مناهضة التطبيع بل تذويت الإستشراق BDS نموذجاً، عادل سمارة

متأخرون في بلورة الخطاب والموقف؟ نعم. ولكن لا بأس ببعض الوضوح لاستجلاء الطريق على الأقل بعد اليوم. أحد أشد تناقضاتنا هو : هل يمكن العمل في الغرب الراسمالي وهو عدو باكثره بنفس الخطاب الذي نعمل به داخل الوطن من فلسطين إلى مورريتانيا؟ ومن الطرف الذي عليه التكيف مع الآخر؟ نحن في الوطن الممتد أم الذين يعيشون في القطر الثالث والعشرون-الشتات ؟ هذا هو السؤال الصعب.

درج الغرب بخطابه المركزاني المهيمن على إصراره لتحويلنا إلى مستشرقين يبتلعون موقفه ورؤيته لنا كي نتصرف كما يريدنا، أن نستشرق ذاتياأي  تذويت الاستشراق بما هو هندسة من الخارج وإعادة هندسة في الداخل. ومع أن الراحل أنور عبد الملك هو أول من كتب نقدا ماركسيا للاستشراق؟

  Orientalism in Crisis Anouar Abdel-Malek First Published December 1, 1963, https://doi.org/10.1177/039219216301104407

Volume: 11 issue: 44, page(s): 103-140  Issue published: December 1, 1963

أي قبل كتاب إدوارد سعيد: الاستشراق  بقرابة  13 سنة، وجرى طمس الرجل لأنه لم يتكيف مع الماكينة السياسية والأكاديمية والإعلامية الغربية، ليأتي بعده الراحل إدوارد سعيد ويقدم دراسته للاستشراق وتتم إحاطته بالمباركة الغربية لأن دراسته كانت نقدية أدبياً واستشراقية سياسيا.

 ليس هنا مجال التحليل للكتاب ولا لإرث سعيد (أنظر مقالتنا المطولة :إدوارد سعيد بين ديالكتيك النص والطبقة في مجلة كنعان العدد 140 لعام 2010)  وكذلك انظر(  نقد الثقافوية البرجوازية الكولونيالية في  أطروحات إدوارد سعيد، إعداد ومساهمة عادل سمارة، وأحمد حسين وآخرون، مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2000 ).

 ولكن سعيداً وضع جملة كانت لغما في الكتاب جوهرها يناقض نقده للاستشراق بينما الجملة دعوة واضحة للتحول كما يريدنا الغرب وهي: “أنا لا انتحب على تبعية العرب لأمريكا ولكن على معاملة امريكا للعرب” . اي أن التبعية شرعية ولكن على امريكا أن تكون أكثر نعومة في معاملة التابعين. واضح أن الغرب لم يستمع لسعيد، وأشد الوضوح ما يقوله ترامبو لبن سعود الحالي: Pay, King, you have to pay ، وبالطبع يدفع الرجل ولا يتفوه بكلمة واحدة!

 كان الراحل صادق العظم أول من نقد سعيدا في هذا، وذلك في مقالة طويلة اسماها “الاستشراق معكوسا” ( أنظر مجلة Khamsin, no.8  التي كانت تصدر في لندن. ولكن الكارثة أن العظم، وخاصة في علاقاته بدوائر اكاديمية، وربما سياسية في المانيا، تحول لصالح العولمة، ولاحقاً وقف مع الحروب ضد سوريا وهبط ليعود مدافعا عن الطائفة السنية، كما يفعل أمثاله دفاعا عن الطائفة الشيعية! ليصبح ضمن الطابور السادس الثقافي. وألمانيا تتصدر اليوم شراء المثقفين العرب من جهة، وتتصدر الترويج والدعم للكر-صهاينة في سوريا.

