“كنعان” تتابع نشر كتاب “التعاونيات/الحماية الشعبية: إصلاح أم تقويض للرأسمالية”، تأليف د. عادل سمارة (الحلقة السادسة عشر)

ملحق 5

 مشروع/ بردايم التنمية بالحماية الشعبية

عادل سمارة

نورد هذا الملحق كعرض موجز لموديل التنمية بالحماية الشعبية الذي يشكل الدرجة المتقدمة للعمل والتنظيم التعاوني.

أما رابط العد (النص الكامل) فهو:

https://kanaanonline.org/quarterly/?p=64

 التنمية بالحماية الشعبية مختلفة ربما  عن مختلف (نماذج/بردايمات) الفعل الاقتصادي وخاصة في مسألة واحدة ولكنها حاسمة ومقرِّرة وهي أنها تنمية تبدأ من القاعدة الاجتماعية وليست من القمة /النخية السياسية حتى لو كانت حزبا/نظاما  اشتراكياً[1]. هي تنمية يقوم بها الناس وليست السلطة، أي سلطة الدولة ، سلطة الحكم حتى لو كانت اشتراكية وهي نموذج/بردايم يطمح ويصر على أن يلحق بها بردايم السلطة الاقتصادي. فهي بردايم ضد السوق بينما دائما بردايم السلطة الراسمالية معتمد على ومن توليدات السوق.

أود بداية التوضيح بان الاضطرار لاستخدام مصطلح بردايم لأنه الأقرب إلى المعنى المطلوب من الترجمة العربية حتى الان.

بردايم الحماية الشعبية هو بردايم بدأ بالممارسة بالمقاومة، والمقاومة لا تكون حكومية ولا تأخذ معناها الفعلي إن كانت فئوية أو محدودة، لأنها يجب ان تكون شعبية تطبيقا لمفهومنا: “الحياة مقاومة في مواجهة استدخال الهزيمة والذي استحال إلى الحياة مفاوضات”.

وإذ نعرض هذا البردايم، سواء في تشخيصه الأولي قبل قرابة 30 عاماً أو في إعادة عرضه اليوم، أو بقول آخر بين الانتفاضة الأولى والانتفاضة الحالية الثالثة، ليس بهدف تكرار تقديم هذا البردايم بل لأن الواقع نفسه، الحدث هو الذي يفترض ويشترط ذلك.

والحدث الاجتماعي ليس من خلقنا نحن كبشر، قد نحلم به ذات وقت مبكر، وقد نصوغ أو نستخرج له ترسيمة ما، ولكن الحدث مستقل عنا، يفرض نفسه علينا، قد يتطابق مع تصورنا المجرد وقد يتناقض كذلك. وما يحسم هذا الأمر  دائما هي  قدرتنا على رؤية الواقع والإحاطة به وبالتالي توقع صورة ما للحدث.

الاستراتيجيات ،الموديلات، البردايمات

هناك سياسات واستراتيجيات اقتصادية عديدة في العالم تبتكرها الشعوب طبقا لظروفها وإمكاناتها والطبقة الحاكمة في بلد أو آخر وبالطبع تكون كل واحدة منها محكومة بنمط الإنتاج المهيمن في التشكيلة الواحدة وفي التحليل الأخير بعلاقات الإنتاج في ذلك النمط بما هي في خدمة الطبقة المالكة وغالبا المالكة/الحاكمة..

من بين تعدد البراديمات او السياسات الاقتصادية  هناك:

سياسات تحسين شروط حياة الطبقات الشعبية كمدخل إصلاحي في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية في المستويين:

 السياسي حيث رشوة المواطنين ب “حق” انتخاب هذا البرجوازي أو ذاك، والاقتصادي بتحسين الأجور بما يضمن تبريد الصراع الطبقي كي يبقى خط الإنتاج مشتغلا بعيدا عن الإضرابات العمالية أي كي يبقى الربح متدفقاً، وبأعلى نسبة ممكنة.

هذا في الدول المستقلة، ولكن في حالة الأرض المحتلة حتى هذا ليس مطبقاً، لا قبل اتفاق أوسلو ولا بعده. تجدر الإشارة هنا أن جورج شولتز وزير خارجية أعتى أعداء الشعب الفلسطيني والأمة العربية أقصد العدو الولايات المتحدة كان قد استخدم مصطلح ” تحسين شروط المعيشة للفلسطينيين” بعد احتلال الكيان الصهيوني الإشكنازي لجنوب لبنان 1982 وإخراج م.ت.ف إلى تونس. وقصد بهذا توفير مساعدات مالية للشعب الفلسطيني كحالة لجوء وكتجمعات تحت الاحتلال الاستيطاني وليس كقضية وطنية قومية. وهذا الشعار هو الذي أسس لاحقاً لتدفقات الريع المالي إلى الأرض المحتلة كآلية لاقتلاع مبدأ وواقع الإنتاج في المجتمع الفلسطيني عبر تمويل أجهزة سلطة الحكم الذاتي  بشرط قبول القيادة الفلسطينية باتفاق أوسلو وهو ما رهن قراراتها بقرار الممولين بالمال المسوم حقيقة. الأمر الذي أوصلنا إلى وضعية بلد مرتشي بتدفقات الريع مقابل تقديمه تنازلات سياسية وطنية متواصلة تنذر بأن الاتفاق هذا هو مشروع ضم  تدريجي لكامل الضفة الغربية للكيان الصهيوني، وليس التوسع السرطاني للاستيطان سوى أحد تمظهرات هذا الهدف.!

لا داع للتوسع في بردايمات أخرى، نكتفي بذكرها هنا لعدم تعلقها بالحالة الفلسطينية مقارنة ب “تحسين شروط المعيشة”.

وهناك التخطيط التأشيري أي تدخل الدولة في الاقتصاد بشل جزئي وإلى حد كبير غير إلزامي. وهناك الاقتصاد المختلط حيث يُدخل في البنية الاقتصادية قطاعا عاما من أجل تخفيف البطالة وبالطبع توليد قوة شرائية لدى الطبقات الشعبية وحتى الوسطى لتكون هذه القوة في الأساس رافعة للسوق  ومن ثم للاقتصاد الوطني ككل.

وهناك الاقتصاد المخطط أو الاشتراكي والذي تقود فيه السلطة/الدولة مجمل العملية الإقتصادية عبر ملكية الدولة لوسائل الإنتاج أو على الأقل القمم الاقتصادية.

وهناك التنمية

وبالطبع، فإن كثيرين يسمون مختلف السياسات او البرادايمات أعلاه بانها تنموية بمعنى أن هناك اختلاف في أدبيات الاقتصاد السياسي على تعريف التنمية وهو اختلاف ناجم عن طبيعة الفهم والتوجه الطبقي لهذا المفكر أو ذاك.

تجدر الإشارة هنا بأن مفهوم التنمية في الأرض المحتلة يعاني فلتانا علمياً بالطبع إلى الحد الذي يصف السياسة الاقتصادية لسلطة الحكم الذاتي وهي سياسة تابعة جوهرها بروتوكول باريس بأنها سياسة تنموية أو بأن التنمية ممكنة ضمن “خطة” هذه السلطة[2]. وهذا جزء من ثقافة سائدة هي من الفضفاضية بمكان بحيث تعتبر منظمات الأنجزة منظمات تنموية!

كمبتدأ، فإن التنمية بالحماية الشعبية هي أولا مبادرة شعبية لا تقودها سلطة رسمية أي دولة، بل هي قرار شعبي وخاصة من الطبقات الشعبية في مقاومة العدو القومي في الحالة الفلسطينية والخصم الطبقي في تشكيلات لا تخضع للاستعمار الاستيطاني.

