مسعد عربيد: في ذكرى ولادة إرنستو تشى غيفارا (1) مَنْ هو العدو الرئيس؟ ولماذا الرأسمالية والإمبريالية؟ (2) مركزية المقاومة في فكر تشى ڠيڤارا

تمر بنا هذه الأيام ذكرى ولادة الثوري الأممي إرنستو تشى ڠيڤارا، 14 حزيران 1928. وتخليداً لهذه الذكرى، ننشر فصلين من كتاب “ماذا تبقى من غيڤارا؟ ، راهنية فكره وإرثه في القرن الحادي والعشرين”، لمؤلفه د. مسعد عربيد:

  • مَنْ هو العدو الرئيس؟ ولماذا الرأسمالية والإمبريالية؟

  • مركزية المقاومة في فكر تشي ڠيڤارا[1]

■ ■ ■

 مَنْ هو العدو الرئيس؟ ولماذا الرأسمالية والإمبريالية؟

 لأن الرأسمالية بمصالحها وجشعها وانفلاتها في تحقيق الأرباح القصوى، تتنافى مع مصالح الأغلبية السكانية في المجتمع والإنسانية أينما كانت، ولا توفر أي مشترك يمكن له أن يجمع البشرية على أرضية واحدة ومشتركة.

□ لم يكن العداء للإمبريالية (وخاصة الأميركية) والولايات المتحدة أمراً مستغرباَ في سياق المرحلة التي عاش فيها تشي ڠيڤارا وخلال سنوات طفولته ومراهقته والتي شهدت هيمنة الشركات الأميركية على اقتصادات بلدان أميركا اللاتينية واستغلال ثروات شعوبها، ناهيك عن التدخل السافر في سيادتها وشؤونها السياسية. وحيث لامَ ڠيڤارا الإمبريالية الأميركية والرأسمالية وأدواتها من الأنظمة والعملاء المحليين وحمّلها مسؤولية هذه الآفات الاجتماعية والاقتصادية، فقد تبنى العقيدة الشيوعية في النضال من أجل محوها.

 □ رفض ڠيڤارا المقولة التي تدّعي أن التخلف في بلدان العالم الثالث هو من طبيعة المرحلة التي تمرّ بها هذه البلدان والادّعاء بأنه الطور الذي يسبق النمو الاقتصادي كما تروّج الرأسمالية، بل اعتقد برؤية ثاقبة أن السبب الجذري في تخلف هذه الدول هو النهب الإمبريالي لثرواتها المادية والبشرية، وهو ما أتاح للدول المتطورة أن تبني تقدمها ورفاهيتها. بكلمات أخرى، كان ڠيڤارا يرى أن مستقبل شعوب العالم الثالث وقدرتها على شق طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية منوط بإزالة الرأسمالية والإمبريالية وهيمنتها. كما كان ڠيڤارا يعتقد أن رفاهية شعوب الدول الاستعمارية والمتقدمة صناعيا تقوم على حساب الشعوب الفقيرة ونهب مواردها.

 □ يرى ڠيڤارا أن اتخاذ موقف حاسم من الصراع بين الإمبريالية وشعوب العالم الثالث، يقوم على فهم حقيقته (الصراع) وبدون هذا الفهم لا يتسنى تحديد موقف واضح وجذري منه. وعليه، فإن مَنْ لا يفهم الصراع، أو مَن لا يريد أن يفهمه، فهو بالضرورة عاجز عن حسمه.

□ بناءً عليه، أكد ڠيڤارا في أطروحاته على عدم إمكانية التصالح أو المساومة مع الإمبريالية والرأسمالية بسبب طبيعة التناقض التناحري بينها وبين شعوب العالم الثالث. فالغرب الرأسمالي لا يفهم لغة الحوار، وإن حاور فهو يحاور عن خبث وتخطيط مسبق، كما أنه لا يتحاور إلا إذا وجد نفسه في حالة ضعف ووهن أو إذا واجه عدواً قوياً أو كلاهما.

