ليبيا: لعنة النّفط، الطاهر المعز

سبق وأن نَشَرْتُ مقالة سابقة (منتصف نيسان/ابريل 2019 ) بعنوان “ليبيا، من إرادة الإستقلال، إلى حُكُومات العُمَلاء”[1]، بشأن الخطة المنهجية لداعمي “خليفة حفتر” (وهو خان جَيْشَ بلاده، وأصبح أمريكيًّا وعَميلا للمخابرات المركزية الأمريكية، وكان يعيش في أمريكا لأكثر من ثلاثة عقود)، للإستيلاء على حقول النفط والمصافي وموانئ التّصْدِير، ويمكن اعتبار هذه المقال مُكَمِّلاً للأول. 

لم يكن نظام ليبيا ديمقراطيا، بعد الإطاحة بالنظام المَلَكِي، في الأول من أيلول/سبتمبر 1969، ولم توجَدْ مُؤسّسات، باستثناء الجيش، ولكن وضع المواطنين الليبيين الإقتصادي كان أحسن من الجيران، وأحسن من العديد من إخوانهم العرب والإفريقيين، فقد كان المواطنون معفيين من الضريبة على الدّخل، وكانت الدّولة تمنح المُقْبِلِين على الزواج قطعة أرض (150 مترا مُرَبّعًا) أو مسكنًا، مع التكفل بمصارف الزواج، وكان المتخرجون من الجامعة، العاطلون عن العمل، يحصلون على حوالي ثمانمائة دولارا شهريا، وتحصل الأسر المُسجلة لدى المصالح الإجتماعية على نحو أربعة آلاف دولارا شهريا، ويحصل الطلبة في ليبيا أو في الخارج على منحة دراسية، ولا يعني ذلك انتفاء الفَقْر، خاصة بعد الحظْر والحصار والقصف الأمريكي، ومحاولات اغتيال العقيد معمر القذافي، ولم تكن كل الأُسر (في الأرياف وفي ضواحي المُدُن) مُسجّلة للحصول على المساعدات، لكن بعض الخدمات كانت مجانية للجميع (الكهرباء والمياه)…

تراوح إنتاج ليبيا من النفط ما بين 1,65 مليون برميل و 1,8 مليون برميل يوميا، قبل سنة 2011، واستثمرت الدّولة أموالاً لرفع الإنتاج إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا، بداية من سنة 2011، كما خططت له الدولة، قبل العدوان الأطلسي، وكانت مبيعات النفط تشكل حوالي 95% من العملات الأجنبية ونحو 60% من عائدات الدّولة (مما يعني ضُعْفَ أو ضآلَةَ الإيرادات الأخرى)، وقرابة 30% من الناتج الإجمالي المحلي، وكان النظام السابق قد طَوّر قطاع الزراعة، بفضل “النهر الصّناعي”، وبلغ معدّل الدّخل السّنوي الفردي حوالي 16 ألف دولارا…

الوضع بعد العدوان الأطلسي ، من 2011 إلى 2018:

كانت بداية العُدْوان مبنيّة على كذبة مَدْرُوسة ومُنظمة، كما حصل في العراق، بشأن “أسلحة الدّمار الشامل”، أو بشأن العلاقة المزعومة بين حزب البعث وتنظيم “القاعدة”، وفي ليبيا، ادّعت وسائل إعلام أمريكا وأوروبا (وتوابعها في الخليج)، بتنسيق من عتاة الصّهاينة، مثل برنارد هنري ليفي، إن الجيش الليبي ارتكب مجزرة، يوم 17 شباط/فبراير 2011، في مدينة “بنغازي”، ضد “المواطنين العُزّل الذين تظاهروا سِلْمِيًّا”، وظهر فيما بعد إن الحدث والصّور و”الدّلائل” مُختَلَقَة، ولا أساس لها من الصّحّة، ومع ذلك يتواصل تَرْوِيج هذه الكذْبَة، لتبْرِير القصف والخراب والدّمار الذي لحق البلاد والعباد، ولتبرير سرقة أموال الدولة الليبية، والشعب الليبي، المُسْتَثْمَرَة في مصارف ومؤسسات الدّول المُعْتَدِيَة…