هي تنمية مضادة قدر الإمكان للسوق كنظام. بمعنى أن نظام السوق هو رأسمالي طبقي استغلالي مباشرة وبلا مواربة، بينما السوق بالمفهوم الكلاسيكي هو مكان او فضاء التبادل والذي لا غنى عنه قبل الوصول للإشتراكية.

ولأنه غير دولاني، فإن هذا البردايم باستقلاله عن السلطة يهدف إلى لحاق البردايم الاقتصادي للسلطة وليس لحاقه هو بها. وهذا يعني درجة من الصراع الطبقي تشتد وترتخي طبقاً لقدرة بردايم السلطة/الدولة على رفض التحول و/أو محاولته تصفية الحماية الشعبية.

الحماية الشعبية هي تنمية من اهم مرتكزاتها  البعدين التاليين:

  • مساهمة/مشاركة أكبر عدد ممكن من الناس

  • وخدمة أكبر عدد ممكن من الناس.

ومن هنا اساسها القاعدي الجماهيري. وهي بهذا المعنى ترتكز على مبادرة الطبقات الشعبية وبحدود وعيها وانتظامها.  

والحديث عن وعيها وانتظامها، يفتح على مكون آخر لها وهو ضرورة انتقالها من بعدها العفوي الذي بدأ في الحالة الفلسطينية في تطور الانتفاضة الأولى إلى وجوب ان تكون:

حزبية: أي لا بد أن يتم التقاط التوجه العفوي البرِّي للطبقات الشعبية من قبل حركة سياسية لا بد ان تكون بالضرورة اشتراكية كي يتم إجماع اصدقاء وأعضاء هذه الحركة بان يبادروا للعمل والتعامل مع المؤسسات الإنتاجية لهذا البردايم التنموي على ان تبقى قيادة الحزب الثوري  تحت مسائلة قواعده من جهة والهيئات الشعبية الكونة والحاملة للبرادايم التنموي.

وطبقية:بمعنى أن هذا البردايم هو من قِبَل ولصالح طبقة معينة في مواجهة الطبقة الحاكمة واقتصاد أو نظام السوق وهنا تشكل الطبقة الهبئة الشعبية لمسائلة القيادة الحزبية.

طبقية وحزبية هذا البردايم تضرب الإجماع الوهمي على ما يسمى الاقتصاد الوطني الذي له معنى في المبادلات مع الخارج حسب قانون القيمة على صعيد عالمي، أما محلياً، فلكل طبقة اقتصادها. ففي التشكيلة الراسمالية هناك اقتصاد الطبقة المالكة الذي يعيش على جهد الطبقة العاملة.

الإشكالية المزدوجة قوميا وطبقياً

تعود فكرة التنمية بالحماية الشعبية إلى عام 1967 بداية الاحتلال الثاني، اي احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وما ترتب عليه من سياسات اقتصادية للاحتلال كانت تتدحرج طبقاً للتطورات المتلاحقة ودرجة تماهي او تناقض هذه الطبقة أو تلك مع سياسات العدو.

وهي سياسات مزجت ما بين مصادرة وإغلاق مساحات متزايدة من الأراضي، وقطع التبادل مع الخارج سوى من أو عبر الاحتلال، وإلغاء النظام البنكي وإحلال العملة الإسرائيلية لتكون عملة التداول الرئيسية،…الخ وكل ذلك بموجب أوامر عسكرية لا سند لها في القانون الدولي. بالإجمال، كانت ولا تزال سياسة الاحتلال إلحاق[3] إقتصاد هذه المناطق باقتصاد الاحتلال دون الضم العلني ودون ضم السكان بل خلق ما يقود إلى خروجهم ورحيلهم. اي انتقال الكيان من سياسة التشريد والطرد الشامل عام 1948 إلى الإزاحة بعد احتلال 1967، ليصل المواطن إلى قرار الانزياح الذاتي[4].

ترتب على الإلحاق الاقتصادي هذا إلحاق قسري لمختلف الطبقات الاجتماعية بالاقتصاد الصهيوني أو بلورة موديل اقتصادي هو “التبادل اللامتكافىء المسلح” أي علاقة اقتصادية خاضعة لقوة السلاح الصهيوني.

هذه الإشكالية ترتبت عليها إشكالية محلية فلسطينية بمعنى أن الإلحاق الإقتصادي القسري أدى إلى تشوهات بنيوية فلسطينية[5] ومنها:

  • التشوه الاجتماعي الطبقي مجسدا في شرائح طبقية تنفعت من الاحتلال فغدت وكيلة لتسويق منتجاته سواء على شكل كمبرادور او تعاقد من الباطبن وبالتالي غدت لها مصلحة في عدم الفكاك أو التوجه للفكاك عن اقتصاد العدو.

  • والتشوه الثقافي، وهو تواجد اقتصاديين ذوي نزعة استدخال الهزيمة بمعنى تبرير الارتباط باقتصاد العدو سواء لاعتقادهم بعدم قدرة الاقتصاد المحلي على أية درجة من الاعتماد على الذات، أو لأنها فئة لا تنتمي إلى الخط المقاوم للاستعمار الاستيطاني. فقد اعتبر هؤلاء ان الاحتلال واقع لا يُقاوّم. وهم بالطبع من الاتجاهات اللبرالية ولهم ارتباطات بالمؤسسات الغربية وخاصة الأميركية.

هؤلاء بالطبع ضد مختلف اشكال أو مستويات الاستقلال سواء سياسيا او اقتصاديا أو ثقافيا، والمهم هنا أنهم ضد فك الارتباط مع اقتصاد العدو.

تجدر الإشارة أن الحركة الوطنية الفلسطينية  بعد احتلال 1967 حصرت نضالها في الكفاح المسلح. فلا م.ت.ف صاغت أو تبنت سياسة اقتصادية، ناهيك عن تنموية، ضد الاحتلال، ولا تمكنت النخبة الثقافية من تطوير بردايم اقتصادي يشكل بداية لفك الارتباط باقتصاد الكيان. بكلام آخر، كان النضال الوطني يسير على ساق واحدة هي الكفاح المسلح أو بالإجمال العمل السياسي بعيداً عن العملين الاجتماعي الاقتصادي.

ضمن ذلك المناخ، ونقداً للإلحاق الإقتصادي  بما يتضمنه من سيطرة البنية الاقتصادية لاقتصاد العدو، طرحت شبه بردايم اسميته “سياسة السقوف الممكنة”. أي تركيز النشاط الاقتصادي في الأرض المحتلة على المجالات والأنشطة الاقتصادية التي يمكن العمل فيها بعيدا، نسبياً، عن منافسة اقتصاد العدو لتشكل بداية بنية اقتصادية محلية. ومنها بشكل خاص، استغلال الأرض لإنتاج ما امكن من الغذاء كحاجات اساسية. فهي من جهة تحافظ على الارتباط بالأرض، وتوفر دخلاً للمزارعين، وتستوعب نسبة من قوة العمل من الجنسين، سواء في شواغر عمل دائمة أو جزئية.

