مع استمرار الحراك الشعبي في الجزائر الاسراع في حل سياسي هو الحل ! مراد المنصور

نحو قرابة الاربعة اشهر يواصل  الجزائريون حراكهم الشعبي من خلال الخروج كل جمعة من كل اسبوع في مختلف ولايات البلاد،  باصرار تام  على رحيل كل وجوه النظام البوتفليقي  تحت شعار ً يتنحاو كاع ً او يرحلوا جميعا ، ورغم سقوط العديد من رؤوس هذا  النظام ابرزها الرئيس السابق المستقيل بوتفليقة وشقيقه مستشاره السعيد وايداعه السجن العسكري في ولاية البليدة مع اخرين ، وتعهد الجيش بمرافقة الحراك وحماية المتظاهرين واحترام ارادة الشعب والدستور، واطلاق الرئيس المؤقت دعوات للحوار الا ان ذلك لم يوقف الجموع البشرية عن الخروج كل جمعة والاصرار على مطلب واحد تلخص في العبارة الشهيرة ً يتنحاو كاع ً !

يتنحاو كاع

          منذ جمعة  الثاني والعشرين فيفري (شباط) الماضي،  في سابقة لم تشهدها  الجزائر والعالم اجمع ، انطلق حراك شعبي بشكل سلمي ضد العهدة الخامسة، سرعان ما تطور في الجمعات المتوالية، الى حراك يطالب برحيل جميع وجوه النظام ، ضمن جملة صغيرة  ً يتنحاو كاع ً او يرحلوا جميعا ، اطلقها بشكل عفوي شاب خلال لقائه بمراسلة لقناة اخبارية عربية، لتصبح بعد ذلك شعارا يرفع في لافتات عبر مختلف ولايات البلاد ، الى جانب شعارات اخرى ، تطالب كلها بالتغيير ، ورحيل النظام ، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، وناهبي المال العام،  وراهنت في بداية الحراك الشعبي  بعض وجوه النظام التي سقطت بعد ذلك على فشله وعدم خروج الجزائريين مجددا خلال الجمعات التالية، غير ان الجزائريين لم يتوقفوا بعد ذلك واصروا على مطلبهم برحيل جميع وجوه النظام التي شاركت الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة  الحكم منذ مجيئه في العام 1999، تحت الشعار الشهير ً يتنحاو كاع ً، واظهر الجزائريون اصرارهم حتى خلال شهر رمضان ، حيث لم يتوقفوا عن الخروج الى الشوارع  كل يوم جمعة تعبيرا  منهم عن رفضهم لبقاء نفس وجوه النظام، ومطالبين بالتغيير الشامل، والى غاية اليوم يواصلون التظاهر في الشوارع عبر مختلف ولايات الوطن في مشاهد تعد سابقة في تاريخ التظاهر عبر العالم، حيث شكل الحراك الشعبي الجزائري صورا لفيسفاء جميلة، غلب عليها الطابع السلمي ، واظهر خلالها الجزائريون وعيا كبيرا، وانهم تجاوزوا كثيرا وعي الاحزاب السياسية التي حاولت ركوب موجة الحراك وكان مصيرها الطرد ، كما اظهروا اصرارهم التام على مطلبهم برحيل جميع وجوه النظام، ورفض كلي للحكومة الحالية  المؤقتة،  والرئيس الحالي المؤقت ومعه دعواته للحوار !

الحراك عاجز عن ايجاد توافق حول قائد له  !

         وفي مقابل  استمرار  الحراك الشعبي الجزائري كل جمعة ، من كل اسبوع،  بمواصلة  الجزائريين  فيه الابداع في رسم لوحات مثالية في التظاهر السلمي عبر شوارع البلاد ، ورفع لافتات المطالبة بالتغيير ورحيل النظام، ظهر ان ذات الحراك عاجز حتى الان، عن ايجاد توافق حول شخصية سياسية لقيادته ،  حيث تم الاعلان عن بعض الوجوه والشخصيات السياسية، كمرشحين مفترضين لقيادة الحراك ،  قبل  ان يظهر معدنها المعادي لتوجهات الشعب، حيث لفظها الحراك ، وفيما كان قسم كبير من المتظاهرين ينتظرون  تجاوبا ايجابيا من المرشح لرئاسيات 99 قبل ان ينسحب منها انذاك احمد طالب الابراهيمي غير ان توقيعه لبيان مع اثنين اخرين احدهما جنرال متقاعد ، جعل اسهمه تسقط ،  قبل ان يستدرك لاحقا عبر بيان وقعه وحده بان حالته الصحية لا تسمح له ، وظهر ان الحراك عاجز  بشكل صريح عن التوصل الى التوافق حول شخصية سياسية معينة ، لقيادته، رغم مرور قرابة اربعة اشهر عن انطلاقه،  حيث في كل مرة يتم رفع اسم قبل ان يسقط بعد ذلك ، بالموازاة مع ذلك ، انبثقت حركة سياسية من رحم الحراك اطلقت على نفسها حركة عزم يقودها شباب ، قالت انها تستند في افكارها على قيم وافكار بيان نوفمبر (تشرين ثاني) 1954، مع العلم ان لافتات كثيرة تحمل شعارات جزائر نوفمبرية باديسية ، تم رفعها خلال الحراك ، ومع تواصل الحراك ظهر ايضا انه يعرف بعض التشتت خاصة مع رفع بعض الوجوه المحسوبة على المعارضة بطاقات حمراء في وجه قائد الجيش الفريق قائد صالح  تطالبه الرحيل ، او الاذعان لمطلبها بتشكيل مجلس حكم انتقالي دون المرور عبر الانتخابات ، غير ان هؤلاء يشكلون اقلية صغيرة ضمن السواد الاعظم من الحراك الشعبي الذي عبر عن تأييده ومباركته لما يقوم به قائد الجيش من خطوات في سبيل حماية الحراك ومرافقته وتأييد مطالب الشعب.