تمتلك ليبيا أكبر مخزون للنفط في إفريقيا (قرابة 48 مليار برميل)، وكانت تُصدّر حوالي 1,8 مليون برميل يوميًّا بنهاية 2010، وكانت عائدات النّفط تُشكِّلُ نحو 95% من إيرادات ميزانية الدولة، تستخدمها لتمويل الإنفاق الحكومي، ولتسديد الرواتب ودَعم السِّلع والخدمات الأساسية والسّكن والنقل والكهرباء، والتعليم والصحة، وغيرها من الخدمات التي كانت مجانية في البلاد، وبقي اقتصاد البلاد ريعيًّا، يعتمد على استخراج وتصدير النفط الخام، ولكن عدوان الحلف الأطلسي، والإحتراب الدّاخلي، وتَفْتِيت البلاد وحل أجهزة الدّولة (كما جرى في العراق)، عوامل عطّلت الإنتاج، وأدّى انهيار الدّولة إلى انتشار الفوضى، والفساد والنّهب، وإلى انهيار الإقتصاد وانخفاض قيمة العُمْلَة، بنحو خمسة أضعاف، مما رفع أسعار المواد الغذائية (بنسبة 33% خلال النصف الأول من سنة 2016، على سبيل المثال) ومما رفع أسعار المواد الضرورية، ومن نسبة التّضَخّم بسرعة غريبة، حيث ارتفعت مستويات الأسعار إلى ثلاثة أمثالها بين سنَتَيْ 2014 و 2017، بعد انخفاض سعر الدينار، وانخفاض أسعار النفط، وارتفع عدد الفقراء المحتاجين إلى مساعدة إنسانية إلى حوالي 2,4 مليون من إجمالي 6,5 ملايين نسمة، بحسب تقارير البنك العالمي، التي أثارت مسألة الفقر في ليبيا، بداية من سنة 2012، وصنّف البنك العالمي أكثر من مليون ليبي في خانة “الفَقْر المُدْقَع، بنهاية سنة 2016، وتَحَوّلَ أكثر من مليونَيْ مواطن، من مُتوسّطي الدخل إلى فُقراء، يحتاجون إلى مُساعدة إنسانية (غذاء، سكَن، صحة…)، في ظل غياب حكومة مركزية، وغياب القطاع العام، وغياب البرامج الإجتماعية، وافتقاد البلاد إلى ميزانية مُوَحَّدَة، وإلى برامج إنفاق عام، فانكمَش الإقتصاد، بسبب انخفاض إنتاج النفط، وبسبب سيطرة مجموعات المليشيات المُسَلّحَة على مواقع الإنتاج وعلى موانئ التّصْدِير، مع الحصار الذي تفرضُهُ الدّول المُعتدية على ليبيا (أوروبا والولايات المتحدة) وعلى توريد الغذاء والدواء، واحتجاز أموال الدولة الليبية في مصارفها، فانخفضت احتياطيات العملة الأجنبية من أكثر من 100 مليار دولارا بنهاية سنة 2013 إلى 43 مليار دولارا، بنهاية سنة 2016، فيما أنْتَج “اقتصاد الحَرْب” أثرياء جُدُد، من قيادات وأعضاء المجموعات الإرهابية المُسلّحة، ومن المُهرِّبِين والمُتاجِرِين بالبشر، وأصبحت المجموعات الإرهابية (كما في سوريا) تُشْرِف على تجارة السّلع والعُملات الأجنبية في السّوق المُوازية، وعلى تهريب المهاجرين إلى أوروبا، عبر البحر الأبيض المتوسّط، بعد أن كانت ليبيا “تستضيف” حوالي ثلاثة ملايين مهاجر عربي وإفريقي ( كانت أوضاع معظمهم سيئة، في ظل غياب المؤسسات والقوانين)، كما تُشْرِفُ المليشيات الإرهابية على تهريب السلاح نحو الدول الإفريقية (تشاد والنيجر والسودان) وإلى بلدان المغرب العربي (تونس والجزائر)، وإلى سوريا، عبر تركيا ولبنان والأردن، كما تُشرف المجموعات الإرهابية على تهريب النّفط، وتُنَظِّمُ عمليات السّطو على المصارف وعلى رواتب الموظفين في الشّركات، وظهرت فئة من الأثرياء الجُدُد (أثرياء الحرب) التي هيمنتْ على النفط والمال والأعمال، ورغم الحرب، ازداد عدد المطاعم والمتاجر الفاخرة في الأحياء الراقية، لبَيْع المواد والملابس المُستورَدَة، مرتفعة الثّمن، بينما ارتفع عدد المنازل الخَرِبَة وأكداس القمامة، في أحياء أُخْرَى، مما يُبَيِّنُ تعميق الهُوّة الطّبَقِيّة بين المواطنين… 

