تصاعد حدة الصراع في المنطقة: انعكاس صراع حافة الهاوية على الصعيد العالمي، المبادرة الوطنية الأردنية

حلقة (١)

مقدمة في الإستخلاصات:

  • تصاعد حدة الصراع على المستوى الدولي انعكاساً لحدة الصراع داخل المنظومة الرأسمالية بشكلٍ عام، وداخل الولايات المتحدة بشكلٍ خاص، حيث صراع بين كتلتين ضخمتين، الإنكفائيين من طرفٍ والمحافظين الجدد من طرفٍ آخر، صراع بين الرأسمالية المضاربة والرأسمالية المنتجة، حول قضايا: التجارة الدولية، سعر صرف الدولار، الحماية الجمركية، العزل بالجدران مع المكسيك، التصعيد العنصري، الموقف من السعودية والحرب على اليمن، في حين نشهد تطابق مواقف هاتين الكتلتين في قضايا أخرى: الصراع العربي والفلسطيني الصهيوني، الصراع في وحول سوريا، الصراع على فنزويلا، الموقف من إيران والاتفاق النووي، الموقف من الدول الوطنية المستقلة في أمريكا اللاتينية والكاريبي.
    • تصاعد حدة الصراع في المنطقة انعكاساً لتصاعد حدة الصراع على الصعيد الدولي بين : محور المركز الرأسمالي العالمي المهيمن وقوى التبعية في الحكم وفي السوق وفي صفوف النخب في المنطقة، من طرفٍ، ومحور دول البريكس، وخاصة روسيا والصين ودول الاستقلال الوطني ومحور المقاومة وحركات التحرر العالمي، من طرفٍ آخر.
    • بروز وتصاعد حدة التناقضات بين أطراف المركز الرأسمالي العالمي، بين الولايات المتحدة من طرف وحلفائها، أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا، من طرف آخر، في الكثير من القضايا: الموقف من الملف النووي الإيراني، الموقف من كوبا، الموقف من فنزويلا، الموقف من قضايا التجارة العالمية، وخاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا، الموقف من قضايا المناخ والبيئة، الموقف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الموقف من الحرب على اليمن ومن السعودية، الموقف من ضم الجولان، الموقف من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، الموقف من الانسحاب الأمريكي من سوريا…الخ.
    • التصعيد العدائي من قبل الولايات المتحدة في سياستها الدولة وضد دول بعينها دليل ضعف وبداية أفول، وليس دليل قوة ومرحلة صعود ثانية. 
    • لا تزال أزمة عام 2008 ، التي أطلق عليها في حينه ” أزمة الرهن العقاري” – بينما هي في الحقيقة والواقع أزمة بنية النظام الرأسمالي ذاته – تفعل فعلها ولم تستطع المنظومة الرأسمالية العالمية من تخطيها، لا بل الأزمة تتعمق وتتمدد مما ينبئ ، بحسب مراكز الأبحاث والدراسات المختصة الأمريكية، بانهيار هذا النظام.
    قضايا الصراع في المنطقة عامة والأقطار العربية خاصة.
    يحتدم الصراع في المنطقة، في سوريا في اليمن في العراق وفي فلسطين، بين محور المقاومة من جهة والهيمنة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى، حيث فترات من التصعيد العدواني الطابع وفترات أخرى تهدئة مفروضة، ذلك تبعاً لموازين القوى على الأرض، فحيثما تشتد المقاومة وتتصلب المواقف يتراجع العدو وينح منحى التهدئة، والعكس صحيح.
    في حين يتمحور الصراع في ليبيا بين مراكز رأس المال العالمي ذاتها ومعهم تبع النظام الرسمي العربي وتركيا، حيث قطر وتركيا طرف مقابل السعودية والإمارات ومصر من طرفٍ آخر، كما يحاول الإعلام العالمي إيهامنا. 
    سؤال معني الإجابة عليه كل عربي من أبناء هذه الأمة، ما هي المصلحة الوطنية الحقيقية لدول محاور عربية ضد دول ومجتمعات عربية أخرى، في هذا الصراع؟ 
    هل هي مصالح اقتصادية باعتبارها دول مصدرة للسلع والخدمات وتتنافس مع دول المركز الرأسمالي حول هذه الأسواق؟؟؟ 
    أم صراع حول مواقع جيو سياسية على الصعيد العالمي؟ 
    ماذا تمثل هذه الدول الريعية التابعة من وزن في الصناعة والزراعة والخدمات على الصعيد العالمي؟؟؟ 
    في المحصلة هي أدوات في خدمة مشروع إدامة هيمنة المركز الرأسمالي على المنطقة، تدفع أموال مجتمعاتها وتحجز بذلك مشاريع التنمية الوطنية، حيث التراكم الرأسمالي الوطني احد أهم عناصر إحداث التنمية الحقيقية.