من بين السقوف المقصودة، اتجهت إلى التنبيه لخطورة الاستيطان حيث ركزت على ضرورة إقامة تجمعات سكانية جيددة في المناطق التي من المحتمل  ان يستوطن العدو فيها، وخاصة قمم الجبال، وذلك بديلا لقيام اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة التي كانت توفر القروض المسهلة  وحتى غير المستردة والتي كانت تُعطى لمن يمكنه شراء قطعة أرض في ضواحي المدن. ومن يمكنه شرائ أرضا للبناء في ضواحي المدن هو لليس قطعا من الطبقات الشعبية. بينما إقامة التجمعات السكنية كقرى زراعية  صغيرة بعيدا عن المدن يشكل حماية لتلك المناطق من الاستيطان. وقد أسميت ذلك: “إعادة التوطين العربي مقابل الاسيتطان العبري[6]“.

لكن، لا أحداً في م.ت.ف كان على رغبة أو قناعة لتبني هذه الأطروحات.

أنتقل بعد هذا التلخيص المكثف جدا ، إلى صلب موضوع نقاشنا اليوم. والذي أقسمه إلى ثلاثة ابواب:

الباب الأول

ملاحظة في اللحظة

نحن اليوم في خضم الهبة /الانتفاضة الثالثة التي تكمن أهميتها في أمرين اساسيين اثنين:

الأول: ان المهم هو   حصول الحدث وليس حتى اتساعه أو  فعاليته واستمراره لأنه  تأكيد  بأن النضال الفلسطيني مستمر حتى في ظروف الانحطاط محليا وعربيا ودوليا، وربما هو حدث يرد طبيعيا على الانحطاط، وهذه أهمية أن ندرك ديالكتيكياً أن الحدث ليس شرطا ان تخطط له أنت كإنسان، بل المهم كيف تلتقطه وترفعه إلى أعلى فعالية ممكنة. ولنتذكر فقط أن الانتفاضة الأولى كانت قد تفجرت في مناخ مشابه، لأن القوة الكامنة مجتمعيا وإنسانياً  هي طاقة لا تموت.

والثاني: أن هذا الحدث نفسه، بغض النظر استطال وامتد أم تباطىء أو توقف لفترة، يؤكد للكيان الصهيوني الإشكنازي بأن وجوده طارىء هنا، وبانه بعد أن كان يخرج “لتأديب والعنترة” على دول الطوق، فإن المقاومة تخرج له من داخله من باطن الأرض. ولا شك أن كثيرا  من استراتيجييه من  السياسيين والعسكر سوف يدرسون هذا المتغير، وربما قلة نادرة منهم ستقول: إذا أردنا لاحقا العيش، فيجب ان نُقرَّ لهم أن يعودوا سلميا كي لا يعودوا بالتحرير[7]. وهذا مرتبط بالطبع بمدى السماح الراسمالي الغربي لهم بمجرد الهدس الداخلي بهذا. وهو أمر يرتبط بطبيعة الحال بامور ثلاثة:

  • تغير ثوري عروبي

  • وصول خدمات الكيان للمركز الراسمالي الغربي إلى نهايتها.

  • و/أو وصول السيطرة الراسمالية الغربية على العالم إلى نهايتها.

المهم الآن ونحن في حمأة الاشتباك أن نفهم ما هو موقع التنمية بالحماية الشعبية؟ اي مستوى منها الذي يمكن تفعيله؟

لا يمكن تطبيق تنفيذي لبردايم التنمية بالحماية الشعبية في زمن محدود بالأيام والأسابيع بل وحتى بالأشهر. وهذا يفتح على توضيح أهمية الدمج بين:

النضال المشتد: أي النضال المباشر ضد الاحتلال من قبل نخب محدودة من المناضلين بمختلف اشكال الكفاح بالحجارة بالدهس بالسلاح…الخ .

والنضال الممتد: أي انخراط كل مواطن من أية فئة عمرية في مقاطعة منتجات الكيان ومعسكر الثورة المضادة، ورفض التطبيع، وهذا أمر يمكن تطبيقه كل يوم وعلى دوام الزمن. هو تشغيل كل الناس دون أن يتكلفوا شيئا، بل هم يحافظوا على أكبر مقدار ممكن من الثروة الوطنية كي لا تنزف إلى اسواق الاحتلال فتمول كلفة الرصاص الذي يقتلنا. وهذا ما كشف عن الدور الأساس للمرأة في الانتفاضة الأولى في ضبط النزعة الاستهلاكية  بغض النظر عن موقفنا الرافض لمحاصرة المرأة في المطبخ.

هذا يفترض الوعي بالاستهلاك أو الاستهلاك الواعي. إنه قرار واعي عقليا ونفسياً بأن نتخلص من النزعة أو المرض الاستهلاكي الذي لا نحاول مجرد التوقف للحظة والتفكير في خطورته بل أضراره الواقعة منذ عقود وليس فقط خطورته المحتملة.

في حمأة الوطيس لا يمكن الارتياح الزمني في تعليم مساقات أكاديمية تمتد لأشهر أو ابعد، بل المطلوب قرارات من كل شخص بأن يتوقف عن التبرع بالمال لجيشي العدو (الجيش العسكري وجيش المستوطنين) وهو التبرع عبر استهلاك منتجات العدو.

إنه العمل المباشر والذي بوسع كل شخص القيام به إذا كان وطنياً. ومعروف بالطبع ان الأساس في المواطنة الحقيقية أن “تبدأ وطنيا”.

جميعنا يدرك أن آفة الاستهلاكية قد نخرت العديد من مجتمعات العالم، فلسنا نحن استثناءً بكوننا قد أُختُرقنا بالاستهلاكية الراسمالية وخاصة النمط الأمريكي. ففي النظام الراسمالي، نظام السوق، كمااشرنا آنفاً يُنظر إلى الاستهلاك بقداسة وهو ليس سوى تحويل الطبقات الشعبية خاصة والوسطى إلى قطيع يستهلك كي تربح الراسمالية اكثر، فتشغل العمال باقل الأجور لينتجوا أكثر إنتاج ممكن، ليتدفق إلى السوق فيتم استهلاكه بأعلى درجة ممكنة ليتكدس لدى را س المال أعلى ربح ممكن، فيعود للاستثمار بتشغيل اشد للعمال وبأجرة اقل ما أمكن وهكذا…الخ. تبين ذلك المقولة الأمريكية التالية: Shop till you drop أي تسوَّق-إشتري- حتى لا يبقى في جيبك مليماً. أَخرج لي أنا الراسمالي كل ما لديك.

حينما حصل اغتيال البرجين في نيويورك 11 أيلول عام 2001، ظهر نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وهو من غُلاة المحافظين الجدد[8]، وقال إن وطنية كل امريكي معتمدة على مقدار قيامه بالشراء والاستهلاك. إنه استهلاك منتجات ينتجها العمال ويملكها الراسماليون ويجنون الأرباح!

وبالطبع تتم تغطية هذا الاستغلال بل النهب بتسميات من طراز الاقتصاد الوطني، خدمات من السلطة للجمهور في المرافق العامة…الخ ولكن كل هذا ليس سوى آليات لتسهيل القبول الطبقي بالاستغلال.

لكن  الاستهلاك في الحالة الفلسطينية يجب ان لا يكون فقط بناء على الرغبة أو حتى الجودة لأننا نستهلك منتجات عدو يقتلنا على الرصيف وعلانية!   وبالتالي، إذا كانت النزعة الاستهلاكية في البلدان ذات الوضع الطبيعي هي استغلال طبقي وتهميش لوعي الطبقات الشعبية وإغوائها بشعارات قومية لصالح البرجوازية، فإن استهلاك منتجات العدو طوعاً مع وجود بديل ربما اقل جودة هو إما إيغال في الجهل أو وقوفا على حافة الخيانة.

