أوروبا – المشهد عشية انتخابات البرلمان الأوروبي، الطاهر المعز

تُشير كافة البيانات إلى انزلاق الأحزاب السياسية الأوروبية نحو اليمين، مع انتهاء ما كان يُسمّى “الوسط”، وأصبح الصراع الإنتخابي بين اليمين “المُحافظ” واليمين المتطرف ( الوريث “الشرعي” للنازية الألمانية والفاشية الإيطالية)، منذ قرابة ثلاثة عُقُود، وذلك بالتزامن مع الهيمنة الأمريكية المُطْلَقَة على العالم الرأسمالي، وانتهاء دور أوروبا كحاجز أو “مُخَفِّف الصّدمات”، بين الإمبريالية الأمريكية والإتحاد السوفييتي، وبدل خفض الوجود العسكري، زادت أمريكا من القواعد الأمريكية والأطلسية في أوروبا الغربية (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا واليونان، بشكل خاص)، وفي أوروبا الوسطى والشرقية، حتى حدود روسيا، وكلما ازداد الحضور العسكري والسياسي الأمريكي، تراجع دَوْرُ الإمبريالية الأوروبية، وفقَدَت هامش استقلالية برامجها الخاصة (للهيمنة)، وأصبحت أوروبا جُزْءًا من القُوّة الأمريكية، تُشارك (وراء أمريكا) في احتلال البلدان (أفغانستان والعراق والصومال وسوريا وغيرها) وحصار بلدان أخرى، وفرض عقوبات على روسيا والصين وإيران وفنزويلا وغيرها، وقبل نحو سنتَيْن، أنشأ “ستيف بانون”، أحد وَرَثَة تُراث العُنْصُرِية اليمينية الأمريكية التّاريخية ضد الشعوب الأصلية وضد شعوب إفريقيا والعالم، غير الأوروبي، وأحد غلاة اليمين الأمريكي الرّسمي (كان مستشارًا في البيت الأبيض) مكتبًا استشاريًّا رسميا، في مقر مفوضية وبرلمان الإتحاد الأوروبي ( في مدينة بروكسل، وفي سترازبورغ) ومؤسّسة سياسية وإعلامية ودعائية، تُعْلِن منشوراتها إنها في خدمة اليمين المتطرف في أوروبا، وكان له دور كبير في عقد مؤتمرات عديدة لتوحيد مَواقف وخطَط اليمين الأوروبي المتطرف، سواء بشأن أوروبا، أو العالم ( وأهمها دعم الكيان الصهيوني )…

هيّأت وسائل الإعلام “الرأي العام” الأوروبي (الرأي العام هو صنيعة الإيديولوجيا السّائدة، والإعلام السّائد) لتقبُّل هيمنة اليمين المتطرّف، الذي عانَتْ من وَيْلاتِهِ الشعوب الأوروبية (الأجيال السابقة) في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال واليونان وغيرها، سواء في المُستوى المحلي القومي، أو في المستوى الأوروبي، بعد اندثار الأحزاب “الشيوعية” (التي كانت ديمقراطية اجتماعية، ولم تكن اشتراكية أو شيوعية) ثم الأحزاب “الإشتراكية، التي دعمت الإمبريالية منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبح الصراع على السلطة (أي مؤسسات الدولة البرجوازية)، مُنْحَصِرًا في الجانب الإنتخابي، بين اليمين المُحافظ واليمين المُتَطَرِّف، خصوصًا بعد مشاركة اليمين المتطرف في حكم عدد من دول الإتحاد الأوروبي، ومن بينها إيطاليا والنمسا وهولندا والمَجَر وبولندا…

على المُسْتوى الإقتصادي، اصطف الإتحاد الأوروبي وراء الإمبريالية الأمريكية، ضد مصالح الشركات الأوروبية أحيانًا، بالمُشاركة في الحَظْرِ وحِصار عدد من الدول، من أمريكا الجنوبية إلى الصين، بقرار أمريكي ( دون استشارة “الحُلفاء” )، وأنتَجَ هذا الإصطفاف وضْعًا سَلْبِيًّا، وضُعْفًا اتّسَم به الإقتصاد الأوروبي، نتيجة غياب القرار السياسي المُستقل، قُبَيْل انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي، خلال الأسبوع الأخير من شهر أيار/مايو 2019، في مجموع الدّول الأعضاء الثماني والعشرين، باستثناء بريطانيا التي لا تزال تُفاوض بشأن شُرُوط الخروج…

كتبت وكالة “بلومبرغ” يوم الإثنين 20 أيار/مايو 2019 تقريرًا يُشير إلى تواصل التباطؤ الإقتصادى الحاد، لأسباب “خارجية” ناتجة عن الحرب التجارية التي لم تُبادر أوروبا إلى إعلانها، ولأسباب متعلقة بالتجارة العالمية، وتأثر اقتصاد الدول الأوروبية الكبرى بهذه الأحداث، فتراجعت قوة الإقتصاد الألماني، الكامنة في قطاع الصّناعة، كما تأثر اقتصاد أوروبا بسرعة، بتراجع نمو الإقتصاد الصّيني، وبخروج بريطانيا من الاتحاد اﻷوروبى، وتأثّرت الشركات الأوروبية الكبرى بهذه التّقلّبات، لأن نمو وازدهار رأس المال (باستثناء الصناعات العسكرية) يتطلب الإستقرار…

