“كنعان” تتابع نشر كتاب “التعاونيات/الحماية الشعبية: إصلاح أم تقويض للرأسمالية”، تأليف د. عادل سمارة  (الحلقة الحادية عشر)

 

 

تتمة الفصل الرابع

تعاونيات الشبكة العنكبوتية[1]: نمط جديد

واليوم ، استقر شكل جديد من أشكال الريعية على الموارد التي تعد أكبر وأسرع تراكم للثروة في التاريخ.

يجمع كل منGoogle وFacebook وعمالقة التكنولوجيا الآخرين كميات هائلة من البيانات من مستخدميها ثم يسلخون ربحًا كبيرًا من المعلنين.  أي هي آلية لاستخراج البيانات كمورد

 فيسبوك ، مصمم على منع المستخدمين من مغادرة منصته ، هو ابتكار بحث

يعمل على منافسةGoogle وموقع تجارة إلكترونية للتنافس معAmazon ، وكلها تتنافس على ذلك

للسيطرة على البيانات المخزنة . في السنوات المقبلة ، ما يسمى إنترنت الأشياء ، وفي كل مكان على شبكة الإنترنت من الأجهزة “الذكية” الشبكية ، تَعد بتوسيع الكمية بشكل كبير بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يرغبون في أن يكون الإنترنت ، كما فعل مهندسوها الأوائل ، مشاعات – حقل مفتوح للاستكشاف والتواصل المجاني – فإن صعود احتكار القلة الرقمي الحالي هو نتيجة بائسة. رداً على ذلك ، تبنى بعض المنظرين والناشطين فكرة الإنترنت التعاوني ، وركزوا في الغالب على “التعاونية المنصة”. يشير العنوان الفرعي  ” Ours to Hack and to own- لنا أن نخترق وأن نملك”، وهو مجموعة حديثة من المقالات حول هذا الموضوع ، إلى الحماس الذي تثيره هذه الفكرة بين أتباعها: صعود منهاج التعاونية ، رؤية جديدة لمستقبل العمل وإنترنت أكثر عدالة. بالاعتماد على المثل الديمقراطية في الإنترنت المبكرة ، يدرك أحد المحررين ، ناثان شنايدر ، أن الوجود المطلق ، وعلى نحو متزايد ، ضرورة منصات وسائل الإعلام الاجتماعية يجعلها تشبه المرافق العامة ، ويجادل بأنه ينبغي بالتالي إضفاء الطابع المؤسسي عليها كقطاع عام ويفترض أن تكون لا مركزية ومنظمة محليا. تغطي المساهمات العديدة فيOurs to Hack and to Own ، التي لا تزيد عن ثلاث صفحات ، مجموعة واسعة من الموضوعات ، ويحاول المحررون جلب أكبر عدد ممكن من المشاريع المملوكة والمُنظمة بشكل جماعي في إطار البرنامج الأكبر لبرنامج التعاونية. هذه يمكن أن تسبب الارتباك. وبموجب هذا التعريف الواسع ، ليس من الواضح ، على سبيل المثال ، ما يميز التعاونية “المنصة” الأكثر نجاحًا والتي تم تحديدها ذاتيًا ، وهيStocksy ، وهي وكالة عبر الإنترنت بملايين الدولارات للمصورين ، منMagnum ، الوكالة التعاونية للتصوير التي تأسست عام 1947 وبنيتها تشبه إلى حد بعيد ، ولكنها تنتمي بوضوح إلى حقبة سابقة من الأعمال والتكنولوجيا على حد سواء. على الرغم من هذه المحاولة لتوسيع فكرة المنصة التعاونية لتشمل جميع أنواع الشركات التي يديرها العمال ، يبقى تركيز الكتاب هو الإنترنت. ومع ذلك ، في رأيي ، أهم التطورات الاجتماعية ليست هي التعاونيات العمالية على الإطلاق ، بل لوحات الإعلانات الرقمية التفاعلية في هونغ كونغ وبرشلونة وسرقسطة وغيرها من المدن. في هونغ كونغ ، تم تطوير تطبيق جديد من قبل أمهات عازبات لخدمة مئات العائلات الفقيرة ، وتعريفهن بالخدمات المجتمعية والموارد الأخرى. استفادت برشلونة ، في عام 2016 ، من تمويل الاتحاد الأوروبي لإنشاء صندوق أدوات رقمي لتعزيز مشاركة المواطنين من خلال توفير منتدى عبر الإنترنت لاقتراحات ومناقشة مشاريع المدينة ، إلى جانب الوصول إلى الاجتماعات الإدارية والإجراءات العامة عبر الإنترنت. لا يمكن استبعاد هذه القدرة على تعزيز المشاركة المدنية باعتبارها موضة. في إيطاليا ، أخذت الحركة ذات الخمس نجوم الإمكانات الرقمية للمنصة أبعد ما تكون ، مع تصويت على القيادة الحزبية والسياسة التي عقدت عبر الإنترنت (حتى لو كانت الحركة قد حققت أكبر انتصاراتها في المدن حيث تجمع أعضاءها في ساحات المدينة للتحريض على مطالبهم في شخص).

