السياسة والأخلاق: عن دور روسيا في نقل رفات الجندي الإسرائيلي في مخيم اليرموك، شحادة موسى

          “نحن لا نصنع الأحداث وإنما نستثمر أخطاء الآخرين”

                                         مبدأ صهيوني

    الخطيئة الأخلاقية يمكن أن تكون أشد ضررًا من الخطأ السياسي

 شهد يوم الخميس، الرابع من نيسان / ابريل 2019، حدثًا غير مألوف رصدته وسائل الإعلام ويتعلق بتسليم روسيا الى نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، رفات جندي إسرائيلي (زخاريا باومل) قُتل في معركة السلطان يعقوب في البقاع اللبناني بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982.

فقد نقلت وسائل الإعلام صورة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في وزارة الدفاع الروسية وهو يضع زهورًا على نعش قيل إنه للجندي المذكور، وإنه كان مدفونًا في مخيم اليرموك جنوبي دمشق، وإن قوات روسية هي التي استخرجت رفات الجندي ونقلتها الى موسكو.

وفي اليوم نفسه نقلت وسائل الإعلام مشهدًا ظهر فيه الرئيس بوتين مغتبطَا وهو يستقبل نتنياهو ويخاطبه بالقول “إننا سعداء لأن باومل (الجندي الإسرائيلي) سيحصل على مرتبة الشرف العسكرية وسيكون بمقدور عائلته وضع الزهور على قبره”.

وأشار بوتين في حديثه الى أن “شركاءَنا السوريين” ساعدوا في العثور على رفات الجندي. ولكنّ مصدرًا إعلاميًا سوريًا أكَّد أن لا علم لسورية بموضوع رفات الجندي الإسرائيلي، وقال: “ليس لدينا أيُ معلومات عن موضوع الرفات ولا وجودِه من عدمه”.

ونشرت صحف إسرائيلية تفاصيل عن عملية البحث عن الرفات وقالت إنها بدأت منذ العام 2018 حيث طلبت إسرائيل من الجماعات المسلحة التي سيطرت على مخيم اليرموك، البحث عن أدلّة تفيد بمكان دفن رفات جنودها وتحديدًا في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك (راي اليوم، 5/4/2019). وذكرت الصحف تفاصيل أخرى منها أنّ مع رفات باومل عاد الى إسرائيل نحو عشرة جثامين وجرت عليها فحوصات وتبيَّن أنها ليست للجنديين الأُخريين اللذين فُقدا مع باومل في معركة السلطان يعقوب.

ومع ذلك لا يزال الغموض يكتنف هذه العملية؛ ولكن ما هو مؤكد ويهمنا هنا أنّ عناصر من الجيش الروسي هي التي قامت بالبحث واستخراج رفات الجندي المذكور ونقلها الى خارج سورية بتعاون استخباري مع الجيش الإسرائيلي.   

(يُذكر أنّ المخيم خضع لسيطرة الجماعات المسلحة منذ 2012 وفي نيسان / إبريل 2015 سيطر تنظيم داعش على المخيم. وحرَّر الجيش السوري المخيم من المسلحين في شهر أيار / مايو 2018).

في التعليق على الحدث، لوحِظ أنّ المحلِّلين استفاضوا في البحث عن أسباب ما قامت به روسيا مع ترجيح أنّ يكون ذلك هدية الى نتنياهو لمساعدته للفوز بالانتخابات على غرار هدية الرئيس الأمريكي بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

وهناك من ربط الحدث بالعلاقات الروسية – الإسرائيلية ووصفها بالعلاقات الإسترتيجية؛ ومن ثمَّ هناك ضرورة للنظر بموضوعية الى علاقات روسيا العربية، وبضمنها علاقات روسيا مع سورية، أي في إطار العلاقات بين الدول التي تقوم في الغالب على المصالح؛ ومع الخصوصية التي تتميز بها العلاقات الروسية – السورية، فإنّ لروسيا مع إسرائيل مصالح كثيرة وذات أهمية كبيرة.