ارتفع نمو الناتج المحلى الإجمالى فى منطقة اليورو (19 دولة تستخدم “اليورو” كعملة مُوَحَّدَة، من إجمالي 28 دولة تُشكل الإتحاد الأوروبي) بشكل أقوى من المتوقع عند 0,4%، خلال الربع الأول من العام 2019 (عام انتخابات البرلمان الأوروبي)، لكن لا تتوقع التقارير الإقتصادية، أن تتجاوز نسبة نمو اقتصاد منطقة اليورو 1,1%، خلال سنة 2019، أى أقل من نصف الوتيرة المتوقعة لنمو اقتصاد الولايات المتحدة، بسبب ضُعْف الإستثمار، وضُعف الطّلَب، أو ما يُسمّى (بلغة تكنوقراط البرجوازية “مستوى الثقة الاقتصادية”، وهو شيء يصعب قياسه في واقع الأمر)، لكن العامل الأهم في ضعف نمو الإقتصاد الأوروبي يَكْمُنُ في إطلاق الولايات المتحدة “الحرب التجارية”، وتَرْجَمَتْها بزيادة الرُّسُوم الجُمْرُكِية على واردات أمريكا من السلع والخدمات الصينية، والأوروبية أيضًا، وشدّدت الولايات المتحدة الضغط على الصين، يوم الجمعة 17 أيار/مايو 2019، بتوسيع نطاق زيادة الرّسُوم الجمركية، مما أجْبَرَ الصين على الرّدّ السّرِيع، وبقي الإقتصاد الأوروبي مُتأرْجِحًا بين العملاقَيْن، في ظل التهديدات الأمريكية لإيران، مما أدّى إلى ارتفاع أسعار النّفط بنسبة %30 خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2019، في ظل الحظر الأمريكي على غاز روسيا ونفط إيران وفنزويلا، وارتفاع سعر الغاز الأمريكي الذي تُريد الولايات المتحدة فَرْضَهُ، بديلا للغاز الروسي (الأرخص، والأحسن جَوْدَة) على أوروبا وآسيا، وتأثر الإقتصاد الأوروبي بجميع هذه المُؤشِرات السّلْبِيّة التي أصبحت تُهدّد المصارف الأوروبية الكبرى وشركات السيارات والطاقة (شركات النفط)، وأصبح اقتصاد منطقة اليورو مُهَدّدًا بتسجيل أدنى مستوياته، منذ سنة 2013، عندما كان المصرف المركزي الأوروبي يَضُخُّ المال العام في خزائن المصارف والشركات، باسم “تحْفِيز الإقتصاد”، أو ما يُسَمّى “التَّيْسِير الكمّي” للأثرياء، مُقابل “التّعْسِير” للعُمّال والأُجَراء والفُقراء، وأورد تقرير “منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية” ( نهاية آذار/مارس 2019)، بيانات مُتشائمة عن قِلّة علامات الإنتعاش الإقتصادى الأوروبي، فيما استغلت الشركات والمصارف الفرصة لتَطْلُبَ مزيدًا من “الحوافز”، أي نَهْب المال العام، المُتأتِّ] من ضرائب الأُجَراء والفُقراء…

نشرت المفوضية الأوروبية تقريرًا يوم الثلاثاء 07 أيار/مايو 2019، وخفضت توقعاتها للنمو الاقتصادي في منطقة اليورو، خلال سَنَتَيْ 2019 و 2020، بسبب “تباطؤ متوقع في اقتصاد أوروبا بفعل التوترات التجارية العالمية”، وتأثيراتها على اقتصاد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، وغيرها، وفق عبارات التّقرير، وتراجعت الأسهم الأوروبية يوم الأربعاء 22/05/2019 بعد تطورات الحرب التجارية، بين الولايات المتحدة والصين، وبسبب عدم حسم القوى السياسية البريطانية في مسألة شُرُوط الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانخفضت خلال نفس اليوم، مؤشرات أسواق المال الأوروبية، مؤشر ستوكس 600 الأوروبي، ومؤشر إم.آي.بي الإيطالي، وكاك 40 الفرنسي، وتأثّرت أسهم المصارف، بسبب تحَوُّلِ المستثمرين إلى سندات منطقة اليورو باعتبارها ملاذا آمنا نسبيًّا، بفعل ضمانات المصرف المركزي الأوروبي…

