“كنعان” تتابع نشر كتاب “التعاونيات/الحماية الشعبية: إصلاح أم تقويض للرأسمالية”، تأليف د. عادل سمارة، (الحلقة الثالثة عشر)

ملحق 2

لا يزال الوقت مبكراً جداً على ذبول الدولة في كوبا

نقاش في مقالة كليف دوراند “التعاونيات الجديدة في كوبا”

د. عادل سمارة

تبدأ ، على مدار التاريخ، النظريات والمشاريع الإنسانية التي يصممها الإنسان غالباً على شكل حلم يبحث عن التنفيذ. والاشتراكية في كل من النظرية والتطبيق لا بد أن تكون منفتحة على الأفكار الخلاقة، والنقد والتجديد.

وحيث ان كثيرا من النقد تم ضخه ضد الأنظمة السابقة للاشتراكية المحققة، فإن كثيراً من الإطراء قد صُبَّ لصالح اشتراكية القرن الواحد والعشرين وخاصة في امريكا الجنوبية. في نقد الأنظمة الاشتراكية السابقة، فشل كثيرون في الفصل بين ثلاثة قضايا رئيسية في الماركسية: النظرية الماركسية، وتحليل ماركس للتطورات والحداث التاريخية أو الجارية في زمنه، وتنبؤات ماركس.  ونقدوا ماركس على تحليلاته وتنبؤاته أكثر مما نقدوا، أو تمكنوا من نقد النظرية نفسها.

والأمر نفسه صحيح فيما يخص الأنظمة الاشتراكية السابقة حيث نقد الماركسية كثيرون على مشاكل البلدان الاشتراكية وذهبوا بعيدا في هذا الاتجاه متجاوزين او مبتعدين عن النقد النظري والأصيل وعن الإنجازات التاريخية للأنظمة الاشتراكية مما يصب أخيراً في طاحونة  الثورة المضادة.

ما يلي نقاش لبعض القضايا التي طرحها كليف دوراند في مقالته “التعاونيات الجديدة في كوبا”  منشورة في مونثلي  ريفيو عدد نوفمبر 2017 والتي تلامس قضايا هامة في التطورات الجارية في كوبا.

إحدى القضايا المطروحة في هذه المقالة : هل تحتاج الاشتراكية للتخطيط المركزي؟

في المرحلة الانتقالية يكون الجواب نعم. ولكن السؤال: إلى اي مدى يمكن أن تستمر هذه الفترة الانتقالية؟ متى وكيف يمكننا قياس ذلك؟ هل ستكون لفترة قصيرة، مثلاً، بضعة عقود بينما المرحلة تستغرق عدة قرون؟ ليست هناك طريقة علمية لقياس طول أياً منهما مسبقاً.

لعل أحد العوامل التي تُقصِّر الفترة الانتقالية للاشتراكية هو خلق الطبقات الشعبية لحزبها الذي يعمل بناء على حاجاتها الأساسية، وتوجيهاتها، ورأيها، ومصالحها وثقافتها ورفاهها، الحزب الذي يصل السلطة على يد الجماهير ويستمر في تمثيلها، وتقوم الجماهير نفسها بمراقبته بشكل متواصل.

هل هذه هي حالة كوبا الآن، ام كلا بعد؟

قد يكون صحيحا في حال العالم الحالي بعد انهيار معسكر الأنظمة الاشتراكية، أن إمكانية التحول هو عبر تشارك في السلطة على شكل حكم الدولة بالتوازي مع انتخاب قيادة للتعاونيات من اجل قيادة وتخطيط مشترك (مشروطة بفترة انتقالية) ، وعن دور القيادة المنتخبة للتعاونيات والتي يمكن أن تتوسع على حساب تلك التي بيد الدولة أو الحزب.

والمقصود هنا هو توجيه التعاونيات كي تتطور كجسم واحد، ومن أجل مجانبة ان تكون عدة تعاونيات، لمنتجين كجماعة، تمثل كل جماعة  نفسها كما هي الحال في المشاريع الخاصة.

يجادل دوراند:”هل الهدف المباشر للاشتراكي هو تطوير قوى الإنتاج أم ازدهار وضع الشعب؟”

لكن الجواب يجب ان يأخذ بالاعتبار:

في الفترة الحالية حيث ينتصر رأس المال على العمل على صعيد عالمي أم حينما يبدأ انتصار الاشتراكية على راس المال في معظم الكوكب. ولكن حتى حينما يصل العالم  بدء انتصار الاشتراكية على را س المال، يجب ان يبقى الهدف الأساس هو تطوير قوى الإنتاج ذلك لأنه في ظل الاشتراكية فإن هذه القوى تتطور على يد الشعب نفسه بإرادة حرة وابتكار في مستويين:

  • في عالم هيمنة راس المال، فإن الأولوية لدى الاشتراكية هي تطوير قوى الإنتاج، وفي العالم الاشتراكي،تهدف الاشتراكية إلى بناء مجتمع كفاية الذات والاعتماد على الذات التي تنجَز فقط عبر الإنتاج.