    الإعلام ” صناعة القبول وثقافة القطيع”
    يجب الحذر من الإعلام الذي يحاول تزييف وعي أبناء هذه المنطقة من خلال مقولة صراع محور السعودية الإمارات مصر ضد محور قطر تركيا، فهذه دول ريعية تابعة لا تمتلك قرارها المستقل في بناء محاور، فالمحاور تبنيها دول المركز المهيمن وليس الدول التابعة التي هي مجبرة على الاصطفاف وليس لها خيار في ذلك.
    سيبقى جوهر الصراع تقاسم غنائم ثروات ليبية، وخاصةً النفط، بين دول المركز الرأسمالي، في حين تتحمل كلف الحروب هذه دول التبعية العربية، وتحديداً السعودية والإمارات وقطر.
    المهم وعي الحقيقة، في ليبيا يجري وسيبقى صراع اقتسام غنائم بين دول المركز في ظل غياب تشكل حركة تحرر وطني ليبية وازنة تحمل مشروع متلازمة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي. 
    التصعيد ضد سوريا واليمن وفلسطين وإيران، يأتي في سياق تناقض تناحري بين الهيمنة والتحرر، وشرط الانتصار النهائي والتحرر من الهيمنة يكمن في تبني محور المقاومة متلازمة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي وبناء حامل اجتماعي من الشرائح الكادحة والمنتجة، صاحبة المصلحة الحقيقية في حسم الصراع، ولا بديل لهذا الخيار. 
    تبني المتلازمة يشكل قاعدة ارتكاز رئيس لا بديل لها لحسم الصراع، التردد في في حسم هذا الخيار سيبقى دول ومجتمعات المقاومة تعاني من أزمات وتوترات اجتماعية دورية، وسيبقى استمرار دفع ثمن غالي طالما لم تحسم هذه الدول أمرها في هذا الموضوع.
    صفقة العصر والصراع العربي الصهيوني والفلسطيني الصهيوني.
    انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة عنوانها اصطفاف وإعلان محور تابع يتشكل من الكيان الصهيوني السعودية الإمارات مصر الأردن، ضد محور المقاومة، وضد إيران بوجه الخصوص.
    الوهم في فهم هدف صفقة العصر.
    البدء في تطبيق صفقة العصر بشقها الخليجي والفلسطيني، في الشق الفلسطيني عنوان الصفقة، إعلان عدم السماح بقيام دولة فلسطينية على أرض عام 1967، فما الجديد في ذلك؟
    على أرض الواقع تم القضاء عملياً على جميع عناصر ومكونات حل الدولتين، ترسيم الدولة الدينية للكيان الصهيوني، السيادة على أراضي الضفة الغربية، قضم المستوطنات لمعظم الأراضي الفلسطينية، العزل الجغرافي، السيطرة على المياه، السيطرة على غور الأردن ، فماذا تبقّى للدولة، ولماذا الاعتقاد أن صفقة العصر تستهدف ما هو منجز في الواقع، حيث تم انجاز الكثير على أرض الواقع من المشروع الصهيو- أمريكي في ظل انحراف هائل للثورة الفلسطيني عن مسارها “حركة تحرر وطني” وانسلاخها عن حركة التحرر الوطني العربي، مما أضعفهما معاً، وأصبحت القيادات عاجزة ومعرقلة لمشروع التحرر.
    من يطرح ومن يعتقد أن الانقسام الفلسطيني هو السبب الرئيس في هذه الحالة البأسة فهو واهم، لم يكن هناك انقسام ورغم ذلك ، استسلمت القيادة الفلسطينية للإرادة الأمريكية، تغيير الميثاق ، لم يكن هناك انقسام وتم التنازل عن أراضي 1948، لم يكن هناك انقسام وتم التوافق مع الكيان الصهيوني ، تحت جنح الظلام، على اتفاق أوسلو، ولم يكن الانقسام مبرراً إلى انحياز قوى فلسطينية وازنة ضد سوريا وضد محور المقاومة، العلة والسبب في خروج قوى مهيمنة في الساحة الفلسطينية عن مشروع التحرر الوطني، واستسلامها لشروط العدو الصهيوني والأمريكي، لم يكن الانقسام سبب في عدم الاعتماد على الذات، بل الأخذ بخيار الاعتماد على مساعدات أجنبية لإدارة شؤون السلطة والمجتمع الخاضع للسلطة ولحماس، وتبرير الاستسلام.
    في الشق الخليجي تهدف صفقة العصر إلى السيطرة على الشركات الوطنية وقطاع الصحة والتعليم وأراضي دول الخليج، صفقة على رؤوس أموال تفوق التصور، ويسيل لها لعاب الشركات متعدية الجنسيات.
    صفقة العصر باختصار هي رؤية محمد بن سلمان 2030 ، التي سميت باسمه بالرغم أن من وضعها وصممها وشكلها مراكز دراسات وأبحاث أمريكية، بطلب مباشر من الشركات العملاقة عام 2014. 