للمقاطعة بين طرف وآخر تاريخ سابق على الحالة الفلسطينية. ولكن في حالتنا نفسها، فقد مارس الصهاينة مقاطعة المنتجات الفلسطينية باكراً. فمنذ عام 1918 كانت مجموعات من حزب الماباي تقوم بملاحقة السيدات اليهوديات اللائي كن اشترين خضاراً او فواكه عربية ويتلفونها.  وكانوا يصبون الكاز على البنادورة العربية ويمنعون العمال العرب من العمل في بيارات البرتقال.[9]لا ترتبط المقاطعة بقرار سياسي رسمي فقط، بل يمكن ويجب ان يقوم كل فرد بذلك وبوسعه فعل ذلك إذا كان من القوة والإخلاص بمكان بحيث يراقب نفسه ويضبط رغباتها لا سيما حين يضع بالاعتبار أنه إذا ضحى بسلعة معينة أو لذة معينة إنما يخدم قضيته من جهة، وخدمته هذه ضئيلة إذا ما قورنت بتضحيات المقاتلين والشهداء. إن قرار المقاطعة هو مساهمة وإن محدودة في مشروع التنمية بالحماية الشعبية، لأن المقاطعة تفترض العمل لإنتاج بديل.  ففي المدى المباشر، بوسعنا مقاطعة الكثير من المواد الغذائية والملابس والسجائر والحلويات…الخ وهذه غالبا لها بدائل محلية[10].

الباب الثاني

البردايم في طور الفكرة

بدأ بردايم التنمية بالحماية الشعبية من حيث هو فكرة بتحدي الحالة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية من جهة وبخلفية الثقافة الفكرية النظرية الماركسية عامة وأطروحة ماوتسي تونغ في حرب الشعب بالمعنى الواسع لهذا النمط من الحرب وليس بالمعنى القتالي فقط اي إشراك الشعب في حرب الغوار من جهة ثانية.

بتفاعل التحدي والخلفية الفكرية أقمت أطروحتي للدكتوراة  )(التي أنجزت 1987 وطبعت لاحقا) على تطوير الفكرة إلى بردايم. كان ذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي في محاولة لإضافة بعد تنموي للمقاومة الفلسطينية ضد المستعر الاستيطاني كي لا تظل المقاومة في المستوى المسلح وغالبا خارج الأرض المحتلة نفسها.

بهذا المعنى، كان لا بد لهذا البردايم أن يبدأ بَرِّيَّاً  أي بعيداً عن الاقتصاد الرسمي القائم بما هو اقتصاد الاستعمار الاستيطاني حيث الاحتلال هو العامل الحاسم أو المقرر في الأراضي المحتلة. وهو الأمر الذي اوصلني للاستنتاج بوجوب أن لا يكون هذا البردايم مرتبط باقتصاد السلطة اية سلطة طالما هي تعتمد اقتصاد أو نظام السوق الاقتصادي. ذلك إلى أن توصلت بأن السلطة(سلطة الدولة) بما هي طبقية في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية، وتتدهور إلى سلطة بروقراطية كما حصل في التجارب الاشتراكية المحققة، ليست الحامل الطبيعي لهذا البردايم.

ما أقصده هنا، أن التنمية الدولانية يمكن جداً أن تتحول إلى أداة لطبقة وليس للأكثرية الشعبية وهذه الطبقة هي بالضرورة طبقة مسيطرة واستغلالية سواء بحكم الملكية أو بحكم الإمساك بالسلطة السياسية مما يجعل التنمية بالحماية الشعبية بردايم يقوم على الديمقراطيتين السياسية والاقتصادية.

تطورت فكرة التنمية بالحماية الشعبية على أساس تدريجي:

بدأ بوجوب رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني في كل مجال ممكن. ورفض التطبيع كان، وربما لا يزال دعوة واجهت الكثير من المعارضة والرفض وحتتى الاستهزاء. فهي نقيض استدخال الهزيمة التي تغلغلت في الكثيرين بدءا من الأنظمة وصولا إلى قوى سياسية وقطاعات جماهيرية استنامت للهزيمة والتعاطي مع الاحتلال كما لو كان أمرا طبيعيا أو قوة لا رادَّ لها. كما انها وباء اصاب الوطن العربي  كذلك  وليس محصورا في الأرض المحتلة.

لكن رفض التطبيع يبقى شعار سياسي وطني. وهذا ما أوجب اقرانه بالمقاطعة كي يأخذان معا مرتكزا اساسيا في بردايم تنموي أو بردايم يحاول التنمية كي لا نبالغ. وعن هذا تولد المكون الثاني لهذا البردايم وهو الانسحاب إلى الداخل.  فالانسحاب الى الداخل هو تطبيق تنفيذي للمقاطعة بمعنى إعادة الاصطفاف الوطني والطبقي في مواجهة المستعمِر. وفي هذا السياق المواجهة الاقتصادية طبعاً.

يتكون الانسحاب إلى الداخل من قرارين:

  • وقف العمل في قطاعات اقتصاد الكيان

  • ووقف استهلاك منتجات الكيان.

ولا يحصل هذا طبعا إلا في شروط المقاومة وتوفر مناخا وطنيا عاليا وجدته لاحقا في لحظة تفجر الانتفاضة الأولى. ولهذا ثلاثة شروط أساسية:

  • الانسحاب إلى الداخل كقوة عمل هو بالطبع موقف طبقي من الطبقة العاملة التي كان حينها قرابة 150 ألف عامل منها يعملون في اقتصاد الكيان باجور اقل من أجور العمال اليهود، وبحقوق شكلية مما يحقق لاقتصاده قيمة زائدة عالية ويعطيه فرصة تجنيد عماله عسكريا في حروبه العدوانية.

  • أما الانسحاب إلى الداخل استهلاكياً، فهو موقف وطني عام لا ينحصر في طبقة واحدة، ولكن تطبيقه لا بد ان يتفاوت بين طبقة وأخرى طبقا للنزعة الاستهلاكية ومدى الإصابة بها.

  • والانسحاب إلى الداخل بالمعنيين أعلاه، يعني التوجه للإنتاج، وهذا مفتاح التنمية بالحماية الشعبية أو مآلها الحقيقي.

تجدر الإشارة إلى أن الاحتلال كان قد فرض أحكاما عسكرية منذ الأيام الأولى لاحتلال 1967 أدت إلى وضعية الارتباط الاضطراري ، بدرجات مختلفة، لمختلف الطبقات الاجتماعية باقتصاد هذا العدو[11].كانت البداية بقطع كافة وسائل ومعابر الاتصال مع الخارج وخاصة الاستيراد والتصدير. وعليه، فخلال الشهور الأولى للاحتلال فرغت أسواق المناطق المحتلة من كثير من المواد الاستهلاكية المستوردة من الخارج مما ربط التاجر بالسوق الصهيوني.

كما أن الحاجة للمواد الخام أرغم الصناعي على التعامل مع المحتل لاستيراد ما يحتاجه سواء من المواد الخام، قطع الغيار والآلات.

نتج عن إخصاع المناطق المحتلة لبنية السوق الراسمالي الصهيوني، ارتفاع في كلفة المعيشة مما اضطر فائض قوة العمل للتوجه للعمل داخل الكيان الصهيوني نفسه، بغض النظر عن كون مجالات العمل عملا أسوداً.

قاد ارتفاع كلفة المعيشة من جهة وإغراق السوق المحلي بالمنتجات الصهيونية ذات القدرة التنافسية إلى خروج كثير من الفلاحين من السوق والتحول للعمل داخل الكيان نفسه، وهذا إضافة إلى العمال من المدن والمخيمات الذين لم يستوعبهم الاقتصاد المحلي .