  • إن الإنتاج العسكري التسليحي حاسم بالنسبة للاشتراكية للدفاع عن الذات في وجه أنظمة الراسمالية، ولكن دون السقوط او التورط في سباق التسلح، إن أمكن.

فالازدهار وحتى الرفاه يجب أن يرتكز على مجتمع منتج كي يستهلك منتجاته محرراً هو  من الاغتراب فطالما أنت منتج فإنك ستحمي إنتاجك بالضرورة وطبعا بالوعي، بما ان ذلك نتاج شغلك الذهني والجسدي. وطالما أنك تُنتج، فإنك سوف تشعر بمتعة حياتك وسوف تستهلك بأسلوب يحترم ذاتك وبوعي.

كوبا لا تزال في وضعية حساسة وحرجة وانتقالبة. وفي هكذا فترة فإن أولئك الذين ينتجون أكثر وأفضل هم الذين يستحقون المكافأة الثقافية والمادية. وإذا كانت السوق ضرورية في الفترة الراهنة، فيجب ان تقسم إلى عدة أسواق داخلية ومترابطة/متمفصلة في بلد مثل كوبا اي إلى: أسواق أحياء، مقاطعات ومستوى وطني.لا يجب ان يعمل ايا منها مستقلاً، وإنما ضمن لجنة مشتركة مكونة من القوى الاجتماعية الثلاثة:الدولة، كممثل/مراقب باسم دائرة الرقابة والتنمية، مستقلة عن الوزارات والتعاونيات.ويجب ان يكون الدور الأهم لهذه اللجنة الثلاثية هو مراقبة الأسواق الثلاثة من جهة والدفع لتوحيدها جميعا، ومن ثم تذويب الجميع على المدى الطويل. وإلا، فإن البلد سيتم سحبها مجدداً باتجاه استعادة الرأسمالية.

لا يجب ان تبقى ملكية الدولة هي الوحيدة،هذا مع أن هيآت الدولة طالما منتخبة وبشكل حر حقيقي، فلا مشكلة بيروقراطية او فوقية او طبقية فيها ولكن تصغير تقليص ملكية الدولة يجب أن استبدالها برقابة محايدة، مثلا، اي وجود هيئة رقابة وتنمية مستقلة عن تاثير الوزارات وتتمتع بحق الرقابة على كل من نشاطات الحكومة والتعاونيات. ويجب ان تكون هذه اللجنة منتخبة/مسماة من قبل كل من الدولة، الملكية الخاصة والتعاونيات من جهة، وتتمتع بسلطة وتفويض بأن تقيِّم، وتراقب وتقرر كيف يجب توجيه ثقافة المجتمع ووعيه باتجاه الملكية الشعبية المباشرة في الكميونات بما هي اعلى مرحلة اشتراكية أي اعلى من التعاونيات. وهذه تحصل حينما تكون الدولة على حافة الذبول ، ناضجة للذبول.

في حالة الملكية غير الدولانية، يستفيد الأعضاء ، ويحافظون على موجودات التعاونيات، ولكن لا يتمتعون بسلطة وليسوا أحراراً في تقرير مصيرها، تغيير اتجاهها. إنها ملكية عامة والأعضاء مؤتمنون عليها لحمايتها وتطويرها كي تتناسب ولا تتناقض مع مجمل الاقتصاد والمجتمع. ففي الاقتصاد الاشتراكي يكون المنتجون منتجون أحرارا في إنتاج واستخدام واستهلاك  ما ينتجون.

واشتراكية القرن الواحد والعشرون وبالرغم من حقيقة أنها لا تزال جديدة وتحت الاختبار، التجربة والخطأ، فقد تم إطراؤها كثيراً إما نظراً لفشل أنظمة الاشتراكية المحققة، أو فقط لأنها تجربة جديدة أو مدخلاً  محاولة للقطع مع اشتراكية القرن العشرين. وفي الحقيقة، فإن هذا المدخل قد واجه مشاكل وصعابا منذ بداية فترته القصيرة المدى.

