شتان ما بين “أبو الطيب” والطيب، عادل سمارة

لا شماتة ولا نواح، ففي حضرة الموت على مطلقيته، لا بد من الاشتباك. نعم اشتباك على فتحة القبر، لِمَ لا، فالكل ميت، لذا لا معنى لكافة أكاذيب التخلف والدجل والاستخذاء من طراز” أذكروا محاسن موتاكم” أو “لا يجوز على الميت غير الرحمة” ، كل هذا هُراء، فلا يرحم الميت غير عمله، وخاصة حين يتعلق الأمر بمثقف بدأ لامعاً وانتهى إلى أرذل الموقف.

دائماً كنت أزعم أن المثقف يخجل من إنتاجه فلا يتساقط ولا يخون، بل يتمترس وراء فكره كما يتمترس مقاتل غواري وراء بندقيته. كيف لا، فالبندقية أثبتت قدرتها في حزب الله وغزة، بل وحتى منذ مقاومة فلسطين 1917 وحتى غدٍ. لقد أسقطت هالة طيران الإمبريالية والكيان الصهيوني . بل إن مقاتلي العمليات الفردية قد انتزعوها من العدو وقاتلوا بها حتى الاستشهاد.

فلماذا سقطت الكلمة من بعض قائليها؟

قد يكون الأمر لأن كلمتهم مثابة تجريد لغوي فكري لم تتعرض للاختبار الميداني، والميدان اشتباك وتضحية. فكثيرون يقولون: قاتل أنت وأنا أفكر لك! وهذا ما يجعل من السهولة بمكان انتقال القلم من يد لأخرى ومن مكان في الجسم إلى آخر. وما أعلى الفارق بل الفالق بين مداد من دم ومداد من نفط ومداد حتى من غائط.

لا أنكر انني قرأت بعض أعمال صادق جلال العظم واستفدت منها واستخدمتها، والتقيته مرة واحدة في لندن 1986 ولم يكن قد بدأ ينهار بعد. كان اللقاء عاديا وطيباً.

والتقيت الطيب تيزيني مرة واحدة ايضا في عمان عام 2000 كما اذكر في “عمان عاصمة الثقافة العربية” وكان الرجل قد بدأ يشيخ موقفاً ومن ثم فكراً. تحدثنا هو وأنا في جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية، وكان قد اخذ ينتقل من الماركسية إلى التنوير. لم يكن صعباً أن ترى فيه توجهات سوسيولوجية من طراز الديمقراطية الاجتماعية “السوسيال ديمقراط” . لم يكن اللقاء مريحاً ولكن لم يكن لي ان اشتبك معه وكلانا على المنصة. كان على وفاق في التفكير مع الاقتصادي عارف دليلة. رايت فيهما شحوب من فقد شحنة الجذرية أو المقاومة إن شئت. وبصراحة، انتابني بعض الحزن، فأنا لآ أحب لأحد ان يسقط. وهو شعور بدأمعي منذ الطفولة في الوطن المغتصب، إذ كان رحيل اي شخص عن فلسطين يُحزنني.

لماذا أتحدث عن الميدان والموقف؟

لأن الأساس أن تبدأ وتبقى وطنيا. وعلى أرضية الموقف يكون الفكر والثقافة والإنتاج.

الوطني، قومي وعروبي وأممي، وعلى هذه الأرضية فقط تكون للفكر قيمته بل وشرفه.

إذا زاغ المرء عن الوطن، صار بضاعة في سوق معولم يبتاعها تجار متنوعو الأهداف، وكله شراء.

لا أستطيع القول بأن العظم انحرف ارتزاقا. هذا وإن كنت أعلم أن المانيا تحديدا شكلت حاضنة لتخريب المثقفين العرب خاصة تجاه فلسطين خدمة للكيان الصهيوني. هناك تجمع من اسموا انفسهم “المفكرين العرب” وليس مفكرين عرباً، وأعرف منهم أبناء طبقات ارستقراطية متخلفة ومنهم العظم. كان بوسعك الاستنتاج بأن هؤلاء مثابة تفرًّغ عربي عن مدرسة فرانكفورت التي كانت وكأنما خلقها المحفل الصهيوني كي تتحدث خاصة عن اليهود وابدا ومطلقا عن الفلسطينيين رغم تلازم الحالتين، اي:

المحرقة المشتدة نازيا ضد اليهود والمحرقة الممتدة صهيونيا ضد الشعب العربي الفلسطيني.

كنت أتوقع تساقط العظم منذ أن بدا الحديث عن العولمة، وقد ذكرت هذا في كتابي بالإنجليزية عام 2001 “وباء العولمة”.

أما ان يرتد العظم إلى الطائفية، وخاصة في أدنى درجات انحطاطها فأعترف أنني لم أتمتع بخيال يتوقع هذا!

