الحرب التجارية – معركة التكنولوجيا، الطاهر المعز

ظروف تطور الرأسمالية في الصين، خلال العُقُود الأربعة الأخيرة: ​​

طَوّر النّظام الصّيني الرأسمالية، مع محاولة تجنّب منافسة الشركات الكُبْرى، الأمريكية والأوروبية والآسيوية (الكُورية الجنوبية واليابانية)، طوال ثلاثة عُقُود، ولما تمكنت الحكومة والشركات الصينية من مُراكَمَةِ الأرباح ومن خلق فائض رأسمالي هام، بفضل استغلال موارد وأسواق إفريقيا، وبعض مناطق آسيا، استثمرت جُزْءًا هامًّا من هذا الفائض في البحث العلمي والتكنولوجي، وفي إنتاج السّلع والخدمات ذات القيمة الزائدة المُرتفعة، والتي تُنافس الشركات الرأسمالية الكُبْرى، في مجالات الطاقة “النظيفة”، والتجهيزات الإلكترونية، والنّقل، وما يُسمّى “أَشْبَاه المواصلات”، والإتصالات، وغيرها من المجالات التي تحتكرها شركات البلدان الرأسمالية “العَرِيقَة”، فاتخذت دول الإتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية إجراءات حِمائية ضد الصلب والألمنيوم الصيني وضد ألواح الطاقة الشمسية، واتخذ الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، سنة 2012، قرارًا بنقل 60% من القوة العسكرية البحرية الأمريكية، نحو آسيا، لمحاصرة الصين، ومراقبة المَمَرّات التجارية البحرية، حول الصين، وأعلنت “هيلاري كلينتون”، وزيرة الخارجية آنذاك: “سوف يكون القرن الواحد والعشرون قرنًا أمريكيا” (أي لن يكون صينِيًّا)…

يندرج الهجوم الحالي الذي يَشُنُّه الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب” في إطار هذا الصّراع الذي برز إلى السّطح، منذ الأزمة المالية 2008/2009، حيث استفادت الصين نسبيا من تلك الأزمة، بفضل محافظة النظام الرأسمالي في الصين، على التخطيط المركزي للدولة، وإقرار مُخطّطات طويلة المدى، ومن بينها مشروع “صُنِع في الصين 2025″، كما استفادت الصين من السوق الدّاخلية الضخمة، حيث تمكنت الدولة، خلال الأزمة المالية من تَخْفِيف الإعتماد على تصدير السلع إلى الدول المُتأزِّمَة، مقابل الإعتماد على تحفيز نمو الإقتصاد، عبر الإستهلاك الدّاخلي، وهي خطة اقترحها “جون مينارد كينز”، وطبقتها الدول الرأسمالية بين سنتي 1929 و 1933 (أثناء وبعد الأزمة الإقتصادية الكُبرى سنة 1929)، وأعدّت الصين برنامجًا، بدأت تطبيقه منذ سنة 2013 (سنة بعد إعلان باراك أوباما محاصرة الصين)، تحت إسم “طريق الحرير الجديد” أو “مبادرة الطريق والحزام”، وخصصت له مبالغ طائلة، ويهدف إنشاء شبكة من الطرقات والْبُنَى التّحْتِيّة التي تُمَكّن الصين من تكثيف التبادل التجاري مع أوروبا، وربْط مختلف مناطق آسيا، والمشرق العربي وإفريقيا، ببلدان أوروبا، من جنوبها إلى شمالها، مرورًا بمناطق آسيا الوسطى وبلدان الإتحاد السوفييتي السابق، وأوروبا الشرقية…

الحرب الأمريكية، حرب من أجل الهيمنة على العالم:

في هذه الظروف، أعلن الرئيس الأمريكي “الحرب التجارية” على الصين، وعلى “الحُلفاء” الأوروبيين وغيرهم من شُركاء أمريكا في الحُروب العدوانية التي تَشُنُّها، في بعض مناطق العالم، وشكل التنافس حول شبكات الإتصالات ذروة هذه الحرب (لحد الآن)، وتُمثّل شركة “هواوي” الصينية للإتصالات، رَمْزًا لهذه الحرب، لأنها تُمثل رمزًا للتطور التكنولوجي الذي بلغَتْهُ الصين، ورمزًا لما بلغته الرأسمالية في الصين من تطور يجعلها قادرة على السيطرة على قطاعات تُحقِّق أعلى قيمة زائدة في الإقتصاد الرأسمالي، حاليا…

تأسّست مجموعة “هواوي” سنة 1987، وأصبحت، بعد ثلاثة عقود، ثاني أكبر شركات لإنتاج أجهزة الهواتف المحمولة في العالم، وباعت سنة 2018 ما يزيد عن مائتيْ مليون جهاز في العالم، وهي على شفا السيطرة على سوق “الجيل الخامس” لتقنية الإتصالات والهواتف المحمولة، وتتقدّم بذلك على منافساتها من آبل وسامسونغ وغيرها، واعتبرتها الولايات المتحدة “خَطَرًا يُهدِّد الأمن القومي الأمريكي”، ولا تذكر وسائل الإعلام (الأمريكية والأوروبية) شيئًا عن مختلف الشبكات التي أنشأتها الولايات المتحدة للتجسس على كل دول العالم، بدون استثناء، ومن بين هذه الشبكات، منظمة “العيون الخمسة”، بمشاركة أجهزة الإستخبارات في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا ونيو زيلندا (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية)، وأَقْصَتْ الولايات المتحدة شركة “هواوي” من منافسة الشركات الأخرى للفوز بعقود حكومية أمريكية، وضغطت الحكومة الأمريكية على الدّول الأخرى، لتحذو حذوها، ولتُقْصِيَ “هواوي” من المشاركة في إنشاء شبكات الجيل الخامس، وكانت الولايات المتحدة قد أوعزت للحكومة الكندية، في شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، باعتقال المديرة المالية لشركة “هواوي” (وهي ابنة مؤسسها)، وزادت هذه القرارات (الأمريكية والأوروبية) من حدة الخلافات بين الولايات المتحدة والصين، وفي مقدمتها الخلاف حول المبادلات التجارية…  

أَمَرت حكومةُ الولاياتِ المتحدة شركةَ “غوغل” الأمريكية بحرمان شركة “هواوي” الصينية، من الحصول على بعض التحديثات لنظام تشغيل “أندرويد”، أي عدم الوصول إلى تطبيقات البريد الإلكتروني (جي ميل) و”يوتوب”، وخرائط “غوغل”، ويتضمّن نفس القرار مَنْعَ “هواوي” من الوصول إلى التكنولوجيا من أي شركة أمريكية، بدون موافقة الحكومة الأمريكية.

من جهتها أعلنت شركة “هواوي” إنها تنفق سنويا مبلغ 67 مليار دولارا، على شراء مُكَوّنات من الخارج، ومن بينها مُكونات أمريكية، مصنوعة في أمريكا، بقيمة 11 مليار دولارا، وسوف تُنْفِقُ هذا المبلغ على إنْتاج وتطوير تلك المكونات، وتعمل الشركة منذ سنوات على ضمان استقلاليتها في تصنيع الرقائق، وهو ما نجحت في إنجازه، وعلى تطوير التطبيقات الخاصة بها، لكن القرار الأمريكي الأخير قد يُلْحِقُ بمصالح الشركة، أضْرَارًا على المدى القصير، خصوصًا في الأسواق الخارجية (أوروبا وأمريكا)، ولكنه يدفع شركة “هواوي” وشركات أخرى، في طريق البحث عن بدائل لنظام تشغيل “غوغل”، وكانت صحيفة “دي فيلت” الألمانية قد نشرت حديثًا لأحد مسؤولي “هواوي” في بداية العام 2019، ورد ضمنه إن الشركة أعدّت خطّةً بديلةً، ليتم تشغيل هواتفها بواسطة معالجات خاصة بها… ومهما كانت النتائج فإن القرار الأمريكي يُعَرْقِلُ نمو الشركات الصينية، ويعرقل تَصَدّرها لترتيب أكبر الشركات في العالم…