وقد ألهمت هذه التطورات في أوروبا أيضًا زعيم حزب العمال البريطاني  جيريمي كوربين لتبني لغة تعاونيات المنابر في “حملة الديمقراطية الرقمية” التي أطلقها حملته الانتخابية:

“… سوف نعزز الملكية التعاونية للمنصات الرقمية لتوزيع العمالة وبيع الخدمات … سنقدم قوانين جديدة تضمن عقد عمل آمن والحق غير القابل للتصرف في العضوية النقابية لكل من يكسب معظم أو بعض مصادر رزقهم من المنصات الرقمية. سوف نطبق أفضل الممارسات ونعتمد الابتكارات التكنولوجية لهذه الترقية التعاونية للاقتصاد التشاركي من أجل تحسين توفير خدمات القطاع العام وتسليمها واستخدامها على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية. وهكذا ، على الأقل داخل بعض الأحزاب وحركات اليسار”

“… تبدو رؤية شنايدر للإنترنت كمنفعة عامة ، بعيدة كل البعد عن الواقع ، وكأنها تكتسب أرضية. أحد أفضل العروض في الكتاب المتعلقة بتعاونيات العمال ، أو النظام الأساسي أو غير ذلك ، يأتي منYochai Benkler ، المدير المشارك لمركزBerkman Klein للانترنت والمجتمع في هارفارد ، وهو من المدافعين طويلاً عن المشاعات الرقمية. … يجب أن يكون المصدر الأساسي لمنصات العمل التعاوني هو الأدب الغني عن الحوكمة الريادية التي ابتكرتها إلينور أوستروم ، والتي ركزت في الواقع على المجتمعات التعاونية التي تدير موارد رزقها معا دون حقوق الملكية أو القوانين الحكومية.

مــعيقات الحركة التعاونية

ارتكازاً على تحليلنا أعلاه والذي يتضمن الآليات والمقترحات والعقبات، قد لا تتبقى ضرورة للإشارة بعنوان محدد ولو محدوداً إلى المعيقات. لكننا نوردها هنا فقط من أجل التركيز والحصر والتذكير ذلك لأن وجود عنوان محدد هو دائماً أفضل للانتباه والتركيز.

وبوسع القارىء، إذا ما قرأ بدقة، ان يستنتج المعيقات من خلال سياق العرض من جهة، والتحليل والمقترحات من جهة ثانية، وربما هذا طريق افضل لتجذير المبادرة والإبداع الشخصي بدل تلقي وصفات العلاج من هذا الكاتب او ذاك.

فالمعيق الأول، بل النقيض للتعاون هي الملكية الخاصة، والميدان الذي تتم فيه المنازلة ضد التعاون هي السوق، والفرسان الذين يغتالون التعاون هم الطبقة الراسمالية، والحماية التي تظلل هؤلاء دائما هي السلطة/الدولة، وأداة تنفيذ مآرب كل هؤلاء هي الشرطة وأحيانا عند الضرورة الجيش. فكيف حين تكون الكتلة الشعبية والسلطة والشرطة والجيش عدو استيطاني كما هي حالة فلسطين!

على الرغم من أرقام استمرار التعاونيات في ظل انظمة رأس المال، وتحقيق نمو جيد أو مذهل في بعض الأحيان، فإن استمرار وتطوير التعاونيات مليىء بالتحديات والمعيقات. وكما أوضحنا غير مرة فإن التحدي الأكبر هو سياسة الضبط الرسمية للعمل التعاوني بحيث لا يخرج عن خضوعه للسوق ولا عن السياسات التي تتبناها الطبقات الحاكمة.