لم يُواجه هذا التشويه للبنية المجتمعية من جهة بمشروع مقاومة اقتصادية وتثقيف تنموي وطني من قبل القيادة الفلسطينية في م.ت.ف والتي كانت تفتقر لرؤية تنموية حاصرة نفسها في مستوى الكفاح المسلح، ومحتفظة برؤية اقتصادية راسمالية كلاسيكية في حالة دخولها إلى الأرض المحتلة وهو ما عبرت عنه بأنها ستحول الضفة والقطاع إلى سنغافورة أو تايوان! وهما نموذجا على الاقتصادات المتخارجة  الموجههة للتصدير وهو النموذج الأكثر تبعية  بنيوية  لاقتصاد المركز الإمبريالي.

  وحتى المزارعين الذين واظبوا على العمل الزراعي في ارضهم، فقد عمل الاحتلال على إغرائهم بان ينتجوا ما يحتاج سواء للسوق الصهيوني أو لمتطلبات تعاقداته الاقتصادية التصديرية مع دول في الخارج[12].

يمكننا فهم تأثيرالانسحاب إلى الداخل استهلاكياً إذا عرفنا أن المصانع والمزارع الصهيونية التي تنتج للسوق الفلسطيني تشغل قرابة 75 [13]ألف عامل صهيوني مما يعني أن توقف الاستهلاك من منتجات العدو يخلق ضغطا اقتصاديا كبيرا على قطاعات اقتصادية اجتماعية هناك يضاف إلى خسارة الاقتصاد الصهيوني للقيمة الزائدة التي يحصل عليها من تشغيل العمال الفلسطينيين في الاقتصاد الصهيوني.

يتلو الانسحاب إلى الداخل بالضرورة ما نسميه:

إعادة تركيب البنية الانتاجية: لاقتصاد المناطق المحتلة وذلك من خلال إعادة استغلال الأرض التي تم إهمالها بسبب العوامل المدرجة أعلاه. وهذه العودة للأرض لإنتاج ما تتطلبه الحاجات الغذائية الأساسية للناس. ويتم ذلك على مستويات عدة من الأبسط إلى الأكثر تعقيدا:

  • إنشاء تعاونيات الأحياء لتصنيع بسيط للمنتجات الزراعية المحلية، أي التصنيع المنزلي

  • وإنشاء تعاونيات زراعية واستهلاكية ولاحقا إنتاجية سواء للإنتاج والتعليب والتبريد او التفريز للفوائض من المنتجات الزراعية.

  • وإنشاء مؤسسات تصنيعية للمنتجات الزراعية المحلية.

  • واستكمال هذه البنية الإنتاجية بشكل جديد للتوزيع هو تشكيل شبكات توزيع تتجاوز التاجر وخاصة وكلاء الشركات الصهيونية.

أما الضمان الأساسي لمختلف المكونات لهذا البردايم، فهي الاستهلاك الواعي أو الوعي بالاستهلاك بحيث يتم التوجه لاستهلاك المنتجات المحلية مما يقود إلى الاحتفاظ الوطني بالفائض ليتم استثماره مجددا في مواقع الإنتاج المحلي.

هذا الاستثمار يقود إلى المساهمة في إعادة تركيب افضل للمعادلة الاقتصادية المكسورة من قبل الاحتلال وذلك في مستويين:

الأول: علاقة  عمل راسمال بمعنى أن المألوف هو أن يتمكن را س المال في بلد ما من تشغيل قوة العمل المحلية. في حالة بردايم الحماية الشعبية، فإن إعادة تركيب البنية الإنتاجية كما اشرنا تساهم في ترميم هذه المعادلة المكسورة، ولكنها لا يمكنها إنجاز المطلوب كاملاً. أي أنها تُرسي بداية لإنجاز هذه المهمة.

والثاني: استعادة قلب اقتصادي للاقتصاد المحلي. فخلال فترة الاحتلال المديد فقدت الضفة الغربية مثلا وجود مدينة كقلب اقتصادي او حتى تجاري لها، بمعنى أن كل منطقة منها غدت مرتبطة مباشرة باقتصاد الاحتلال. لذا، فإن مقاطعة منتجات الاحتلال، وإعادة تشكيل البنية الإنتاجية يمكن ان يعيد ترابط مناطق الضفة الغربية أو غزة ببعضها  مما يخلق سلسلة تمفصلات اقتصادية محلية:

  • تمقصلات المناطق جغرافيا

  • تمفصلات القطاعات الاقتصادية

حتى الآن، يتكون بردايم التنمية بالحماية الشعبية بالاعتماد على الذات بمعنى توفر التمويل لهذه المشروعات والتعاونيات الصغيرة من المواطنين سواء أسرة أو شركة تعاونية أو مؤسسة حزبية. وهذا ما يمكن تسميته الاعتماد على الذات شعبيا.

إن نموذج السلسلة هام هنا بمعنى، ربط قطاع مع آخر من حيث التأسيس والعمل والإنتاج والاستهلاك. فإقامة تعاونية من فلاحين يمكن أن تبدأ بتربية مزرعة/مزارع حيوانية يساهم مزارعون من دخلهم وجهدهم  ويقومون باستخدام السماد لأراضيهم واستهلاك ما يحتاجونه من نفس هذه التعانيات بحيث يشكلون مساهمين وعاملين ومستهلكين منها حصرا، وهو ما نسميه السوق الاستهلاكي الانحصاري لصالح أو من مواقع الإنتاج هذه. كما تترابط التعاونيات  نفسها مع بعضها البعض  على شكل شبكة  تعاونيات متعاقدة. وبالطبع يمكن إنشاء شبكات سلسلة أخرى مشابهة. وفي مختلف هذه الحالات يستفيد المساهم من اسهمه ومن أجرته ومن تعامله باستهلاكه من هذه السلسلة أو تلك.  

حتى هنا، يمكننا القول بان التنمية  بالحماية الشعبية قادرة على العمل وحماية الاقتصاد المحلي كجزء من الحياة مقاومة. وهذه اعلى درجة  ممكنة من الفكاك عن الاقتصاد الصهيوني. وبقول واضح، هذه لا تعني القدرة على الفكاك التام طالما الاحتلال العسكري موجودا.

الانتقال إلى البنية الصناعية الكلاسيكية:

أي إلى مستوى الصناعات المحلية وهذا يتطلب التركيز على الصناعات المحلية التي تتطلب موادا خام متوفرة محليا، وتعتمد إلى حد كبير على التكنولوجيا الوسيطة التي تستخدم عددا أكبر من العمال لامتصاص ما امكن من البطالة، وبالطبع تنتج الحاجات الأساسية. وبمكن تمويلها إما بمساهمات المواطنين أو بقروض مسهلة من م.ت.ف (وهذا قبل اتفاق اوسلو).

قانون قيمة وطني: إن علاقات العمل وتوفير المواد الخام والمستلزمات وخاصة الزراعية والتبادل في هذه المشاريع والتعاون بين المنتج الصغير والمستقل  وبين التعاونيات وضمن ابعد درجة ممكنة عن السوق الصهيوني او سوق الواردات من الخارج يمكنه إرساء اساس قانون قيمة وطني غير ملحق بقانون القيمة الراسمالي الدولي . فهذه البنية توفر منتجات محلية باسعار تناسب الدخل المحلي وتوفر أجرة تسمح باستهلاك المنتجات المحلية ضمن ما يتم إنتاجه محليا.

