مع ورطتها الولايات المتحدة تضحي باوروبا، والرابح الكيان، عادل سماره

لا ينحصر الشبق الأمريكي للنهب والتمسك بالسيطرة على الكوكب في رغبة ترامبو الجامحة كما يزعم البعض بل هو وإدارته التعبير الحقيقي عن أزمة الولايات المتحدة تحت تهديد وقلق مغادرة الاستفراد بالعالم.لذا، تشمل الهجمة الأمريكية بنية النظام العالمي بمركزه ومحيطه، وإن اختلفت أدواتها في  حرب عن حرب.

فالولايات المتحدة التي اسعفت أوروبا، الغربية خاصة إثر الحرب الراسمالية/العالمية الثانية، ما كانت لتقوم بذلك إلا كي لا تذهب أوروبا إلى الشرق حيث الكتلة المنتصرة الأخرى اي الدول الاشتراكية. ولا شك بأن قادة امريكا وبرجوازية أوروبا كانوا يدركون بأن تجاوز الاتحاد السوفييتي في حينه لمشكلة الثورة في بلد واحد ما كانت لتُحل بالتحاق أوروبا الشرقية بالكتلة الاشتراكية بل كانت ستُحل بتحول أوروبا الغربية الرأسمالية المتقدمة تكنولوجيا وثقافيا إلى الاشتراكية وبالتالي تستقيم تحليلات ماركس. وحيث اختطفت امريكا أوروبا الغربية، أضطر الاتحاد السوفييتي  للاستمرار في اشتراكية الدولة الواحدة وإن لم يكن هذا خياره الحر على عكس ما يثرثر التروتسك حتى اليوم. 

مع تواصل الأزمة المالية الاقتصادية في الولايات المتحدة منذ 2007-8 لم تعد معنية بالحفاظ على المستوى المعيشي العالي للاتحاد الأوروبي. فهي اي الولايات المتحدة تغادر دورها كاقتصاد الملاذ الأخير فتغلق اسواقها أمام الاتحاد الأوروبي  وتعمل على قتل الصناعات الأوروبية المنافسة لصناعاتها. وهذا يعني انتقال التعاون وحتى التنافس بين ضواري الإمبريالية إلى سيطرة واحتكار طرف على الأخريات.وفي هذه الحالة هو احتكار ناتج عن اندغام السلطة والطبقة في كتلة واحدة على مستوى قومي ودولي.

 يتخذ هذه الهجوم الأمريكي المعولم أشكالا عدة، لا تنحصر ضد الاتحاد الأوروبي، فهو كر وفر مع الصين، وحصار لسوريا وروسيا وإيران ومحاولات تقويض الأنظمة اليسارية والاشتراكية في امريكا الجنوبية، ونهب بالبلطجة من الخليج.يهمنا هنا تمظهرات هذا الحصار الأمريكي ضد الاتحاد الأوروبي وهي تمظهرات تؤكد دور الاقتصاد وراء الأزمات السياسية والاجتماعية سواء طبقيا أو قوميا او إثنياً. يتضح هذا في اتساع دور اليمين عموما في أوروبا إضافة حتى لعودة التناقضات الإثنية هناك والتي كانت مغطاة أو مطفأة في السابق بالازدهار الاقتصادي وهي تطورات تهدد الوحدة الأوروبية المرجوة أو المزعومة.

 

“في هذه الظروف تبرز القوى المحافظة متحدية العولميين. فبينما يتكىء العولميون على دعم الولايات المتحدة يُدير قسم على الأقل من المحافظين رؤوسهم باتجاه روسيا”

بين هذه التطورات أو على راسها كان قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، رغم تواصل الجدل تجاه تنفيذه، وكذلك الاضطرابات في فرنسا والمجر واحتمال وصول هذا إلى المانيا (حتى الآن بلا نجاح) وتفعيل بولندا  للتناقضات البولندية-الألمانية، وعموما وقوف أوروبا الشرقية في وجه أوروبا الغربية (كتلة بولندا-البلطيق-رومانيا في مواجهة كتلة ألمانيا-فرنسا). إلى جانب هذه الخلفية هناك التناقضات بين الشمال الغني والجنوب الفقير، والذي حتى وقت قريب لا يزال التناقض الأساسي بالنسبة للاتحاد الأوروبي  الذي يتسلل بشكل مؤقت في هذه الخلفية، ولكنه لا يختفي بشكل ما ويمكن له أن يشتعل على يد قوة أخرى”