إضافة إلى دور السلطات، هناك المشاكل المشتركة للتعاونيات في البلدان النامية مثل انخفاض مشاركة الأعضاء ، والقيادة الضعيفة ، والاعتماد على المنظمات الداعمة ونقص السيولة . ولعل المشكلة أن نقص السيولة هو آلية تدفع باتجاه المنظمات الداعمة والتي ترتكز  اساساً على إيديولوجيا السوق! بمعنى أن خللاً يولد خللاً آخر.

تظهر جميع الدراسات التجريبية تقريباً أن العضوية في التعاونيات الزراعية مفيدة لأصحاب الحيازات الصغيرة في سياق تحسين إنتاجية المزارع ودخل المزارعين وصمودهم في السوق كي لا يخرجوا من العملية الإنتاجية،  فالتعاونية حماية لدورهم المقاوم. ولكن عضوية الضروروة ليست كافية بعيداً عن تعميق الفكر والثقافة ومن ثم الانتماء التعاوني مما يتطلب حركة تعاونية تعمم التثقيف التعاوني كي تغلق الفجوة بين إلحاح  الضرورة المعيشية اي كي يتم الانتقال من الشعور او الوعي للتعاون من كون الوعي في المستوى المادي والعفوي إلى مستوى التمثُّل الفكري بالوعي.

كما  ذكرت معظم الدراسات، عن التعاونيات في بلد رأسمالي، أن المزارعين الأفضل حالا من المرجح أن يستفيدوا من العضوية التعاونية وهذا يزيد احتمال مشاركتهم فيها. لذا من المهم صمود اصحاب الحصص الصغيرة من خلال اشتراكهم في التعاونيات بحيث لا تتحول التعاونية لسيطرة فئة على أخرى مما يخلق حالة طبقية وكأننا أمام شركة.

قد يكون غريباً القول بان كثيرا من الدراسات عن التعاونيات تلعب دوراً في تشويه المفهوم التعاوني حيث تفصل بين هدف الدولة المعلن والشكلاني وبين دورها أو تحديداً سياساتها على الأرض. مثلا، حين تشتكي بعض الدراسات من زيادة تدخل الدولة في التعانيات وذلك ليس من باب انحياز الدولة للتعاونيات بقدر ما هو رفضاً لتدخل الدولة من باب التزام الباحث بالسوق الحرة، اي فوضى الإنتاج ومن ثم إلتهام المنتج الكبير للصغير. يمكننا نقد دور الدولة من باب ضعف أداء موظفي التعاون لأسباب بيروقراطية أو لأنهم مجرد موظفين مثلا متخصصين في الهندسة الزراعية، لكنهم فكرياً لا يؤمنون بالعمل التعاوني.

يشكل العامل التكنولوجي تحديا للتعاونيات وخاصة في بلدان العالم الثالث/المحيط لعدم قدرة تعاونيات صغار المزارعين شراء الماكينات اللازمة لعملهم  بينما بوسع كبار الملاك شراء الماكينات واستخدامها بكلفة أقل نظراً لضخامة المساحات. وحتى لو تمكنوا من شراء الماكينات أو استئجارها بأجرة مناسبة، فهي قد تحل محل العمل البشري مما يقود إلى بطالة نسبية بين الأعضاء. وهذا قد يعني البحث عن استخدام أو تطوير التكنولوجيا الوسيطة التي تقع ما بين الخيارين المتطرفين، وهي التي نجحت فيها الصين الشعبية في فترة الماوية.

في حالة الأرض المحتلة، بوسع المؤسسات البلدية إقامة مجمع للأدوات الزراعية مثلا وتأجيرها بريح غير فاحش للفلاحين وللتعاونيات لإصلاح الأرض بمختلف مستويات الإصلاح. لكن هذا منوط بكل من:

تشجيع السلطات لهذا الدور

ووجود مجالس بلدية ذات طابع مقاوِم وليس خدماتي فقط[2].

للثقافة التغذوية دور هام في تشجيع أو إعاقة التعاونيات في المحيط خاصة. فالزراعة الطبيعية ومن ثم التوجه للزراعة العضوية لإنتاج الغذاء العضوي غير المهجنة بذوره او مخصبة جينياً يمكن أن يعيد لبلدان المحيط دورها في إنتاج هذه الأغذية صحيا لمجتمعاتها ومن ثم المنافسة التصديرية بفوائضها. وهذا قد يعيد لها دورها في التصدير للمركز الذي بالزراعة الممكننة والمهجنة تمكن من اختراق أسواق المحيط وإخراج كل من:

المنتج في هذه البلدان

وحتى إخراج المستهلك من السوق حيث أصبح المستهلك في المحيط متجها لشراء منتجات المركز بغض النظر عن خطورتها.