تجادل ورقة دوراند بأن الاشتراكية الجديدة تقوي المجتمع المدني. ولكن هذا المصطلح نفسه قد صيغ أصلا لوصف التناقض الطبقي بين:

  • الطبقة الحاكمة، اي البرجوازية،

  • والطبقات الشعبية.

فقد جادل انطونيو غرامشي بأن المجتمع المدني هو توسُّط بين الطبقتين المتعاديتين حيث تحاول كل واحدة فرض هيمنتها على الأخرى. وهذا يجب ان لا يكون في الحالة الكوبية وأي بلد اشتراكي إذا لم تكن هناك طبقة برجوازية حقيقية، لا في السلطة ولا في البنية المجتمعية.

في كوا، فالمجتمع المدني، إذا ما أصرينا على استخدام نفس المصطلح، يجب أن يكون امتداداً للديمقراطية الشعبية على حساب البنى البيروقراطية، مثلاً، لتوسيع الرقابة الشعبية وتفويض صلاحيات او سلطات أوسع في اتخاذ القرار، والنقد، والمصداقية. لإن هذه هي مكونات حوار داخلي  ونقاش سلمي نحو حكم شعبي مباشر وباتجاه ذبول الدولة. وهذا النقاش والتقييم يمكن أن يحصل بين الدولة وممثلي التعاونيات في لقاءات كل ستة اشهر. وهذا معنى ديمقراطية الكومونات ، والتعاون واللامركزية.

كتب دوراند: إنني احاول تفهم واستيعاب وصياغة  تلك الجهود بمصطلحات الكومونز (يسميها هو التشاركيات). فقد وثق المؤرخون  الطرق التي قامت بها الراسمالية بسحب تراكمها الأولي ممن جردتهم من ملكية الموارد التي هي ملكية للجميعوهي عملية استمرت حتى الآن، كما كتب ديفيد هارفي وآخرون. إنني أرى أن بناء المجتمع والاقتصاد الاشتراكي كاستعادة/استرداد  لتلك العملية، مثابة استعادة الكوموناتأي أن  مختلف تلك المصادر تساهم في التنمية البشرية وبهذا تقوم بالأفضل حينما تتم مشاركتها والتحكم بها  بشكل ديمقراطي من قبل الكميونة. وهذا يتضمن ليس فقط الغابات والحقول في الماضي ما قبل الراسمالي، ولكن ايضا، التعليم والصحة ونظام العناية، والحدائق العامة، والشوارع والطرق المائية والتشارك  في الثقافة والمعرفة ومصادر المجتمع الإنتاجية“.

إذا كان الكاتب، دوراند/ قد عنى ب “المشاركة” إدارة جماعية بين كليهما، أي الدولة والكميونة، وليس الكميونة وحدها في المرحلة الاشتراكية كمرحلة انتقالية ، فذلك مفهوما. ولكن، إذا ما قصد ان تنتقل كلياً إلى الكميونة ، فذلك يجب أن يكون مدعوما ومحتضناً بوعي شعبي اشتراكي بل شيوعي. فهل هذه هي حالة كوبا اليوم؟

وفيما يخص القضايا الحساسة مثل التعليم والثقافة، فهذه يجب ان تبقى بإشراف لجنة مشتركة من الدولة ومجالس الكميونات طالما أنها قيمة استعمالية لا تقع تحت اي شكل من أشكال التبادل بمعنى القيمة التبادلية. فهي لا تُنتَج بشكل مباشر ، ولا بأي اسلوب يبتغي أية منافع مادية ولكنها مساهمة هامة جدا في تطوير وإنتاج قيماً مادية. وعليه، فهي لا بد أن تحظى بحماية هائلة من أي شكل من اشكال الثقافة الراسمالية ومن طرائقيي الرأسمالية، طالما أن هناك سوقاً وقطاعا خاصاً حتى لو كان صغيراً وتحت رقابة الدولة.

يقول دوراند:

“…إذا كان البناء الاشتراكي يمثل استعادة ما وضعت الراسمالية يدها عليه من موارد التي هي حق للكميونتي ، فإن هذه الموارد قد تمت استعادتها في الحالة الكوبية من  الدولة –بمساعدة نشطة من الدولة نفسها. وهذه يمكن أن تُرى بشكل حاد فاقع في تحويل مشاريع الدولة مثل المطاعم وخدمات النقل وشركات البناء للتعاونيات”

ولكن، من الذي يجب ان يختبر العلاقة بين التعاونيات. اعتقد ان هذه الحالة تحتاج إلى لجنة  تنسيق تتكون من:

  • لجنة ممثلين منتخبة من القاعدة

  • لجنة تنمية ورقابة لا تخضع للسلطة

  • الدولة

والبند رقم اثنين هو الأكثر مصداقية بين الثلاثة.