وهكذا كان الطيب تيزيني. وقد أكون غير متجنٍ إن قلت، لم يبق لدي من تفسير لسقوطهما المريع هذا غير أنه الحقد. الشبق للظهور ووصول السلطة، سواء للشخص او للقشرة الطبقية للطائفة. لذا قاد هذا الشبق إلى ماساة حزينة نحو السقوط.

لا تستغربوا، فكثير من المثقفين الفلسطينيين خانوا المقاومة لأنهم حين كانت في أوجها، لم يتسنى لهم اللمعان فاختاروا اللمعان عبر الأنجزة، التطبيع، الأنثوية…الخ.

لكن، دعونا نوسع الفرجار أكثر، ففي كتابي “الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة: قراءة في تخليع حق العودة” قبل عقدين من الزمان وجدت عديد المثقفين/ات الفلسطينيين الذين سقطوا، بينما رايت أن معظم إن لم نقل جميع المثقفين الصهاينة/ اليهود بقي جدارهم بلا تصدع!

أليس هذا أمر تراجيدي وخطير؟

واليوم، تجدون في فلسطين مثقفين/ات وصل بهم السقوط ليس فقط كره سوريا والوقوف ضدها بخيانة وضيعة للعروبة بل اصبحوا من دُعاة “دولة واحدة” مع الصهاينة او مع المستوطنين وباسم الماركسية، وقد يشكل هؤلاء حزبا بهذا المعنى والإسم ويزعمون رغم ذلك أنهم ينبضون بالمقاومة.

واليوم تجدون فلسطينيين/ات الذين يكرهون العروبة كما لو كانوا صهاينة لكنهم يتلطون بالمقاومة. ويمدحون الحليف الإيراني حتى القداسة ويحاولون احتكار تقدير الدور الرائع لحزب الله، لكنهم يمطون شفاههم حين ذكر اي زعيم عربي.

يوصلك هذا اللون من المثقفين قبل موتهم بأنهم أعداء للعروبة. وتظهر عمالة هؤلاء من الباب الخلفي للحديث. فهم يرون بأن هذا النظام العربي وخاصة الجمهوريات محض أخطاء وفشل. لا يستطيعون القول بأن:

كان عبد الناصر زعيما عروبياً، لكنه لم يتمكن من بناء حزب ثوري.

وكان صدام حسين عروبياً لكنه لم يكن ديمقراطيا وأخطا التقدير في حربه مع إيران سواء كان البادىء أم لا، وأخطا حساباته في استعادة الكويت.

وكان القذافي وحدويا حتى الجنون ومعاديا للغرب حتى الإطلاق، ولكنه جاء في غير موعده، حيث ترافق صعوده مع رحيل عبد الناصر.

ويرفضون اية إيجابيات للرئيس الراحل حافظ الأسد وللرئيس بشار الأسد حتى وهو يقاوم بجسده واسرته، وللبعث السوري سواء من حيث الطب والتعليم المجاني وعدم التورط في التسوية ضد فلسطين.

أمثلة عديدة توصلك إلى قناعة:

المثقف لا يمكن أن يُعتبر حليفا لنظام حكم وخاصة نظام قومية أخرى، حتى لو حليفة لوطنه. فالفرد ليس طبقة ولا حزبا ولا سلطة، يبقى فرداً ومن هنا الارتباط بأية دولة أجنبية هي عمالة بغض النظر عن كون تلك العمالة مدفوعة أم لا. وهنا ما يحدد هو معرفة كيف يعيش.

وهذا ينطبق على الأنجزة وخاصة ما يسمى “يساراً” . لا يمكنك الثقة بان من يتمول لا يمحض ولاء ما للممول وخاصة الولاء السري!. فأنت لا تعلم حين يجلس الأنجوز مع الممول ماذا يقول له.

وهنا لا فرق بين مال ومال.

مثقف متمول من النفط

مثقف يتمول من تركيا

مثقف يتمول من إيران

مثقف يتمول من الغرب كل الغرب.

كل هؤلاء تحت اضواء الاختبار والشك.

لا تحالف بين فرد ونظام حكم، وخاصة من غير قوميته.

وهنا يصبح من الأهمية بمكان التفريق حتى بين الطابور السادس الثقافي وبين المثقف العميل. فالطابور السادس يكتب علانية، عزمي بشارة نموذجا، لكن المثقف المنشبه يكتب جميلا ويمحض قلبه لغير بلده! وهذا أخطر.

من لا يبدأ من الوطن، ومن لا يبقى ضمن الوطن، يتهدده الاتداد والسقوط.

فالأصل أن تبدأ وطنيا، وأن تبقى وطنيا بالروح والعقل والجسد.

وهكذا، بقي ابو الطيب المتنبي عروبياً ومؤسسا للعروبة من حينه، وهكذا، لم يحظ الطيب تيزيني سوى ببكاء أمثاله المتخندقين في الطائفية ورفض العروبة ومعسكر الثورة المضادة.

