبوع واحد من تاريخ الإنتخابات العامة الصهيونية، وبعد أسبوع واحد من إعلان الولايات المتحدة مَنْح مرتفعات الجولان السورية المحتلة، إلى الكيان الصهيوني، اجتمع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مع رئيس حكومة العدو، في لقاء وِدِّي، في موسكو، وأعلن بوتين بنفسه تسليم رُفات جندي (مُعْتَدِي) صهيوني فُقِد في منطقة “البقاع” اللبنانية، وكان مدفونًا في مخيم اليرموك في دمشق، إلى صديقه الصهيوني، لمساعدته على الفَوز بانتخابات “الكنيست”، مما يحرم “الحليف” السّوري من المساومة لمقايضة رفات الجنود الصهاينة “المفقودين”، وأعلنت السلطات السورية، عدم علمها بالموضوع… 

صرح رئيس حكومة العدو الصهيوني إن هذا التعاون بين المخابرات الصهيونية والجيش الروسي، على أرض سوريا، يتواصل منذ أكثر من سَنَتَيْن، وأعلن “بوتين” عن تعاون وثيق بين المخابرات العسكرية الروسية الصهيونية لإجراء جميع الاختبارات الجينية، وأفاد إن الجنود الروس كانوا مُعرّضِين للخطر، عند تنفيذ عملية البحث، ولا يمكن فَصْلُ هذه العملية الإعلامية واختيار توقيت إعلانها، عن تطور مستوى العلاقات السياسية والعسكرية بين روسيا والكيان الصهيوني، كما لا يمكن فَصْلُها عن مناخ السياسة الدّولية الحالي، والذي تتحكم الولايات المتحدة بوتيرته، بشأن التوجيه الخاطئ للبوصلة العربية نحو إيران، بدل الكيان الصهيوني، وبشأن الترويج لصفقة القرن، وما سبقها من محاولات خَنْق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أنروا) وإنهاء قضية حق عودة اللاجئين (وهي جوهر قضية فلسطين)… 

أعلنت حكومة روسيا مرات عديدة إنها تتفهم مخاوف الصهاينة (الذين يحتلون أراضي سورية، ويقصفون البلاد بشكل مستمر)، وغَفَرت حكومة روسيا للأصدقاء الصّهاينة إسقاط طائرة روسية فوق أراضي سوريا، كما غفرتْ مِنْ قَبْل للشريك الإقتصادي التّركي، إسقاط طائرة عسكرية روسية، فوق الأراضي السورية، لأن روسيا لا تستطيع التّضحية بمشروع “السّيْل التّركي” لمرور أنابيب غاز روسيا، عبر تركيا، ولا تستطيع التضحية بصفقة بيع منظومة “إس 400” (التي قد لا تُنْجَزُ، في نهاية الأمر، نظرًا للضغوط الأمريكية)، مع العلم إن الكيان الصهيوني يحتل أراضي سورية، كما تحتل تركيا أراضي سورية، بعضها يعود إلى عقود طويلة (لواء إسكندرونة) وبعضها يعود إلى العدوان الذي لا يزال متواصلاً، شمال سوريا…

من جهة أخرى، تدعم روسيا المليشيات الإنفصالية لعشائر الأكراد، أو تتفهّم مطالبها، وحاولت، في مناسبتَيْن على الأقل، تمرير دستور لسوريا الغد، يعترف بتفتيت البلاد إلى طوائف ومِلل، مع إهمال الهوية العربية لدولة كانت عاصمتُها عاصمةً للدّولة الأُموية، فضْلاً عن إن دستور أي بلاد هو شأن داخلي لأصحاب البلاد، ولا يستدعي تدخّل أي طرف خارجي، مهما كانت درجة صداقته ودَعْمِهِ للحكومة المحلِّيّة…   

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.