□ تحديد العدو بدقة كان يعني أيضاً أن المواجهة معه مستمرة حتى النهاية وحتى حسم الصراع ومن هنا جاءت مقولته “حتى النصر دائما”، وشعارات الثورة الكوبية التي أطلقها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو: الوطن أو الموت، سننتصر!

Patria o muerte.Vencerenos!

□ يميل كثير من المحللين إلى الاعتقاد بان عداء ڠيڤارا للولايات المتحدة والإمبريالية الأميركية واعتبارها “العدو الرئيسي للإنسانية”، قاده إلى معاداة كل ما تحبه أو تطالب به أميركا. إلاّ أن مثل هذا التحليل يظل تبسيطاً ساذجاً يغلّب العوامل الشخصية ويتنكر للركائز الفكرية والمفاهيمية لتشي ڠيڤارا، فمعاداته للإمبريالية الأميركية كانت تقوم أولاً وأخيراً على تناقض المصالح: مصالح الشعوب في الحرية والتنمية والعيش الكريم من جهة، وفي الجهة المناقضة مصالح الرأسمالية والإمبريالية القائمة على نهب ثروات هذه الشعوب.

□ لخص ڠيڤارا موقفه من الإمبريالية، والإمبريالية الأميركية على نحو خاص، في رسالته إلى الترايكنتينانتال Tricontinental (منظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية) والتي نشرت في 16 ابريل 1967[2]، حيث أكد على:

ـ أن الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية كنظام عالمي؛

ـ وعليه، تصبح محاربتها ضرورة تاريخية، لذا طالب بمواجهة عالمية واسعة وطويلة المدى في محاربتها؛

ـ طالب الدول الاشتراكية ومؤيديها أن يوحدوا جهودهم في كفاحهم ضد عدو الإنسانية المشترك: الإمبريالية الأميركية؛

ـ في هذا الكفاح العظيم، رأى ڠيڤارا أن المهمة التاريخية لشعوب العالم الثالث تكمن في القضاء على قواعد ومراكز وجود الإمبريالية في الدول النامية، هذه القواعد التي تشكل مصادر الربح والمواد الخام والأسواق لتصريف السلع القادمة من بلدان المركز. هذه القواعد التي تخضع اليوم إلى “تبعية مطلقة”؛

ـ كل هذا يعني الضرورة الملحة لإستراتيجية عالمية للحرب ضد الإمبريالية تكون قادرة وفعالة في دعم طليعة البروليتاريا العالمية: فيتنام.[3]

■ ■ ■

مركزية المقاومة في فكر تشي ڠيڤارا

“لستَ مهزوماً ما دمتَ تقاوم”

مهدي عامل

ننطلق في هذا الفصل، كما كان المنطلق الفكري عند ڠيڤارا، من القناعة بان الرأسمالية ليست قدر البشرية، وأن الشعوب قادرة على مقاومتها ودحرها، لأن هيمنة الرأسمالية، بكافة طبعاتها وحقباتها وتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا تنبئ سوى بمزيد من الظلم والاستغلال للغالبية الساحقة من البشرية وإفقارها المادي والروحي.

ومن هذا الباب، يجوز لنا أن نقول بأن ما قدمه ڠيڤارا في فكره ونضاله هنا هو رؤية لغدٍ أفضل وعالمٍ تملكه الأغلبية. وهي رؤية تألقت حلماً لعقود طويلة بعد بزوغ الاشتراكية في عشرينيات القرن الماضي، ثم خبت في الفترة التي تلت انهيار النمط السوڤييتي، إلى أن جاءت يد العولمة الرأسمالية لتحاول اغتيالها ولتصف كل مَنْ يؤمن بها بأنه حالم ما زال يعيش في ستينيات القرن الماضي.

