بعد المناجل تأتي العمائم باللحى…لم يبق إلا الأنجزة، عادل سماره

هي إحدى اسوأ عادات مجتمعنا مجسدة في تحويل الغدر والأذى تقليدياً، والقتال والقتل معاصرة إلى “عفى الله عما مضى.

عفى الله، هذا شان ليس لبشر فيه دور ولا قرار. وقد يعفو المرء  الفرد كذلك، ولكن ليس هناك من نوع واحد من العفو وخاصة تجاه من يُعلي الإيديولوجيا على الوطن. لا يوجد عفو جماعي وبالتالي لا يوجد عفو باسم الوطن. قد يوجد بعض العفو من قبل بعض الشعب، وهنا يكون الحاسم مقدار الوعي.

العروبيون منا، وهنا أقصد الفصائل والأحزاب ولا اقصد الأنظمة لأنها حتى وراء مساومات الأحزاب، رفضوا تقاسم الوطن مع العدو، ولكن موقفهم كان مضروبا بالإيديولوجيا التي أخذوها من معنى وحمولة الوعي الخاطىء.

كان ذلك حينما قرر الاتحاد السوفييتي إدخال الحزب الشيوعي في م.ت.ف. والحزب كان ولم يتغير حتى اليوم مع الاعتراف بالكيان الصهيوني والتمسك بالاستدوال في بعض الوطن. لذا، كانت موافقة م.ت.ف (بما هي منظمة لتحرير فلسطين) بيمينها ويسارها على إدخال الحزب الشيوعي الفلسطيني في بنيتها مثابة قرار بالتورط في التسوية، هذا دون أن نعود للتذكير بمؤشرات أخرى لهذه المنظمة كانت قد سبقت هذا الحدث.

هنا تورط الرفض في ورطة القبول وصار الوطن عربون تآخي ومصالحات ومن ثم جدال وحوارات في السياسة والإعلام وليس في البندقية. بقول آخر، تغلَّبت الإيديولوجيا على الانتماء الوطني. وربما يكمن الفارق في أن الإيديولوجيا يمكن أن تحمل السلاح ويمكن لا، بينما الإنتماء يبدأ بالمقاومة إلى أن يُنجز الهدف، وبعدها تكون الإيديووجيا إما جذرية وإما ترفاً.

وعاماً بعد عام، اصبح الاعتراف بالكيان ماكينة تفريخ متعدد، بين تفريخ  حل الدولتين، أو حل الدولة الواحدة بتمفصلاتها: دولة مع المستوطنين، ودولة علمانية، ودولة ثنائية القومية، وأكثرهن خبثاً دولة ديمقراطية بعد التحرير والعودة، اي موروث عزمي بشارة وسلامة كيلة والتروتسك بأن تلك الدولة هي إبقاء ما اغتصبه الصهاينة بأيديهم لأن هذا من مقتضيات “الديمقراطية” بمفهوم أكثر طبعات الماركسية بهوتاً. ولم يبق بعد سوى الاقدم أي دولة تآخي الأديان التي ترتكز على رؤية الاستعمار البريطاني للمجتمع العربي على أساس ديني وحسب.

ولننظر اليوم، خطاب اي طرف الذي تغير؟ هل هو خطاب التسوية واقتسام الوطن مع العدو أم خطاب الرفض؟

هذا عن التجربة الفلسطينية قبيل مرحلة محور المقاومة فماذا عن الوساطة الإيرانية بين سوريا وقوى الدين السياسي؟ أي وساطة العمائم لصالح اللحى.

من قبيل فائض الوقت شرح ما قامت به حركة حماس في سوريا وهو بتكثيف دالٍ تماماً: تتريك الوطن العربي السوري مما يعني في التحليل بل التطبيق الأخير تصفية القضية الفلسطينية تماماً. هذا معنى سقوط سوريا في أيدي قوى الدين السياسي التي تعتمد الإيديولوجيا وليس الدين وبالطبع ليس الوطن.

يجب ان لا نخجل من هذا التوضيح، ولا يقلقنا القول بأن هذا الموقف معترض على إجماع واسع، كما لا يقلقنا الزعم بأن هذا تخوين للبعض.

يزعم أهل المصالحات أن قوى الدين السياسي بزعامة الاستعمار العثماني أخطأت التحليل أو التقدير حيال قدرة سوريا على الصمود أو حتى على مجرد البقاء. وهذا حقا عذر اقبح من ذنب. فمحاكمة الموقف من الوطن ليس ابدا كتجربة مخبرية لتوليد عنصر من عنصرين ولا هو نقاش في التجريد النظري المخصص للابتكار النظري البحت، بل له مترتبات تولج وطناً لصالح في وطن أمة أخرى هي عدو بالمطلق ولا تخفي ذلك ابداً، بل يتم هذا وتركيا تحارب سوريا. فهل هناك أوضح من العدوان!.