■ ■ ■

من كتابات طيب تيزيني

من الصهيونية إلى المشروع «الفارسي»

بقلم طيب تيزيني

1 مارس 2016

https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/88485/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%87%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D9%8A-

عن “الاتحاد” الأماراتية

تأتي الأحداث الجديدة المتلاحقة في عدد من البلدان العربية، لتدل على ما قد نصوغه بتمخض عميق لحدث مهم في العالم العربي، بعد مرور عقود من الانكسارات وخيبات الأمل في بلدان عربية تكاد تكون قد شكلت حالة أو دورة جديدة من التحولات التاريخية، نعني بذلك ما يواجهنا الآن من «انحطاط» نوعي للعالم مع نشوء الظاهرة «الداعشية». واللافت أن هذه الأخيرة تفصح عن نفسها في سياق نشأة «العولمة» وتمددها أولاً، وعلى وقع التفجرات العربية المفتوحة ثانياً، التي جاءت لتُعبر عن الإخفاق التاريخي المريع للمشروع العربي ولمشاريع «العالم الثالث» عموماً.

لقد أخذت الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية تتطور سلبياً، بحيث أفضت إلى ولادة التسونامي الجديد، الذي قلب العالم على قفاه، وهذا ما يسمح لنا أن نضبط الفاعل الأول الكبير كونياً فيما يحدث، وهو المتمثل في «النظام العولمي» من طرف، وأن نمسك بزمام الحطام العربي وبما قد يؤول إليه عربياً من تحولات نوعية عظمى من طرف آخر. فالأمران يراد لهما أن يحققا «دورة تاريخية» جديدة نوعياً في العالم العربي، كما في الشرق الأوسط.

وإذا انطلقنا من الإخفاق المركب والشامل والمريع لمشاريع العالم الثالث (وهنا يعود ثانية هذا المصطلح)، فإننا نواجه حالة من قلب الدائرة عربياً: إن المشروع الإيراني الذي يجسد أحد أهداف القوى الاستغرابية الظلامية والسائرة في ركاب بلد أو آخر موتور تاريخاً وراهناً، يجد نفسه في حمى «الثائريين» الجدد الفاعلين باتجاه الانتقام ممن حاول، مبكراً رد الاعتبار لمن أخفق في إذلال العرب، وخسر من ثم معركة «تاريخية» هي معركة القادسية هكذا، حاولت إيران «الشيعية» أن تلملم جراحها وجراح من تزعم أنهم «المظلومون» في التاريخ، ما يجمع – برأي إيران – بين هؤلاء وبين الشيعة المعاصرين والآخرين جميعاً، لإعادة الاعتبار لأولئك. لم يدرك هؤلاء أن اشتراك البعض في مذهب ديني أو طائفي لا يسمح بإزالة ما يجعل من كل من الفريقين مساوياً للآخر ومتماهياً به. هذا قصور معرفي وخطأ اجتماعي وقيمي، إضافة إلى أنه يحدث خللاً في إطار بناء المجتمعات، على الرغم من أنه قد يكون عامل تقريب ما. إذ ما الذي يدعو إلى تماهٍ سني باكستاني بسني شركسي أو سوري دمشقي.

أما الوجه الآخر، فيتمثل في أن الأمر حتى حين يؤكد فيه على الالتقاء المذهبي بين مجموعات متعددة، فإنه لا يلغي الانتماء القومي التاريخي والوطني لتلك المجموعات، ناهيك عن الإطاحة بهذا الانتماء. ها هنا تدخل عناصر وعوامل أخرى. وها هنا تبرز أهمية التوازنات والتباينات والتوافقات المتعددة بين الفرقاء المتعددين.

إن ذلك كله لا يتوافق مع ما أحدثه ويحدثه «حزب الله» اللبناني راهناً، فهو حزب لبناني بانتماء قومي عربي وبعقيدة طائفية ذات خصوصية محددة وبنية وطنية لبنانية، ولكنه أطاح بذلك كله لمصلحة إيران والصهيونية ومن ثم، فإن وضع استراتيجية سياسية ومذهبية لبنان (أو لغيره). وثمة نقطة أخرى حاسمة منهجياً وتاريخياً، وتقوم على ضبط التحول من «مقاومة المشروع الصهيوني تاريخاً وراهناً إسرائيلياً، إلى مقاومة المشروع العربي مجسداً في الخصوصيات الوطنية السعودية، ولصالح مشروع إيراني فارسي يعلن أصحابه بأنهم يملكون الآن «أربعة عواصم عربية بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت»، مع الإشارة إلى أن إيران تحتل الآن ثلاث جزر إماراتية.. فنحن أمام مشروع إمبراطوري مضاد بوحشية للعرب، ويسعى لنشر للإرهاب في لبنان وسوريا وغيرهما.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.