خلفيات القرارات الأمريكية:

اختارت حكومة الولايات المتحدة شركة “هواوي” لأنها رمز التطور الرأسمالي الصيني، ورمز التطور العلمي والتقني، واستخدم “دونالد ترامب” ذرائع مختلفة، تندرج جميعها ضمن “الحرب التجارية”، ومن ضمن هذه الذّرائع، تهمة “التجسّس لمصلحة الحكومة الصينية”، بينما كانت الولايات المتحدة سَبّاقة في مجال التّجسّس على حكومات كافة حلفائها، والضّغط على شركات الإتصالات، بهدف تسليم المعلومات الخاصة بالمُسْتَخْدِمِين، ومن بينهم رؤساء حكومات ودول كافة حلفاء أمريكا، أما الهدف الحقيقي من وراء هذه الحملة المُعادِيَة للصين، وهذه “الحرب التجارية”، فهو حماية “آبل” التي تقهقر ترتيبها إلى المركز الثالث (بعد “سامسونغ” و “هواوي”)، ضد “هواوي”، التي ارتفعت مبيعاتها بنسبة 41%، وفاقت مائة مليار دولارا، سنة 2018، وتبيع “هواوي” في الصين حوالي 300 مليون جهاز هاتف، ويتدخل الرئيس الأمريكي ضد مبدأ “حرية التجارة” و”حرية الأسواق”، في ظل الرأسمالية الليبرالية المُعَوْلَمَة، ويحاول مَنْع الشركات الصينية من احتلال مركز الصدارة في مجال التكنولوجيا المتطورة، لأنها أصبحت تُسوّق منتجاتها بثمن منخفض (نسبيا) وبجودة عالية، في معظم دول “الجنوب”، أو البلدان الفقيرة…

تدّعي الولايات المتحدة (بصفتها رائدة النظام الرأسمالي العالمي) الدفاع عن التجارة الحرة، وعن عدم تدخّل الدولة في سَيْر السّوق، لكن الحكومة الأمريكية، تتدخل بقوة لحماية الشركات والسّلع الأميركية، وتضغط على “الحُلفاء” لإقصاء روسيا من سوق الغاز في أوروبا، ولإقصاء الصين من أسواق العالم، في عدد من القطاعات، بهدف عرقلة البرنامج الصيني “صنع في الصين 2025″، لكن، قد تُؤَدِّي قرارات “ترامب” (فَرْض الحَظْر على مُعدّات “هواوي”) إلى إغلاق بعض الشركات التي تشتري منها الشركة الصينية مُكونات هواتفها، وإلى تسريح عشرات الآلاف من العُمّال…

الجيل الخامس” (أو “جي 5 ) هو تقنية خاصة بالاتصالات اللاسلكية، تتيح للمُستخدِمين نقل البيانات من مصادرها أو من قواعدها ( قاعدة البيانات = “داتا” ) بسرعة كبيرة، سواء عبر الهاتف أو عبر الحاسوب، وكانت شركة “كوالكوم” الأمريكية (اشترتْها “آبل” مؤخرًا) قد اشترت في السابق براءات الإختراع، قبل قرابة ثلاثة عقود، لتُطورها بأقل التكاليف، وتتخوف الحكومة الأمريكية من فَوْز الشركة الصينية “هواوي” في سباق تقنيات سرعة الشبكة الإلكترونية والإتصالات، وهذا “مَرْبَط الفَرس”، بشأن القرارات الأمريكية الخاصة بإقصاء “هواوي” من الأسْواق… مَكّن تطوير تقنيات “الأجيال” المختلفة من ظهور ما سُمِّيَ “إنترنت الأشياء” (أو  Internet of Things )، وهو إسم جامع لكل الأجهزة المُتّصِلَة بالشبكة الإلكترونية (إنترنت)، وأدّى إلى تطوير تكنولوجيا الواقع المعزّز والواقع الافتراضي، وما يُسمّى “الذكاء” الاصطناعي، وتظهر التطبيقات في إنجاز السيارات ذاتية القيادة، والمدن الموصوفة ب”الذكية”التي تُيَسِّرُ عمل المخابرات، إذ ترتبط المدينة وما فيها ومن فيها بشبكة اتصال واحدة، وتعتمد على الآلات المُسَيّرة عن بعد لتنظّف الشوارع، وللتنقل وللتسوق وللعلاج، كما تصبح أجهزة التلفزيون والمطبخ موصولة بشبكة اتصالات واحدة، عبر “الذكاء الإصطناعي”…