وكتب دوراند: “منذ 1968 جرت إدارته على يد الحكومة وقد تحول الان لمستخدمي الدولة السابقين، لكي تدار على يد العمالالمالكين لهذه الأعمالوقد تم إجراء دراسات  أولية بينت ان متوسط الدخل بين التعاونيات قد ازداد بأكثر من سبعة أضعاف.

إن القفزة الواضحة في دخل أعضاء التعاونيات يتطلب نقاشاً، لماذا؟:

  • هل كان هو بسبب الإدارة السيئة لمشاريع الدولة؟ إذا كان الأمر هكذا، فهو يعني أن مزيداً من الخصخصة هو الحل الأفضل!

  • هل سوء إدارة الدولة هي مسألة حتمية، أم أنها خطىء إنساني؟

  • إذا كانت خطئا بشريا، فذلك يعني أن التعليم الاشتراكي ليس فعالاً بعد. وإذا كان العمال والشعب عموما غير مقتنعين بأن العمل المشترك هو مسألة أخلاقية وإنسانية، فذلك يعني أن الاشتراكية قيد الخطر.

  • هل تقدم زيادة الضرائب حلاً؟ أم أنها تحكُّم الدولة، أي ليست برنامجا اجتماعياً.

هذه الأمور يجب أن تدرس بعناية. أنا أعتقد بأن تشريك المجتمع يحتاج إلى شكل جديد من البرلمان، بأن يُنتخب  من جهة وأن يشارك في التحكم بمختلف مستويات الحياة بما فيها الدولة، والحزب والتعاونيات من جهة ثانية. هذه يمكن أن تكون سلطة إنتقالية باتجاه ذبول الدولة. إن التعاونيات هي مدارس اشتراكية صغيرة على المستوى التجريدي، ولكن عملياً كيف يمكن تجنب الصراع بين العديد من المدارس الصغيرة!

يقول دوراند:

على سبيل المثال، حينما زرت مشغل خياطة في وسط هافانا كان يُدار في السابق حكومياً ينتج قمصانا وملابساً، وصفت المديرة المنتخَبة زميلاتها  بعاملاتيهذا مع انها تجيب على تساؤلاتهن في الاجتماع العام الشهري . إن العادات القديمة متجذرة بعمق ….  وبأن تجاوزها لا يتأتي بمنح سلطات اعلى أو بالتمتع باستقلال ذاتي. لهذا السبب، فإن معهد الفلسفة في البلاد يقود ورشات تدريب لأعضاء التعاونيات الجدد، ويعلم المدراء والأعضاء على ممارسة ديمقراطية التسيير الذاتي

هذا يعني بأن هناك حاجة ماسة لتثقيف عميق ودؤوب. إن محتوى المفردات ومعانيها  على جانب كبير من الأهمية. والسؤال الان: ألا يعني هذا بأنه من المبكر جدا التاكيد على أن كوبا وصلت حالة “الإنسان الاشتراكي كما حلم تشي جيفارا” اي الإنسان الذي تجاوز الملكية الخاصة، الأسواق، الإيديولوجيا، دور الدولة، العملة…الخ.

وفيما يخص حانوت الحلويات حيث:

“… في حانوت الحلوى حيث يعمل العمال نصف الوقت الزمني ومع ذلك يُدفع لهم أضعاغ ما يحصل عليه عمال الدولة“.

ولكن، لنفترض أن عمال حانوت الحلوى هذا  قرروا افتتاح فروع أخرى لحانوت الحلويات والتي إما أن تتنافس مع محال حلويات أخريات، أو لكي تكسب ربحا أكثر، فهل سيكون هذا مقبولا؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا إذن؟

 أليست التربية الاشتراكية ضد الادخار الربحوي طالما الدولة توفر لهم العمل والحياة المناسبة/ فلماذا الربح الزائد؟ أم انهم يخافون سقوط النظام باعتباره مؤقتا؟

وإذا كان توسعهم مقبولا، فإن هذا طريق جديد لرسملة الاقتصاد وحتى بتوجه احتكاري. وإذا لم يكن التوسع مقبولاً، فهل سيكون فرض ضرائب أعلى هو الحل الأفضل والنهائي على المدى البعيد؟.