 

حلقة (٢)

 

الحراكات الاجتماعية الجارية في العالم، في المركز الرأسمالي وفي دول المحيط، هي نتيجة طبيعية وتعبير حقيقي عن أزمة المنظومة الرأسمالية العالمية ألتي انفجرت بشكلٍ صاخب عام 2008 بما عرف بأزمة “الرهن العقاري” حيث تم تحميل الطبقات الكادحة والشرائح الفقيرة والمعدمة والمهمشة و الشرائح متوسطة الدخل وزر الأزمة، في الوقت الذي منحت الحوافز للطغمة المالية العالمية، المسبب الحقيقي للأزمة.
أنها أزمة بنيوية للنظام الرأسمالي ذاته، حيث لم يستطع هذا النظام حتى الآن تجاوزها، ولن يتمكن من تجاوزها بالحلول المطروحة، والسبب الحلول والإجراءات المتبعة للحل هي علة وسبب الأزمة، حيث يتم التركيز على معالجة السياسة المالية بدلاً عن المعالجة الاقتصادية، أي الاستمرار في محاولة فرض تخطي منظومة الرأسمالية المنتجة والانتقال إلى منظومة الرأسمالية المضاربة.

ما يجري في السودان والجزائر يأتي في سياق الأزمة العالمية والمحلية، دول يحتوي باطن الأرض فيهما ثروات طبيعية هائلة وإمكانات بشرية عظيمة، ورغم ذلك تفاقم معدلات الفقر والبطالة والجوع والمرض، وخاصة في صفوف الشبيبة، التي تشكل غالبية المجتمع، وانحدرت الخدمات الصحية والتعليمية، وتنامت الآفات والأمراض الاجتماعية، تسبب ذلك كله في تفتيت المجتمع وتفكيك الدولة، أنفصل جنوب السودان، وارتفعت أصوات في المحافظات المهمشة تطالب بالانفصال، هذا النهج هو الذي أنتج الحراك المجتمعي، فإما أن تفتك الأزمة في الدولة والمجتمع وينهارا وإما أن تنهض قوى مجتمعية لإنقاذ الدولة والمجتمع من الانهيار، وهذا ما يجري على أرض الواقع في كلٍ من السودان والجزائر.