وبالطبع، فإن هذا لا يلغي قانون القيمة الرأسمالي الدولي لسببين:

  • الأول: أن الاقتصاد المحلي لا ينتج كل ما يحتاجه المستهلك المحلي

  • والثاني: لأن الاحتلال هو الذي يفرض مصدر المنتجات التي لا يتم إنتاجها محلياً، بمعنى أن توفر فرصة حرية الاستيراد والتصدير تسمح بالتبادل مع بلدان أسعار منتجات معينة منها أقل من سعر السوق الدولي او قد توفر للأراضي المحتلة سلعا بسعر تفضيلي لأسباب قومية سياسية.

وعليه، لا بد ان نواجه قانونين للقيمة متوازيين متناقضين. وهذا يعني اننا ننتقل إلى لحظة اختبار العلاقة بين الاقتصادين الشعبي  (الحماية الشعبية) والرسمي  دور منظمة التحرير ولاحقا، دور سلطة الحكم الذاتي، اياً من الاقتصادين يلحق الآخر.

لكن التجربة الميداينة كشفت قبل اتفاق اوسلو وبعده أنه لا قيادة م.ت.ف ولا سلطة الحكم الذاتي معنية بالتنمية مما قطع إمكانية الاستمرار في توسيع نطاق بردايم التنمية بالحماية الشعبية.

في ختام هذا التشخيص النظري، يمكن القول بأن هذا البردايم هو شكل من اشكال المقاومة الاقتصادية/الاجتماعية بحيث يخلق بنية اقتصادية ذاتية قادرة على تقليص التبعية لاقتصاد الاحتلال دون ان يتمكن من تصفيتها كليا.

الباب الثالث

درس الانتفاضة

عدت  إلى الوطن يوم 4 أكتوبر  1987[14] والبردايم  مسألة فكرية نظرية توقعية لا اكثر، اي مجرد أطروحة أكاديمية. وفي ديسمير من نفس العام تفجرت الانتفاضة. فأخذت أقرأ الوضع على ضوء النظرية. وكان المدهش بدء مقاطعة العمل والإنتاج الصهيوني، وهو الذي اسميته سابقا الانسحاب إلى الداخل. وحينها بدأت أُطابق المخطط النظري على واقع يحصل كحدث عياني مستقل عن البردايم طبعاً.

كان طبيعياً، أن أقرأ مسألة هامة في اهلية الشعوب للمقاومة من مداخل عدة منها:

  • هل الاستعمار هو الذي يخلق حركات المقاومة؟ على أرضية خلق الشيىء لنقيضة؟

  • أم أن الشيىء يكشف عن نقيضه أو يستدعيه؟ أي ان التحدي الاستعماري يستفز القوة الكامنة للشعوب فتقاومه؟ وهذا اوصلني إلى أن وجود المقاومة هو حالة بنيوية في الإنسان لا يولجها المستعمِر في المستعمَر، وإنما حصول التحدي يشترط المواجهة من قِبَل المستعمَر.

وهذا ما تبدى من تفجر الانتفاضة الأولى ديسمبر 1987.

ما من أحد كان يعرف حدود المشاركةالشعبية فيها حين البداية بمعنى الطبقات عموما ونسبة المشارك من الطبقة الواحدة، والجنسين ونسبة المشاركة والأجيال ونسبة المشاركة…الخ.  ولا كان أحد يعرف قدرتها على الاستمرار المديد الذي اتضح فيما بعد.

لم أكن متحمسا قط لما بدأت القيادة السياسية في تونس الترويج له بانها انتفاضة الاستقلال وبالتالي أخذت تستثمرها سياسيا على هذا الأساس وهو ما انتهى إلى اتفاق أوسلو باسم سلام الشجعان وهو سلام راس المال.  لذا كتبت باكرا بان الانتفاضة لن تقود إلى دولة[15]، ولن تتمكن من طرد الاحتلال، وبالتالي كيف يمكن أن ننتج انتفاضة تنموية وثقافية إلى جانب الانتفاضة الاجتماعية السياسية كخطوة من خطى النضال الوطني والتحرير والعودة في المدى الطويل.

وهنا وجدت أن البردايم النظري يمكنه أن يتطور مع الحدث.

طبعا هناك في المجتمعات العادية علاقة عكسية تناقضية  بين التنمية والبطالة. أما في الأرض المحتلة، فالتنمية هي ايضا واساسا علاقة مقاومة وبالتالي ليس شرطا أن تقود التنمية بالحمايةالشعبية إلى استقلال اقتصادي تام/ ولكنها مقاومة اقتصادية تحاول الحيلولة دون بقاء الأرض المحتلة مزرعة اقتصادية مربحة للاحتلال.

هنا يقع موضعا جيدا لنظرية أنطونيو غرامشي في “حرب الموقع والحرب الجبهية الشاملة” بمعنى أن علينا تحرير اوسع وأكثر مواقع اقتصادية من سيطرة الاحتلال إلى أن نتمكن من الحرب الجبهية الشاملة وهو أمر عروبي أكثر مما هو فلسطيني.

 هنا تكون التنمية بالحماية الشعبية دفاع جماعي عن الوجود بل هي هكذا كانت ولا تزال. التنمية بالحماية الشعبية هي المستوى الاقتصادي العملي لما توصلت إلية ضمن الفهم الأوسع للصراع بأن:  الحياة مقاومة وبأن التنمية بالحماية الشعبية هي البعد الإنتاجي الإقتصادي وفي النهاية الاجتماعي للحياة مقاومة وهذا المدخل هو نقيض الحياة مفاوضات الذي هو موقف سياسي مستقره استدخال الهزيمة.

بقدر ما وجد بردايم التنمية بالحماية الشعبية لنفسه موقعا في الانتفاضة، بقدر ما كان ذلك تناقضاً مع النظرة الاقتصادية لاقتصاديي م.ت.ف الذين حقنوا المستوى السياسي باقتصاد السوق الراسمالي أو نظام السوق وحتى بأسوأ طبعاته وأكثرها تبعيةً، أي نموذج الاقتصاد الموجه للتصدير متمثلين ب تايوان وسنغافورة.

وقد كتبت بأنه إضافة إلى هشاشة وتبعية الاقتصاد الموجه للتصدير كاقتصاد تخارجي، فإن الإمبريالية لن تسمح بغير تايوان واحدة في المنطقة هي الكيان الصهيوني. ولا حاجة هنا للتفصيل، بأن النموذج الذي حصل هو المصيدة الريعية، اي أقل بكثير من تايوان .

كانت حادثة مخيم جباليا للاجئين بقطاع غزة هي شرارة انطلاقة انتفاضة ملخصها صدمة القمع تفجر صدمة الوعي، حدث كشف الطاقة الشعبية الكامنة.

وعليه تدفقت الناس إلى الشوراع اشتباكا جماعيا مع العدو في المدن والمخيمات والقرى وهو الاشتباك الذي أفرز فورا الانسحاب إلى الداخل عماليا واستهلاكيا.

وكما اشرنا أعلاه، لم يكن لدى م.ت.ف مشروعا اقتصاديا، سياسة اقتصادية للبدء بتطبيقها في الأرض المحتلة مع اشتعال الانتفاضة والبدء العفوي ب الانسحاب إلى الداخل، بل كان هدف القيادة الفلسطينية في تونس وحتى القيادة الوطنية الموحدة داخل الأرض المحتلة هو استثمار الاتنتفاضة سياسياً للوصول إلى دولة. وهذا يعني التباعد الواسع بين رؤية القيادتين وبين بردايم التنمية بالحماية اشلعبية الذي بدأتُ حينها بنشره وتطويره.