كتب دوراند:

“… وكما اشار راؤول كاسترو في تقريره للمؤتمر السابع للحزب, فإنإيديولوجيا البرجوازية الصغيرة تتصف بالفردانية، والأنانية، والبحث عن الربح،والتفاهة، وتكثيف الاستهلاكفإنه بزيادة الضرائب، والرقابة، فإن البرجوازية الصغيرة سوف تتماهى مع الاشتراكية، ولكنها هي نفسها ليست اشتراكية

هذا صحيح، لكنه ليس حلاً. إن الحل الحقيقي للاشتراكية، وهو صعب،هو بالنجاح في ذلك عبر الحوار والتعليم الشعبي وصولا إلى الأهداف الرئيسية التالية:

  • العمل كعادة ورغبة ذاتية

  • الثقافة الاشتراكية للحلول محل الثقافات الأخرى.

والمشكلة المعقدة هنا هي ان الضرائب الأعلى تُخبر الشعب بأن التراكم ممنوعاً، ولكن هذا لا ينجح في تعليم الناس بأن مراكمة النقود ليست ضرورة وبأنها ليست ذات فائدة في مجتمع اشتراكي. وحينما يصل البشر إلى هذه المرحلة أو المستوى، فإنهم يكونوا قد دخلوا مرحلة ذبول الدولة والعملة. حتى اليوم فإن التثقيف الاشتراكي هو الحل الممكن.

لقد بينت دراسات حديثة بأن الإمبريالية الأمريكية تراقب كل حركة لأي شخص. وفي مرحلة معينة من التطور الكنولوجي، فإن بوسع بلد اشتراكي أن يبني شبكة تكنولوجيا تراقب كافة محطات التوزيع وتزودها بالمعلومات عن حاجات كل فرد وحقه في الاستهلاك. وفي هذه المرحلة، يصبح فائض النقود بلا فائدة أو معنى. هل هذا منطقي، إلى أن يبلغ الوعي بالناس كي يستهلكوا فقط ما يحتاجون؟

ويضيف دوراند:

“…يمكن منع العمل الخاص من النمو بشكل واسع بواسطة الضرائب التصاعدية وسياسات الجمارك، وإذا ما بلغ العمل الخاص درجة معينة، يمكن تحويله إلى تعاونية، وعليه فإن جميع المستخدمين يتشاركون في الربح واتخاذ القرار“.

قد يكون هذا حلا مؤقتاً، وإذا ما كان العمال لم يؤمنوا بعد بالتعاونيات، فإنهم سوف يعملون بشكل او جهد أقل، وهي بالطبع عادة سيئة على الرغم من حقيقة انه أمر جيد للعمال بأن يفهموا أن الربح الفائض لا فائدة منه على الأقل، وفي البداية، حيث لا مجال لاستعماله. وهذا يذكرنا بمشاكل واجهت الاتحاد السوفييتي حينما قام الفلاحون متوسطي الحال بذبح مواشيهم لمقاومة سياسة الحكومة بتمويل الصناعة من فائض الزراعة. وحتى لو تم تحويل المشروعات الخاصة إلى تعاونيات، فإن العلاقات فيما بينها يجب أن يتم تناولها بشكل مختلف وخاصة لأن الشعب لا يزال ثقافيا في مستوى الوعي التعاوني وليس الاشتراكي. وأخيراً، إذا ما استمرت العملية، كما يحاجج دوراند، فإنني اشك بأن ذبول الدولة سيكون ممكناً.

أخيراً يجادل دوراند:

يمكن فهم التعاونية كنوع من تشاركية العمل. إنها تشاركية العمل بين فريق من العمال الذين يفهمون بوعي توجيه عملهم مباشرة نحو أهداف نبيلة يتشاركون فيها مع الكميونتي الأوسع. تأخذ التعاونية بالاعتبار الشخصية المجتمعية: فالحياة اليومية العملية للشخص ترتكز على العلاقات الاجتماعية  التعاونية وأخلاق التضامن. إن المشاركة في اتخاذ القرار تحفز ممارسة المسؤولية الاجتماعية. إن مصلحة الفرد مرتبطة بالمصلحة العامة. إنها تُطور الكائن الاجتماعي ، أو كما وصفها ماركس،وجود النوع“. إن التعاونيات لا تقوم فقط بالعمل الاجتماعي، بل هي تجعل العامل اجتماعياً. إن التعاونيات مدارس اشتراكية صغيرة“.

وبينما تحكم الدولة نيابة عن الجميع، فإن الفقرة أعلاه حقيقة وواعدة طالما تتحول التعاونيات إلى “تعاونيات”. هذا هو السؤال.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.