قد تكون تركيا الدولة الوحيدة في العالم التي نجحت في اختراق أمم أخرى، وخاصة الأمة العربية كي تُمنح من قبل كثير من العرب هذا الوطن باسم الدين.

وهذا يفتح على موضوعة الدين السياسي اي حين يتم الطلاق بين حقيقة أن الدين علاقة بين الفرد والسماء، لتحل محله أكذوبة أن الدين برنامج سياسي لحزب او طبقة أو نظام حكم. ناهيك عن أن الدين هو جزء من الثقافة والثقافة ليست سوى جزء من مكونات الأمة.

يغدو الأمر أخطر حين ننظر إلى توحش معولم للدين السياسي، وتشتد الخطورة حد الانتحار حين تراكم التبريرات والمدائح لهذا التعولُم.

كان الكيان الصهيوني، رغم هشاشة علمانية الحركة الصهيونية، هو أول نظام دين سياسي في التاريخ الحديث جدا. وبدوره كان عبد الناصر رائداً في التنبيه إلى خطورة نظام الدين السياسي السعودي ضد العروبة، فإذا بهذا النظام ضد الإنسانية والتاريخ والمستقبل معاً وها هو يحارب إلى جانب الكيان الصهيوني بعد أن تعب من الحرب على سوريا كما فعلت كافة كيانات النفط من قطر للإمارات للكويت …الخ إلى أن استقر على دم اليمن!

أما النقلة النوعية للدين السياسي الإسلامي فكانت بوصول هذا الاتجاه للسلطة في تركيا فإذا بهذه السلطة تُبقي على كامل تحالفها مع الكيان الصهيوني وارتباطها بالناتو. وبموجب موقعها الجغرافي فكل هذه الارتباطات هي ضد الأمة العربية. لكن أسلمة الدين في تركيا جرى توظيفها لخدمة القومية التركية التي لا تختلف قطعا عن الإيديولوجيا النازية ولا الصهيونية. ومن هنا ربما نرى وجوب تحالف تركيا والكيان وحتى تحالف ألمانيا الحالية مع الكيان ولكن من تحت الإبط.  

تواكب إلى حد ما وصول قوى الدين السياسي لسدة الحكم التركي مع انبعاث قوى الدين السياسي في امريكا، المحافظية الجديدة، والتي كان مشروعها التطبيقي هو ما وصف به عبد الناصر السعودية أي تدمير الأمة العربية، ولذا كان تدمير العراق فاحتلاله ومن ثم سوريا وليبيا واليمن  وتفشيل مصر والعين على الجزائر، وباختصار فإن تطبيق كافة مخططات الغرب الراسمالي تسير على قدم وساق والضحية عربية فقط.

ولا مجال هنا للحديث عن سيطرة قوى الدين السياسي في الهند “الهندوس” انظر المقابلة مع اروندهاتي روي وخاصة إثر فوز مجدد ل نارندرا مودي:

https://newrepublic.com/article/154011/arundhati-roy-indias-elections-a-mockery-democracy-supposed-be

وكذلك في البرازيل وفوز بولسانيرو ومواقف هؤلاء مضادة للقضية الفلسطينية وفي تحالف مع الصهيونية.  وكأننا نصل إلى استنتاجين مركزيين:

الأول: بأن تفشي وباء انظمة وقوى الدين السياسي مترافق ولصيق بتبني النظام الاقتصادي الراسمالي حيث الرأسمالية هي الحاضنة لهذه القوى، والراسمالية هي عدو للبشرية وخاصة للقضية الفلسطينية.

والثاني: بأن مختلف أنظمة وقوى الدين السياسي مضروبة في داخلها بتأثير إيديولوجيا الدين السياسي  الصهيوني. ولن نرى في صعود اليمين الفاشي وليس القومي كما يزعم كثيرون، في أوروبا شرقها وغربها سوى اندلاق على الكيان الصهيوني.

ومن هنا، نخشى كثيرا من أكذوبة “حوار الأديان” حيث التكاذب من الجميع على الجميع.

نعود إلى قضية القول هذا والمسماة مصالحة سوريا وحماس.

ليس هدفنا القول بان حماس ليست حركة وطنية في فلسطين، كما ليس من قبيل المنطق امتداحها لأنها تقاوم العدو، فهذا واجب كل مواطن. وحين تمدح مواطن على وطنيته، فهذا يعني أن الوضع الوطني في الحضيض، وكأننا في مرحلة أن تقول لهذا أو تلك: شكراً لأنك لست خائناً.

لم نعادي قوى الدين السياسي حينما كانت المقاومة وطنية علمانية يسارية رغم شعارهم المعروف: ” لا نضال في ظل احتلال”. ولذا، حين تدهورت فصائل م.ت.ف في التسوية، صار لا بد للبعض من التسبيح بحمد من يقاوم. وهذا مسلك دوني  تزلفي بامتياز.