وبهذا التوجُّه في تفسير الحدث تراجع النظر والتركيز تجاه مسألتين جوهريتين لم يكن من الجائز أن تغيبا عن بؤرة الاهتمام بالحدث وفهم مجرياته. المسألة الأولى سياسية تتعلق بالسيادة السورية، والثانية أخلاقية تتعلق بروسيا وسورية معًا.

في السياسة؛ يثور سؤال ملِّح: ماذا يعني أن تقوم قوات روسية، بدون علم السلطات السورية وموافقتها، بالبحث عن رفات جنود إسرائيليين في أرض سورية واستخراجها ثم إخراجها من سورية وتسليمها الى إسرائيل؟ وهل مساعدة روسيا لسورية في محاربة الإرهاب تتيح مثل هذا التصرف إن لم يكن هناك اتفاق ينظمه؟ وحتى لو كانت سورية بحكم الاضطرار تقبل بهذا التصرف، ألم تكن اللياقة واحترام الشريك السوري تقضي بأن لا يجري هذا العمل من دون علم السلطات السورية وموافقتها؟

لا يخفف من وطأة خبر الرفات ومشهد التسليم إشارة بوتين الى تعاون الشريك السوري في الأمر، خصوصًا وأنّ هذا الشريك نفى علمه بذلك. ومع أنّ هذا النفي لا يجيب عن أيٍ من الأسئلة الكثيرة عن حقيقة الموقف السوري وحيثيات ما جرى؛ إلاّ أنَّ ما نحن بصدده هنا يتعلق بالتصرُّف الروسي كما ظهر في الإعلام، وأقل ما يُقال فيه إنه امتهان للسيادة السورية. فالموضوع برمته شأن سوري ولا يجوز التدخل فيه من غير الباب الرسمي السوري.

وفي السؤال الأخلاقي، فإن المشهد، مشهد التسليم ومنظر بوتين وهو يستقبل نتنياهو بغبطة ظاهرة، لا يترك لدى المُشاهد  العربي وخصوصًا في البلدان المعنية مباشرة بالحدث، أي لبنان وسورية وفلسطين، إلاّ الشعور بالاستياء وعدم الاحترام. فما شأن روسيا أصلاً كي تقوم بهذا العمل، وهل أصبح بوتين حفّارَ قبور؟

لقد كان من الجائز القول إنّ هذا شأن روسي لو لم تكن العملية جرت في سورية، والمبحوث عنهم جنود معتدون قُتلوا في أثناء تنفيذ عدوانهم على لبنان ومن فيه من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين.

لذا لا يجوز التغاضي عن الأذى الأخلاقي والإنساني الذي انطوت عليه هذه العملية. فالمشهد كان، بكل المعايير، جارحًا لمشاعر اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين الذين عاشوا تجربة ذلك العدوان وما خلَّفه من ضحايا ودمار. ومما يزيد من ألم هؤلاء وغيرهم من العرب أن “الصديق” بوتين يتحدث باعتزاز عن جنود اعتدوا عليهم، وألحقوا بهم أضرارًا لا تزال آثارها باقية حتى اليوم. وربما تساءَل هؤلاء عن مشاعر بوتين لو كان هناك من يبحث عن رفات جنود ألمان قُتلوا في اثناء حصارهم مدينة ستالينغراد.

ولربما في المقابل كان وقع صدمة المشهد أخفُّ لو أنّ بوتين تفوَّه بكلمات عزاء عن العسكريين والمدنيين العرب الذين قضوا بنيران ذلك العدوان الإسرائيلي.

في النهاية، فقد كان في المشهد مهانة للدولة السورية وإهانة لمشاعر العرب الذين عانوا وتألموا من جرّاء ذلك العدوان.

ومع ذلك، لنتذكَّر أن تاريخنا العربي حافل بالمشاهد والمواقف التي تُعلي من شأن الأخلاق في الحرب، ومن شأن الفضيلة في السياسة، وإنْ كان هناك من يجعل الأخلاق تحت حذاءِ السياسة مثلما علَّم ميكيافيلي.

كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.