قدّرَ البنك العالمي انكماش اقتصاد ليبيا بنحو 10% (سالبة أي – 10%، أو عشرة تحت الصّفر)، سنة 2015، وغابت السلع الضرورية، بسبب الحصار على الغذاء والدّواء (كما في اليمن أو في سوريا)، وارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة 31,7% وارتفعت نسبة التضخم من 9,2% سنة 2012 إلى 24% سنة 2016، وانخفضت قيمة الدينار الليبي (الذي كان من أقْوى العُملات في العالم، مقارنة بالدّولار) بنسبة 9% في المصرف المركزي (أي السعر “الرّسمي”)، لكن العملات الأجنبية مفقودة في المصارف، بسبب الحصار، بينما انخفضت قيمة في السوق الموازية بنسبة 160%، وانخفض معدّل الدّخل الفردي، من أكثر من 16 ألف دولار إلى أقل من 4500 دولارا، وفق تقارير البنك العالمي، الصادرة، في بداية سنة 2016، ويمكن معاينة نفس المظاهر ونفس النّتائج، في كافة البلدان التي اعتدت عليها الإمبريالية، بقيادة الولايات المتحدة والحلف الأطلسي، كالعراق وسوريا وليبيا…

انتقل وضع المواطنين من الرّفاه النّسْبِي، مقارنة بالجيران، إلى غياب الخدمات الاجتماعية الضرورية، مثل التعليم والرعاية الصحية، والكهرباء والمياه النّقِيّة والصرف الصحي، وبعد العلاج المجاني، غابت من البلاد جرعات التطعيم وعقاقير بعض الأمراض المزمنة، مثل السّكّري والقلب، كما انتشرت الأحياء العشوائية، بسبب الخراب الذي سببته الحرب، وبسبب غياب الدولة، وبسبب الفقر، وأصبحت فئات عريضة من الشعب الليبي تُعاني من الفَقْر، واعتبر البنك العالمي ثُلُثَ الليبيين (أي أكثر من مليونَيْ مواطن) فقراء، يحتاجون إلى المساعدة، سنة 2016، فيما ارتفع معدّل البطالة إلى أكثر من 15%… أدّى تحطيم أجهزة ومؤسّسات الدولة الليبية، والجيش وتخريب الإقتصاد وتفتيت البلاد، إلى عودة العصَبِيّات القَبَلِيّة وإلى انتشار أكثر من أَلْف مليشيا مُسلّحة، بالأسلحة التي نُهِبَتْ من ثكنات الجيش، وأصبحت ثلاث حكومات صورية (حكومة الوفاق وحكومة الإنقاذ والحكومة المؤقّتة) تتصارع فيما بينها، بالسلاح، قبل أن تندمج حكومة الإنقاذ بحكومة الوفاق، وتهدف جميع هذه القوى السيطرة على النفط، وكل منها مدعومة من قُوى خارجية… 

في هذه الظّرُوف أعادت الولايات المتحدة وعُملاؤها في المنطقة (مصر والسعودية والإمارات) عميل مخابراتها “خليفة حفتر” إلى ليبيا، وأصبح طرفًا قَوِيًّا له جيش وسلاح ثقيل وسلاح جَوِّي، واستهدفت هذه القُوات السيطرة على حقول النفط، والمصافي، وعلى موانئ التّصدير…        