هذا جوهر الصّراع (وهو صراع من أجل بناء مجتمع الخُضُوع وانتفاء التّفْكير الحُر) الذي ظَهَر للعَلَنِ بين شركة “كوالكوم” (آبل حاليا) و”هواوي”، بشأن اختيار التكنولوجيا الأفْضَل لاستخدامها في تطبيق الجيل الخامس، وذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وكانت الشركة الصينية أوْفَر حظًّا للسَّيْطَرَة على تكنولوجيا الجيل الخامس للسنوات الخمس القادمة، وقطعت أشواطًا على طريق اكتمال الإنجاز، خلال سنة 2020، فيما بقيت “آبل” متأخرة، مما يُهدّدُ “ريادة الولايات المتحدة الأميركية في مجال التكنولوجيا”، وفق موقع صحيفة “نيويورك تايمز”، إثر تدخّل “دونالد ترامب”، في آذار/مارس 2019، لفائدة “كوالكوم” في خلاف بشأن استحواذ شركة “برودكوم” في سنغافورة على “كوالكم” الأميركية، التي تعاني من أزمة مالية متواصلة، لذلك اشترتها “آبل”…

خاتمة:

تُبَرْهِن الإمبريالية الأمريكية (والأوروبية) يوميًّا إنها قوة عدوانية، تشن الحروب باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنها تقمع مواطنيها في الدّاخل، ولا تقبل المُنافسة في الخارج، خلافًا لخُرافة “حرية التجارة” و”المنافسة الحُرة”، وتعمل هذه الدول على عرقلة أو مَنْعِ تَطَوّر البلدان الأخرى، ولو كان التطور رأسمالي الطابع، كما هو حال الصّين…

أما جوهر الصراع بين الولايات المتحدة والصين، فإنه ليس في صالح الإنسان، المواطن الذي يُحاول تحسين ظروف عيشه وعيش الأجيال القادمة، وليس في صالح العُمال والأُجَراء والكادحين، لأنه صراع من أجل اكتساح الأسواق، بعقيدة رأسمالية تعتبر المواطن مُسْتَهْلِكًا قبل أي شيء آخر، أي “كائن استهلاكي” أو “حيوان”، وهو أيضًا صراع من أجل استخدام التطور العلمي والتكنولوجيا، ضد حرية الإنسان، وهو تضْيِيق لهامش الإبداع البشري، بواسطة ربط كل النشاط الإنساني اليَوْمي بقاعدة بيانات، تُحرِّكُ آلات وتجهيزات، تتحكم في كل كبيرة وصغيرة، داخل البيوت وخارجها…

يُشكل “انترنت الأشياء” واحدًا من أهم خلفيات الصراع، إذْ قَدّر موقع “ستاتيستا” إن نحو 27 مليار جهاز في العالم مُتّصل بالإنترنت، وقد يرتفع العدد إلى 76 مليار جهاز سنة 2025، بدخول الإنترنت إلى كل الأشياء من حولنا، وارتفاع هو حجم عمليات نقل البيانات عبر الشبكة الإلكترونية، مما يستوجب سرعةً أكبر لنقل أكبر قدر من البيانات، عبر الجيل الخامس، مثلاً، وهو جوهر الصراع التكنولوجي…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.