لن أكرر هنا بنية البردايم حيث اوردتها  في صفحات سابقة، ولكنني سوف أحصر ما يلي في ذكر ما حصل ميدانيا فيما يتطابق مع البردايم:

كان الانسحاب إلى الداخل قرارا شعبيا ميدانيا ضد الاستهلاكية تحول إلى صدمة وعي تمظهرت في التوجه لاستهلاك المنتجات المحلية، الأمر الذي حفز المنتجين المحليين على تسريع تلبية متطلبات السوق المحلي وهي السوق التي توسعت بالطبع نظرا لتزايد الطلب على المنتجات المحلية.

ومن جهة ثانية بدأت العودة لاستصلاح الأرض وزراعتها مما أدى إلى:

  • توسع التشغيل الذاتي والمأجور معا

  • توفر إنتاج الخضار والفواكه لسد حاجة السوق المحلية

  • البدء بالعمل لإنشاء تعاونيات الأحياء لتصنيع منزلي للمنتجات الفائضة من الخضار والفرواكه

  • زيادة الطلب المحلي على المنتجات الزراعيةالريفية سواء من سوق المدينة أو من تعاونيات الأحياء

  • البدء بإنشاء تعاونيات زراعية في الريف وهو ما وسع استغلال الأرض بعد فترة من الإهمال.

  • البدء بتصنيع منتجات زراعية فائضة أو من الضروري توفرها في غير موسمها وهي طازجة.

  • تشكيل لجان تسويق المنتج المحلي من المنتجين إلى المستهلكين دون المرور بالتاجر كوسيط لا يضيف دوره قيمة للمنتجات، بل يحصل على ربح يزيد من كلفة وليس من قيمة البضاعة. وامتدت تلك اللجان إلى التسوويق في المناطق المحتلة 1948.

  • كان التوسع في الإنتاج المحلي واختصار التاجر بداية التحول إلى قانون قيمة محلي قوامه: إنتاج محلي باجور محلية واستهلاك محلي ما جعل الأسعار ميسرة للمواطن.

 هنا دخلت المناطق المحتلة حالة من المناخ الديمقراطي الداخلي للمجتمع حيث كانت القرارات الإنتاجية والاستهلاكية والسياسية ذاتية. فقد انشغل العدو في المواجهات مع الانتفاضة على اتساعها مما أعطى فرصة للعمل التنموي الإنتاجي.

وعليه، رد العدو لاحقاً، بمطاردة التعاونيات وفرض ضرائب عالية عليها لتقويض قدرتها على الاستمرار. أما على المجتمع ككل، فقد أدت ضربة تخفيض سعر صرف الدينار الأردني إلى الشيكل الإسرائيلي إلى تخفيض هائل في القدرة الشرائية للمدخرات بالدينار الأردني حيث اعتادت أكثرية المواطنين الادخار بالدينار الأردني[16].

وهنا تقاطعت سياسة الاحتلال مع استمرار الكمبرادور بتسويق  منتجات العدو بطرق سرية مثل: شراء منتجات الاحتلال ووضع اسماء شركات محلية على أغلفتها وبالتالي، فإن الكمبرادور[17] قد لعب دورا في تقويض الانتفاضة.

إنكسار بنية الاقتصاد المحلي

يمكننا القول بأنه في ظروف استعمار استيطاني، فإن بردايم التنمية بالحماية الشعبية لا يستطيع سوى تحقيق او إنجاز قطيعة نسبية مع اقتصاد العدو كبديل أولي للالحاق الشامل باقتصاد الاحتلال. ذلك أن إنجاز مقاطعة السوق  الصهيوني بمستويي العمل والاستهلاك ما أمكن، وبدء العودة للأرض والتعاونيات منزلية وسوقية، وتصنيع زراعي…الخ تشكل حالة مقاومة لديها قدرة حماية عالية لنفسها كبراديم محلي ذاتي رغم وجود الاحتلال. صحيح انها لا تشكل استقلالا اقتصاديا كاملا ولكنها تشكل حماية لقطاعات ومستوى من الاقتصاد من جهة وحالة مقاومة من جهة ثانية هي في أقل أدوراها تخفظا جزء كبير من الفائض المحلي لا يتدفق لاقتصاد الاحتلال، وتشكل تعبئة نفسية للمقاومة، ولا تُبقي على البلد مزرعة للعدو.

وكما أشرنا كان المفترض أن تقوم قيادة م.ت.ف في الخارج بإنشاء نافذة تنموية تقدم قروضا مسهلة أو هبات للمستوى الأوسع من الاستثمارات، كمشاريع استصلاح الأرض والتصنيع الزراعي والمشاريع الصناعية الأكبر. وهنا كانت اللحظة الصعبة حيث لا تجاوب من قيادة م.ت.ف، إضافة إلى عسف المستعمِر، وعدم قدرة الاقتصاد المحلي على عرض فرص عمل كافية.

بل إن عدم تبني القيادة لبردايم التنمية بالحماية الشعبية قد دفع الكثير من الصناعيين للتردد في توسيع طاقتهم الانتاجية أو أضافة خطوطا جديدة لأنهم لم يكونوا واثقين من تفاعل القيادة. كانوا واثقين من توجه المستهلك للانتاج المحلي كعامل تشجيع ولم يكونوا واثقين من موقف داعم من القيادة  كعامل مشكوك فيه وهذا بالطبع قلق رأس المال الخاص على مصالحه حيث يتردد عن الاستثمار في مناطق الخطر. .كانت هذه اللحظة هامة لأنها لحظة الارتباط بين الاقتصاد الشعبي والرسمي، او العلاقة إما بالتفارق وإما بالتكامل. ايهما يلحق الآخر!!

ذلك إلى أن دخل الصراع مرحلة المفاوضات بين قيادة المنظمة والكيان الصهيوني بتخطيط وقيادة الولايات المتحدة أُم الأعداء، وخضوع الأنظمة العربية لذلك بدءا من تدمير القوة العراقية 1991 والانتقال إلى مؤتمر مدريد ولاحقا اتفاق اوسلو وبروتوكول باريس.

هذه السلسلة كانت طعنات متتالية لاستمرار بردايم التنمية بالحماية الشعبية  وخاصة حين وصل لحظة وجوب التفاعل بين الشعبي والرسمي، هنا كان الانكسار. هذه الطعنات التي كان تمظهرها على درجات:

  • عدم تبني قيادة المنظمة في الخارج للمقاطعة

  • عدم توفير قروض انتاجية مسهلة أو هبات

  • لجوء قيادة المنظمة قبل أوسلو، ولاحقا بعد أوسلو إلى التطبيع

  • إعلان السلطة الفلسطينية بعد أوسلو عن إنتهاء الانتفاضة وبان المرحلة هي مرحلة “السلام” وبالتالي مرحلة تطبيع ووقف المقاطعة وتبني سياسة السوق المفتوحة واللبرالية ولاحقا اللبرالية الجديدة.

ولكن، ما الذي كان يمكن ان يتم لو تم الاقتراب من بردايم التنمية بالحماية الشعبية أو اي بردايم يقوم على فك الارتباط باقتصاد المستعمر؟كان يمكن ويجب الانتقال إلى مكملات هذا البردايم:

  • إلى كل من تداخل التعاون  بين بردايم الحماية الشعبية والقطاع الخاص للتركيز على الإنتاج للسوق المحلي

  • قيام السلطة بإنشاء قطاع عام وليس قطاع حكومي

  • دعم الدور المحوري للمرأة في العمل والإنتاج والمقاطعة لمنتجات العدو بما هي حاملة محفظة الاستهلاك والمربية الحقيقية للآطفال.