الشركات والمصالح أوروبية والضّحايا ليبيُّون

تمتلك ليبيا احتياطيًّا يُقَدّرُ بنحو 48 مليار برميل من النفط، وبمقدار معادل من  الغاز، وتتوقع شركات النفط الأوروبية وجود كميات كبيرة من الزيت الصّخْرِي (النفط والغاز)، في هذا البلد الواقع على مشارف أوروبا، وكانت هذه البيانات متوفرة سنة 2010، قبل العُدْوان الأطلسي على ليبيا الوطن والدّولة، وعلى نظامها، وقبل افتراءات “برنارد هنري ليفي” وتبريرات “هيلاري كلينتون”، وأسفر هذا العدوان عن حوالي ثلاثين ألف قتيل، وفق تقديرات منظمات أوروبية، لكن حُلَفاء الأمس (الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا…) اختلفوا بشأن حِصّة كلٍّ منهم من ثروات ليبيا، من النفط والغاز والأموال المُحْتَجَزَة في مصارفهم، فبينما يدعم “المجتمع الدّولي” المزعوم، وإيطاليا وتركيا وقَطَر والإخوان المسلمون، إحدى الحكومات (حكومة “الوحدة الوطنية” أو “الوفاق” – طرابلس)، تدعم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا حكومة أخرى في بنغازي، وتُسلِّحُ وتدعَم قوات خليفة حفتر (التي تُسمِّي نفسها “الجيش الوطني”)، المدعومة أيضًا من مصر، والمُمَوّلَة والمُسَلّحَة من قِبَل السعودية والإمارات، وركّزت هذه القُوات معاركها في مناطق إنتاج النفط، وموانئ التّصْدِير، مما يُشير إلى دعم الشركات النفطية له، ومن بينها مجموعات “توتال” (فرنسية) و إكسون (أمريكية) وبي بي (بريطانيا)، وقد تتضرّر مجموعة “إيني” الإيطالية من تحالف الشركات الأوروبية الأخرى، مع الشركات الأمريكية، ومع قوات خليفة حفتر (حامل الجنسية الأمريكية، وعميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والمُنْقَلِب على القذافي خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين) التي سيطَرَت على مواقع نفطية تُنْتِجُ نحو 300 ألف برميل يوميا، وتحاول السيطرة على ميناء مدينة “سرت” لتتمكن من تصدير النفط، بينما تُساعدها القوات الفرنسية المتواجدة في القواعد العسكرية بالتشاد، على السيطرة على نفط وطرقات الجنوب، المؤدية إلى مالي وتشاد والنيجر، وفق صحيفة “نيويورك تايمز” التي كتبت (15 و 16 نيسان/ابريل 2019) إن القوات العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) تدعم قوات العميل الأمريكي خليفة حفتر “لوجِسْتِيًّا”، كما كتبت صحيفة “ريبوبليكا” (إيطاليا)، إن فرنسا تدعم “حفتر”، بهدف زيادة نصيبها من ثَرَوات ليبيا، ولذلك عرقلت فرنسا صدور بيانات من مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي تدين الأعمال العسكرية لحَلِيفها (المُؤَقّت؟) خليفة حفتر، وأنشأت فرنسا قاعدة عسكرية في “غريان”، بعد أن ساعَدت “حفتر” على احتلالها، وادَّعَت حكومة فرنسا في اجتماع الإتحاد الأوروبي (11/04/2019) إن قوات حفتر أساسية لمحاربة الإرهاب في المنطقة !!! أما إيطاليا فتدعم الحكومة المُسماة حكومة “الوفاق الوطني” في طرابلس، وكتبت وكالة “آكي” الإيطالية إن السعودية والإمارات زادت من دعمها المالي لحفتر، منذ نهاية شهر آذار/مارس 2019، وأكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” (12/04/2019) إن السعودية والإمارات تُرسل يوميّا، منذ 27/03/2019 طائرات “بوينغ”، محملة بالسلاح والعَتاد العسكري، والمُستشارين العسكريين، إلى مطار مدينة بنغازي، لدَعم جيش مُرْتَزَقَة “حفتر”، وسمحت روسيا لشركات أمن روسية (من بينها شركة “فاغنر” الأمنية) بإرسال مُرْتزقة ومعدّات عسكرية ومُستشارين عسكريين إلى بنغازي، ومُدُن شرق ليبيا… 

أوردت صحيفة “غارديان” البريطانية (10 و 11/04/2019) إن القوى الدّاعمة ل”خليفة حفتر” خَطّطت للهيمنة على أهم المناطق الإستراتيجية الليبية، منذ شهر شباط/فبراير 2014، وعملت الإمارات (ومن ورائها فرنسا) على إفْشال كافة المباحثات، ومحاولات الإتفاق على حل سلمي وسياسي، قد يُؤَدِّي إلى نوع من الإستقرار، عبر تقاسم السلطة، وبدلا من ذلك، نسّقت الإمارات مع حكومات مصر وفرنسا والسعودية، لتحضير الهجوم على طرابلس، وأصدرت السلطات الدينية السعودية فتاوى تَدْعَم هذا الهجوم، أما حكومة مصر فقَدّمت صواريخ أرض- جَو لقوات المرتزقة (حفتر) وفق مجموعة “إنترنشينال كريزيس” (الأزمات الدّوْلِية)…

كتبت صحيفة “إندبندَنْت” البريطانية، منتصف تموز/يوليو 2018 أن ليبيا الغنية بالنفط تعاني من الفقر، منذ الإطاحة بالنظام السابق، ومنذ العدوان الأطلسي، سنة 2011، بسبب الحرب، بالوكالة، في الدّاخل،  وبسبب دعم الأطراف الأجنبية للمليشيات المتحاربة، مما يَسَّرَ انتشار الفساد والسّطو على موارد الدولة التي انقسمت بدورها إلى ثلاث دُوَيْلات، يحكم كل منها عملاء لقوى أجنبية، وما معركة طرابلس سوى جولة أخرى من صراع قوى خارجية، من صراع فرنسي إيطالي، وصراع نفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا، وصراع الأذناب الخليجيين، ومصر وتركيا… 