 وعليه، فحين نتناول فكر المقاومة عند تشي ڠيڤارا، لابد من التأكيد على أن المقاومة واحدة من الركائز الأساسية لفكره التي لم تتغير راهنيتها وحتميتها التاريخية في الجوهر رغم التطورات السياسية الطاحنة في العالم ورغم التغيرات التي طرأت على آليات المقاومة وسياقها التاريخي والسياسي.

جذور فكر المقاومة

بدأت بوادر فكر المقاومة لدى تشي ڠيڤارا مع بدايات قراءاته السياسية والفلسفية. وقد تأثر ڠيڤارا، حين كان يافعاً، بأفكار مهاتما غاندي في اللاعنف، وكان معجباً بها ومدافعاً عنها. أما مسيرته فقد تطورت، على النقيض من ذلك، ليتبنى أسلوب الكفاح المسلح ضد الهيمنة الإمبريالية الأوروبية والأميركية حتى لحظة استشهاده. فقد تبلورت المقاومة وترسخت كمفهوم أساسي في فكر ڠيڤارا وفي تحديد العدو ووسائل مقاتلته منذ تجربته في غواتيمالا. وقد أشرنا في فصول نشأته وعناصر تكوينه الثوري إلى العديد من العوامل التي دفعته إلى الثورة وغذّت فيه العداء للإمبريالية الأميركية وسياساتها.

معاني المقاومة عند ڠيڤارا

□ دور الجماهير: ينطلق ڠيڤارا من قناعته بأنه لا يحمل مهام الثورة ولا يحمي مسيرتها سوى الشعب الذي من أجله أصلاً قامت الثورة، ولا يملك الحق والقدرة على الحسم النهائي والمصيري في الكفاح من أجل سبيل الحرية والاستقلال ودحر الإمبريالية سوى الشعوب. قد يصل “التوازن الدولي” وصفقات الدول العظمى إلى تسوية للصراع، ولكن الحل النهائي لا يتم إلا بموافقة الشعوب ومشاركتها. ويذكر لنا التاريخ العديد من الأمثلة حين تمكنت الشعوب من شطب موازين القوى ومفاعيلها إذا ما تناقضت مع مصالحها وطموحاتها. غير أن الشعب لا يستطيع أن يحمي ثورته دون الإنسان الواعي والمتسلح بالوعي الثوري.

نسوق هنا مثالين على ما يقوله ڠيڤارا:

الأول: تسليح الكوبيين بالوعي والسلاح أثناء الغزوة الإمبريالية الأميركية الفاشلة لبلدهم وخلال أزمة خليج الخنازير[4] (17 نيسان 1961) وانتصارهم في التصدي لهذا العدوان.

والثاني: هو تقاعس الحكومة الغواتيمالية عن تسليح الشعب عام 1953 خلال الانقلاب الذي نظمته وقادته وكالة الاستخبارات الأميركية ضد الحكومة الثورية الغواتيمالية الجديدة. (انظر فصل “غواتيمالا: التجربة والمنعطف”).

أما في الحالة العربية، فلنأخذ معركة مناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني ومقاطعة منتوجاته ومنتوجات الغرب الرأسمالي الداعم له والذي يشكّل شريان حياته، وهي معركة كبيرة من شأنها أن تلحق الأضرار بالعدو الصهيوني وتشحذ الهمم وتعمق الوعي في الكفاح ضده، إضافة إلى أن هذا الشكل من النضال الجماهيري هو في جوهره مشروع تنموي يقوم على إنتاج ما تتم مقاطعته مما يجند الشعب في النضال اليومي.

□ المقاومة الشاملة وتعدد أساليبها: آمن ڠيڤارا بالكفاح المسلح ضد الإمبريالية وأدواتها المحلية، كما آمن بأنه (الكفاح المسلح) وسيلة رئيسية لتحقيق أهداف الثورة. غير أنه، على خلاف ما يُشاع في بعض الأحيان، لم يحصر أساليب المقاومة والثورة في العمل المسلح لوحده، بل رأى أن ركائز المقاومة ومبادئها وأساليبها يجب أن تتناغم مع طبيعة وظروف ساحات المواجهة مع العدو على تنوعها، ومرحلة الكفاح ومتطلباته.