ليس هذا الحديث من جانبنا لتعليم السوريين ما عليه ان يصنعوا. ولكن، لو كان الأمر كما يمكننا التصورـ فلا بد من المصالحة ولكن بأية تقنية؟

بالتأكيد ليست بتبويس اللحى، ولا بوساطة العائم، لأن العمائم هي الأقرب إلى اللحى. ولكن بين العمائم واللحى جدار صلب إلى الوعي والأقدر هو من يدخل إلى الوعي من هذا الجدار.

يجب أن نكون الوعي. فتجربة حماس في سوريا توجب أن لا أكون وقيادة حماس في خندق لصيق، ولا يكونوا رائي بل أمامي لأنني لن أطعنه، لكنني لا أدري إن كان  سيطعنني أم لا. وفي هذا الموضع يتوجب التذكير بأن كوريا الشمالية وفيتنام منحتا تقنية حرب الغوار لحزب الله ومن بينها تقنية الأنفاق، بينما سلمت حماس هذه التقنية للإرهابيين كما تبين من معركة تحرير القصير. ولا داع لتكرار ما اكده كثيرون عن دور أكناف بيت المقدس في المشاركة في احتلال مخيم اليرموك، والمهم هدمه، اي كي يتم التخلص من أكثر قاعدة مجتمعية فلسطينية بانتظار التحرير والعودة.

يمكن الحديث عن التحالف وفتح الجبهات والتعاون التسليحي ووجود مكاتب هنا وهناك، وحصول لقاءات بالصور والقبلات ولكن يجب ان لا يتم الغدر بالوعي الجمعي العلماني السوري والعربي عموما بتلميع إيديولوجيا الدين السياسي لأن هذا سوف ينسحب على قمع المرأة والفقراء وتغذية سياسة السوق الاجتماعي، والتلميع غير المباشر للغرب العدو وعودة خليج الريع لحريق سوريا…الخ.

فهذه الأمور الخطيرة هي التي قادت إلى اختراق سوريا من قوى وأنظمة الدين السياسي الخليجي بشقيها، السلفي الوهابي والإخواني، وهما (أي الاتجاهان) هما اللذان تبادلا الحرب على سوريا مع العثماني بتوكيل أمريكي كما قال حمد بن جاسم حيث عقدت امريكا لواء الجهاد لقطر ثم للسعودية والإمارات.

وإذا كان حديث كثير من المثقفين العروبيين ومنذ سنوات بأن مواجهة الإرهاب يجب ان تكون في المستوى الثقافي والفكري اساسا، وهذا صحيح ويأخذ وقتاً، فإن حماية الشعب من هذا التاثير الكافر في ثوب الإيمان مسالة غاية في الحساسية والأهمية.

وإن كان لا بد من التوضيح، فإن قوى الدين السياسي هي باختصار، احتلال نصف المجتمع للنصف الآخر، فأي تقدم سوف يأتي بعد ذلك؟ حين يصلي المرء أضعاف الصلوات الخمس، ويحتال على أخته في الإرث الذي لها منه نصف حصته؟ حين تُقمع الإبنة لصالح الذكر الذي يصغرها عقلا وعمرا وثقافة. حين يتم فصل الرجال عن النساء لأن العقل الذي وراء ذلك جنسي بالمطلق، وحين تتحول النساء إلى إماء بالمجان في جهاد النكاح!. وباختصار، يجب ان لا نقبل بخطاب من هم وراء العصر.

وبالمناسبة، فإن تطبيقات الدين السياسي في كل العالم اي في الكيان الصهيوني وأمريكا وأوروبا والهند والبرازيل تأخذ طابعا راسمالياً، بينما تأخذ طابعاً مرنا تجاه المرأة بعكس الحال لدى أنظمة الدين السياسي في الوطن العربي.

في داخل بلدان الآخرين، الدين السياسي طقوسي جداً لأن هناك ما يخافون عليه من حيث التطور والعلاقات الاجتماعية، بل يذهب الأمر إلى استخدام جسد المرأة إلى حد يثير التقزز لإشهار بضائع راس المال. لكن المهم أنهم هناك لا يذهبون إلى الذبح!

صحيح أن المصالحة التي يجري تجهيزها اليوم هي بعنوان الحليف الإيراني،  لكنها لا شك بمباركة روسية. وروسيا بلد راسمالي وعلى علاقة قوية بالكيان الصهيوني جوهرها أن الكيان موجود ليبقى.

وعليه، فإن الثمن الذي ندفعه نحن من مصالحة إن كانت بلا حدود وبلا ضوابط لن يدفعه الحليف الإيراني ولا الصديق الروسي.

وأخيرا، نتمنى أن لا تهبط المصالحات في محور المقاومة إلى ضم منظمات ألأنجزة إلى محور المقاومة.

ليس معيار ما نطلب معاقبة هذا أو ذاك، ولا تصريحات متحمسة لهذا القيادي او ذاك، هذا لا معنى له. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.