إذن ، ما يريده الغرب هو أن نتحول إلى مستشرقين في وطننا. وهنا كان لإدوارد سعيد إنجاز وكارثة:

الإنجاز أنه شرح الاستشراق جيدا  بالمعنى الأكاديمي والأدبي خاصة ، ولكن ليس الثوري كما فعل أنور عبد الملك الذي لم يتماهى مع المؤسسة الغربية الرأسمالية العدوة مع انه عاش في فرنسا كما عاش سعيدا في أمريكا.

والكارثة أن سعيدا هو نفسه استشرق. ولم يكن ذلك فقط عبر عبارته أعلاه، بل حول فهمه وموقفه من فلسطين إلى رفض الكفاح المسلح، واحتقار القومية العربية، ومدح السعودية، والاعتراف بالكيان والدعوة للحوار المتواصل مع أدوات الكيان والدعوة لمشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست التي على الفائز بها أن يقسم يمين الولاء للكيان، وزار الناصرة 1996 داعيا الجمهور لانتخاب عزمي بشارة لعضوية الكنيست…الخ(وهناك بالمناسبة وجه شتيمة مبطنة لصادق العظم، ولم يدر سعيداً أن العظم سوف يهوي)  ، هذا دون ان نعود إلى ما كتبه بنفسه في كتابه بالإنجليزية “عزة اريحا اولا

 )   Peace and Its Discontents: Gaza – Jericho, 1993-1995 Paperback – September 14, 1995, by Edward W. Said  (Author), Christopher Hitchens (Foreword)

حيث كتب فيه بانه حمل رسائل من الإدارة الأمريكية من 1969 إلى ياسر عرفات،  وطبعا هو وافق ان يعينه عرفات عضو في المجلس الوطني الفلسطيني وهو المجلس الذي لم يتم انتخابه . تخيل! برلمان بالتعيين، أي مجلس أعيان لوطن محتل تماما!!!! وخلال عضويته أخذ ياسر عبد ربه إلى أمريكا، كما أذكر عام 1991، ليفتح بوابة أوسع ل م.ت.ف مع الإدارة الأمريكية فيكون بعدها تسونامي أوسلو.

على ضوء مواقفه هذه أبرزه الغرب وأحاطه بهالة هائلة وخاصة بعد كارثة أوسلو، وبدا كما لو كان ضد اوسلو.

هذه هي الخلفية التي يصر الغرب على ان نعمل بموجبها، وهذه هي الخلفية التي تقود جماعة بي دي أس، bds  خلفية تذويت الاستشراق اي الاستشراق الذاتي، اي العمل والرؤية للصراع كما يريده الغرب ويراه.

لذا، لا عجب أن تقوم هذه الجماعة بتحويل سعيداً إلى ايقونة، فهي تقتفي بحاسة شم هائلة لما يحبه الغرب فتهواه.

إدوارد سعيد وفي تأكيده على استشراقيته أنشأ مع الصهيوني الأرجنتيني/الألماني من اصل يهودي  دانييل بارنباوم فرقة موسيقية تطبيعية التكوين البشري والأداء، فيها من العرب وحتى  سوريين، لا اعرف إن كانوا يعيشون هناك بعد أم لا،  ويرأسها فخريا ملك إسبانيا، وبارك بارنباوم هذا عدوان الكيان على غزة 2008-9، وكتب يشتم عرفات في مقالة عنوانها “مات الطاغية عاش الشعب”. ومع ذلك أعطته سلطة رام الله بعد ذلك جنسية فلسطينية، واستقبله لاحقا إسماعيل هنية في غزة!