فالمقاومة بمعناها الشامل ليست نمطا من أنماط العمل العسكري وحسب، فالعمل العسكري ضد أهداف العدو هو جانب من أنشطة الثورة وأساليبها ضمن عملية ثورية شاملة يكون الشعب فيها هو الحاضنة والبيئة الراعية لها، وتكون الجماهير هي صانعة القرار، كونها صاحبة المصلحة وهي التي تصنع التاريخ بدمائها وتضحياتها.

□ تعدد ساحات المقاومة: تتعدد ساحات النضال والمقاومة عند ڠيڤارا بتعدد الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وأساليب النضال وظروف المرحلة ومهامها وتحدياتها.

وقد أفاد ڠيڤارا من تجربته في هذا المجال: ففي الفترة التي أقام فيها في غواتيمالا (عام 1953)، على سبيل المثال، تجلت المقاومة عنده في الرد على الغزو الإمبريالي وبتسليح الشعب والكفاح ضد الغزوة حتى الموت. أما في الثورة الكوبية، فقد كانت حرب العصابات هي الإستراتيجية للإطاحة بالنظام الدكتاتوري الحاكم آنذاك.

□ تحديد طبيعة التناقض: تؤكد أطروحات ڠيڤارا على أن الصراع مع الإمبريالية صراع تناحري، وأنه لا إمكانية للتصالح أو المساومة معها، إضافة إلى أن الإمبريالية بطبيعتها لا ولن تقبل بذلك. ناهيك عن أن الولايات المتحدة ترى أنه من حقها تغيير الأنظمة والإطاحة بقادة الدول ورؤسائها أي قتلهم واغتيالهم.[5]

□ مقاومة الإمبريالية: بالإضافة إلى هذا الوضوح في رؤيته للعدو وتحديد أساليب محاربته بدقه، كان ڠيڤارا حاسماً في قرار المقاومة ورافضا للتراجع أو التهاون.  فقد صرّح في ديسمبر 1962، أي بعد شهرين من أزمة الصواريخ الكوبية، وفي مقابلة مع صحيفة الشيوعية البريطانية Daily Worker، بأنه لو كانت الصواريخ السوفييتية بأيدي الكوبيين لكانوا أطلقوها، مضيفاً بأنه  “في مواجهة المعتدي، فإن الخيار الوحيد هو القتال حتى الموت”. لا شك أن ڠيڤارا كان يدرك النتائج الكارثية التي ستنجم عن إطلاق الصواريخ ليس على الولايات المتحدة لوحدها فحسب، بل على العالم بأسره، وهنا يكون السؤال:  هل كان تصريحه هذا لاستفزاز العدو؟ أم إصرار على المقاومة بأي ثمن؟[6]

□ مقاومة الرأسمالية: لا فصل عند ڠيڤارا بين الرأسمالية والإمبريالية، ولم يكن يرى في الإمبريالية سوى مرحلة من مراحل الرأسمالية. وعليه كان نهجه واضحاً: إذا كنا نحارب الإمبريالية ونرفض الرأسمالية فعلينا أن نمحو نمط الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الإنتاج التي تقوم عليه، وهو ما يفتح أمامنا آفاق الخيار الاشتراكي. وإذا أردنا أن نبني الاشتراكية، فلا بدّ أن ننتج نظرية وفكراً اشتراكياً وأن نبني الوعي (الطبقي والاجتماعي والسياسي) والإنسان كحامل رئيسي لهذا المشروع.

