السياسة لوعي نقدي دائم لا يتردد، عادل سمارة

استهدف بهذا كل من زعم أنه ضد التسوية وضد الاستدوال وضد أوسلو ومع التحرير، فما أكثر المواقف المتناقضة حتى للشخص الواحد من م.ت.ف وسلطة أوسلو وصفقة القرن، وهذا النظام العربي او ذاك وهذا الفصيل أو ذاك…الخ. فلا يمكن بناء مشروع وطني بعد تحطيم المشروع الوطني الذي عشنا له منذ بداية القرن العشرين.
بداية، استذكر أحد مرضى المزايدات حين كتبت في كنعان الألكترونية عام 2000 بأن المقاطعة ومناهضة التطبيع يجب ان تشمل الكيان وانظمة الاعتراف العربي بالكيان والدول الداعمة لا بل المؤسسة للكيان، ثار ذلك الشخص مؤكدا أن المقاطعة ومناهضة التطبيع يجب ان تُحصر ضد الكيان، ثم عاد والتهم الموقف كما لو كان من عندياته. لا باس، بل أورد هذا كمؤشر على ضحالة الوعي. 
ينشغل الفلسطينيون اليوم في مسألة الفساد في أوساط السلطة الفلسطينية. ومن يتابع هذا الانشغال دون سابق معرفة يتوهم بان هذه السلطة كانت من الأنبياء وتحولت إلى سلطة من الأشرار. ومع احترامي لإخلاص الناقدين الجذريين، أود تذكيرهم/ن بما يلي:
كانت منظمة التحرير تنغل بالفساد منذ تكوينها وارتشائها من النفطيات على ضوء الإذن الأمريكي، وكنتم تعرفون ذلك، وكانت هذه المنظمة تنفق التمويل المسموم على بنية بيروقراطية والانتفاخ بالإعلام مما كان يُبهِّت الكفاح المسلح ويمحو الشهداء. ومع الزمن أصبحت في هذه المنظمة شريحة راسمال بيروقراطي ما لبث ان تقاطع مع راس المال التابع /المتعاقد من الباطن مع الكيان والكمبرادور داخل الأرض المحتلة ومع راس المال المالي الفلسطيني في الخليج والعالم، وكانت النتيجة مولود مريض هو أوسلو لا يعيش إلا تحت ماكينة التمويل الاصطناعي/الريع. أي سلام راس المال حيث وجدنا البلد مثابة شركة لمنظمة التحرير يتحدد موقع كل شخص او فصيل على ضوء ما له من أسهم، والأسهم هي سياسية رأسمالها القبول باقتسام شكلاني للوطن مع العدو. وكنتم ايها السادة والسيدات ترون بأم أعينكم كيف تنتقل شركة م.ت.ف لتصبح شركة السلطة في المحتل 1967، وكان معظمكم يقاتل ليحصل ولو على سهم واحد وهو الأمر الذي اغتنمته قيادة السلطة في السنوات الأولى لتجسيد وتمرير صفقة التسوية وتجذير شركة سلام راس المال.

واقعة: بعد بداية سلطة أوسلو التقاني زميل سجن كنا معا في سجن بئر السبع عام 1970، فسألين: هل أخذت وضعك في السلطة؟ في الحقيقة فوجئت بالشكل التقني للسؤال. فقلت له شو يعني اخذت وضعك؟ قال انا مثلا حصلت على رتبة ضابط بثلاثة نجوم. قلت له ها انت في نفس محلك الخاص. قال صحيح ولكن هذ ا حقي. قلت له أنا ليس لي حقاً.

هذه الواقعة افهمتني المسالة أكثر من كتاب ماركس “راس المال”. 
وعليه، فكل من يعترض اليوم على الفساد، سواء فساد حقيقي أم غير حقيقي، هنا أو هناك عليه أن لا ينسى بأن الهدف من تمويل السلطة هو الفساد وعدم النمو الاقتصادي، ومن لا يعرف فليقرأ تقرير اللجنة الأوروبية روكارد قبل 15 سنة. من هنا يصبح لمساهمي الشركة من اي فصيل او من فصيل مثقفي الطابور السادس التمتع بسيولتها المالية “كل على قدر أسهمه”. 
إن سلام راس المال هو الخميرة الفعلية لصفقة القرن. فهو خلق وتسمين قطط سمان لن تجد أمامها من سبيل سوى السير في طريق رُسم لها عبر انتفاخاتها المالية، وهي سيولة نفطية وبهندسة امريكية ورضى صهيوني. هذه حقيقة الوضع الحالي. 
والسؤال:

هل ننشغل في فساد وظيفي لهذه السيدة أو تلك، وهذا “الوزير” أو إخوته، أم ننشغل في ضبط ، إن أمكن، كبار مساهمي الشركة كي لا يركعوا لصفقة القرن. 
فمن المخيف بل المرعب، حين يتحدث أي فلسطيني عن مؤتمري البحرين بان الحكام العرب لن يقفوا ضد فلسطين، وهؤلاء الحكام يعلنون على فلسطين الحرب. 
هذا مشهد سوريالي بالمطلق. فمن يقف ضد صفقة القرن عليه تنظيف البلد من مصالحها وأدواتها. كيف تكون في الأرض المحتلة مكاتب لجمعيات ومؤسسات ممولة من الأفعى محمد بن زايد وهو يلدغ الوطن الفلسطيني والعربي بتطبيع بكل مستوى مع الكيان ويتخيل نفسه يحكم دولة إمبريالية . والأمر ينسحب على بقية النفطيات وخاصة قطر والسعودية. 
بقي أن اشير، بهدف الاختصار، إلى التعمية التي يلقيها البعض على وعينا بأن السلطة سوف أو قد تتفكك أو تفكك ذاتها وتعيد الأمور إلى م.ت.ف! عجيب هذا القول. يذكرني بقول الراحل أحمد حسين الذي كتب: “بأن م.ت.ف مثابة جثة يتم إخراها وغسلها بالبول وعرضها حين اللزوم”. لا يا سادة، لا توجد م.ت.ف، وليغضب من يعشقوا المرحومة. إن تفككت السلطة لأي سبب كان، ستقوم سلطة لزمرة من العسكر Military Junta على طريقة زُمر أمريكا الجنوبية في السيعينات وستزعم أنها سلطة الخلاص ولملمة الوضع وتنفيذ صفقة القرن. ولا ننسى بأن م.ت.ف في غربتها قبل أن أعادتها اتفاقات اوسلو التي هي اساسا قرار امريكي-صهيوني، بعيدا عن منفخات من قالوا تحرير الضفة وغزة، هذه المنظمة قد أصيبت بكافة أمراض الأنظمة العربية فأتتنا كارثة موضوفة، وهي تحمل في أحشائها عساكر من طراز زُمر امريكا الجنوبية. 
قد يقول البعض، بأنك لم تقدم حلاً. نعم، وهذه مسؤولية من أغرقونا في هذه اللُجة. هذا مع ان الحلال بيِّن والحرام بيِّن، فليس امامنا سوى صفقة الثورة المضادة أو محور المقاومة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.