الجيش يتعهد بحماية المتظاهرين واحترام الدستور

ولم يكن الحراك الشعبي الجزائري وحده الذي ابهر العالم بسلميته وصنع الاستثناء، بل صنع ايضا الجيش الاستثناء في المنطقة العربية، وظهر اكثر حكمة عبر التعاطي مع مطالب المتظاهرين، ومرافقة حراكهم ، وحمايتهم، وفي هذا السياق تعهد قائد الجيش الفريق قائد صالح بانه لن تراق قطرة دم واحدة في وسط المتظاهرين، وانه مع مطالب الشعب ، في اطار الدستور، كما طالب بالحوار من اجل التوصل الى حل سياسي ، وهو ما جعل المتظاهرين في كل انحاء البلاد يرفعون لافتات تقول الجيش والشعب اخوة ً خاوة خاوة ً، وظهر بعد ذلك ان بعض الوجوه السياسية  التي تطالب برحيل قائد الجيش تغرد خارج السرب ، وتحاول تشتيت الحراك من اجل مصالحها ، يحدث ذلك في الوقت الذي تم  فيه توقيف العديد من وجوه النظام البوتفليقي كشقيق الرئيس المستقيل السعيد بوتفليقة ومدير المخابرات السابق واخرون بتهمة التامر على الجيش وعلى امن البلاد ، كما تم توقيف رجال اعمال في سياق محاربة الفساد ضمن حملة اطلق عليها الجزائريون ً المنجل ً ، وقاموا بمباركة الخطوات التي يقوم بها الجيش ، واعلنوا تأييدهم لقائده الفريق قايد صالح ، و يقومون بالثناء على ما يقوم به ، وينتظرون بترقب كبير خطبه كل اسبوع في اعقاب كل جمعة .

المنجل يواصل حصد الرؤوس !

ومع استمرار الحراك الشعبي ، ورفع ايضا لافتات من قبل المتظاهرين تطالب بمحاسبة  رجال الاعمال والمسؤولين الحكوميين الفاسدين  الذين نهبوا المال العام واستولوا على الاراضي والعقارات ، انطلق ما اتفق الجزائريون  على تسميته بالمنجل في حصد رؤوس الفساد  ورعاته والجهات المتآمرة على  الجيش و امن البلاد ، حيث تم في البداية توقيف رجل الاعمال الشهير علي حداد وبعده ايسعد ربراب ، ثم الاخوة كونيناف ، كما تم توقيف مستشار الرئيس السابق شقيقه السعيد بوتفليقة الى جانب الجنرال المتقاعد توفيق ، ومدير المخابرات السابق طرطاق، كما تم ايضا ايداع زعيمة حزب العمال لويزة حنون السجن العسكري في ولاية البليدة غرب العاصمة الجزائر ، كما تم توجيه استدعاءات للاستماع والتحقيق ونزع الحصانة البرلمانية ، للوزير الاول السابق ورئيس ديوان الرئاسة احمد اويحيى امين عام حزب الارندي والوزيرين السابقين ولد عباس والسعيد بركات ، الى جانب وزراء ومسؤولين اخرين ، ويتابع الجزائريون ذلك باهتمام كبير ويتفقون جميعا على ان الجيش يقوم ميدانيا بتجسيد مطالب المتظاهرين الخاصة بمحاسبة المفسدين والفاسدين من رجال اعمال ووزراء ومسؤولين.

الرئيس المؤقت يواصل تمسكه بمنصبه برغم فشله !

يحدث ذلك في الوقت الذي لازال فيه الرئيس المؤقت عبد بن صالح يواصل تمسكه بمنصبه برغم انه احد الوجوه التي يصر الجزائريون على رحيلها ، حيث خرج في خطاب جديد اكد فيه مواصلة مهامه الى حين انتخاب رئيس جديد للبلاد ، وقام بالدعوة الى الحوار مجددا رغم انه فشل في حوار اول لم تحضره سوى وجوه وشخصيات سياسية لاتحظى بتاييد الجزائريين ومعروفة بانها تقتات من موائد السلطة ، كما فشل في تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كان منتظرا إجراؤها في الرابع جويلية (تموز) القادم قبل ان يتم الغاؤها مع العلم ان الجزائريين اعتبروا  خطابه الجديد لاحَدَثاً (لا شيء) وطالبوه مجددا بالرحيل في اول جمعة اعقبت ذلك .

التنازل مطلوب من جميع الاطراف !    

         مع استمرار الحراك الشعبي ورفع نفس المطالب التي اصبحت معروفة ، واصرارالرئيس المؤقت على بقاءه في منصبه، وتكرار قائد الجيش تاكيده على ان اي حل سياسي يجب ان يتم في اطار الدستور ، نبه كثير من المراقبين  الى ضرورة الاسراع في ايجاد حل سياسي وهو الامر  الذي كان  قد نبه اليه اولا قائد الجيش في احدى خطاباته، بينما خرج وزير سابق  للتربية  بالقول ان عبارة ً يتنحاو كاع ً التي يرفعها المتظاهرين ، في اعقاب صرخة حماسية من طرف احد الشباب، غير معقولة، وغير منطقية، وتساءل عمَّن هم هؤلاء الذين يجب ان يرحلوا جميعا ؟ ! ، ويتفق كثير من المراقبين ان تقديم تنازلات من كل الاطراف والاسراع في ايجاد حل سياسي هو الحل الانسب للخروج بالبلاد من ازمتها الحالية.

:::::

“الشروق”، الجزائر

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.