□ أُممية الثورة… أُممية المقاومة: تابع ڠيڤارا السير على خطى لينين الذي كان قد فسّر في العقد الثاني من القرن الماضي، أن الإمبريالية مرحلة متقدمة من النظام الرأسمالي، وهذا يعني، من ضمن ما يعني، أن الصراع الطبقي على المستوى العالمي، يشكل وحدة مترابطة لا تتجزأ. وأن التضامن بين الشعوب وبين الطبقات المستغَلة (تضامن الطبقات الشعبية) ليس ترفاً ولا مجرد خيار مفضل للشعوب، بل هو ضرورة يقتضيها النضال ضد رأس المال ومصالحه وهيمنته. هذا التضامن، كما رأى ڠيڤارا وكما أثبتته التجربة الكوبية بما لا يمكن إنكاره، شرط لانتصار الطبقة العاملة والطبقات الشعبية في العالم الثالث.

لقد التقط ڠيڤارا وبدقة نافذة أن محاولات التغيير الاجتماعي الساعية إلى القضاء على التخلف تصطدم بالضرورة، عاجلاً أم آجلاً، بمواجهة كاملة مع الإمبريالية. ومن هنا أدرك أن المعركة ضد الإمبريالية كبيرة وأن مقاومتها تتطلب، بل يجب أن تكون “مشروعا” أُممياً شاملاً. وقد صرّح في يناير 1965 بعد إكماله جولة في سبع دول أفريقية في يناير 1965:”لقد أصبحت مقتنعاً أنه من الممكن تكوين جبهة عالمية للكفاح ضد الكولونيالية والإمبريالية والنيوكولونيالية”.[7]

وعندما توجه إلى إشعال الكفاح المسلح في الكونغو أولاً (عام 1965) ثم في بوليفيا (عام 1966) مستنداً إلى الكفاح المسلح وحرب الغوّار، فإنه كان يسعى إلى تحقيق حلمه الذي ناضل من أجله طيلة حياته: تعزيز الثورة الأممية من أجل مستقبل أفضل للإنسانية ومن أجل محو الفقر والاستغلال الذي شكّل مشروع ڠيڤارا الثوري ومغزى حياته.

ومن هذا المنطلق أيضاً نادى ڠيڤارا بثورة العالم الثالث ضد الإمبريالية وكافة أشكال التبعية، ورأى أن الضمانة الوحيدة لانتصار هذه الثورة هي في أمميتها حيث تنخرط شعوب العالم الثالث، وتدعمها الدول الاشتراكية (آنذاك) بوضوح ودون تحفظ ومن باب الواجب الثوري لا العمل الخيري. ضمن هذا الإطار أصبح التضامن واجباً ثورياً وليس مجرد خيار: تضامن شعوب العالم الثالث وحركات التحرر الوطني فيما بينها، من ناحية، وتضامن الدول الاشتراكية والقوى التقدمية في العالم مع العالم الثالث والدول النامية، من ناحية أخرى. وكي لا يدع ڠيڤارا مجالاً للالتباس، أضاف أنه إن لم تتضامن الدول الاشتراكية مع ثورات العالم الثالث فإنها تصبح شريكة ومتواطئة مع القوى الرجعية: “إن تمني النجاح للضحية لا يكفي، فعلى المرء أن يشاركها مصيرها. على المرء أن يشارك الضحية الموت أو النصر”.[8]

في هذه الرؤية يتجلى المسار الفكري والثوري لتشي ڠيڤارا حيث طغى الطابع الإنساني والأممي على فكره وممارسته وأسس لمواقفه من وحدة أميركا اللاتينية pan-americanismo ووحدة شعوب العالم الثالث في نضالها وتمسكه بالأبعاد الإنسانية العميقة للماركسية وإيمانه بالثورة والنضال الأمميين ضد الإمبريالية. ومن هذا المنطلق أيضاً أدرك ڠيڤارا في مرحلة مبكرة[9] من الحرب الفيتنامية أن التضامن الأممي مع الشعب الفيتنامي عن طريق خلق “فيتنامات” متعددة ضرورة تاريخية ومهمة كل الثوار في العالم.