المهاجرون والعمال:إضافة إلى أزمة اوروبا مع الشمال أي امريكا، ومشكلة أوروبا في الداخل أي في كتل الاتحاد الأوروبي نفسه، فهي متورطة في مشكلة المهاجرين التي لها في خلقها اليد الطولى بمساهمتها، إن لم يكن تاسيسها ل “الربيع العربي” وخاصة ضد سوريا والعراق وليبيا، وهي مشكلة تتمظهر في المستوى الطبقي العمالي. من بين دوافع بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي رفضها لتدفق العمالة إليها من الشرق الأوروبي كمنافسين لعمالتها التي تصر على اجور ومستوى معيشي افضل. هذا مع الانتباه إلى الثقافة غير الأممية للبروليتاريا التي قبل ان ينصب نضالها ضد البرجوازية تدخل في منافسة مع عمال آتون من وضع سيء. هل هو تنافس العنصرية أم تنافس الاضطرار؟في تأكيد على ما يدور في بريطانيا يقول ثوماس كرايسز وروبرت ناراي: “… من المشكوك فيه أن أوربا ستواصل منع المهاجرين من دخول المجر أخذا في الاعتبار بأن 10 بالمئة من شباب الطبقة العاملة قد غادروا البلاد في فترة قصيرة جدا . إن راس المال (المجري هنا .ع.س) بحاجة إلى قوةعمل رخيصة وبالتالي إلى لاجئين. وهذا بدوره سوف يقلص سعر قوة العمل. يعتقد كثيرون أن اللبراليين والاشتراكيين هم الذين يجلبون المهاجرين، ولكن في الحقيقة، فإن الراسمالية هي التي تقتلع البشر داخل وخارج أوروبا، وبأن الحروب الدموية التي تقوم بها الولايات المتحدة والناتو هي التي تنتج اللاجئين[1]”  

تشكل كوسوفو حالة نموذجية على اشكالات اوروبا سواء من حيث نزيف قوة العمل أو تغلغل الإرهاب الخليجي فيها أو استخدامها من قبل الولايات المتحدة كقاعدة للتخريب!

فسكانها الذين هم قرابة 3,3 مليون يعيشون على تحويلات ثلاثة ارباع مليون عامل يعملون في المهجر. وهم قرابة نصف قوة العمل 400 الف منهم تعمل في اليونان والمانيا وايطاليا وامريكا. وهؤلاء لا شك لم يعودوا مرغوبين في غرب أوروبا التي ربما رحبت بهم في فترة الازدهار والزهو بسقوط الكتلة الاشتراكية حيث تحول شرق أوروبا إلى:

  • مخزن للعمالة الرخيصة تحت الطلب
  • وسوق للمنتجات الغربية
  • وفاقدة أو متخلية عن قواعدها الصناعية التي تفككت وبيعت بأبخس الأثمان ؟

“… يشهد من يتجول في مقاطعة كوسوفو الصربية التي يحتلها الناتو هلاكا تاما، دولة فاشلة بكل المعايير. إنها قاعدة لتهريب المخدرات إلى المافيا الألبانية، كما انها تنزف آلاف الناس سنويا الذين يهربون إلى وسط وغرب اوروبا للنجاة من الدمار الاجتماعي. تقوم داعش والوهابية عموما بانتهاكات  هناك، وهناك خوف حقيقي بأن يتحول كيان كوسوفو الى مركز أوروبي للمجاهدين، وخاصة بسبب الدعم الكامل من المشرفين الأمريكيين في معسكر بوندستيل (وهو نفسه الذي يشرف على نفس قوات كامونوف الإرهابية). كما لا يمكن لأحد التنبؤ كيف ستؤول جارتها الجبل الأسود[2].

ولكن، رغم الأزمة الاقتصادية في معظم دول الاتحاد الأوروبي، إلا انها بحاجة لقوة العمل المهاجرة أو اللاجئة بسبب تدني معدل الولادة في تلكم الدول حيث تسجل السالب إلى درجة كبيرة وذلك عن نسبة التزايد المفترض عالمياً وهو2.1 مولودا للمرأة الواحدة، وهذا لا تبلغه مختلف دول غرب اوروبا وحتى الكاثوليكية منها مثل إيطاليا وإسبانيا التي لا تجيز تحديد النسل.

وعليه، تكون المشكلة في الحاجة للعمالة اللاجئة والمهاجرة متلازمة مع التخوف من هؤلاء القادمين والمستقدمين من جهة، وعدم انسجام أو تكيف هؤلاء مع الثقافة الغربية من جهة ثانية، وهذه على اية حال معضلة لا تلاقي حلاً سريعاً ولا مناسباً.