من جهة أخرى انخفضت قيمة اليورو (وكذلك اليوان الصيني) أمام الدولار الذي بلغ مستويات عالية، بسبب الضبابية الاقتصادية والسياسية التي تكتنف قارّتَيْ أوروبا وآسيا، وبسبب التوقعات السلبية لقطاع الصناعات التحويلية الألماني، وتأثير الحرب التجارية على اقتصادات آسيا وتعمق المخاوف المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات البرلمانية في أوروبا، وغيرها من الأسباب، وواصل “اليورو” انخفاضه أمام مجموعة من العملات العالمية خلال تعاملات يوم الخميس 23/05/2019، وسجل ثالث خسارة يومية على التوالي أمام الدولار الأمريكي، بعد نَشْرِ بيانات رسمية عن ضُعْف أداء القطاعات الإقتصادية الأوروبية الرئيسية (كالصناعة والخَدمات) خلال شهر آيار/ مايو 2019، ويشير مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي “يوروستات”، إلى انخفاض إجمالي الدَّيْن في منطقة اليورو (19 دولة ) من نسبة 87,1% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه المجموعة، سنة 2017، إلى 85,1% من الناتج المحلي الإجمالي، سنة 2018…

الإتحاد الأوروبي، عملاق اقتصادي، وقِزْم سياسي؟

إن اصطفاف الإتحاد الأوروبي وراء الموقف الأمريكي لا يعني البتّة إن أوروبا “أُمّة مُضْطَهَدَة”، بل يؤشّرُ إلى “مَرْكَزَة” القَرار لدى القُوّة الإمبريالية الأكبر، أي الإمبريالية الأمريكية، ونحاول تقديم المُؤَشِّرات على ذلك، في مُحاولة لِفِهْم ما يَحْدُثُ حولنا، وضِدَّنا…

يُمْكِن الإسنتتاج – من خلال شراسة الولايات المتحدة – إن الإمبريالية الأمريكية في حالة تراجُع، لكنه إن حَصَل فهو تراجُعٌ بَطِيءٌ، قد يستمر عُقُودًا طويلة، نظرًا للقوة العسكرية والمالية (الدولار والتحويلات المالية عبر النظام المصرفي) التي تتمتع بها الولايات المتحدة، إضافة إلى عدم استفادة الشُّعُوب المُضْطَهَدَة والطبقات المُسْتَغَلّة من الصّراع بين مختلف القوى الرأسمالية، أي إن رقْعَة الأصدقاء (أصدقاء الشُّعُوب المُضْطَهَدَة والطبقة العاملة) ضَيِّقَة جدًّا، في مقابل كَثْرَة وقُوّة الأعداء (أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان) والرأسماليات الصاعدة (وهي تدّعي إنها صديقة، لكنها لا تهتم سوى بمصالح شركاتها) مثل الصين وروسيا…

خاتمة:

إن التطرق إلى الوضع في أوروبا ومتابعة ما يجري بداخلها، ناجم عن هيمنة الإمبريالية الأوروبية على معظم منطقة الضفة الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى علاقات “الشّراكة” مع بلدان المغرب العربي والأردن ومصر، وإلى دور دول أوروبا (كقوى امبريالية) في دعم الحركة الصهيونية تاريخيا، وإنشاء الكيان الصهيوني…

بمناسبة انتخابات البرلمان الأوروبي، وجب التّذْكِير إن الإتحاد الأوروبي يتكون من مجموعة مُؤسّسات غير ديمقراطية، فالبرلمان الأوروبي لا يمتلك صلاحية مراقبة عَمل المُفَوّضِية الأوروبية، والمُفَوّضية تُمثل الحكومات، ولا تُمثل الشعوب، وتتجمع لديها السلطة التشريعية والتنفيذية، وأظْهَرَ الإتحاد الأوروبي انحيازه الكامل، وبدون أي تَحَفُّظ للمجموعات الصناعية والمَصْرِفِيّة الكُبْرَى، وتبنِّيه الكيان الصهيوني، الذي يستفيد من كافة مزايا الإتحاد الأوروبي، دون تحمّل السلبيات، ودون التقيد بواجبات الدول الأعضاء، وتُحَرّضُ المفوضية الأوروبية، منذ سنوات عديدة، على المُعارضين لتطور العلاقات مع الكيان الصهيوني، واعتبرت مناهضة الصهيونية (وهي إيديولوجيا استعمارية ويمينية متطرفة) مُعاداةً لليهود (واليهودية ديانة، قد يعتنقعا الصهاينة، وغير الصهاينة)، ولذلك نُحذّرُ من دعوات بعض القوى القومية التي تدعو (عن حُسْن نية) إلى الإقتداء بالإتحاد الأوروبي، الذي تمكّن من جَمْع شعوب مختلفة اللغة والتاريخ والحضارة، تحت سقفه…

قد يُصْبِح الوَضْعُ أَسْوَأ للجميع: العُمال الأوروبيون والشعوب الأوروبية، وشعوب جنوب البحر الأبيض المتوسط، وخصوصًا الشعوب العربية والعمال والفلاحون العرب، وبالأخص الشعب الفلسطيني، وتبدأ مُقاومة الإمبريالية الأوروبية بمقاومة هيمنتها على اقتصاد المغرب وتونس والجزائر وغيرها من دول إفريقيا، ومقاومة دَعمها الكيان الصهيوني، واحتضانه ككيان أوروبي…  

وردت معظم البيانات عن مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي “يوروستات” – رويترز + أ.ف.ب في الفترة المتراوحة بين نهاية شهر أذار/مارس 2019 و 23 /05/2019 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.