يجمع بعض المحللين على أن نظرة ڠيڤارا الشمولية للعالم ربما تعود في جزء منها إلى خلفية انتروبولوجية، وكونه أرجنتيني الأصل وليس كوبياً، بالإضافة إلى أنه كان بعيداً عن السياسة القومية الأرجنتينية، وقد يفسر هذا لماذا كانت معاداته للإمبريالية أكثر عمقاً، في حين كان يبدو “أقل وطنية” (بمعنى الولاء لبقعة جغرافية معينة مقابل الانتماء للبشرية بأسرها) وأكثر أممية من رفاقة الكوبيين الذين التقى بهم في المكسيك.

بقي أن نقول في هذا الصدد، أنه من الملفت أن موقع ڠيڤارا الأممي يعود إلى نضاله وكتاباته ومواقفه كمقاتل غوّار في كوبا والكونغو وبوليفيا، ولكنه يجدر القول أيضاً إن إرثه السياسي – الذي لا يقل أهمية وتأثيراً وديمومة – يعود إلى الدور الرئيس الذي لعبه كأحد كبار قادة الثورة الكوبية في بناء النظام السياسي والاقتصادي – الاجتماعي في كوبا والذي ساهم في رسم مستقبل كوبا لأجيال قادمة.

□ حتمية المقاومة وحتمية النصر: كانت قناعة ڠيڤارا بهزيمة الإمبريالية راسخة ومتجذرة لا تهزها المتغيرات والتطورات السياسية. فقد قال في وصفه لانتصار الثورة الكوبية ودحر العدوان الأميركي على كوبا وخلال أزمة الصواريخ الكوبية (أكتوبر 1962) بأنها هزيمة للإمبريالية الأميركية مؤكدّاً أنها الهزيمة الأولى، ولكنها، حسب قوله، لن تكون الأخيرة.

وحين ندقق في حالة الإمبريالية اليوم، وبصرف النظر عن اختلاف وجهات النظر في الأسباب والدوافع والملابسات التي تحيط بالسياسات الإمبريالية الأميركية، فإنه لم يعد خافياً أن الولايات المتحدة قد أخذت تتراجع في ساحات عديدة وهو  تراجع، على ندرته وبغض الطرف عن أسبابه وربما نواياه الخبيثة، أمر جديد في السياسات الإمبريالية وهو ما يشكّل أرضية لترسيخ الفكرة التي ترفض الخنوع لمقولة “أميركا القادرة على كل شيء”. وقد عبّر عن هذه الفكرة ماو تسي تونغ حين نعت الإمبرياليين “بنمورٍ من ورق”، وكان ذلك قبل أن يأتي ڠيڤارا ليكرس فكره ونضاله لتأكيد قناعته بحتمية مقاومة الإمبريالية وقدرة الشعوب على هزيمتها. وكان ذلك في مرحلة سطوة الولايات المتحدة وجبروت تفوقها العسكري والنووي والإستراتيجي.

□ استمرارية المقاومة: تعتبر استمرارية المقاومة ركيزة رئيسية في فكر ڠيڤارا. وقد أكدّ مراتٍ عديدة بأنه بنفس القدر الذي احتاجت به كوبا إلى الثورة، فهي بحاجة ملحة، في مرحلة ما بعد الثورة، لتنمية المجتمع، مما استدعى من قيادة الثورة التصدي لجملة من التحديات والمشاكل نأتي على ذكر بعضها.

في البدء كانت أولية الثورة في الإيفاء بالاحتياجات الأساسية للشعب الكوبي، ثم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية للكوبيين وما تضمنته من مقارعة العدوان والحصار الأميركيين. وفي خضم هذه المعركة التنموية استشرف ڠيڤارا مهاماً وتحدياتٍ عديدة ستكون بمثابة معارك تتطلب النضال والمقاومة والمشاركة الشعبية، ومن أهم هذه التحديات:

– رفض محاكاة النمط السوفييتي في بناء الاشتراكية وضرورة مناهضة نمط الإنتاج السوڤييتي في التنمية الاقتصادية وطرح رؤيته للبديل والذي يتطلب العمل على عدة محاور أهمها خلق الإنسان الجديد والشيوعية الجديدة والأخلاقية الثورية والوعي الثوري وأطروحته حول الحوافز المعنوية والعمل الطوعي في كوبا.

