الجزائر بين حق الشباب والهيمنة عليهم تشغليهم أو “امتطائهم”، عادل سمارة

صحيح أن مفردة الهيمنة ألطف وأنعم وأرقى “لغويا” لكنها أضعف تعبيراً. لم أجد أقرب من هذه المفردة الامتطاء. قد يستبدلها البعض ب تشغيلهم ، إستغلالهم. لكن الفارق أن  التشغيل وهو مدخل إلى الاستغلال وكلاهما يقعان على المرء وهو في كافة الأحوال مضطر وفي حالات كثيرة واعٍ وليس بوسعه الرفض والثورة. أما حين لا يعي ذلك فهو في حالة الاغتراب/التغريب Alianation على رأي هيجل وخاصة ماركس. أما في حالة الامتطاء، فيكون المرء في أغلب الأحيان،  ضحية عدم وعيه لحاله ووضعه بل يشعر بأنه حر.  وتكون الهيمنة حينما يتشرَّب المرء إيديولوجيا سلطة معينة يعتقد انها تمثله بل حتى هو يمثلها بينما هو مطية لها. عموماً، لك أن تختار أياً من هذه التوصيفات.

كتبت رأياً قبل شهر عن حراك الشباب في الجزائر، وهو رأي من بعيد لا يلزم أحداً إلا إياي أنا، واليوم بعد استطالة  الحراك في الجزائر الحبيبة وبعد أن أخذ الجميع تقريباً يتلطى وراء “مطالب الشباب، بمن فيهم الطلبة، جيل الطلبة، إشراك الشباب في القرار، وفي السلطة…الخ”، أجد من الضروري تكرار السؤال:

ماذا يريد الشباب؟ وهل مطالبهم من رأسهم؟ وهل لهم ممثلوهم، وهل هم من حيث وعي اللحظة ذوي قدرة على تمثيل أنفسهم؟  حسب تعبير ماركس “من لا يمثلون انفسهم؟، يمثلهم غيرهم!”. تفرض هنا معترضة نفسها من الحالة الفلسطينية حيث التشتت والانقسام مما سمح لأنظمة عربية جميعها تابعة ومعادية لشعوبها بأن تفاوض نيابة عن الفلسطينيين لتنفيذ صفقة القرن.

ألمحت في مقالة سابقة عن الجزائر بأن الشباب الذين يتصدرون التظاهرات في الجزائر لا يعرفون ماذا يريدون، بينما يعرف من يحركونهم، على تنوع مشارب وارتباطات من يحركونهم، ما يريدون. وهذا يدفعهم لتحريك الشباب كي يتمتعوا هم لاحقاً بالقطاف.

معظم المطالب التي رددها المحتجون محقة، ولكن السؤال من هم الذين يقفون حقا وراء المطالب وهل تتوفر آليات التحقيق؟ وهل المحتجون هم كل الشعب؟ ذلك لأن المعارضة ترطن كثيرا باسم الشعب!

صحيح أن فريق السلطة حاول التجديد للرئيس بو تفليقة، اي لأنفسهم ولكي يتمكنوا من ترقيع ما آذوا به الجزائر كي يكسبوا الجولة القادمة حيث يعرفون بانهم ليسوا جاهزين أو مؤهلين للقبول الشعبي . ولكن صحيح ايضاً أن المعارضة ليست مؤهلة لخوض معركة الصناديق لأنها ليست ذات جذور عميقة في المجتمع كما يبدو، ولو كانت كذلك لالتقطت تحديد الجيش دستوريا لتسعين يوما تُجرى فيها الانتخابات.

أي إن رفض مدة التسعين يوماً هي دليل على أن المعارضة تحتاج لوقت طويل حتى تؤهل نفسها وتصبح مقبولة. وبغض النظر عن مصداقية المعارضة بل المعارضات، فهي محقة في طلب التمديد لو قالت الصدق، اي أنها أضعف من كسب الانتخابات بمعنى حاجتها لمهلة للتقوية.

ولكن ما تطرحه هذه المعارضة يفتح على عديد الأبواب الخطيرة:

فطرحها المتكرر حتى الغثيان بأن الانتخابات السابقة كانت مزيفة ومزورة، إلا أنها لم تقاطع، بل شاركت فيها ولم يستقيل برلمانيوها من تلك البرلمانات! كما لم يستقيلوا احتجاجا على الفساد والمحسوبيات. كما أن بوسعها هذه المرة المطالبة بمختلف الضمانات لضبط سيرورة الانتخابات مما يعني أن تأجيلها لا يوفر وحده تلك الضمانات.