كانت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا قد أجرت اتصالات مع كافة الأطراف الداخلية للصراع منذ أيلول/سبتمبر 2017، وتوصّلت إلى اتفاق مع مختلف الأطراف الداخلية الليبية على لقاء بين جميع أطراف الصراع (الأطراف الليبية) دون استثناء، أيام 14 و 15 و16 نيسان/أبريل 2019، لكن هذه القوى لا تملك هامشًا لحرية اتخاذ القرارات، وقررت القوى الخارجية، الدّاعمة لهذه الأطراف، تصعيد الحرب، قبل التاريخ المُحَدّد لهذا اللقاء، لتَنْتَفِيَ إمكانية إنجازِهِ، وهو ما حَصَل، بعد مشاورات “حفتر” مع السعودية، ومصر والإمارات وفرنسا وروسيا، بإشراف أمريكي، ليحصل حفتر على الدعم المالي وعلى السلاح وعلى غطاء جَوِّي، بحسب “وول سترين جورنال” الأميركية… 

في المقابل تحظى حكومة “الوفاق” والميليشيات المتحالفة معها، بدعم حكومات الإخوان المسلمين في المغرب وتونس، وبدعم تركيا وقطر، كما تحظى بدعم إيطاليا، حماية لمصالحها ومصالح شركة النفط الإيطالية “إيني”، وعلّق رئيس البرلمان الأوروبي “أنطونيو تاغاني” عن المصالح المتضاربة لفرنسا وإيطاليا، في ليبيا، وبينما أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا “حياديًّا”، تدعم قوات “أفريكوم” (القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا) قوات حفتر، لوجيستيًّا، وأعلن الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، تأييده الصريح للعميل الأمريكي “حفتر”، فيما أشارت الصّحف الصهيونية إلى دعم الكيان الصهيوني لخيار حلفائه في المشروع الأمريكي “صفقة القَرن” (السعودية ومصر والإمارات)، وكانت الولايات المتحدة قد غَيّرت سفيرها في طرابلس بسفير جديد، ذي خبرة في الإنقلابات، مما يؤكد اتخاذ قرار الهجوم على طرابلس، قبل مدّة، في عواصم أوروبا وأمريكا، وتولّت الإمارات ومصر وغيرها من الدول العميلة توفير أسباب ووسائل الهجوم (التمويل والتدريب والتجهيز…) وقامت الطائرات الأميركية التابعة للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، بمئات الطلعات الجوية، بهدف الرصد وتجميع المعلومات، وقامت وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إيه”، بتوفير المعلومات الضرورية لإنجاح الهجوم على طرابلس، بحسب وكالة “بلومبيرغ” (15 و23/04/2019)، فيما أشارت الصحيفة السويسرية “لا تريبون دو جنيف” إلى المنافسة بين المجموعتين الإيطالية “إيني” والفرنسية “توتال” من أجل الإستحواذ على احتياطي الطاقة الضّخم في ليبيا، وكان وزير الداخلية الإيطالي، نائب رئيس الوزراء، ماتيو سالفيني (وهو من اليمين العنصري المتطرف) قد اتهم فرنسا بسلب ثروات افريقيا، وتجويع الشعوب، وعندما يكون مصدر هذه العبارات أحد عُتاة اليمين المتطرف وأحد كبار الداعمين للكيان الصهيوني، يصبح الهدف منها مشبوهًا وتفقد هذه العبارات مصداقيتها… 

أوردت وثيقة صادرة عن “المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة” (حكومية)، أن فرنسا دعمت قوات حفتر سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، خدمةً لمصالحها النفطية، ولم تتردد الحكومة الفرنسية في إشعال الحرب الأهلية في ليبيا، للفوز على غريمتها إيطاليا، أما الشعب الليبي فهو “مجموعة فارغة” ( Empty set   Ensemble vide -أو -)، بلغة الرياضيات…   

يرجى مراجعة مقال بعنوان: “ليبيا، من إرادة الإستقلال، إلى حكومات العُملاء” – الطاهر المعز 13/04/2019

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

[1] يستطيع القارئ مطالعة هذه المقالة في موقع “كنعان” على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/2019/04/16/ليبيا،-من-إرادة-الاستقلال،-إلى-حكوم/