– ومن أجل متابعة التغيير الثوري وبناء المجتمع رأى ڠيڤارا الحاجة إلى كسر محدوديات الدقرطة السياسية والتي اعتبرها جزءًا من نهج الرأسمالية والنيوكولونيالية.

– بالإضافة كانت هناك حاجة لإفساح المجال للشعب والأنصار كمشاركين ومؤيدين للفكر الثوري. ومن أجل تحقيق ذلك كان لابد من كسر حاجزين:

الأول، حاجز “الديمقراطية” الخالية من العدالة الاجتماعية والتي لا تملك مشروعاً وطنياً متكاملاً؛

والثاني، حاجز الماركسية الإصلاحية والدوغمائية والتي كانت إشارة واضحة ومبكرة لنقد النمط السوڤييتي في الإنتاج والبناء الاشتراكي.

□ المقاومة والتنمية: مكرراً مقولة ماركس، يقول ڠيڤارا: “لا يكفي أن نفسر العالم، هذا العالم يجب أن يتغير… على الإنسان أن ينفض عنه العبودية وأن يتوقف عن كونه أداة للبيئة وأن يتحول إلى مهندسٍ لمصيره”، وهذا يعني التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للمجتمع في مرحلة ما بعد انتصار الثورة. ولن تكون هناك تنمية لبلدان العالم الثالث دون مقاومة للنهب الإمبريالي والتبعية للمركز الرأسمالي. كان ڠيڤارا يرى، كما ذكرنا في مكان آخر، أن التخلف في التنمية ليس طبيعة المرحلة التي تسبق تطور الدول النامية وصعودها[10]، بل إن الدول النامية هي تلك التي عانت من نهب الدول المتطورة التي بنت تقدمها ورفاهية شعوبها على حساب الدول الفقيرة التي دفعت الثمن لتطور هذه المجتمعات.

في الثاني من أغسطس 1961 ترأس ڠيڤارا الوفد الكوبي إلى اجتماع Inter-American Economic and Social Council والذي عُقد في مدينة مونتيفيديو  Montevideo الأوروغوانية، وهو المؤتمر الذي سعى فيه الرئيس الأميركي آنذاك، جون كنيدي، إلى إطلاق ما أسماه “التحالف من أجل التقدم” وهو فكرة كنيدي وحيلته في الهيمنة الاقتصادية على بلدان أميركا اللاتينية. أما ڠيڤارا فكان يرى أن ما تجتاحه بلدان أميركا اللاتينية هو تنمية صناعاتها بدل أن تستلم العون الأميركي والذي سوف تستخدم دول أميركا اللاتينية في شراء المواد الخام المستوردة من الخارج وهو ما سيعود بالربح على الشركات الأميركية.

□ المقاومة الداخلية: المقاومة هي موقف الإنسان تجاه ما يحدث في المجتمع والسياسة والحياة، ورفض الواقع الظالم وما يحمله من استغلال وفقر وبؤس. وبهذا المعنى فإن المقاومة تفضي إلى حالة من الاشتباك الدائم مع الواقع المرفوض. وهنا تكتسب فكرة المقاومة أبعاداً نفسية وذاتية في موقف الفرد وخياراته ومواقفه، وسوسيولوجية أيضاً من حيث أن المقاومة هي موقف جمعي ومجتمعي. بيد أن المقاومة ليست مجرد مقولة نظرية، بل هي ممارسة فعلية ضد واقع ماديٍ قائم. وهذا يتطلب تطوير وعي الفرد وقيمه وأخلاقه، وهو ما قصده ڠيڤارا بأطروحة الإنسان الجديد. غير أنه لا يتسنى الوصول إلى هذا الشكل من المقاومة وتبلور مشروع الثورة دون الوعي النقدي والثوري. وهو ما أكدته تجارب الشعوب، أي أن الوعي الجمعي/ الاجتماعي عند الشعوب هو الأصدق والأكثر أصالة في مواجهة العدوان السافر والمباشر على حقوقها ومصالحها المادية والمعنوية.