في هذا السياق يلعب الوعي الصحي دورا هاما ويمكن ربطه إيجابيا بالدور الوطني وحتى النظريات العالمثالثية التي تؤكد على الدور الثوري للمحيط وتاثيره على المركز من نواحي عديدة ومنها فك الارتباط بالمركز الرأسمالي الغربي مما يؤدي إلى أزمة اقتصادية تقود إلى أزمة سياسية اجتماعية.

إنه وعي بالاستهلاك وحده الذي يمكن أن يُخلي اسواق المحيط ومنها رفوف السوبر ماركت من منتجات الغرب الرأسمالي بما هي ذات خطرين اساسيين على الأقل:

خطر التلوث المقصود بالمخصبات الكيميائية

وخطر التهام الفائض وتقويض مواقع الإنتاج في المحيط مما يبقيه مجرد سوق استهلاكي ومخزن لقوة عمل رخيصة للعمل الأسود حين اللزوم.

يعيب اقتصاديو البرجوازية على بلدان الاشتراكية المحققة أن التعاونيات واجهت صعوبات مثل عدم الشفافية، والبيروقراطية وكما يزعمون العضوية غير الطوعية والفساد والأسعار الثابتة”سياسيا”  للمنتجات الزراعية لفترات طويلة.

ورغم أن كثيرا من هذه النقاط صحيحة، لكن الاقتصاد المخطط كان خاليا من الآفة الأساسية وهي إخضاع الإنسان لاستغلال الإنسان أي الاستغلال الطبقي. لقد كانت تجارب في التاريخ، ورغم تفكك معظمها إلا أن الحال الذي آلت إليه معظم بلدانها هو أسوأ بكثير مما كانت عليه في الحقبة الإشتراكية حيث أصبحت مستعمرات للغرب في المستويات الاقتصادية والثقافية وحتى الجنسية. وأصبحت محطات تدريب أقامتها الإمبريالية لفرق الثورة المضادة. ولعل روسيا ما بعد يلتسين هي البلد الوحيد الذي تمكن من النهوض مع العلم بأنها تُحيي ، وإن تدريجيا، التراث السوفييتي. وحول نجاح التجربة التعاونية الإشتراكية (أنظر تجربة كوبا لاحقاً).

صحيح أن هناك مشاكل إدارية في التعاونيات سواء الاشتراكية أو في ظل الرأسمالية، وهي غالباً نتاج عدم التخلص من الثقافة الفردية وتحديداً الملكية الخاصة والتي تأخذ أو تتمظهر في اشكال منها الغرور الثقافي، أو المبالغة في الوجود الفطري لبعض المهارات كالحذق الإداري، أو تحصيل درجة تعليمية أعلى، وحتى القوة الجسدية…الخ. ولكن هذه لا تُحل بوصفات من هذا الكاتب او ذاك، وإنما تحل بطريقتين:

الوعي والتثقيف المتواصل للتخلص من رواسب الثقافة الرأسمالية السائدة

قدرة المتعاونين على ابتكار أساليب قيادة وإدارة مناسبة لوضعهم.

إن للمكاشفة والشفافية والتفكير والنقاش الحر والمفتوح دور هام في تصويب الأخطاء وبناء هوية تعاونية او خلق الإنسان التعاوني الجديد والذي يتخطى كافة المعيقات المترسبة.

لا شك أن للابتكارات التكنولوجية دورها في تسهيل العمل التعاوني، ولكن شريطة أن يوجهها الإنسان حيث يرى وحيث يحافظ بها على العلاقات الإنسانية كاساس. فالذهاب بعيدا وراء غزارة الإنتاج قد يؤدي إلى إدخال قوة العمل التعاونية في سباق فيما بينها على المداخيل ومن ثم المنافسة. أو التحمس في حالة نشاط السوق لتوسيع الكم الإنتاجي مما يربط التعاونيات أكثر بالسوق فيصعب الحفاظ بعدها على الهوية التعاونية.

[1]Peter Ranis: Cooperatives Confront Capitalism (London:Zed, 2015

 

[2]أنظر كتاب  اقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع، عادل سمارة 1979

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.