قد يكون منطقياً إقالة الباءات الأربعة، وهي أسماء رؤساء الدولة والحكومة ومجلسي الدستوري والتشريعي والتعويل في ذلك على أن يقوم الجيش بالضغط على الرؤساء لتقديم استقالاتهم وهو أمر بمتناول يده مع بعض العقبات، لكنه يرفض بدوره أن تتحمل المؤسسة العسكرية مسؤولية تنصيب القيادات السياسية في الدولة والحكومة للمرحلة الانتقالية  مما يعني الوصول بعد ذلك إلى فراغ كبير. وحينها  قد يُرغم الجيش على تعبئة هذه المواقع ليجد نفسه كما لو قام بانقلاب لم يكن يريده.

تتحدث المعارضة عن تعيين مجلس رئاسي موثوق للمرحلة الانتقالية… الخ. جميل، ولكن من هو الطرف المقبول من الشعب كي يختار الأنسب  طالما يرفض الجيش القيام بذلك؟ ويصر على دستورية اية خطوة.

حين التمعن في عناد المعارضة وعُلو سقف مطالبها، ومطالبة الجيش بفعل ما تريد، يشعر بأنها تستخدم الجيش أداة لتنفيذ مآربها هي وليس المطلب الشعبي، ومع ذلك تتلطى وراء كَيْل عبارات المديح للجيش.

وقد يكون من باب الشك الكبير وصول البعض إلى التطاول على الجيش، رغم انضباطيته لدرجة أن مؤسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي يدعو في رسالة للمؤسسة إلى رحيل الفريق أحمد قايد صالح مع “أقطاب النظام الاستبدادي.”

يمكن للمرء توقع أن لدى الجيش علاقة ما بالسلطة السابقة. ولكن تخريب الجيش هو مطلب الثورة المضادة وخاصة قوى الدين السياسي ثأرا منه، علماً بأن الجيش حتى الآن يدير الأمور بشكل متوازن. ولكن الأهم هو، كما يبدو، أن الجيش ربما المؤسسة الوحيدة التي لم تنقلب على تراث الثورة والتحرير.

أما جماعة الدين السياسي، وهم الطرف الأكبر في المعارضة والأخطر من حيث الفكر والأهداف، فانتقلوا من مديح بوتفليقه إلى وصفه بالديكتاتور ورئيس العصابة…الخ.

هذه المطالب والتصريحات، إضافة إلى امتطاء الشباب ووجود تأهبات خارجية، وتغلغل الأنجزة، وخاصة  المركز الصربي «كانفاس» وخبراء في التواصل الاجتماعي لتدريب ثوار البرتقال الذين تلقوا دورات تدريبية في ما يسمى “الرابطة العربية للإنترنت”، جميعها تثير المخاوف الحقة. 

هذا إضافة إلى حماسة الشباب الذي تعرض الفضائيات بعضهم وهو يصرخ مبتهجاً بأنه حظي بلحظة فضائية، وتُطربه مبالغة المعارضة بحقوقه التي  تثير مخاوف من حريق الشارع والبلد الأمر الذي يدفع الجيش لاستنزاف نفسه مجدداً كما حصل في العشرية السوداء، وحينها يكون الثمن ربما ضياع الجزائر اي:

  • إرهاق المجتمع وتفسخه وإرهاق الاقتصاد
  • وتحوًّل البلد إلى حالة هشة يسهل اختراقها من محيطها ومن هم وراء محيطها.

وهذا ما لا يخشاه، بل يعمل من اجله، فريق الدين السياسي لأن ما يهمه هي السلطة وليس الوطن.

أعود إلى الشباب. هل يدرك الشباب أنهم بالمطالبة برحيل النظام، إنما يسلمون البلد إلى قوى اسوأ من التي كانت في السلطة؟ فسلطة ما بعد الرحيل لن تكون للشباب حتى لو كانت هناك وزارة شباب ونسبة في البرلمان…الخ.

حجر الأساس بالنسبة للشباب يجب أن يبدأ من أنهم هم قوة العمل، ولهم الحق في العمل. ولكن: اي عمل وبأية حقوق؟

إذا كان المقصود عمل تحت استغلال رأسمالي فظيع، فالشباب يركضون إلى العبودية. فهل تستحق العبودية أن يقدموا لها اعناقهم والسكين معاً؟

هذا يفتح على المسألة الاقتصادية، على الديمقراطية الاقتصادية وليس شكلانية الديمقراطية السياسية.

أي الحق في مكان العمل للشباب كقوة عمل، الحق في قطاع عام وقطاع تعاوني وحتى قطاع اشتراكي.هل يريد الشباب استبدال سيدهم اي صاحب العمل/البرجوازي الفاسد  شبه العلماني بصاحب عمل برجوازي يغطي فساده بالله والدين ويعتبر بأن الله سخرهم لخدمته؟  مع الأول الثورة مبررة ومع الثاني الثورة كفر عقوبتها  قطع الرأس.

وأخيراً، إن لم يفرز الحراك من يمثله، وخاصة يمثل الشباب بمطالب حدها الأدنى التشغيل الذاتي، فإن حراك وتحريك الشباب سيكون كما يقول المثل الفلسطيني: “أحرث وأدرس لِبطرس”.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.