خاتمة

لقد جسّد ڠيڤارا معاني المقاومة، فكان القدوة في حياته واستشهاده. وفي كل لحظة واجه فيها الموت أو مشقات النضال، كان ڠيڤارا ينهض بعزيمة أقوى، فالمقاومة لا توفر ضمانة للانتصار بل يبقى هناك دوماً احتمال الفشل أو الهزيمة. ولأن المقاومة عنده تعنى خيار الحياة وهويتها وجوهر الوجود وقيمته العليا، نراه يستلهم قوته من وعيه ومن إرادته ومن الطاقة الكامنة في داخله.

 لقد عاش ڠيڤارا مقاوماً بسلاحه وفكره بالرغم من الأخطاء والإخفاقات، وحتى لحظة الموت ظلّ يعيش حلمه من أجل عالمٍ آخر. من هنا نفهم استهزاءه واحتقاره للموت لحظة إطلاق الرصاص عليه. فالمقاومة لا تموت بموت الشهداء لأن موت الشهيد هو انتصاره الأزلي وهو بداية عهده، أما الفكرة فلا تموت على الإطلاق.

هكذا رأى ڠيڤارا الدنيا وأوضاع الإنسانية آنذاك، وأن المقاومة هي الخيار الوحيد بل الفرصة الوحيدة أمام شعوب العالم الثالث آنذاك، فهل اختلف الأمر اليوم؟

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

 

[1]  مسعد عربيد: “ماذا تبقى من غيڤارا؟ ، راهنية فكره وإرثه في القرن الحادي والعشرين”،  وكالة الصحافة العربية ( ناشرون)، القاهرة، 2017. ويمكن للقارئ مطالعة النص الكامل للكتاب على الرابط التالي:

                                                        

https://kanaanonline.org/category/%d8%a5%d8%b5%d8%af%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%83%d8%aa%d8%a8/

[2] Che Guevara Reader: Writings on Politics & Revolution, pp. 350-362.

 

[3] تفتح دعوة ڠيڤارا هذه للعودة إلى مناقشة المصادر المبكرة للأممية الثورية (1919 ـ 1924) في السنوات الأخيرة لحياة لينين وقبل أن يتولى ستالين قيادة الحزب الشيوعي السوڤييتي واتجاهات السياسة الخارجية للاتحاد السوڤييتي خلال عقود الحقبة الستالينية.

[4] هكذا درجنا على تسمية الغزو بالعربية نقلاً عن المصادر الغربية، أما الكوبيون فيسمونها غزو خليج غيرون Invasión de Playa Girón

[5] في أوائل ستينيات القرن الماضي، انشغل الرئيس الأميركي آنذاك جون ف. كنيدي بالتآمر ضد كوبا وثورتها وزعيمها فيدل كاسترو. للمزيد من التفاصيل حول مواقف ومؤامرات كيندي، راجع الفصلين الثامن عشر والتاسع عشر (ص 249-283) من كتاب:

 Alvarez De Toledo, The Story of Che Guevera

[6] Alvarez De Toledo, The Story of Che Guevera, p. 308

[7] Ibid., p. 280.

[8] “Create Two, Three, Many Vietnams”: A Message to Tricontinental, in Che Guevara Reader: Writings on Politics and Revolution, p. 352.

[9] صرح تشي بهذا بعد عامين من العدوان الأميركي على فيتنام الذي شهد أول فصوله في القصف الوحشي في فبراير 1965. انظر “رسالة الى العالم الثالث” التي نشرت في 16 أبريل 1967. راجع المرجع السابق.

[10] لهذه الأسباب كان ڠيڤارا يرفض مصطلح البلدان المتخلفة أو “غير النامية” undeveloped، ويعتبره مجحفاً ومهيناً لشعوب العالم الثالث.