  • الحفاظ على الأرض عبر:

    • الاستغلال المدعوم بنافذة تنموية لإنتاج الأساسيات

    • تنظيم العلاقة بين الزراعة والإسكان بمعنى منع إاقامة المساكن على الأراضي الزراعية الجيدة والضغط على الإسكان العامودي لا الأفقي الباذخ، أو الأفقي الإضطراري من قبل اصحاب القطع الزراعية الصغيرة.

  • توسيع استخدام التكنولوجيا الوسيطة من أجل التشغيل الموسع لقوة العمل، ونظراً لإمكانية إتقان استخدامها وإنتاج قطع غيار لها.

  • إعادة توزيع الفائض من الأراضي وخاصة تلك المهملة والتي لا يرغب ملاكها في استغلالها أو نظراً لعدم إقامتهم في المناطق المحتلة.

  • الوصول إلى فك الارتباط باقتصاد الاحتلال وذلك عبر:

    • النضال من أجل حق الاستيراد والتصدير الحر

    • التبادل مع الاقتصادات العربية واقتصادات الدول الصديقة

    • مواجهة المستعمِر دوليا من أجل حق التبادل الحر كحق اقتصادي لأن حقوق الإنسان لا تقتصر على السياسي و/ أو الثقافي,,,الخ

_________

  • الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

[1] كان أخطر ما وصلت إليه دول الاشتراكية المحققة هو تبقرط جهاز السلطة العليا للدولة وعدم وجود رقابة أو مسائلة قاعدية له مما أوصله إلى تحكم النومنكلاتورا التي كانت تستفيد كأنها تملك وهو ما أوصل كثيرين إلى الحكم بأنها  كانت أنظمة راسمالية الدولة أو انظمة شبه أمبريالية…الخ. المهم أن هذه التجربة طرحت تساؤلات كبيرة حول مدى كون السلطة هي الداة الفعلية للاشتراكية بمعنى أنها غذا ما تخلصت من الرقابة الشعبية لا تعود تخدم الأكثرية الاسحقة من المجتمع. انظر :

Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs Development by State, 2005. Palestine Research and Publishing Foundation, P.O.Box 5025, Glendale, CA 91221, USA. ومركز المشرق/العامل رام الله 2005

[2]  أنظر نقدنا لما كتبه أحمد قطامش عن إمكانية التنمية تحت الاحتلال وبأن خطة سلطة الحكم الذاتي الاقتصادية يمكنها تحقيق تنمية، وذلك في ورقتنا: استلاب التموُّل واغتراب التنمية، قراءة نقدية لأدبيات في “تنمية” اقتصاد الأرض المحتلة 1967 (نسخة موسعة) عادل سمارة.
https://kanaanonline.org/ebulletin-ar/wp-content/uploads/2015/05/ADEL-SAMARA-CRITIQUE-OF-DEVELOPMENT-PALESTINE.pdf

[3] ا أنظر عادل سمارة، اقتصاد المناطق المحتلة:التخلف يعمق الإلحاق، منشورات صلاح الدين القدس 1957.

[4]  أنظر ، عادل سمارة، الاستيطان من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي، في كنعان، العدد 94 كانون ثاني،  ص ص 87-100،

[5] فيما يخص التشوهات، انظر عادل سمارة ، الحماية الشعبية ، منشورات مركز الزهراءـ القدس 1990.

[6] أنظر كتاب عادل سمارة، اقتصيات الجوع في الضفة والقطاع، منشورات مفتاح ، 1979.

[7] لا تزال القيادة الصهيونية متمسكة بعقلية مواجهة الفلسطينيين بالبندقية وسرقة الأرض وصولا إلى الطرد. في مقابلة مع اسحق رابين عام  1988 أي خلال الانتفاضة الأولى حينما كان وزير حربية الكيان (كما اذكر ملحق جريدة جيروزالم بوست،  في 25 آذار 1988)، سُئل عن ما الذي يمكن ان تفعله إسرائيل لإيقاف الانتفاضة؟ قال طرد 600 الف من الضفة الغربية إلى الأردن. وحينما قال له الصحفي لكن هذا يجدد الصراع لخمسين سنة مقبلة، قال رابين، حينها على القيادة الإسرائيلية أن تحل المشاكل التي تواجهها.

[8] انظر عادل سمارة، ظلال يهوصهيو تروتسكية في المحافظشية الجديدة. منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية رام الله  2015

[9] The Other Israel: A Radical Case Against Zionism,  edited by Arie Bober, Anchor Books,  1972. P. 12.

 [10] من المهم التركيز على التثقيف ضد الاستهلاكية بما هي تقوم إلى حد كبير على عامل التقليد كمااسماه الاقتصادي نيركسة.

[11] أنظر،

The Political Economy of the West Bank: From Peripheralization to Development .Adel Samara Khamisn Publications  London 1988.

[12] لتسهيل قبول العمال للعمل في اقتصاد الكيان قامت سلطات الحكم العسكري بحملة توسيع الطرق في الضفة الغربية وشق طرق جديدة حيث شغلت عمالا محليين بوتوسط سماسرة عمل محليين لتكون هذه خطوة اولى لتطبيع العمال للعمل داخل الكيان نفسه، هذا مع العلم أن توسيع الطرق وشق الطرق يُسهل على جيش الاحتلال وصول مختلف المناطق لمطاردة الفدائيين. كما انالتشغيل نفسه كان ضروريا للاحتلال كي لا تقود البطالة إلى انخراط أكثر للشباب في المقاومة.من جهة ثانية، قام الكيان بعرض سياسة اسماها “المشاهدة: وهي الاتفاق مع مزارعين بزرع محاصيل يحتاحها الاحتلال ولذا يتعهد بشرائها بسعر مغرِ مما سهل ربط المزارعين بسياسته ومن ثم إهمال الانتاج الطبيعي الموجه للسوق المحلي.

[13] أنظر عادل سمارة وعودة شحادة، التنمية بالحماية الشعبية، منشورات دار كنعان، دمشق ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

[14] حين حصلت على القبول من كلية بيربك من جامعة لندن، رفضت سلطات الاحتلال السماح لي بالسفر إلى ان حصل لي المحامي محمد نعامنة على إذن بالسفر لمدة ثلاث سنوات ممنوع من العودة خلالها، وفي حال عدت قبل بيوم أُسجن يوما او بعام أسجن عاماً…الخ لذا سافرت يوم 4 اكتوبر 1984 وعدنت يوم 4 اكتوبر 1987.

[15] انظر عادل سمارة، من احتجاز التطور غلى الحماية الشعبية، منشورات الأسوار، عكا، 1988.

[16] أنظر عادل سمارة، التنمية بالحمايةالشعبية في مجلة كنعان العدد 129 نيسان 2007، ص ص 3-35

[17]  شريجة الكمبرادور في الأرض المحتلة تتألف من ثلاثة أجيال متتالية متناقضة معا. كانت الشريحة الأولى منذ فترة الحكم الأردني كوكيلة لاستيراد وتسويق المنتجات الأجنبية التي تلعب دائما دور تقويض المنتجات المحلية الصناعية والزراعية. ويدوره فإن الاحتلال قد استخدم هذه الشريحة واضاف عليها المتعاملين معه كجيل آخر، إلى أن جاءت سلطة الحكم الذاتي وأدخلت مجموعة جديدة من الكمبرادور من بنيتها أو مسحوية عليها. لذا يشكل الكمبرادور عدو حقيق للتنمية في البلدان المستقلة، فما بالك للبلد حت الاحتلال؟