وفي عام 2010 قرر معظم أعضاء مجلس بلدية رام الله تقديم القصر الثقافي لنفس فرقة بارنباوم-سعيد هذه ولم يعترض سوى الرفيق كامل جبيل، اي وافق على ذلك أعضاء من حماس والشعبية وفتح والديمقراطية ومن خارج المجلس جماعة حزب الأنجزة (المبادرة الوطنية الفلسطينية) ورُفعت دعوى ضدي لأنني طلبت وحذرت المجلس من التطبيع مما قد يعطي فئويين فرصة ليؤذوا سمعة رام الله البلد  فقام المجلس وخاصة نائب الرئيسة “يساري؟؟؟”  بشكوى ضدي كي اعتذر او ادفع مليون دينار، باعتبار أنني ملياردير وأقبض مثلا من جورج شورش Soros  كبير مضاربي التاريخ وداعية ما تسمى “الماركسية الثقافوية بدعم امريكي” الذي تغلغل مؤخراُ في الإعلام المحلي برام الله!!!!!!. وحين اجتمعت الفصائل لنقاش الموضوع لم يقف ضد منح القصر الثقافي لفرقة التطبيع، أي دعما لموقفي، سوى ممثل منظمة الصاعقة-حزب البعث- وممثل الجبهة الشعبية وتم منح القصر للفرقة.

هذه المهادنة للتطبيع سواء من العديد من الفصائل الفلسطينية وخاصة المنضوية تحت مظلة اتفاقات أوسلو، أو بي دي اس  أو  ما تسمى “اللجنة الوطنية العليا ضد التطبيع” طبعا من أعلاها؟ لا ندري!  هي التي وضعت  جماعة بي دي أس  في موقع “الشرعية”! وأخذ كثيرون يقيسون عليها ويستشهدون بها! سواء من غزة، حيث يتخصص أحدهم في تشويه اليسار مما يُرضي حماس عنه، وطبعا يستند في مباركة التطبيع (تبرير حادثة المصري حمزة) على ما كتبته جماعة بي دي سي! أو في رام الله حيث يدور جدل فقهي في تعريف التطبيع بعد سبعة عقود على اغتصاب فلسطين وأكثر من قرن على سايكس-بيكو! وهو جدل الغزل بين من يُغري بالتطبيع ومن يلومه!

بقي أن نشير إلى أن من ينشطون في الشتات ليسوا ملزمين بالنداء بالكفاح المسلح، ولكن على الأقل، أن لا يستشرقوا. وأعتقد ان عليهم رفض دخول مطبعين إلى الأرض المحتلة، أو ان لا يباركوا ذلك. يمكن في الشتات الحديث عن حقوق الإنسان وانتهاكات الصهيونية لشعبنا، ولكن من الجريمة بمكان  أن ينخرط من في الشتات في تاييد التطبيع. وإذا كانت العلاقة بالسياسة في الغرب أن يتحول الفلسطيني والعربي إلى مطبعين، فلا داع لدور سياسي لمن هم في الشتات.

إن الاستفادة من تجربة اليهود في الغرب بمعنى، طالما أنت مواطن مثلا في المانيا  تحمل جنسيتها فلماذا لا تنخرط في البنية السياسية هناك، اي في القوى التقدمية أو اليسارية…الخ وخدم من خلال ذلك قضيتك، وكذلك قضايا الطبقات الشعبية في المانيا نفسها، وتتصدى مع الألمان ضد العنصرية والنازية والصهيونية…الخ. قد يقول البعض بأن من هم ضد الصهونية قلة، لا بأس، لأن الانعزال والانحصار عن المجتمع يقود إلى التحوصل والتعرض للنقد. طبعا، هذا ليس توجيها، وإنما اقتراحاً.

وهنا، أود التذكير بالجريمة  الرسمية العربية بعد هزيمة 1967 الداعية لإزالة آثار عدوان 1967، وهذا الأمر الذي طغى على وغطى اغتصاب فلسطين 1948 مما جعل إعادة طرح الصراع انطلاقا من اغتصاب 1948 من الصعوبة بمكان ترحه وتفهيمه خارج الوطن، ولكن لا بد منه.

وعليه، فإن “تغنجات”  بي دي اس وأمثالها والحديث عن دولة واحدة و/أو دولتين جميعها تطبيع يُقوِّض الحق الفلسطيني الأساسي في تحرير وطنه وعودته.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.