 

تشكل هذه المعطيات أفظع واوضح صورة لوحشية النظام الراسمالي العالمي وبالطبع مراتبيته. المانيا تنتقي السوريين المؤهلين، وتترك غير المؤهلين كي تلتهمهم المجر المتخلفة مقارنة بألمانيا. المؤهلون المجريون وغير المجريين من شرق أوروبا  يهربون إلى المانيا وغرب اوروبا عموماً، وبريطانيا تطرد العمالة المتدفقة من أوروبا الشرقية إلى درجة أن تدفق هؤلاء العمال هو من دوافع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مما يعني تشبعاً “مؤقتا” بما التهمته من قوة عمل رخيصة من جهة وبسبب الزمة الاقتصادية التي أفرزت نسبة بطالة أعلى بالطبع. في النهاية، الغرب والوهابية وقوى الدين السياسي الأخرى أي المحافظية الجديدة، واليهو-سيحية والصهيونية  تدمر الوطن العربي وتأخذ قوة العمل الماهرة والعادية إلى العبودية في الغرب. فيصبح البلد المتطور سيدا على عمالنا المهرة والبلد شبه المحيطي ، المجر مثلا، سيدا على عمالنا غير المهرة، وتبقى أنظمة الحكم العربية تابعة للغرب رفيعه ووضيعه، ويبقى كثير من مثقفينا متخارجين متغربنين! وفي كل هذه التشابكات تبقى قوة العمل هي التي تحمل كل هذا الاستغلال والوحشية والاحتقار، معظمه على عمالنا وأقله على العمالة الغربية.  وماذا عن الكيان الصهيوني: لافت لا شك إصرار نتنياهو على زيارات متواصلة إلى روسيا الاتحادية. لا شك بأن ضمنها محاولات الكيان تقليص الدعم الروسي لسوريا وطبعاً الزعم بضخامة الوجود الإيراني في سوريا ايضا، وتثبيت موقف روسيا تجاه “شرعية”الكيان.لكن فيما يخص موضوع مقالتنا هذا، فإن الإصرار الصهيوني على العلاقة مع روسيا تشي بشيىء آخر ايضاً.فالكيان الصهيوني الذي خالقة ليس دولة غربية واحدة كما هو حال المستوطنات الراسمالية البيضاء الأخرى،  ولكن متروبوله هو  النظام الراسمالي العالمي، إلا أن أوروبا الغربية هي خالقه الرئيسي  وإن شاركت في ذلك الولايات المتحدة وتبنته أكثر لاحقاً. ظل هذا هو الوضع حتى ما بعد الحرب الرأسمالية العالمية الثانية. وحيث لاحظت قيادة الكيان الوهن الذي اصاب أوروبا وبأن مركز الثقل انتقل إلى الولايات المتحدة، سارعت هذه القيادة إلى التوجه بخدماتها إلى القطب الرأسمالي الإمبريالي الجديد والأقوى. وبالطبع، لا يعوزقيادة الكيان استشعار الوهن الأمريكي حالياً يقابله الصعود الروسي، لذا نلاحظ الاستثمار الصهيوني هذه المرة في الخيار الروسي، وإن تدريجيا. وهذا لا يعني الذهاب إلى الحضن الروسي سريعاً.  صحيح أن روسيا لن تتحول إلى حاضنة للكيان كما هي اوروبا وامريكا، ولكن تراث الاعتراف السوفييتي بالكيان والتورط في الاعتقاد ب “إشتراكية كيان استيطاني ورأسمالي” لا تمنع روسيا، وهي راسمالية عن الحفاظ على والاحتفاظ بعلاقة قوية مع نفس الكيان حيث تقدم له التزامها بعدم دعم العرب في تحرير فلسطين. صحيح أن روسيا لن تدير ظهرها للعرب، ولكن تفتت وصراعات الأنظمة العربية تُشعر روسيا بأن رهانها يجب أن يكون مزدوجاً.

 

 

 [1] Tamás Krausz and Róbert Nárai, Searching for Alternatives in Eastern Europe

monthlyreview.org/2019/04/01/searching-for-alternatives-in-eastern-europe 1 April 2019

    

[2] ‘Russia and China to Liberate Balkans from Unipolar Influence’, By Andrew Korybko, Global Research, February 16, 2016, Oriental Review 15 February 2016

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.