الوصف أعلاه ينطبق على الحالة في الجزائر، التي كانت، بحسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية عام 1973 مهيأة للانتقال من صفوف دول “العالم الثالث” إلى صفوف دول “العالم الثاني” في سبعينات القرن الماضي، وحيث عبر كيسنجر في حينه عن موقف المركز: لن نسمح “لا للجزائر ولا العراق” بهذا الانتقال، فتم إدخال العراق في حرب مدمرة مع إيران تحت عنوان ” سياسة الاحتواء المزدوج” وأدخلت الجزائر في “العشرية السوداء” والتي تم إنهائها ليس بفعل تغيير موازين القوى على الأرض ومعالجة أسباب الأزمة، بل بقرار أمريكي وتنفيذ سعودي، حيث كانت السعودية هي الداعم الرئيس لقوى الإرهاب، ولا يمكن فهم حالة “العشرية السوداء” بمعزل عن دور قوى التبعية المحلية وكلاء المركز في الحكم وفي السوق وفي صفوف النخب، قوى أنتجت العشرية السوداء بسبب نهجها، وهي ذاتها ألتي استمرت في الحكم بعد إنهاء العشرية السوداء، ونهجها هو المولد الحقيقي للأزمة وتبعاً للحراك. 
حراك من الطبيعي أن يكون ضد النهج الذي دمر الجزائر على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي والمستوى السياسي، يجب أن لا ننخدع بظواهر الأمور، القيادة السياسية والاقتصادية الحالية ليست امتداد للقيادة الوطنية السابقة، بل نهجها من أوصل الجزائر إلى هذه الحالة البائسة، نهج التراجع عن تعميق الاستقلال الوطني، لا بل الارتماء في أحضان المركز الرأسمالي ثانية، والسماح بتحويل الجزائر إلى ساحة صراع بين دول المركز الرأسمالي العالمي.

التراجع عن مشروع بناء الاقتصاد الوطني المنتج المستقل، وعن دور الدولة في حماية الشرائح الكادحة والمنتجة، وحماية السوق الوطنية، والنكوص عن دور فاعل في القضايا العربية والأفريقية والعالمية، عوامل مجتمعة أنتجت الحالة البائسة ألتي يعيشها المجتمع الجزائري اليوم، نتاج نهج العقود الثلاث الماضية. 
العلة والسبب للحالة الجزائرية الراهنة تكمن في عدم تبني القيادة الجزائرية الوطنية آنذاك ” متلازمة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي”. 
الحراك الجاري على الساحتين الجزائرية والسودانية، يحمل كل الاحتمالات والمائلات، ففي الحالتين يمكن رصد حالة تشكل قوى اجتماعية قد تحمل متلازمة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وتسير بالنضال إلى خواتم الانتصار النهائي، ففي الجزائر يمكن رصد حراك يجري داخل النقابات العمالية وحراك داخل الحزب الحاكم وحلفاءه ضد النهج السائد.
في السودان الحراك القائم يرفض إعادة إنتاج الدولة القائمة ومؤسساتها، بالمقابل لن تستسلم قوى السلطة الحاكمة عن التخلي عن موقعها في السلطة وعن مصالحها في السوق، وسوف تقاوم بعنف.

على وعي وجذرية الحراك وقياداته ألتي ولدت في معمعان النضال، والقدرة على الحسم وعدم التردد في بناء الحامل الاجتماعي لتأمين الانتصار وحماية منجزاته لاحقاً، يتحدد مصير الحراك.
شعار تسليم السلطة للمدنيين شعار موهوم وبلا مضمون، ولا يحمل في طياته مهمة حسم الصراع لصالح الشرائح الكادحة والمنتجة ولا مهمة تحقيق الاستقلال الناجز، ولا إنجاز مهمات التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي الذي يعني القضاء على الظلم الاجتماعي والاضطهاد والاستغلال والتمييز بين أبناء المجتمع، ويفسح هذا الشعار المجال أمام إعادة إنتاج حكم يعيد إنتاج قوى التبعية الفاسدة ألتي أنتجت الأزمة القائمة.
يتبع…

” كلكم للوطن والوطن لكم”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.